في طبيعة الفتوى والاجتهاد
مما أوقع كثير من الناس في حيرة والتباس فيما يتعلق بالفتوى هو اختلاف الفتوى وتباينها وعدم إدراك الناس طبيعة الخلاف، وما زاد في إرباكهم أن بعض المفتين يفتي مجرداً من غير ذكر الدليل ولا التعليل، وهذا قد يُلبس على السائل فهم الفتوى على وجهها الصحيح، وبعض المفتين يتجه إلى سد الذرائع بصورة عالية دون فتح مخرجا مشروعا للسائل مما يوقع السائل في حرج، وهناك النقيض من ذلك من يفتي بالرخص والحيل، مما قد يجعل السائل يقع في المتشابهات . الفتوى أمرها خطير ودقيق للغاية، فلا يكفي معرفة الحكم الشرعي بل لابد من معرفة الواقع الذي يفتي فيه، فالفتوى تتطلب معرفة الزمان والمكان والأحوال والعادات، فصور الوقائع تتغير مما يتطلب تغير الفتوى كي تحقق المقصد الشرعي. الأمر يتطلب التريث وعدم الاستعجال في إصدار الفتوى حتى تتبين المسألة من جميع جوانبها، فاستفراغ الجهد ضرورة في الفتوى.
ليس شرطا حين تبحث في مسألة فقهية أن يكون همك رفع الخلاف، وحسم مواد التنازع، فهذا أمر عسير. ولكن ليكن همك هو الوصول إلى نتيجة ترى أنها هي الأصوب، وأنها الأقرب للحق. الخلاف باقي في الناس ولن يرتفع، فما اختلف فيه الأسبق سيبقى النزاع فيه قائم، وهو أمر طبيعي في المسائل الفرعية، لذلك كان من المهم لمن خاض في مسائل الخلاف أن يتسع صدره ولا ينفر من الخلاف، ويتخذه فرصة للاتساع المعرفي وفرصة أخرى للتيسير.
متطلبات طالب العلم في العصر الحديث
كان قديماً يكفي طالب العلم أن يكون بصيراً بالعلوم الشرعية لمعالجة قضايا عصره الفكرية، بينما اليوم تعقدت المعرفة وتداخلت بين الشرق والغرب وأصبح طالب العلم بحاجة ماسة لمعرفة الثقافة الغربية ولو في أصولها كي يكون قادراً على فهم الواقع الذي يعيشه، فالأفكار الرائجة اليوم والمناهج المعرفية المتداولة هي أفكار ومناهج غربية، ونحن لضعفنا اكتفينا بإعادة تدوير هذه الأفكار والمناهج دون قدرة على تفكيكها وتمحيصها. طالب العلم اليوم مطالب أن يغترف المعرفة من ثقافتين، ينهل من العلم الشرعي حتى يرتوي، ثم يتذوق الفلسفة الغربية والثقافة العصرية حتى يجد حلاوتها ومرارتها، فلا يقرأ العلم الشرعي بعيدا عن عصره، ولا يقرأ ثقافة العصر منفصلاً عن هويته، وإنما هي قراءة ثنائية تتمازج فيما بينها ليكون قادراً على تقديم حلولاً للمشاكل المعرفية العصرية بصورة منسجمة مع ثقافتنا وتصوراتنا مع الحفاظ على هويتنا المعرفية.
في تقلبات الزمن وجمالية التحدي
لم يعد الكبير هو الوحيد الذي يقول: “تبدلت الدنيا وتغيرت”؛ بل حتى الصغير تجده في معرض حديثه يذكر لك تبدل الزمن وتحوله. فالزمن في هذا العصر لا سكون له ولا استقرار، فما تراه اليوم وتستأنس به تجده في الغد قد تغير وتبدل واستحال لشيء آخر، فتجهد نفسك لتألفه وتأنس به، حتى إذا أعتدته وآنسته تغير وانقلب، فعدت جاهلاً بدهرك لا تعرف زمانك وكأنك في زمن غير زمنك. هذا التقلب والتغير لم يقتصر على الزمن، فأفكار الناس وآرائهم أصبحت سائلة لا شكل لها، تتغير دوماً مع تغير الزمان، وصار الناس يصوبون ما كان يرونه خطأ، ويخطئون ما كان يرونه صوابا، ويكرهون ما كانوا يحبون، ويحبون ما كانوا يكرهون، فالنفوس ألفت التبديل والتغيير، وكرهت الثبات والاستقرار، ولك أن تسأل: من الذي جعل الناس في بحث دائم عن التجديد والتغيير؟ هل هي الفطرة البشرية أم شكل الحياة المعاصرة التي أصبح العالم فيها قرية صغيرة؟ لا ريب أن الأسباب عديدة متداخلة، ولكن كما يبحث الإنسان دوما عن الجديد فهو بحاجة ماسة للثبات والاستقرار في كثير من شؤون حياته كي لا يعيش في حالة قلق واضطراب.
