“د.أحمد الغامدي“
قديما قيل في السفر سبع فوائد ولعل من أحدثها الفوائد الأدبية والقصصية
ظهر نقاش وجدال أدبي قديم/جديد حول ظاهرة (أدب الرحلات) ليس فقط لتقييم مدى جودته الفنية ولكن أيضاً لمدى درجة الواقعية في تتطابق الأعمال والروايات الأدبية التي تدور حول مدينة أو دولة ما مع الحقيقة الجغرافية والتاريخية لتلك المدينة.
صحيح أن (كتب الرحلات) يمكن الاعتماد عليها في التوثيق المعرفي للمعلومات الجغرافية والاجتماعية للمدن والدول (وإن كان بعض المؤرخين يشكك في أن الرحالة الايطالي الأشهر “ماركو بولو” قد سافر فعلاً للصين بسبب وقوعه في أخطاء جغرافية شنيعة) إلا أن الأمر قد يختلف بشكل ملموس فيما يتعلق بالإنتاج الأدبي الرفيع للروايات الأدبية والقصصية التي تدور أحداثها في مدن أو مواقع جغرافية محددة. فكما هو معروف فإن الروائي والأديب المحترف يمزج الحقيقة بالخيال لدرجة أنه يصبح القانون الأدبي السائر أن (لا يقلد الروائي المدينة بل يعيد بنائها).
وبالرغم من أن الأعمال الروائية الخالدة قائمة على تقديم صور منعكسة للحياة الاجتماعية والنفسية لشخصيات الرواية إلا أن للموقع الجغرافي والمكاني أثره وثقله الملموس. ولهذا نجد أن عدد كبير من الروايات الأدبية من روائع الأدب العالمي ليس فقط تقع أحداثها في مدن مشهورة (يقال أن مدينة لندن هي محور أحداث أكثر من 500 رواية أدبية) ولكن أيضاً العديد من تلك الروايات تحمل عناوينها أسماء تلك المدن.
فمثلاً للروائي المصري العالمي نجيب محفوظ نجد له رواية (القاهرة الجديدة) بينما أحد أشهر مسرحيات شكسبير هي تحفة (تاجر البندقية) وأهم الروايات الإنجليزية على الأطلاق هي (قصة مدينتين) لندن وباريس للأديب البريطاني المعروف تشارلز ديكنز وأحد أبرز روايات الأديب الفرنسي جون فيرن هي قصة (باريس في القرن العشرين).
الجدير بالذكر أنه حتى اسماء بعض المدن العربية تم تخليدها في روايات عالمية مشهورة لكتاب غربيين بارزين مثل رواية (موعد في بغداد) لروائية الانجليزية أجاثا كريستي، والرواية المميزة في الأدب الأمريكي (شرق عدن) للكاتب جون شتاينبك.
وكما اتضح من سرد أسماء بعض الروايات العلمية التي حملت أسماء مدن إلا أن عدد تلك الروايات محدود نسبياً هذا مما يشير أنها ظاهرة ليست شائعة في الأدب الأوروبي والعالمي بينما في المقابل نجد هذه الظاهرة (طاغية ومستفحلة) في الأعمال الأدبية العربية وبالذات الروايات السعودية حيث نجد أن بعض المدن تم وضع اسمها في عنوان أكثر من رواية أدبية وأشهر الامثلة لذلك:
الرواية المثيرة للجدل (بنات الرياض) للكاتبة رجاء الصايغ، ومثلها رواية (الرياض نوفمبر 90) للكاتب سعد الدوسري، بينما مدينة جدة موجودة في الرواية التاريخية البديعة والمميزة (فتنة جدة) للكاتب المفاجأة مقبول العلوي، ورواية (سور جدة) للكاتب سعيد الوهابي، وعلى نفس النسق لمدينة دمشق رويتين هما (دمشق 67) للكاتب السوري خليل النعيمي، ورواية (دمشق يا بسمة الحزن) للكاتبة السورية ألفت الأدلبي، بينما مدينة بيروت حظيت بثلاث روايات دفعة واحدة هي رواية (بيروت 75) لغادة السمان، و(بيروت بيروت) لصنع الله إبراهيم، وقصة (راوية بيروت) للكاتب إسكندر نجار.
ومن الروايات الاخرى التي بكل كسل وفجاجة وعدم احترافية حملت اسماء مدن معروفة نجد الروايات التالية: (لا يوجد مصور في عنيزة) ورواية (الحمام لا يطير في بريدة) ورواية (لا أحد ينام في الاسكندرية)، والرواية السخيفة حتى ولو فازت بجائزة الرواية العربية (فرانكشتاين في بغداد) ورواية (ليالي دبي) ورواية (من الدمام إلى المكلا) ورواية (طائف الأنس) ورواية (نجران تحت الصفر) ورواية (مدرس ظفار) ورواية (صنعاء مدينة مفتوحة) ورواية (عائد إلى حلب) ورواية (راوي قرطبة) ورواية (سمرقند) ورواية (عذراء جاكرتا) ورواية (ليالي تركستان) ورواية (عمر يظهر في القدس).
