في فهم الأسباب والتفكير المنهجي
من الأخطاء الشائعة في التفكير الاعتقاد بأن هناك سبباً واحداً فردا لكل حادث… غالباً كل قضية أو مشكلة أو حدث له عدة أسباب يندر أن يكون هناك سبباً واحداً، لذلك ابتعد عن وضع سبب وحيد لأنك بذلك لن تصل لمعرفة لحل المشكلة. . .
………………………………………………………………………..
العقل دون تحصيل المعرفة يكون فريسة للأوهام والخرافات … قديما كان الصينيون يعتقدون أن سبب حدوث الكسوف هو أن تنينا ضخما ابتلع الشمس، لذلك يهرع السكان مترابطين معا ليعملوا ضجيجا بقدر استطاعتهم كي يخيفوا هذا التنين. ودائما يعتقدون أنهم انتصروا على التنين لأنهم يرون زوال الكسوف .
لو استمر الإنسان على جهله لاستمرت معه خرافته وضلالته، لذلك كان من أجمل ما أتى به الإسلام هو تحرير العقل من الخرافة، وجعله يبحث عن الأسباب الحقيقة من وراء الأحداث .
في النفس والذات والبحث عن الهوية
لا تحكم على نفسك بصفات ثابتة يصعب تغيرها، فإنما أنت كالنهر الجاري، يصفو تارة ويتعكر تارة أخرى، ويتسع في مكان ويضيق في مكان آخر.
حين تجد صفاء النفس وانشراح الذات فاعرف أسباب ذلك الصفاء وذلك الانشراح، وعاود الأسباب وكررها حتى تبقى نفسك في حالة صفاء دائم وانشراح مضطرد .
………………………………………………………………………..
نبلغ من العمر عدد سنين ولم نعرف ما نريد . . .
نحقق رغبات غيرنا لأننا لا نملك رغبة ذاتية تحركنا و تقلقنا . . .
نسعى لتحقيق وجودنا عن تحقيق وجود الآخرين . . .
نبتعد عن نلوم ذواتنا لأنه ليس لدينا ذات نلومها، ونلوم الآخرين لأن نرى لديهم ذات لها إرادات ورغبات . . .
لو رحلنا في أعماق ذواتنا ومكثنا ننقب فيها لوجدنا مآسي ومآزق ومضايق أشدها ضيقا أننا لم نجد ذواتنا . . .
معرفة النفس حقيقتها وأبعادها ورغباتها وطموحها أثقل ما يكون على النفس لأن فحص الذات أمر قاسي ومرير ولا كل إنسان يصبر على مرارة اكتشاف الذات .. ولكن لا بد منه لمن أراد أن يكون له ذاتا لها وجودها . . .
الخوف والقلق والوحدة
الخوف وليد الجهل
. ـ هرمان ملفيل
………………………………………………………………………..
تمر بك أيام تشعر فيها بان كل شيء يثقل على صدرك
الذين يحبونك والذين يكرهونك
والذين يعرفونك والذين لا يعرفونك
تشعر بالحاجة إلى أن تكون وحيدا كغيمة
أن تعيد النظر بأشياء كثيرة،
أن تعود إلى ذاتك مشتاقا لتنبشها وتواجهها بعد طول هجر
أن تفجر كل القنابل الموقوتة التي تسكنك .
- غادة السمان
المعرفة والمعلومة في العصر الحديث
أزعم أننا نتلقى يوميا “معلومات معرفية” قد تقارب ما يتلقاه الطالب في يوميه المدرسي، فميزة هذا العصر هو انتشار المعلومات وتداولها وإتاحتها للجميع، فلم تعد قضية توفر المعلومة مشكلة بل أصبحت المشكلة هو فرز هذه المعلومات وتصنيفها وجعلها في سياق فكري منتظم .
كثرة المعلومات وانتشارها خفف من درجة انتقادها، فغاب في الحس ” النقد المعرفي ” للمعلومة، فتدفق المعلومات جعل المرء في حالة إرباك، حيث غالباً أن هذه المعلومات ليس بينها ترابط أو علاقة؛ بل حتى لا يوجد بينها انسجام، فبينما تأتيك معلومة حزينة تكاد تمزق القلب أسى وحرقة تعقبها مباشرة معلومة أخرى مبهجة مطربة يكاد القلب يطير هناءة وغبطة وهذه الطريقة مشوشة للعقل محيرة للفكر.