تخيل أن الماء المتدفق من الجبال ينحدر دون أن يقف في طريقه شيء، ولا يمنع من جريانه حاجز، يسيل في جميع الاتجاهات دون أي موانع، فهل سيكون لجريانه نفع وحُسن؟ إن وجود حواجز في طريقه تجعله يقف فتتكون منه بحيرة تتكون على جنباتها النباتات النضرة والأزهار المورقة، فيكون للماء حُسناً وجمالا تخلب الألباب، وما كان ليحدث هذا الجمال لولا وجود الموانع في طريقه. تخيل حياة لا عائق فيها ولا صعاب ولا عراقيل هل سيكون لها جمالا وملاحة وبهجة؟ لا ريب أن لذة الحياة ستذهب وستفقد الرغبات، فالموانع هي التي تشكل في النفس التحدي، والتحدي يشحذ الرغبات فتكون المقاومة والطموح عندها تجد للحياة معنى يغري الإنسان على حب الحياة. فزوال الموانع والحواجز هو زوال لقيمة الحياة وجمالها.
النفس البشرية بين الوصف والتحرر
وصف الأشخاص أصعب ما يكون فإما أن يغلو المرء في الوصف ويضخم الأشخاص ويبالغ في التقدير، وإما أن يبخس الآخرين ويحقرهم ويضائل في التقدير، والإنصاف عزيز، ولعل قلة الإنصاف نابعة من التحيز الذي يرى الشخص به الآخرين، فكل رؤية للآخرين تنطلق من معتقدات وتصورات يتحيز لها المرء تجعله إما أن يغض الطرف عن محاسن الشخص أو أن يبدئ الفضائل والمآثر ويزيد عليها. وغالباً أن أي شخص يصف الآخرين يرى نفسه أنه عادلاُ في وصفه نزيها في رأيه وأن حكمه حق، ولو تأمل قليلاً في أعماق ذاته فربما يجد أن خلف هذا الوصف هدفاً قد يكون نبيلاً أو غير نبيل، ولكن لغموض النفس ولصعوبة التعمق فيها فإنه يقف عند ظاهر الحال ضانا بصدق المقال. التحرر من خداع الذات ورؤية الأمور والأشخاص كما هي يتطلب جهداً نفسياً يتغافل عنه كثير من الناس.
دوماً ما أتساءل: ما سر موت الضمير؟ لماذا يموت الضمير لدى أشخاص ويكون لدى آخرين حيا يقظا؟ ما سر هذا؟ كل جواب اقترحه أجده ملوما ناقصا، ورأيت أن حياة الضمير هي هبة ربانية يهبها لمن يشاء، وليست هذه جبرية ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء.
في لحظات تذكرك لماضيك، قد يصيبك بعض الندم لأمور فعلتها وتود في لحظة تذكرك أنك لم تفعلها، وهذا أمر طبعي، فالإنسان دائماً في حالة تغير وتبدل، فما كان يراه سابقاً رأيا صائبا يراه لاحقاً رأيا خاطئا، فالإنسان ليس كتلة جامدة صلبة لا تتغير، بل الأيام تغيره والتجارب تصقله، ومهما بلغ من العمر فسيرى رأياً ويقول لاحقاً: ليتني لم أفعل كذا وكذا.. فالعقل لا يعرف لحظة كمال أو استقرار، فالنقص سمة لازمة للإنسان.
تأنيب الذات لا يفيد كثيرا لمن أراد التغيير والتطوير، المهم هو اكتشاف الأخطاء الماضية ومحاولة تجاوزها وعدم تكرارها دون كسر للنفس وتحطيمها.