الغريب جدا في شأن الكتاب العرب أنهم ليس فقط (استهلكوا) أسماء المدن العربية بل العديد منهم استخدم حتى أسماء المدن الغربية والاوروبية لتأليف أعمال أدبية عن حال الجاليات العربية في المهجر وأرض الغربة وإن كان بعض هذه الرواية ذات جودة أدبية معقولة مثل رواية (شيكاغو) للكاتب المصري المتقلب علاء الاسواني، والرواية البديعة (أمريكا) للكاتب اللبناني ربيع جابر، وكذلك رواية (عناق عند جسر بروكلين) لعز الدين فشير، ورواية (تحت سماء كوبنهاجن) للكاتبة العراقية حوراء النداوي، والرواية شبة التاريخية (برلين 69) للكاتب المصري صنع الله إبراهيم، وأخيرا الرواية الضعيفة (إنها لندن يا عزيزي) للكاتبة حنان الشيخ، بينما رواية (ثورة في ميلانو) للكاتب السوري الشبلي لا علاقة لها بميلانو ولا ايطاليا حتى أحداثها تقع في مدينة حلب السورية.
سبب طوفان اسماء هذه الروايات الأدبية العربية والعالمية التي تواردت لذهني ونشطت حماسة الاستقراء لها هو تذكري للروايات الشيقة والمثيرة للروائي الامريكي والواسع الانتشار (دان بروان) والذي لم يغب عن بالي إطلاقا أثناء رحلتي الحالية لمدينة اسطنبول.

لقد كانت أول مرة زرت فيها مدينة اسطنبول قبل حوالي ستة سنوات وذلك برفقة الأسرة وبالرغم من ازدحام جدول الرحلة التركية إلا أننا زرنا أماكن أثرية وتاريخية متعددة في تلك المدينة الساحرة. في تلك الزيارة وفي الزيارة القصيرة الثانية قبل سنتين لإسطنبول لم أحرص كثيرا على زيارة موضع أثري بيزنطي معروف يسمي (القصر الغارق) لسذاجتي السياحية والمعرفية بأهميته وتميزه.
لكن الأمر تغير تماما عندما قرأت صيف العام الماضي الرواية الممتعة والحابسة للأنفاس (الجحيم) للكاتب الامريكي دان براون الذي اشتهر على المستوى العالمي برواياته الفريدة والشيقة مثل (شفرة دافنتشي) ورواية (ملائكة وشياطين) ورواية (الرمز المفقود) وهي روايات غاية في الخيال والتشويق وتقع أحداثها في مدن مميزة وخلابة مثل باريس ولندن وواشنطن وفلورنسا والبندقية.
علي كل حال رواية (الجحيم) الجديدة من أهم مواضيع الحبكة التشويقية لها هو موضع (القصر الغارق) في اسطنبول وهو في الاصل أشبه بصهريج أو خزان للمياه لمدينة القسطنطينية القديمة وكانت الفكرة المحورية لرواية (الجحيم) أن البشرية أمامها تحدي خطير يتمثل في العدد الهائل للجنس البشري ولهذا يقوم عالم شرير باختراع فيروس قاتل يقضي على البشرية بشكل جزئي مما يعيد التوازن لكوكب الارض. وقد كانت نقطة انطلاق و(إطلاق) هذا الفيروس عبر تسميم المياه في هذا (القصر الغارق) وبالتالي يتسمم أهل اسطنبول ومن ثم ينتقل الوباء الرهيب إلى بقية البشر.
الأمر المميز من الناحية التاريخية وكذلك من الناحية السياحية للقصر الغارق أنه يحتوي على عامود فريد يقع على رأس ميدوسا المقلوب. ورأس ميدوسا في الأساطير اليونانية يحمل دلالة على الموت والفناء وهي شخصية مشهورة لأمرأه تحمل شعر من الثعابين وتقتل في الحال من ينظر إليها وتحيله إلى حجارة وكون رأس ميدوسا موضوع (بالمقلوب) دلالة إضافية إلى دورها الشنيع في الشر والتسبب في قلب حياة البشر رأسا على عقب.
وبعد قراءتي لرواية (الجحيم) ودور الموقع الأثري والسياحي (للقصر الغارق) ندمت جدا جدا بأنني لم أزر هذا الموقع المميز ولهذا كان على رأس جدول زيارتي الجديدة لمدينة اسطنبول الساحرة النظر المباشر لعيني السيدة الحجرية (ميدوسا) وهذا ما كان.