“د/ احمد الغامدي“
| شكسبير يتنبأ بمصير السيسي د/ احمد الغامدي1/16/2016اشتهر عن الروائية البريطانية جورج إليوت (ذاك اسمها المستعار وأما اسمها الحقيقي فهو ماري آن) قوله/قولها: من بين جميع أشكال الأخطاء (التنبؤ) هو أكثر خطأ ليس له مسوغ، والعلة في ذلك ليس فقط لأن أكثر التنبؤات كاذبة ولكن (وهذا الاخطر) أن بعض تلك التنبؤات قد تفهم بشكل معكوس.يقال أن الامبراطور كرويسوس حاكم مملكة ليديا الاغريقية أراد أن يغزو بلاد فارس ولهذا استشار إحدى العرافات oracle فقالت له: “إذا عبرت نهر هاليس فإن إمبراطورية عظيمة سوف تزول” وقد فهم الإمبراطور كرويسوس أنه إذا عبر نهر في شرق تركيا باتجاه بلاد فارس فإن النصر سوف يكون حليفة بينما كان الواقع الحقيقي لمئال ومصير نبوءة عرافة الشؤم العكس تماما أن الإمبراطورية المهزومة هي مملكة ليديا الاغريقية.وعلى نفس النسق يظهر بشكل جلي أن الجنرال المصري عبدالفتاح السيسي فهم عدد من الأحلام والمنامات التي شاهدها قبل أكثر من 35 سنة بشكل مغلوط فهو أعتبر أن مشاهدته لنفسه في إحدى أحلامه أنه يحمل سيفا مكتوب عليه باللون الاحمر (لا إله إلا الله) وفي حلم آخر أنه يحمل ساعة أوميغا عليها نجمه خضراء ضخمة اعتبر هذه المنامات بأنها مؤشرات (ومبشرات) بأن القدر يهيأ له تحقيق انجاز كبير لأرض مصر.لكن أخطر حلم شاهدة السيسي هم ما زعم فيه أنه شاهد الرئيس أنور السادات في المنام وجرى حوار بينهما فحواه أن كلا منهما كان يعلم بأنه سوف يكون رئيس مصر، وهنا يظهر خطورة الانجراف والانسياق خلف المنامات والتنبؤات وكلام العرافين، حيث كما يقال: “أن الوظيفة الحتمية للتنبؤ ليس أن ترى المستقبل ولكن أن تصنعه“. وهذا ما حصل في مصر حيث لم يتردد الجنرال العسكري أن يصل عن طريق الخداع والمداهنة إلى تحقيق (حلم حياته) بأن يصبح (عزيز مصر) وحاكمها المتوج ولو خاض لتحقيق ذلك بحر من الدماء والدموع.اشتهر عن أرض مصر المحروسة أنها أرض الرؤى والاحلام لكن يوجد فرق كما بعد المشرقين بين منامات الانبياء الصادقة مثل رؤيا نبي الله يوسف أن يصبح شخص ذو مكانه اجتماعية عالية لدرجة أن يسجد له أهل بيته عندما أصبح (عزيز مصر) بعد أن كان شابا غريبا ومسجونا ومع ذلك وصل للحكم بتدبير وتقدير الله عز وجل “ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ”. وبين (الكيد) والخداع والغدر الذي توصل به فراعنة مصر قديمهم وحديثهم للحكم من خلال الزعم برؤية (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ) هي في حقيقتها من باب (حديث النفس) الأمارة بالسوء والطامحة للحكم وامتلاك ما لا تستحق.ويبدو أن احتيال الطغاة واستخدامهم للأحلام المزعومة للقفز على عرش الحكم كان منذ القدم، فهذا الفرعون المصري القديم تحتمس الرابع كانت فرصته ضعيفة جدا في الوصول للملك من بين أخوته الخمسة لكي يرث ملك أبيه الفرعون أمنحتب الثاني ولكي يعزز موقفه أدعى تحتمس الرابع أنه (رأى في المنام) أبو الهول والذي تحدث إليه وأخبره بأنه إذا قام بإزالة الرمال المتراكمة على تمثاله وحافظ عليه فإنه سوف يمنحه تاج مصر وبهذه الحيلة توصل تحتمس الرابع لكي يصبح فرعون مصر المتوج بالرغم من أنه لم يكن الوريث الحقيقي للعرش.غالبا لا تنتهي قصة الاحلام والرؤى عند الوثوب على العرش واستلاب الملك عن طريق الغدر والخيانة ولهذا يدفعنا الفضول لمعرفة مصير (فتى الأحلام) والذي كثيرا ما يتكرر في التاريخ أن نجد أمثال هؤلاء الطغاة في حالة قلق دائم وتوجس وشك في جميع من حولهم لدرجة تمنعهم الرقاد وتكافئهم بعذاب قلة النوم.وهنا لا يمكن بحال أن نغفل التصريح البارز للصحفي المصري المشهور محمد حسنين هيكل عندما ذكر أنه قابل الجنرال السيسي وأخبره “بأنه قلقان ولا ينام إلا ساعتين في اليوم) وكأن لسان حال السيسي يقول كما قال الأول “ألا من يشتري سهرا بنوم“.وسبحان الله وكأن التاريخ فعلا يعيد نفسه فكما زعم البعض أن الشعب المصري لا يرغب في حكم الرئيس محمد مرسي. تذكر كتب التاريخ أن بعض المتنفذين في مملكة حمير في سبأ خرجوا عن طاعة الملك حسان التبع الحميري ومالوا إلى أخيه عمرو واشاروا عليه أن (ينقلب) على أخية (ويعزله) ويقتله ويتولى الحكم من بعده ولم يعترض على هذه المشورة الآثمة من (جبهة الانقاذ) إلا شخص حكيم يدعى (ذو رُعين).