المسؤولية، الإنجاز، وروح التحدي
حين نضن على الآخرين، ولا نمنحهم فرصة المشاركة في أعمالنا فإننا نميت فيهم أمرا مهما وهو تحمل المسؤولية، والمسؤولية إذا تلاشت عن الشخص فإنه لن يؤثر الجد على الراحة ولن يتخلى عن الملذات ليحقق مقاصده، فاضمحلال المسؤولية يورث في النفس حب الكسل وعدم الرغبة في المثابرة والكد والسعي الدؤوب في الإنجاز.
الإحساس بالمسؤولية يبدأ منذ نعومة أظفار الإنسان، فهو يربى على حب المسؤولية وتحملها منذ صغره، ومن لم يمارس المسؤولية منذ الصغر تراه يتوارى عن الأنظار ويذهب بعيدًا وما ذاك إلا تهربًا من تحمل المسؤولية، من فقد المسؤولية ولم يرغب فيها فقد أضاع لذة المغامرة والتحدي التي هي روح الإبداع، ولك أن تسأل: أي قيمة للحياة أن يعيش المرء فيها لاهيًا غير مبالٍ بشيء ولا مكترث لأمر؟ إنها حياة أشبه منها بالفناء.
إذا أردت أن تكون فعّالًا: حين تقع في مشكلة لا تبحث عن المسؤول ولكن ابحث عن الحل.. رأيت النملة، هذا المخلوق الضعيف، حين تسقط منها ما تحمله لا تبحث عن المسئول في إسقاط ما تحمل؛ بل تعود تحمل حملها وتذهب لإنجاز ما تصبوا إليه.. نتأخر كثيرَا ونخسر كثيرَا حين نمكث نبحث عن المسئول ولا نبحث عن الحلول.
حين أذهب لأخذ ابنتي من الدرس تتأخر عليّ في الخروج .. إذ كانت هذه الفترة بالنسبة لها فترة ممتعة، فهي تجدها فرصة لتلعب من صديقاتها، ولم أرغب أن أفسد عليها متعتها، فوجدت حلًا يحقق لها المتعة ويحقق لي الفائدة، أخذت معي كتابًا اقرأ فيه وقت انتظارها حتى تخرج بنتي متى ما شاءت، فكنت أحيانًا أتعمق في القراءة حتى لدرجة أقول في نفسي: ليت ابنتي تتأخر قليلًا.
كان بإمكاني أن أحملها مسؤولية التأخر وأن أجبرها على الخروج مباشرة، ولكن وجدت أن البحث عن الحل أفضل من البحث عن إلقاء المسؤولية على عاتق ابنتي، فصارت لحظات الانتظار هي لحظات استثمار.
من رام عملاً وأراد أن ينجزه فهو أحوج ما يكون لحماس دائم لا ينقطع، فالحماس يزيح الخمول جانبًا، ويضاعف الجهد، والأعمال قبل أن تتخذ لابد أن يضع في النفس لها حماسًا يليق بذلك العمل، يكون حماسًا معتدلًا يبعث في النفس قوة تدفعه على المسير وإن طال الطريق.
وآفة الحماس وداءه أنه سريع الخبو، فغالب من يبدأ في عمل ما يكون متحمسًا متلهفًا في البدء؛ وما أن يسير قليلًا في العمل إلا وتبدأ شعلة الحماس تنطفئ تدريجيًا حتى تتلاشى كليًا، وسبب هذا أن المرء لا يبحث عن مثيرات تحفزه وتجعله في حالة توقد وتألق بل يكتفي بالإثارة الأولية التي حدثت له سابقًا. وهنا لابد من الإشارة إلى أن الحماس حين يثور في النفس فلابد أن يصان ويحاط برؤية متكاملة واضحة تمنعه من الانفلات وتحفظه من الهمود والسكون.
أي شيء تريد أن تحققه وتنجزه لابد أن تأخذه من باب التحدي، فالتحدي يدفعك ويحفزك لتحقيق ما تريد.
لا تقل: لا أقدر أو مستحيل … قانون النجاح يقول: إذا قدر غيرك فأنت تقدر … وحتى لو لم يقدر غيرك فأنت ستقدر بأذن الله تحقق مال يحققه الآخرون… فقط كن في حالة تحدي.
كن دائما في حالة تحدي كي ترتقي.