التحدي، الإرادة، والتحرر من الوهم
هناك من تصب منه الحياة، فيعيش في شظف من العيش متنكداً من قسوة الحياة متألماً من غلظة الزمان، تنتقل به الشدائد من شدة لأخرى، ومع ذلك تجد ثغره باسماً، وصدره رحباً، ترى جمال الحياة ينبعث من ناظريه، فتطربه ابتسامة طفل، أو تغريدة طائر، فشدائد الحياة لم تنل من روحه، بل لا زال مطمئن الفؤاد ساكن القلب لم تزده قسوة الأيام إلا رضا وقناعة. جمال الحياة وقبحها، وشدتها ولينها، تنبعث من ذواتنا، فشراسة الحياة هي نتيجة استسلامنا وضعفنا، فحين تضعف مقاومتنا وتنهار عزيمتنا فإننا لا نرى إلا الجانب المظلم من الحياة، فننهار وننكسر، ولا نشعر حينها بأشعة الحياة الدافئة المتدفقة في عروقنا، فضعفنا وعجزنا حجب عنا جمال الحياة وحسنها، ومن طبيعة الحياة أن البشاشة لا ترتسم فيها إلا على الوجوه القوية الثابتة، ولا تنكشف حجب الأمل ويتلألأ الزمان ضياء ونورا إلا لمن تماسك وتصابر أمام قسوة الحياة.
أحياناً يجري على ألسنتنا قول: حظي تعيس. وهي تقال غالباً حينما يفشل المرء في أمر فإنه يرد فشله وإخفاقه للحظ، ولا يقول: أخطأت في كذا بسبب تخاذلي أو عدم معرفتي الخ. ولكن يُلقى الأمر على عاتق الحظ الذي أصبح يئن من أحمال الناس التي يرمونها على عاتقه، ومن شقاء الحظ وبؤسه أن البشرية جعلته يحمل عنها كل عيب. لا يمكن أن يدرج “الحظ” في الأسباب، فلا يقال: من أسباب النجاح الحظ. فهذا تعلق بأمر مجهول لا نعلم عنه شيئاً إلا بعد تحقق الأمر أو عدم تحققه. والأسباب لا ترتبط بأمر مجهول لا يُعلم، والعجب حين يخفق المرء يذكر أن سبب إخفاقه هو “الحظ”، والحظ أساسا لم يكن من الأسباب! إن وضع الأسباب الحقيقية في الفشل والنجاح هي من أدق الأمور وأصعبها، لذلك كان معرفة الأسباب أمر ضروري لمن أراد أن يحقق النجاح ويتجاوز الإخفاقات.
من الآفات التي قد يبتلى بها الإنسان هو التردد الخوار، فلا يكاد يجرؤ أن يعزم على أمر إلا ويفكك هذا العزم بتردده وتلجلجه، فإن قدم خطوة رجع عشرا خوفا وحيرة، فالشك يساوره في كل شيء يتخذه، فيمضي وقته في المفاضلة والمقارنة حتى ينتهي به التردد إلى إيثار التخلي والترك. تجد المتردد دوماً في حالة ندم وخوف، نادماً على الفرص التي تركها بسبب تردده، وخائفا من الأقدام لتناول الفرص التي تلوح بين يديه، قد استولى عليه التذبذب فكف وأحجم عن فعل ما يغير حاله، فمخيلته الخصيبة تولد له الذرائع والأسباب ما تجعله مرتبكا ملتبسا بين الأقدام والإحجام. ولا شيء أذهب للعمر وأضر للمرء من أن يبقى حبيس تردده، يعيش دهره لائماً نفسه مستقبحاً ضعفه وعجزه.