توالي المعلومات بشكل كثيف تشعر الفرد بالاكتفاء المعرفي وأنه لم يعد بحاجة للبحث عن المعرفة فالمعلومات تأتيه تباعا؛ ولكن في حقيقة الأمر هذه الطريقة هي تجهل أكثر من أن تبصر، فالمعلومات التي يتلقاها الفرد مبتورة لم تكتمل، ولم تبن على سياقات معرفية متآلفة فيما بينها فيكون قارئها في حالة فقدان للمعرفة أكثر من اكتسابها .
والشيء المحزن، أن هذه الآفة لم يسلم منها أحد، فهي ضربت لازب على أهل هذا الزمان، فقد أصبح الناس في حالة استعجال دائم، فهم يريدون معلومات مختصرة مقتضبة فلم يعد يرغبون في المعلومات المسهبة، بل يفضلون الموجزة وإن كانت عرجاء كسحاء على الطويلة وإن كانت مستقيمة سوية، فالإيجاز والاختصار هو قيمة وسمة هذا العصر.
ميزة البناء المعرفي أنه لا يتم إلا بالبحث والتنقيب وطول النفس والصبر وهذه الصفات، في الغالب، أصبحت مفتقدة، فتضرر العقل المعاصر بأنه عجز عن تكوين السرديات أو التعامل معها، وأصبح عقلاً آنيا لحظياً يلتقط ما يجده من معرفة تاركاً النقد والتحليل، فهمه هو نيل معلومة أخرى أياً كانت تلك المعلومة .
وهنا يبرز سؤال: هل المعلومات بحد ذاتها مطلب، أم أن المعرفة هي المطلب؟ والفرق بينهما أن المعرفة منظومة مكتملة من المعلومات بمقدماتها وسياقاتها، بخلاف المعلومات المتناثرة فهي كأوراق دفتر ممزقة لا تجد فيها صفحة سليمة صالحة. وفي هذا العصر اشتغل كثير من الناس في قراءة هذه القصاصات دون ضم بعضها لبعض، فلا يقرأون صفحة مكتملة، المعرفة لا تتحقق إلا بتكامل المعلومات وترابطها في نسق واحد، أما تناثرها وتمزقها فهو تمزق للعقل وضياعه .
الهوية والاحتكاك الحضاري
الاحتكاك بالحضارات الأخرى، وخصوصًا إذا كانت هذه الحضارة متفوقة ماديًّا وإعلاميًّا – يُظهر أزمة هوية؛ حيث يكون هناك رغبة في الاندماج في هذه الحضارة القائمة المسيطِرة، مع رغبة في الحفاظ على الهوية؛ لذا تبرُز أسئلة عدَّة لدى العقل المسلم: مَن نحن؟ لماذا نحن متأخِّرون حضاريًّا؟ ما سبب تأخُّرنا؟ فتكثر الأسئلة حول الأنا، وحول الآخر؛ كي يَبحث عن ذاته، محاولًا اكتشاف الذَّات، واللحاق بالآخرين، وتقليص الفارق المادي .
قد تضعف الهويَّة الإسلاميَّة لدى بعض المجتمعات دون بعضها الآخر، ولكن أن تذوب الهوية؛ فهذا لا، ولم، ولن يكون؛ لأنَّ هذا الدِّين محفوظ بحفظ الله، وقد تكفَّل الله به. لذا من المهمِّ جدًّا ألَّا ننكسر من الداخل؛ فنحن الأعلَوْن، الأعلون منهجًا وفكرًا وإرادة؛ (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
الحياة وتقلّباتها
الحياة لا تقف، وكل شيء إلى زوال، وهذه سنة الله وسنن لا تتبدل . . .
من سنن الله تعالى، أن الحياة لا تعرف السكون والثبات فهي في حركة مستمرة، وفي تغير دائم، “كل يوم هو في شأن”، فيرفع أقواما ويخفض آخرين، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعافي ويمرض، ويضحك ويبكي، فلا شيء يبقى على حال.. وقد قيل: دوام الحال من الحال .
وإذا كانت هذه الحياة في تغير دائم، فلا تجزع ما بك من ضر وبلاء، وما سبب قلق الناس وجزعهم إلا ظنهم أن الأمور لا تتغير، فيظنوا أن ما أصابهم هو ضربت لازب لا انفكاك منها.. ولو تأملوا قليلاً لعلموا أن كل شيء سينقضي ويزول، وستتغير الأحوال، ويذهب ما بهم من هم وغم وضيق . .
وما أجمل ما قيل:
ما بين غمضة عينٍ وانتباه *** يُغيّر الله من حالٍ إلى حالِ.