السعادة، القلق، والتحكم في الذات
هناك من يعيش حالة نقص تقدير الذات، يركز فقط على السلبيات، يشعر بالدونية أو عدم الكفاءة، دائما يخامره شعور لا ينقطع: لماذا لست سعيدا؟
السعادة أن تعيش لحظتك الآنية بارتياح، حين تكون سعيدًا في لحظتك الآنية فإنك ستزيد من فرص سعادتك المستقبلية، لا تهتم كثيرًا بالتحديات التي تواجهك، فهذه طبيعة الحياة، هي سلسلة مستمرة من تحديات وصعوبات، التحديات لا تنتهي إلا حين تقف تماما، استمتع بلحظاتك دون ازدراء لذاتك، ودون ترقب للحظات السعادة، فلا تجعل قيمتك مرتبطة بإنجازاتك، فقد لا تحقق إنجازا، فهل يعني هذا أن تفقد تقديرك لذاتك وتفقد سعادتك؟ كلا.
لا تخف كثيرًا من المستقبل، فقد لا يأتي الذي تخاف منه، فالأوهام حين تسيطر على مشاعرك تفقد سعادة اللحظة، وانس الماضي فلا تجعله يقلقك كثيرًا، فالماضي قد رحل، فقط استثمر الماضي كتجربة عملية في تجاوز الأخطاء المستقبلية.
السعادة هي اختيار، وكذلك التعاسة، السعادة تكمن في القرار الذاتي في اختيارك .. فقط قرر أن تكون سعيدًا .. ولا تنتظر السعادة أن تطرق بابك، فالسعادة لا تأتي لمن لم يستدعيها .. السعادة ليست بعيدة عنك بل هي بين جوانحك .. فقط أتاح لها الفرصة أن تنطلق.
نصف السعادة يكمن في تكفيرنا .. والنصف الآخر في رغبتنا أن نكون سعداء .. الأحداث السيئة المحيطة بك اجعلها تقويك تمنحك الحكمة تزيد تجربتك ولكن لا تجعلها تصلب سعادتك، الأحداث السيئة لا تمنعك من الابتسامة إلا إذا قررت أنت أن لا تبتسم. دائم تذكر أننا نحن مسئولون عن سعادة أنفسنا أو تعاستها وليس شيء آخر.
نريد التقدم ولكننا لا نريد ضريبة هذا التقدم، وضريبة التقدم هو: القلق والمعاناة. فالقلق هو قرين التطور والتقدم، لذلك كان من طبيعة الحياة المدنية أنه كلما أوغلت في المادية والتقدم كلما أثقلت كاهل الإنسان وشعر بثقل المادة بين جوانحه. ولكن هل لنا أن نمنح أنفسنا التقدم في الحياة وننفي عنها القلق المصاحب للتقدم؟
الحياة المادية قاسية وجافة، ونفي القلق لا يكون بالمادة ولكن بأمر يناقض المادة ويعلو عليها. فمن أراد التخلي عن القلق فعليه أن يسكب في روحه الطمأنينة والسلام بنور الإيمان، وينفي القلق عن نفسه بضياء القرآن، فإن لم يفعل فسيعمر قلبه بالهم والضيق والشقاء، وسيعيش في تيه كئيب لا يعرف أين يضع قدمه.
كلنا نحدث أنفسنا بأحاديث شتى، نثرثر كثيراً مع أنفسنا، ثرثرة لا تنتهي، والأمر الغريب أننا لا نسئم من هذه المحادثة الذاتية، بل نجد لهذا الحديث لذة ومتعة تزداد جاذبية وقبولاً إذا أسرفنا في حديثنا مع أنفسنا وذهبنا بعيدًا عن عالمنا الصغير.
وأنا أحيانا أبتلي بهذا الحديث، وخصوصا حين تكثر إشغالي ويزداد الحمل عليّ، فينصرف فكري يهمس لي بأفكار لا تنتهي، أعجز أن أسكته، فاستسلم له وأدعه يثرثر بأحاديث لا طائل من وراءها ولا غناء فيها، وغالبا ما أكون واقعا بين أمرين: إما أن تصيبني هذه الأفكار بالإجداب والجفاف فلا أقوى على إنتاج فكرة ولو كانت صغيرة، أو أجد خصوبة وإثمارا فتتوالد الأفكار تباعًا حتى لا أكاد أمسك منها شيئًا. والأمر الذي لا مفر منه أننا سنبقى نحدث أنفسنا ويظل السؤال الصعب: كيف نتحكم في هذا الحديث الذاتي؟
ربما أصعب اللحظات على بعض الأشخاص هو أن يمكث مع نفسه، يحاورها ويناقشها، ويخاطبها مخاطبة الصديق ويجادلها مجادلة العدو، فهو يرى هذه اللحظات لحظات مريرة يعجز أن يجلس مع نفسه لحظة صدق، بل يتهرب منها كتهرب الفريسة من الوحش الضاري، إذ قد استقر في نفسه أن الحديث مع النفس مرهق ومتعب ومؤلم وأن المخرج من ذلك هو تركها والبعد عنها، ففي تركها ترك للألم وراحة للفكر والبال.
ولكن هل يجدي الهروب من النفس؟ هل تجاهل الذات راحة لها؟ هروبك من ذاتك يعني أنك لست منسجم معها، وفقدان الانسجام الذاتي هو الشعور بالتمزق، وكلما ازداد تجاهل الذات ازدادت المتمزقات والشقوق حتى لا يأنس الإنسان بنفسه، فيستوحش أن جلس لوحده، ويصيبه القلق الضيق، قلق من محاورة نفسه وضيق منها إذ لا يقدر على البعد عنها .
الخلوات تفتح لك باب معرفة نفسك، وإذا عرف المرء نفسه وضعها في الموضع التي تستحق وأكرمها، وإذا جهل نفسه أذلها ولم يضعها في موضعها المناسب لها، ليكن لك لحظات لا يشاركك فيها أحد، تمكث فيها مع نفسك لتحقق وجودها فيك، وتحقق وجودك فيها، فأجمل التوافق هو التوافق مع النفس.
حين ننظر في المناطق المظلمة فلن نرى النور من حولنا.
التطور الفكري، الثبات، والأمل
ما مدى التطور الفكري التي يمكن أن تصل إليه البشرية؟ هل التطور الإنساني إلى ما لا نهاية أم أن هناك نقطة يتوقف عندها التطور الإنساني؟ غالبا أي فكرة نراها ما نلبس بعد حين إلا ويضاف لها تعديلا وتحسينا، فما نراه أن الأفكار لا زالت تتطور وتنمو، ولو تصورنا الوضع بعد مئة سنة فماذا سيحدث لهذه الأفكار الموجودة حاليا؟ هل ستتلاشى كلها وتتحول لأفكار أخرى أكثر تطورًا؟
الذي يبدو لي أن بعض الأفكار قد تستمر في التطور ثم تصل لمرحلة يصعب تطويرها، فالعقل البشري مهما بلغ من القوة والقدرة فهو محدود وليس مطلقًا، وبما إن العقل البشري محدود فسيكون إنتاجه محدودًا ولن يكون مطلقًا أبدًا. وهذا يعني أن الإنسان سيصل لمرحلة يقف فيها التطور الفكري في كثير من المجالات ويصبح التطور في حدود ضيقة قد تكون في هوامش الأشياء وليس في لبها.
وأنا أعلم أن الجدل في هذه المسألة كبير، فهناك من سيرى خلاف ما ذكرت، ويرى أن التقدم البشري لن يقف عند نقطة معينة، فكل تقدم يدفع لتقدم آخر وهكذا، والمعرفة تراكمية، فالجيل اللاحق يستفيد من الجيل السابق ويزيد عليه ما أمكن اكتشافه، ولكن هذا يعني أن المعرفة التراكمية هي معرفة مطلقة لا نهاية؟ هذا غير صحيح لأن منتج المعرفة الذي هو العقل هو محدود، ولا يمكن للمحدود أن ينتج لا محدود حتى ولو كان الأمر بصورة تراكمية جمعية.
ولكن هل يستلزم من حديثي أن المشكلات البشرية ستنتهي لأن غالبًا أن تطور الأشياء هو نتيجة مشكلة ما، فالمشكلات هي دافعة للتطور والتغير. أقول: لا يستلزم قولي هذا؛ فالمشكلات باقية في البشرية، بل كل منتج له مشكلته وكل فكرة لها سلبياتها، ولكن يصل العقل لمرحلة يقف عاجزًا عن حل مشكلاته يكتفي بالمعايشة مع مشكلاته والتي سيقل عددها بسبب قدرة الإنسان على حل كثير منها.
