“د/ أحمد بن حامد الغامدي“
الاسبوع الماضي تم إرسال الجزء الاول من مقال (الروايات البوليسية بين الكيمياء والأدب) والذي تم فيه تسليط الاضواء الكاشفة لسبر أغوار البعد الكيميائي لشخصية الروائية البريطانية البارزة أجاثا كريستي وكيف قامت بنجاح وذكاء مدهش في توظيف خبرتها ومعرفتها ببعض المعلومات الكيميائية في ابداع الحبكة التشويقية في بناء الرواية الجنائية.
واليوم نستكمل مسيرة التعريف بجوانب ومعالم توظيف علم الكيمياء في الاعمال والروايات الادبية ذات الطابع والمحتوى البوليسي الحابس للأنفاس والمنبه للمشاعر و الحواس.
البعد الكيميائي لشخصية شارلوك هولمز
في عام 2002 قامت الجمعية الكيميائية الملكية البريطانية (RSC) بمنح عضويتها الشرفية للشخصية الخيالية (المحقق شارلوك هولمز Sherlock Holmes) التي ابتكرها الروائي البريطاني البارز السير آرثر كانون دويل وكذلك قامت الجمعية الكيميائية بنصب تمثال له في شارع بيكر ستريت في لندن حيث يقع منزله (الوهمي) الشهير.
والسبب في منح هذه الشخصية الخيالية للعضوية الشرفية للجمعية الكيميائية يبدو أنه كنوع من استثمار الشهرة المدوية لشخصية شارلوك هولمز حيث أن ربط تلك الشخصية البارزة والمحبوبة بعلم الكيمياء سوف يحقق دعاية فعالة للكيمياء والكيميائيين وما ذلك الا للدور الايجابي الذي صبغه هذا المفتش الاسطوري علي الكيمياء عندما و ظّف العلوم الكيميائية لحل ألغاز جرائم غاية في الحبك و التعقيد.
بكل وضوح ومنذ الرواية الأولى التي ظهرت فيها شخصية شارلوك هولمز (رواية دراسة باللون القرمزي المنشورة عام 1887) تم توصيفه فيها بأنه كيميائي من الدرجة الأولى بينما نجد أن معاونه الرئيس الدكتور/ الطبيب واطسون يصرح بأن معرفة زميله هولمز في الكيمياء عميقة وموضع آخر يصف واطسون أصابع هولمز بأنها غالبا ما تكون مصبوغة ببقع داكنة ناتجة من المواد الكيميائية التي يتعامل بها مثل الاحماض التي تحرق أصابعه.
الكيمياء أسلوب حياة .. شارلوك هولمزفي مختبره الكيميائي
أليس لافتا للنظر أن اللقاء الأول بين هاتين الشخصيتين المتلازمتين (أي هولمز والدكتور واطسون) حصل عندما أنتقل الدكتور واطسون للعيش في لندن وأخذ يبحث عن سكن رخيص وهنا ارشده أحد أصدقائه أن السيد شارلوك هولمز الذي يعمل في مختبر كيميائي في مستشفى قريب قد يرغب هو الآخر في أن يجد شخص يتعاون معه في دفع أجار المنزل.
وبهذا تم التعرف بينهما في مختبر الكيمياء بل وفي اللحظة التي كان هولمز يصافح بيده اليمنى الدكتور واطسون في أول لقاء بينهما كانت يده اليسرى تحمل انبوبة اختبار كيميائي حيث كان هولمز في تلك اللحظة يقوم بإجراء بعض التجارب الكيميائية والتي تتعلق باختراع مادة كيميائية تستطيع الكشف بدقة وبشكل سريع عن صبغة الهيموجلوبين الموجودة في الدم وهذا أمر له اهمية في التفريق بين بقع الدم وبقع الاصباغ والالوان في مسرح الجريمة.
ولإعطاء مثال تفصيلي أكثر يوضح توصيف الدكتور واطسون للتجارب الكيميائية التي كان يجريها المحقق الكيميائي شارلوك هولمز ننقل هذا المقطع المطول من قصة مغامرة وثائق المعاهدة البحرية (The adventure of naval treaty ) والتي يرويها الدكتور واطسون كالتالي:
( كان هولمز يعمل بجد على إجراء أبحاثه الكيميائية فقد كان دورق كبير يغلي بشدة فوق اللهب الأزرق لموقد بنسن بينما كانت القطرات المائية المقطرة يجري تكثيفها وتجميعها في زجاجتين حجم كلا منهما لتر واحد. ثم قام هولمز بغمس ماصة زجاجية في واحدة من تلك الزجاجتين وسحب عدة قطرات منها وأخيرا وضع على الطاولة أنبوبة اختبار تحتوي على محلول سائل. وفي يده اليمنى كان يحمل شريطا من دليل ورقة تباع الشمس ثم قال: لقد أتيت يا دكتور واطسون في اللحظة الحاسمة، إذا بقيت هذه الورقة زرقاء فهذا حسن لكن إذا تغير لونها للأحمر فيعني ذلك نهاية حياة الرجل. وعندما غمس ورقة الدليل في أنبوب الاختبار سرعان ما تغير لونها في الحال للون القرمزي الباهت والمتعكر).