الشاهد بعد ذلك أنه لم قتل عمرو الحميري أخاه الملك حسان وجلس مكانه على كرسي العرش منع من النوم وسلط عليه السهر ولهذا رجع الملك الجديد عمرو الحميري يقتل جميع من اشار عليه (بالانقلاب) وعندما وصل إلى ذو رُعين ذكره بأنه نهاه ونصحه بأن لا يفعل وأنه سبق وأن اعطاه صحيفة مكتوبا فيها:ألا من يشتري سهرا بنوم سعيدٌ من يبيت قرير عينفأما حميرٌ غدرت وخانت فمعذرة الإله لذي رُعينإن سفك الدماء والقتل نذير شؤم على الحكام والشعوب على حد سواء فكما لا يستطيع القاتل النوم فكذلك المقتول أو أهل المقتول بمعنى أصح ولهذا كانت نصيحة حاكم وعزيز مصر صلاح الدين الأيوبي لأحد أبنائه حين أرسله أميرا على إحدى المدن (.. وأحذرك من الدماء والدخول فيها فإن الدم لا ينام).وبعد هذا التطواف لنأتي لبيت القصيد بخصوص العلاقة بين السيسي وشكسبير وهي أن الحبكة الدرامية والصراع النفسي المرير الذي يعانيه الشخص الغادر والخائن والمصير العادل بالاقتصاص منه ما كانت لتفوت شخصية أدبية لامحة وخبيرة بخفايا النفس البشرية مثل الأديب الإنجليزي الذائع الصيت وليم شكسبير ومن هنا كتب واحدة من أروع الأعمال الادبية لكل العصور إلا وهي (مسرحية ماكبث).بشيء من التجاوز يمكن أن نجد بعض التشابه والتماثل بين محاور مسرحية ماكبث وبين الواقع المصري قبل وبعد الانقلاب العسكري الأخير لكن يا هل ترى هل الصراع النفسي (لماكبث المصري) والخاتمة الدرامية هي نفسها كما في ما في تسلسل فصول المسرحية هذا في علم الغيب. على كل حال يمكن استعراض ملخص الدراما لمسرحية ماكبث كالتالي:كان يحكم اسكتلندا ملك عظيم اسمه دنكان وكان من الرجال المقربين له لورد يدعى ماكبث وفي إحدى الأيام بعد أن كان اللورد ماكبث عاد منتصرا من إحدى المعارك استوقفته ثلاثة أشباح أو ساحرات قمن بتقديم (تنبؤ) عن مستقبل ماكبث بأنه سوف يتم ترفيعه لمنصب الدوق (أو رتبة فريق أول في حالة السيسي) وأنه سوف يكون ملك اسكتلندا القادم (راجع حلم السيسي مع السادات).وهنا يقول شكسبير عن ماكبث بأنه (منذ تلك اللحظة بدأت الآمال الضخمة تداعب ذهنه في إمكانية تحقيق النبوءة بأن يصبح ذات يوم ملك إسكتلندا ومنذ ذلك الوقت وجه ماكبث كل تفكيره في كيفية الفوز بعرش مصر .. آسف آسف أقصد عرش اسكتلندا). حدث بعد ذلك أن قام ملك اسكتلندا (الشرعي) دنكان بزيارة ماكبث في قلعته وبصحبة عدد من رجال الدولة لتهنئة ماكبث بانتصاره في الحرب وقرر المالك ايضا أن ينام في قلعة قائده العسكري (لشعوره بالأمان من جهته).وفي منتصف الليل (تسلل) ماكبث وهو يحمل خنجرا حادا إلى غرفة الملك (النائم والمستغفل) وقتله بضربة واحدة من خنجره وعندما فعل ذلك تخيل ماكلث أنه سمع صوتا يقول له (لن يذوق ماكبث النوم بعد الآن لأنه قتل نائما بريئا) وهذه سنة الحياة في من يغدر ويخون. وبعد أن امتلأت ليالي ماكبث بالخيالات المرعبة والأحلام المزعجة بعد أن أصبح ملك اسكتلندا أراد أن يعرف مستقبله ومصيره ولهذا قرر أن يقابل الساحرات مرة ثانية وبعد أن وجدهن في كهف مخيف استفسر عن مستقبل حياته كانت النبوءة الجديدة منهن (بأن لا يعتريه أي خوف لأن النساء لم يلدن بعد من يستطيع إيذاءه وكما أنهن نصحنه بأن يكون دمويا وجسورا).وهنا نأتي إلى ذروة الحبكة الدرامية climax فالجنرال العسكري ماكبث ركن إلى هذه النبوءة وأطمئن بها وبأنه لا يمكن أن يصيبه أذى ولهذا يقابل غريمه الجنرال ماكدوف وهو واثق من أنه لا يمس ولم يعلم بأن ماكدوف (لم تلده أمه) وإنما خرج من بطنها بعملية قيصرية ولهذا استطاع أن يقتل ماكبث الذي ندم أشد الندم ولعن الساحرات والعرافات الذين خدعنه بكلمات تحمل أكثر من معنى.وهنا يظهر المغزى الرئيسي لمسرحية ماكبث وهو خطورة الطموح والطمع الذي يقود (الجنرال) أو صاحب القوة للسير في دروب الشر لتحقيق أحلام ضبابية كما أن من العبر والدروس إن الشخص مهما بلغ من الثقة والتحوط إلا أنه يمكن أن يقع في براثن الحكمة الشهيرة (لا ينفع حذر من قدر). |