يومك إذا كان صورة متكررة لأمسك، فأنت لن تقدم جديدًا لغدك. ثبات صورة الأيام لدى المرء يعني ثبات التجربة والخبرة، فالخبرات تستمد من السعي والمغامرة، والحياة إن لم تكن مشحونة بالحركة والتغيير والمغامرة فهي حياة رتيبة لا ينفك عنها الملل والسأم. كل شيء في هذه الحياة يتحرك حتى الجو تجد الذرات التي تكونها تكون في حركة، الحركة تعني التغيير والتجديد، وهي مقدمة الحياة والإبداع، والسكون والثبات مقدمة العدم والفناء.
المرء إن لم يكن في ذهنه توالد للأفكار وينتقل دوما من فكرة لأخرى، ويجعل أفكاره تتداعى فيما بينها وإلا حرم روحه لذة الانطلاق في هذه الحياة، كم يحزنني كثيرًا تفننا في تكرار أفكارنا وعجزنا وقلة حيلتنا في إنشاء الأفكار وكأن الحياة لا جديد فيها، إن جمود حياتنا هو من جمود أفكارنا، وجمود الأفكار هو نتيجة لعدم التأمل والتفكر والتحرر من أغلال التقليد.
حين يشتد الذعر لا يبقى إلا الأمل تتشبث به النفوس، وقد تذهب رياح الذعر هذا الأمل، فالنفس أن فقدت الأناة وطال عليها الأمر فارقها الأمل وتكدر عيشها ولم ترض بما هي فيه، وأصبحت في قلق وملل، يخنقها اليأس فلا تبتهج ولا تبتسم إذ ما تراه ظلامًا حالكًا بشعًا، وهذه النفس إن بقيت هكذا فلا ترجو منها أن تضيء شمعة تبدد الظلام، أو تفتح كوة يدخل منها النور فهي حبيسة يأسها سجينة خوفها.
من انتهى أمله فلن يرى ضياء الشمس، ولن يرى الجمال في الأفق، فالأمل إذا رحل من النفس سكن الإنسان واستسلم لقدره وانتظر فناءه، ففقدان الأمل هو فقدان للحياة، وبعث الأمل في النفوس هو بعث للحياة، وما كان سر المصلحين في قدرتهم على الإصلاح والتغيير إلا أن الأمل كان يشتعل في نفوسهم، فكانوا يشعون بوارف النور فيمن حولهم، فلم يرضوا أن يتسلل اليأس إلى قلوبهم، فأمران لا يجتمعان: اليأس والإصلاح.
في تزكية النفس والتسويق للذات
من أضر ما يكون على المرء أن تختلط لديه التصورات، وتتشوه عنده الإرادات، وهذا هو حقيقة “مرض القلب” أن يرى الحق على خلاف ما هو عليه، فلا يكون لديه التصور الصحيح للحق، وتتشوه لديه الإرادة فلا يريد الحق؛ بل يبغضه ويبتعد عنه.
ومما يساعد على ذهاب “مرض القلب” هو التوجه الصادق لله تعالى، وأن يخضع قلبه لمراد الله تعالى، وأن لا يعتمد على تصوراته للحق، فالقلب المريض لا يدرك الحق، فعليه أن يسأل عن الحق كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: “هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإن شفاء العي السؤال” فشفاء قلبه هو أن يخرج من قلبه، ولا يعود لقلبه حتى يطب ويزيل ما علق به من شبهات وشهوات.
التسويق للذات هل يتناقض مع قوله تعالى: «فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى» فالآية الكريمة تنهى عن أن يتحدث المرء عن نفسه في مجال الخير، فيقول: أنا صليت وصمت وتصدقت فزكى نفسه، فيشهد لها بالخير، والتسويق للذات هو أيضا حديث عن الذات والثناء عليها؟
قد يحدث هذا اللبس عند بعض الناس فيتصور أن التسويق للذات يتضمن تزكيتها، فلا يتحدث عن نفسه البتة مخافة أن يكون في حديثه عن نفسه تزكية لها، وليس الأمر كذلك، فالتسويق للذات هو أن يظهر ويعلن الإنسان مواهبه وقدراته وإمكاناته للآخرين كي يثبت وجوده ويستفاد من قدراته، فالقصد من التسويق للذات هو أن يعرف الآخرين ما لديه من قدرات فيضعونه في المكان اللائق به كما قال يوسف عليه السلام “إني حفيظ عليم”، بينما التزكية المقصودة في القرآن المراد منها هو تبرئة النفس من المعاصي، فبينهما فرق. والتسويق مطلب وخصوصا في هذا العصر ولكن المهم في التسويق للذات أن لا يكون هناك كذب حتى لا يكون فيه غش وخداع للآخرين، ويكون كلابس ثوبي زور.