سنوات الضياع في حياة شارلوك هولمز
سبق الاشارة إلى أن شخصية المحقق الاسطورة شارلوك هولمز كانت من بنات أفكار واختراع الأديب البريطاني السير آرثر كونان دويل والذي قام ولسنوات طويلة بنشر سلسلة من القصص والروايات البوليسية التي لاقت نجاح منقطع النظير.
لكن الطموح الأدبي للروائي البارز آرثر دويل لم يتوقف هنا حيث قام كذلك بنشر عدة روايات تاريخية ورومانسية لكنها لم تلاقي الانتشار والاهتمام الادبي مثل رواياته البوليسية ولهذا قام في عام 1893 بإصدار رواية بوليسية باسم (المشكلة الأخيرة) تكون خاتمتها مقتل شخصية شارلوك هولمز (وذلك بعد ست سنوات فقط من نشر أول رواية عنه عام 1887) وما ذلك ألا كمحاولة من الكاتب أن يتيح المجال لإنتاجه الادبي الآخر غير البوليسي بالانتشار والاشتهار.
إلا أن السير آرثر دويل اضطر عام 1903وتحت ضغط كبير من جمهور القراء الغاضبين أن يعيد مرة أخرى إظهار شخصية شارلوك هولمز في روايات وقصص بوليسية جديدة بعد عشر سنوات من محاولة التخلص من شخصية هولمز الجذابة.
رواية ..مغامرة البيت الخالي..لشارلوك هولمز..حيث زعم أنه أجرى تجارب كيميائي في فرنس..واعتقل في مكة
وفي قصة (مغامرة المنزل الخالي The adventure of the empty house) وهي أول قصة قصيرة ظهرت بعد عودة شارلوك هولمز كان عليه أن يفسر سبب اختفاءه خلال (سنوات الضياع) ولهذا زعم شارلوك هولمز أنه بعد أن نجا من السقوط القاتل من أعلى شلالات الالمانية الشاهقة أثناء صراعه مع عدوه اللدود البروفيسور موريرتي (كما ورد في نهاية رواية المشكلة الأخيرة) لهذا فضل شارلوك أن يوهم أعداءه بأنه قد قتل. وخلال الثلاث سنوات التي اختفى فيها قام برحلات وزيارات لبلدان بعيدة كان من ضمنها أراضي التبت وبلاد فارس ومدينة الخرطوم بل انه زعم أنه أعتقل لفترة من الزمن في مدينة مكة المكرمة !!!. على كل حال من المنظور الكيميائي الذي يهمنا من تغريبة بني هلال الهولمزية الفقرة التالية في قصة مغامرة المنزل الخالي:
(.. بعد ذلك رجعت لفرنسا حيث قضيت عدة أشهر أقوم بإجراء بحث لدراسة كيمياء مشتقات قطران الفحم والتي اجريتها في مختبر في مدينة مونبيلية في جنوب فرنسا).
وبمناسبة ذكر المختبرات التي كان يعمل بها شارلوك هولمز فأي شخص يقوم بزيارة متحف شارلوك هولمز في لندن من المحتمل ان يلفت انتباهه العديد من القوارير الزجاجية التي تحوي كم هائل من المركبات و المحاليل الكيميائية التي يفترض أن شارلوك كان يستخدمها لإجراء تحاليله الكيميائية الهادفة للكشف عن خبايا الجرائم الغامضة.
وكمثال لقصص شارلوك هولمز البوليسية التي ذكر فيها وبشكل صريح المختبر الكيميائي في منزل السيد هولمز نجد في قصة قضية هوية (A case of identity) أن الدكتور واطسون يذكر أنه في مساء إحدى الليالي توجه لمنزل صديقة السيد هولمز الموجودة في شارع بيكر ستريت:
(وجدت السيد شارلوك هولمز وحيدا ونصف نائم، ونظرا لوجود مصفوفة هائلة من الزجاجات وأنابيب الاختبار التي تفوح منها رائحة حمض الهيدروكلوريك الحادة، علمت أنه قضى يومه في الابحاث الكيميائية الهامة جدا بالنسبة له.
وحال دخولي عليه سألته: حسنا .. هل حللت المسألة، فأجاب نعم لقد كانت كبريتات الباريوم. فصرخت قائلا: لا لا أنا أقصد هل حللت القضية الغامضة، فكان جوابة: آه ظننتك تقصد الملح الذي كنت أعمل عليه).
وبهذا المقطع الاخير نختم الحديث عن الخبرة الكيميائية العالية للسيد هولمز سواء في علم الايونات المعدنية ورواسبها وبلوراتها أو المواد الطبية والادوية الصيدلانية أو السموم والمواد المخدرة وغيرها كثير وكثير مبثوثة في العديد من الروايات والقصص عن المحقق البوليسي الاسطورة السيد هولمز.
بقي أن اقول إن كان مقال (الروايات البوليسية .. بين الكيمياء والأدب) أثار الاهتمام لدى البعض أن يتحمس أحد من ابناء الجيل الجديد للنسج على نفس المنوال واستكشاف البعد الكيميائي والعلمي في شخصية (المحقق كونان).
وختاما للاطلاع على كامل مقالة (الروايات الادبية .. بين الكيمياء والادب) كما تم نشرها في (مجلة المجموعة العلمية لعلوم الادلة الجنائية) ارجو التلطف بالدخول على الرابط التالي:
بينما للاطلاع على العدد الثالث من هذه المجلة العلمية والثقافية المتميزة فأرجو التكرم بزيارة موقعها الالكتروني على الرابط: