“د/احمد بن حامد الغامدي“
ينقل عن الرئيس الامريكي الحكيم إبراهام لينكولن قوله (لا تغيير الاحصنة أثناء المعركة) لأنه ليس من الحكمة إجراء تعديلات جوهرية في منتصف الاحداث الحاسمة ولهذا يقال أيضا (إن تغيير الخيول أثناء المعركة يمثل نصف الهزيمة) وهذا من شانه ولا شك أن جعل سحب الخيول تماما من المعركة هزيمة تامة. إن ما قام به القيصر الروسي فلاديمير بوتين من سحب القوات الروسية المقاتلة عن أرض الشام يعتبر بمفهوم العسكري هزيمة مكتملة الاركان للنظام السوري على الاقل.
وإذا كان قديما تفاخر الشاعر الجاهلي علقمة الفحل بأنه بصير وطبيب بأحوال النساء (إن تسألوني بالنساء …) فعلى نفس المنوال لا يسأل عن أحوال الحرب غير نابليون بونبارت الذي قال (الحرب تحتاج إلى ثلاثة أشياء: المال والمال والمال) وقريبا منه قول القائد السياسي الانجليزي المحنك ونستون تشرشل (عصب الحرب هو المال). ولهذا منذ اللحظات الاولى لورود أخبار مغامرة الدب الروسي بوتين ونشر قواته العسكرية في أرض الشام كنت اتسأل بتعجب (من سوف يدفع فاتورة المجهود الحربي الروسي الغاشم).
وهذا بالضبط ما جعل العديد من المحللين السياسيين والعسكريين يراهنون أن التدخل الروسي في سوريا مؤقت بسبب تكلفته المالية الثقيلة على الاقتصاد الروسي المتضعضع. لحظة سقوط الامبراطورية السوفيتية عام 1989 كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أواخر الثلاثينات من عمره وفي بداية صعوده الصاروخي للمناصب السيادية في بلدة ولا شك أنه شعر بمرارة الذل والمهانة نتيجة لسقوط أمته القومية بسبب دفعها لفاتورة مالية فادحة جراء هزيمتها النكراء في المستنقع الافغاني.
ومن المحتمل أن بوتين قد تفهم نظرية المؤرخ الامريكي بول كيندي التي طرحها في كتابه الشهير (صعود وسقوط القوى العظمى) الذي يجادل فيه أن أحد الاسباب الرئيسية لسقوط الدول والإمبراطوريات الكبرى هو تمددها وانتشارها العسكري المفرط الذي يسبب استنزاف قاتل لاقتصاد تلك الدول مما يعجل بكساد انتاجها التنموي ومن ثم انهيارها الاقتصادي والسياسي وهو ما حصل بحذافيره في أواخر حكم سيء المصير غورباتشوف.
الهروب المفاجئ والانسحاب المخزي للقوات الروسية من سوريا البطولة قد يكون أمر قضي بليل وقد لا يكون لكنه بجميع المقاييس تكتيك عسكري كارثي على النظام النصيري المستأسد وحلفاءه لأنه جاء في وقت حرج جدا لبشار الاسد الذي حتما سيفقد أوراق الضغط الرابحة كانت في جعبته في اثناء مسلسل المفاوضات السياسية مع المعارضة المسلحة. ولهذا أعتقد أن بشار الاسد الأن يصف القيصر الروسي بوتين بالخيانة لجبهة الصمود والتصدي ضد الامبريالية العالمية وكأن لسان حال بشار يتهم الرفيق فلاديمير بوتين بأنه أرتكب خطيئة (التولي يوم الزحف).
كما هو معلوم في الشريعة الاسلامية تعد كبيرة التولي يوم الزحف من (السبع الموبقات) ومن كبائر الذنوب نتيجة ما يتسبب فيه انشقاق فئة من الجيش أو حتى من بعض أفراده في بث روح الهزيمة والتخاذل في بقية وحدات الجيش مما قد يكون بداية حصول الهزيمة العسكرية والوهن السياسي. ولا شك أن هذا هو شعور طواقم شبيحة نظام الاسد مما يعني بداية النهاية الحقيقية للمأساة التاريخية لأهلنا في الشام.
المتتبع للإعلام الروسي والتغطية الصحفية للمحللين السياسيين الذين يدورون في فلكه يشعر أنهم يحرثون البحر ليحاولوا أن يقنعونا أن ما قام به الروس هو انتصار سياسي (هكذا زعموا!!!) أو على الاقل انسحاب عسكري تكتيكي. وبالعودة لخبيرنا ومستشارنا العسكري نابليون بونبارت فيمكننا أن نتقبل حكمته وحنكته العسكرية القائلة (لا تتدخل عندما يقع عدوك في خطأ) فلا شك أن انسحاب الدب الروس من سوريا هو (خطأ) عسكري (كما يشعر به طاغية الشام) ولهذا لن نثرب على هروب الروس بل بالعكس نحييهم على ارتكاب مثل هذه الاخطاء العسكرية. في كتب التاريخ كثيرا ما تواجهنا عبارة أن بعض المعارك الحربية غيرت مجرى التاريخ وعلى نفس الدرجة كثيرا ما نجد أن (أخطاء تكتيكية عسكرية) غيرت مجرى ومسار حروب ومعارك حاسمة في تاريخ البشرية ولعل الخطأ الروسي من هذا النوع.
وختاما كما كان هروب الروس المعتدين من أرض الشام حدث سايسي/عسكري غير متوقع فإن دخولهم في الاساس لم يكن أصلا فما الذي جاء بالشيوعيين الحمر من أقصى الارض إلى أرض المحشر إلا قدر الله العزيز الحيكم الذي كتب أن تكون أرض الشام ممر ومقبرة للغزاة من كل جنس ولون على اختلاف الدهور والازمان من الفراعنة إلى الفرس والمقدونيين والرومان والصلبيين والتتار والانجليز والفرنسيين والصهاينة وها هي أخيرا وليس آخرا جحافل الشيوعيين الروس تنزل بالأعماق.
يشتهر عن أرض الشام بأنها أرض الفتن والملاحم والمعارك الكبرى ويبدو أن هذا هو قدرها في الماضي والحاضر والمستقبل على حدا سواء. وأي شخص أو باحث يستقرأ تاريخ المعارك الكبرى في تاريخ البشرية لن يجد بقعة على وجه الارض شهدت كم هائل من كبريات الحروب التاريخية والمعارك الحربية كما حصل على أرض الشام ابتداءً من معركة قادش بين الفرعون رمسيس الثاني وملك الحثيين ومعارك بني اسرائيل (يوشع بن نون ومن ثم نبي الله داود) ضد الكنعانيين ومرورا بغزو الملك البابلي نبوخذ نصر وتخريبه لمدينة أورشليم وسبيه لليهود ومن ثم معارك الفتح الاسلامي لأرض الشام من معركة مؤته إلى معركة اليرموك وأجنادين وفتح بيت المقدس ولاحقا سطر المسلمون أمجاد البطولة على أرض الشام في معركة حطين ومعركة عين جالوت كما دحروا الصليبيين وأعادوا فتح بيت المقدس وايضا على أرض الشام تغير التاريخ الاسلامي ببروز الدولة العثمانية بعد انتصارهم على المماليك في معركة مرج دابق بالقرب من حلب.
هذا ما كان من سرد أبرز الملاحم والمعارك التي شهدتها أرض الشام قديما أما في التاريخ الحديث والمعاصر فقد ابتلي أهل الاسلام بعودة الصليبيين الجدد ممثلين في الاستعمار الاوروبي وويلاته من مثل قصف الفرنسيين لمدن الشام ودخول الجنرال الفرنسي غورو لدمشق (ووقوفه على قبر صلاح الدين وقوله: ها قد عدنا يا صلاح الدين) كما سبقه بعدة سنوات واقعة دخول الجنرال الانجليزي اللنبي لمدينة القدس وبعد ذلك بعقود دخل الجنرال العسكري الصهيوني موشي ديان القدس الشرقية بينما احتل بعد سلفه مجرم الحرب شارون جنوب لبنان. وجيلنا المعاصر نشأ على المصائب والمآسي لأهلنا في الشام في مذبحة حماة وحلب وتدمر على يد الجيش النصيري الاسدي في السبعينات فذاك الشبل بشار من ذاك الاسد الدامي.
مما سبق يتضح لنا سبب تسمية أرض الشام بأرض الرباط ولكنها كذلك تسمى أرض الملاحم الكبرى في مستقبل الزمان والتي هي من علامات وأمارات الساعة ففي هذه الارض المباركة كما هو معلوم سوف تقع المعركة الفاصلة مع اليهود ونحن على شرقي نهر الأردن كما سوف تشهد أرض الشام معركتنا الاخيرة مع النصارى الذين ينزلون في الأعماق أو موقع دابق (أو في سهل مجيدو كما هي النبوءة المسيحة عن معركة نهاية العالم: هرمجدون) حيث نقاتل النصارى الذين يأتوننا في ثمانين غاية تحت كل غاية أثنا عشر ألفا. أما الملحمة الاخيرة على أرض الشام فهي المعركة النهائية بين الخير والشر عندما يقتل المسيح عليه السلام المسيح الدجال عند باب لد الشرقي في مدينة بيت المقدس.
وبالعودة إلى واقعنا المعاصر في سوريا فربما يبدو حاليا بالغ التعقيد بسبب كثرة الاطراف المتداخلة ومع ذلك كما يقول الجنرال الصيني سون وو في كتابه ذائع الصيت (فن الحرب): في وسط الفوضى توجد ايضا الفرصة وبالأذن من الرئيس الامريكي السابق نيكسون سوف استعير عنوان كتابه التاريخ الذي نشره بعد سقوط امبراطورية الروس ( الفرصة السانحة) او انتهزوا الفرصة فكذلك لأهلنا في الشام نقول انتهزوا الفرصة:
قبل حوالي ثلاثين سنة أي في عام 1988 انسحبت ارتال الدبابات الروسية من افغانستان وكان ثمر ذلك مباشرة استقلال الجمهوريات الاسلامية في وسط أسيا واليوم بمشيئة الله بعد هروب اسراب الطائرات الروسية من سوريا سوف يكون ذلك تمكين للإسلام وأهله في الارض المباركة (أرض المحشر والمنشر) وما حولها.