في تقدير الآخرين وتقلّب النفس
لماذا يتعين علينا الانتظار حتى يموت الشخص ليقال شيئًا لطيفًا عنه؟ يحق لكل إنسان قدم شيئًا جميلا أن يحظى بالتقدير .. مما يجهله كثير من الناس أننا نرتدي شارة وهمية قد كُتب عليها: “أرجوك اجعلني أشعر بأني مهم”. من سوء الخطايا أن تحجب ثناءك عندما ترى شخصًا ما، وخاصة الأطفال، يقوم بأشياء عظيمة ومشرفة. ولكن حين تراه يفعل شيئًا خاطئًا، فإنك تقفز إلى حنجرته لتكتم أنفاسه. هل فكرت يومًا كيف أنك ام تؤذي أبدًا أحدًا إيذاء جسديًا أو تقوم بحرمانه من الطعام والشراب، ولكن في كثير من الأحيان ودون تحفظ ولا مبالاة، تقوم بإيذائه عاطفيا أو حرمناه من الحب والتقدير؟ يجب أن نجعل من عادتنا اليومية إعطاء مدح حقيقي لشخص ما كل يوم. لا تنتظر سببا للمديح أو حدوث شيئا كبيرا. كن كريما بمديحك، فليس هناك ما تخسره.
النفس من طبعها التقلب وعدم الاستقرار، فإن بقيت على حال أصابها الخمول والملل، وما بقاء الفكر في حالة تفكر دائم إلا هروبًا من حالة الاستقرار، وما زفرات النفس وتأوهاتها وحسراتها إلا خوفًا من السكون والاستقرار، فالنفس إن لم يكن لها جناحين تحلق متى ما شاءت وإلا عادت كئيبة عابسة قد فقدت إرادتها وحريتها.
نفوسنا ماكثة بين جوانحنا، فإن قصصنا جناحيها ومنعناها من الانطلاق فإننا نجرعها غصص الهم، ونلبسها الغم والحزن، ومن شقاء المرء أن يحبس نفسه ويقرنها في الأصفاد، فقد خلقها الله لطيفة رقيقة لا تقوى على القيد ولا تقدر على الحبس، خلقها حرة خالية من عوالق الدنيا فاجعلها كما خلقها الباري حتى تبقى راضية مطمئنة، وإن كان امتاع النفس ورضاها بخلوها من أغلال الحياة فلا تتفنن في جلب أثقال الحياة لهذه النفس الرقيقة اللطيفة، فشقاء المرء بقدر تمكنه من استدعاء أعباء الحياة وإرهاقها.
في الحضارة والتاريخ
حين كتب ابن خلدون عن المحن والأهوال التي تعرض لها المغرب العربي، نزف قلمه عبارات فيها من الحزن والألم، ما جعلني أشعر بهذا الحزن الذي طال مكثه .. قال رحمه الله: “وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض، فبادر بالإجابة، والله وارث الأرض ومن عليها. وإذا تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث، فاحتاج لهذا العهد من يدوّن أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها، والعوائد والنحل التي تبدلت لأهلها”.
مالك بن نبي رحمه الله يرى أن أي حضارة تمر بمراحل ثلاث .
: 1. مرحلة الروح : أو نقطة البداية والانطلاق …في فجر كل حضارة تكون مع ظهور فكرة دينية.
. 2 مرحلة العقل : وهي إلي يتعامل فيها الإنسان مع المادة أو عالم الأشياء ، وهنا تخفت جذوة الدفعة الروحية الأولى و تختل معادلة (الفرد=المجتمع)
3 مرحلة النفس : وهنا تنطلق الغرائز وتفسد النفس، ويفقد الناس القدرة على التعاون والاستفادة من الوقت واستغلال الأرض، ويصل المجتمع إلى ما يطلق عليه “قابلية الاستعمار”.