“حمير الحوري“
قصة متكررة الحدوث:
شاب في العشرينات من صعدة، ينضح بالحيوية والشباب والجهل أيضا!، يشاهد ويستمع لزوامل وأناشيد حماسية وتحريضية، وضعت في سياقات تدعو للأنفة ورفض الضيم والظلم والعدوان كما يراد لها أن تعرض، واستجابة منه لتلك الإيحاءات والمعاني العاطفية والنفسية التي تحتشد في مضمون تلك الزوامل والأهازيج، ودون إدراك لأبعاد الصراع وسياقاته السياسية والمذهبية، يلقي ذلك الشاب بنفسه في جبهات القتال تأثرا بزامل ونشيد صاغته جماعة سلالية متحالفة مع نظام فاسد وعميلة لدولة صفوية حاقدة!.
هذه القصة ليست مقدمة إنشائية لا أساس لها من الصحة، بل إن الواقع يصدقها ويؤكدها، فكثير ممن التحق بجماعة الحوثي كان دافعهم لذلك ما يسمعونه ويشاهدونه من تلك الزوامل والأناشيد التحريضية الممتلئة بكل صور التزييف والخداع الإعلامي والنفسي، ولعل هذا ما يفسر وجود عدد غير قليل من الأطفال والشباب ومن هم في سن المراهقة في صفوف هذه الجماعة العنصرية.
من حيث الواقع قد يرى البعض أنه يحق لأطراف النزاع أيا كانت توجهاتهم، أن يستخدموا كل وسائل التحريض والإثارة لنصرة قضيتهم، وهذا صحيح فعلا وواقع بطبيعة الحال، لكن لا يعني ذلك أيضا أن الزوامل والأناشيد يباح استخدامها لنصرة قضايا من حيث الأساس باطلة، كما أنه لا يعني ذلك أن تتضمن التشجيع على سلوك طائفي وعقائد منحرفة، بهدف إحداث اضطرابات مجتمعية وتهديد السلم الاجتماعي والفكري.
وقد تتبعتُ جُملة من تلك الزوامل والأناشيد التي تنتجها آلة الإعلام الحوثي ودائرة التوجيه المعنوي في الجماعة، وخرجتُ بمجموعة من السمات والصفات التي تتصف بها هذه الزوامل والأناشيد سواء كانت مسموعة أو مرئية، ألخص بعضها في هذه النقاط:
• زوامل تعتمد على إبراز صفات الرجل العربي والاعتزاز بالانتماء الوطني، بحيث يتم وضع هذا المعنى في السياق الكلي للزامل والنشيد، الهادف لقصر هذا المعنى على (أنصار الله) دون غيرهم!.
• ربط صفة الجهاد والاستشهاد وتعزيز الصورة الذهنية في عقلية المستمع حول ذلك، بحرب الجماعة لمخالفيها، وتقديم من قُتل منهم على أنهم (رجال الله) وأولياء الإمام علي رضي الله عنه.
• كثافة الإنتاج لتلك الزوامل والتكرار لمعاني محددة وصور مقصودة فيها وبشكل مكثف، وما ينتج عن ذلك من أثر يدفع المستمع دفعا للتأثر وتصديق ما يرد على ذهنه منها مع مرور الوقت.

• أداء فني وتصوير موسيقي وبصري عالي الدقة، يحفز النفس ويلعب على وتر العاطفة وتغييب المنطق عبر جذب الانتباه وإثارة الاهتمام، ولهذا نجد الكثير من مخالفي الجماعة والرافضين لها يستمعون لتلك الزوامل لمجرد الاستمتاع والترويح عن النفس!.
• لغة التحريض والعنصرية والتضليل فيها صفة مشتركة وسمة بارزة وهذا يعكس طريقة تفكير الجماعة وسلوكها العنصري ونظرتها الاستعلائية للمخالف!.
• ترميز قيادات الجماعة وتقديمهم في سياق بطولي، وما يحدثه ذلك في ذهن المتلقي العادي من معاني الاحترام والتقدير لها!.
• ربط مشاهد التدريب والقتال وعرض صور تضخيمية وخادعة عن قدرات الجماعة القتالية اثناء بث تلك الزوامل، وما ينتج عنه من أثر سمعي وبصري على المشاهد العادي!.
• استغلال كل المناسبات الدينية والوطنية وصياغة الأناشيد والزوامل فيها، ونشرها وبشكل مكثف عبر مختلف وسائل الإعلام .
قد لا يدرك الكثيرون خطورة هذه الزوامل والأناشيد ويعتبرونها مجرد أداء عاطفي خادع، غير أن الحقيقة الاجتماعية تقول أن الجماهير والمجتمعات عاطفية بطبيعتها، وأنها تتأثر بما يلقى عليها حتى وإن كان عاطفي وغير منطقي!، وإن أجيالا من الشباب وفئات من العوام سينشئون على سماع هذه الزوامل ومعانيها، وقد يعتنقون مع مرور الوقت ما يرد على أذهانهم من معتقدات ومعان تضمنتها تلك الزوامل والأناشيد، ولهذا ندرك الحكمة البالغة للشرع، في النهي عن سماع من يخوضون في الباطل ويزينون المنكر ويصورون الأمور على غير حقيقتها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.