جوهر الليبرالية عند تركي الحمد..محاولة للفهم

حمير الحوري

لو سألت إسلاميًا ضليعا بأمور الشرع أو عاميًا مسلما عن مفهوم وماهية النظام الإسلامي ومشتقاته، لأجابك على الفور بإجابة واضحة محددة تنم عن وضوح في الرؤية واستيعاب كامل للمفهوم والمعنى، غير أن المناهج والمذاهب الأخرى، خاصة تلك التي يسعى المنظرون لها أن يزاوجوا بينها وبين التصور الاسلامي أو يحاولوا نقلها من بلد المصدر الينا على العكس من ذلك، فتنظيراتهم الترويجية وإجاباتهم عن تلك الأفكار والنظم غالبا غير واضحة وعصية على الفهم، وإن صرحوا أحيانا بوضوح مراد ومعنى ما يتحدثون عنه، تجدهم يمهون في مكان آخر في حالة من التناقض تدعو للشفقة وللضحك أحيانًا.  

سنعرض هذه المعاناة الثقافية والنفسية في تناولنا لمقالة واحدة، لأحد أهم المتزعمين لفكر الليبرالية في المجتمع السعودي وهو تركي الحمد، والذي يقدم نفسه أنه ترس الليبرالية ورأس حربتها في السعودية والخليج، لدرجة أن دفعه هذا الشعور إلى اتهام رؤساء الصحف السعودية بأنهم ليبراليون جبناء، لسبب بسيط وهو أنهم امتنعوا عن نشر مقالاته!، وبالنسبة له فلا مانع لديه أن يترك السعودية خوفًا من أن تطاله يد شاب طائش لم يعجبه ما يكتبه تركي الحمد، فشهيد الليبرالية لقب يبدو أنه لا يحرص عليه كثيرًا!.

في مقاله خواطر حول الليبرالية، يرفض تركي الحمد أن يقرن مفهوم الليبرالية بمعنى التفسخ والتحلل الأخلاقي، بل يشير الى أنها لا تصادم الدين حتى!، ولهذا سيعرض لنا في مقاله المذكور، جوهر الليبرالية وحقيقتها ومعناها، لأننا نعيش في مجتمعات للأسف أساءت فهم الليبرالية كما أساءت فهم الديمقراطية من قبل!، فمجتمعاتنا كما يقول في مقاله لم تفهم الليبرالية كما ينبغي، وسبب ذلك معروف من وجهة نظره: (فمفهوم الليبرالية مفهوم ملتبس، وخاصة في مجتمعات لم تعرف إلا السلطوية في تاريخها، ولم تجرب إلا القمع في معاملاتها، ولم تمارس إلا الرأي الواحد والحقيقة الواحدة في حياتها، منذ النسمة الأولى عند الميلاد، وحتى النسمة الأخيرة عند الرحيل، إذًا فمن النسمة الأولى لميلاد هذه المجتمعات، التي لم يحدد فيها الكاتب التأريخ الذي يشير اليه بالنسمة الأولى للميلاد، كما لم يستثني أيضًا أي حالة  للوصف الذي أطلقه، حتى النسمة الأخيرة وهي آخر يوم لنا على هذا الكوكب سنظل مجتمعات سلطوية استبدادية وحالة ميؤوس منها!، فلا حول لنا ولا قوة إلا بالله.

والحالة هذه والواقع مأسوف عليه، جاءت خواطر الرجل حول الليبرالية، ليعرض لنا جوهرها ومعناها، حتى نأخذها ونسعى إليها وتشبث بها، فيقول (فإن الغاية من هذه المقالة هي بعض تأملات في جوهر الليبرالية، وكيف أنها في النهاية إنسانية المحتوى، غير متناقضة.. )، وقد أكد لنا قبل هذا أنه لن يدخل في شرح فلسفي أو نظري لها، بل سيتحدث مباشرة عن معناها والمراد منها بلغة يفهمها الجميع.

وكما هي العادة فقد ناقض ما اشترطه على نفسه بعدم دخوله في شرح فلسفي لها، فصار يحدثنا عن منطلقها الفلسفي الرئيس، وعن نظرة هوبز لها ورأي لوك و بنثام، ولم ينسَ ذكر الخليفة الراشد عمر ومقولته المشهورة ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، في محاولة منه لإضفاء نوع من المسحة الإسلامية على مقاله ليخادع بها الأغرار، لكنه نسي أن يشير الى دُرة عمر التي كان يضرب بها كل مارق وخارج عن نظام الإسلام وحكومته، وعن الحسبة التي نظمها عمر ، وعن منهج عمر في الحكم والعدل، و لا أدري كيف استساغ أن يستأنس بمقولة عمر تلك، على رغم أن عمر يعتبر أحد رموز النسمة الأولى لميلاد هذه المجتمعات التي أشار اليها في بداية مقاله، ولا يهم الاختلاف في نسمة الميلاد التي ينتمي اليها عمر فكلها سواء في نظر الكاتب ولا استثناء، فالنسمة الاولى أو الوسطى أو الاخيرة تعتبر واحدة لا فرق!.