الجمال، الحضارة، والتغيير المجتمعي
لا يمكن فصل الحضارة عن الجمال، فالجمال سر من أسرار نشوء الحضارات، وسر ذلك أن القبيح يثير الضيق في النفس؛ فتذهب النفس للتحسين والتطوير بحثاً عن الجمال، ثم ما تلبث أن تألف ما حسّنته وأبدعته، فتضيق مما اعتادته فتتطلع لشيء أجمل، وهكذا دواليك فتبقى في حالة اختراع وتطور في سلسلة لا تنقطع، فكان الجمال شرطا للتطور والتقدم. ولو ذهبت عينك للعالم الأقل تطوراً لرأت ما تشمئز منه النفس ويثير الغثيان، فهي تزين القبيح وتجمله، قد فقدت الحس الجمالي أو هي لا تبالي، فلا تعتني بجمال المأكل والمشرب ولا المسكن والملبس همها وغايتها أن تعيش كيفما اتفق. ولعلي لا أجرؤ أن أقول: أن التخلف له علاقة بالقبيح، فالعلاقة ليست عكسية، فالحضارات المتقدمة لا تنفك عن وجود قبح في زواياها ولكن ما يميزها أنها دوماً تسعى وراء الجمال وتنفر من القبيح فتكون في حالة تقدم وتطور دائم.
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” فجعل القرآن الكريم التغيير للقوم مرتبط بالتغيير الجماعي وليس بالتغيير الفردي… فتأمل.
تأملات في التجربة والتدريب
الأحداث التي تمر بك قد لا تجدها في الكتب، التجارب الذاتية هي أعمق وأوفر سعة من الكتاب. وهذه ليست دعوة لترك الكتاب ولكنها دعوة لأن نكون أكثر وعياً لفلسفة الحياة.
الدورات التدريبية أسلوب حديث في عملية نقل المعلومة، وبناء المهارة، وتغيير القناعة، فالمدرب يبذل جهده كي يبني المهارة في المتدرب، ولكن أحيانا يخفق المدرب في تحقيق هذا الأمر، وربما أن سبب ذلك عائد إلى عدم الاستعداد الفطري لدى المتدرب في التقبل، فتأخر اكتساب المهارة لا يعود بسبب نقص في التعلم والمران وإنما لغياب الموهبة لدى المتدرب، وهنا تكمن الصعوبة وهي بناء القدرات فيمن قدرته ضعيفة وهذا أمر شاق. وقد يعود السبب أيضا للمدرب حيث يجعل الدورة التدريبية شبيهة بالمحاضرة، فتقل مشاركة المتدربين ويكتفي المدرب بإلقاء المعلومات دون ممارسة “تدريبية” لهذه المعلومات والخبرات. مما يضعف عملية التدريب أن المدرب أحياناً تكون قناعته ضعيفة، فيمارس التدريب وهو غير مرتو ولا متشبع بما يلقيه فحتماً سيقل تأثيره. وكذلك يضعف عملية التدريب الاهتمام الكبير بالشكليات الهامشية دون الاهتمام بالمتدرب نفسه، فالإبداع في التدريب هو أن يبقى المتدرب دائماً في حالة تفاعل وممارسة مستمرة كي يكتسب المهارة.
حكاية الشعر وعراقته
من طرائف ما قرأت، أن هناك من يزعم أن أول من قال الشعر آدم، كتبه باللغة العربية في رثاء ابنه هابيل. وإن إبليس رد على آدم بأبيات مماثلة، وباللغة العربية. والأبيات التي ذكرها آدم هي:
وَجَاوَرَنا عَدوٌّ لَيْسَ يَفنى، … لَعِينٌ لا يَمُوتُ فَنَسْتَريحُ
أَهابِلُ! إن قُتِلْتَ، فإنّ قلبي … عَليكَ اليَومَ مُكْتَئبٌ قَريحُ
فرد إبليس عليه بهذه الأبيات:
تَنَحَّ عنِ الجِنانِ وساكنيها، … ففي الفِردَوْسِ ضَاقَ بِكَ الفسيحُ
وَكُنْتَ بها وزَوْجَكَ في رَخاءٍ، … وقلبُكَ من أذَى الدّنيا مَريحُ
فَما بَرِحَتْ مُكايَدتي ومَكري … إلى أَنْ فاتَكَ الثّمَنُ الّربيحُ
ولَولا رَحَمةُ الرُّحَمنِ أَمْسَى … بِكَفِّكَ مِنْ جِنانِ الخُلدِ ريحُ
ولا أعلم ما سبب وضع هذه الأبيات ونسبها إلى آدم عليه السلام وإبليس، هل يريد أن يؤكد عراقة الشعر العربي؟ أما يؤكد أن للشعر قيمة فهو ولد مع البشرية ابتداء؟