وحقيقة فقد استطعنا أن نخرج من الكاتب بنتيجة حول جوهر الليبرالية، مع شيء من اللبس أيضا، المعذرة فأنا أنتمي لمجتمعات لم تعرف الليبرالية أو الحرية في أي نسمة ميلاد، ولذلك فصعوبة الفهم تعتبر متلازمة عقلية والتعامل مع الحرية ثقافيا يعتبر مشكلة فكرية لدي!، إذًا جوهر الليبرالية كما يشير إليه تركي الحمد، هو انتفاء القيد أو حرية الفرد بشرط بسيط وهو أن لا يتعدى على حرية الآخرين وأن يلتزم بالقانون، القانون الذي مصدره اختيار الفرد القائم على حرية الاختيار، أو كما عبر عن تلك الحرية  ب(انتفاء القيد)، والقيد في نظر الكاتب قد يكون دينيا أو سياسيا او عرفا.. الخ، فمثلًا لا مكان في نظر الكاتب لإلزامات القران والسنة المتعلقة بالحياة العامة والمؤثرة في خيارات الفرد، فهذا قيد ولا بد أن يتم التحرر منه، يقول ذلك تلميحًا ويمارسه كتابةً وعملًا ويحاول المناورة للهروب الى الوراء أحيانًا!، أرجو أن لا يساء فهم الكاتب، فالليبرالية كما أشار في مقدمة المقال لا تصادم الدين، بل قد تكون “دينية الأساس أخلاقية المنبع ” !.

وحول علاقة الدين بالليبرالية، وضع الكاتب  كلمة الدين بجوار كلمة الأخلاق كما هي العادة المقصودة التي درج عليها كل الليبراليين وتوارثوها، لأنهم لا يرون الدين إلا مجموعة أخلاق وآداب عامة فقط، فلا علاقة للدين بالسياسة والاقتصاد والتنشئة الاجتماعية ونحوها، حتى تلك الأخلاق التي يشيرون اليها من شاء أخذ منها ومن شاء ترك، فدين الليبرالية لا إلزام فيه ولا قيد!، هذا ما فهمته منهم وتيقنته من سلوكهم الثقافي، وعلى كل ما علاقة الدين أو الأخلاق بالليبرالية في نظر تركي الحمد، يلخص تلك العلاقة بقوله: ( أن تكون متفسخاً أخلاقياً، فهذا شأنك. ولكن، أن تؤذي بتفسخك الأخلاقي الآخرين فليس من شأنك، وأن تكون متدينا أو ملحداً فهذا شأنك أيضاً)، هل فهمتم العلاقة؟!، أنا لا أرى هنا أي علاقة بأخلاق أو دين!، أرى هنا نوع من البهيمية والسقوط الانساني، ولم ينسى في هذه الفقرة أن يزينها بجزء من آية كريمة: ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وقد استأنس بها كدليل على صدق رأيه وفسرها أيضا!!، ولا مكان هنا للرجوع للمختصين في التفسير من خريجي الجامعة الاسلامية أو هيئة الإفتاء، فمن سمات الليبراليين عمومًا أنهم ضالعون ومختصون في التفسير وعلوم الشريعة ومقاصدها!.

يختم تركي الحمد خواطره وعرضه لجوهر الليبرالية، بأنها تبني مجتمعًا غير منافق، مجتمعا يتوافق ظاهره وباطنه، وهذا صحيح لأنها تبني مجتمعًا غير انساني من حيث الأساس، مجتمعا يخالف الفطرة ويتحول فيه المنكر إلى عادة اجتماعية ظاهرة لا داعي للتستر بها، لأن المجتمع يمارسها ويشرعنها أصلًا، لا مجال فيه لقيم أو لدين أو أي قيد، فلما التستر ولما الاختباء ولما الشعور بالذنب أصلًا؟!، مجتمع غير منافق لكنه مجتمع جاهلي لا مكان فيه لفئة اجتماعية تُدعى “منافقين”!.

      حمير الحوري مدير البرامج والإنتاج لقناة البرهان الفضائية

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عن الكاتب (رحمة الله)

مبارك عامر بقنة

(رحمة الله)

كاتب وباحث تربوي، تخرّج في تخصص الكيمياء الحيوية، وعمل في ميدان التعليم لسنوات طويلة. له مشاركات في العمل الاجتماعي والخيري، وتجربة في التدريس والدعوة. يهتم بالقضايا الفكرية المعاصرة، وله مؤلفات وأبحاث، وعمل في اخر حياته على كتب في الإلحاد المعاصر والقراءات الفكرية. كما ولي اهتمامًا بعالم التقنية والبرمجة، وصمّم عددًا من المواقع المعرفية

المقالات الشائعة

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

Instagram Feed

Edit Template

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـُشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©

من هنا يمكنك المشاركة في مؤسسة إحسان، والتبرع لصالح الكاتب (رحمة الله).

نـشر حديثا

  • All Posts
  • X منشورات
  • غير مصنف
  • لم تنشر
  • مسودة
  • منشوارات تليجرام
  • منشوارات فيس بوك
  • منشورات مصورة
  • منشورة

تواصل معنا

 حقوق النشر محفوظة اتجاهات معرفيه 2025 ©