“حمير الحوري“
كل دراما أو عمل فني له هدف، غير أن الدراما الهادفة التي نقصد هنا هي الدراما ذات الهدف النبيل والمتوافق مع الرؤية الإسلامية للحياة والكون والمجتمع، والمنضبطة بالتصور الإسلامي في حل المشكلات وغرس القيم وطريقة العرض والتناول.
خرج أول عمل درامي – مسرحي- إسلامي في عام 1934م ( قبل 78سنة ميلادية )، بل قيل أن المسرحية توقفت لأن عدداً من الفريق ترك المسرح وذهب للجهاد بفلسطين!، إذا فالمحاولات الدرامية الهادفة ليست جديدة على الوسط الإسلامي، غير أن أمامها عقبات ومصاعب ينبغي عليها أن تتجاوزها وتدخل غمار المنافسة الإقليمية والعالمية معا.
وحين ندعو لوجود دراما إسلامية هادفة لا نقصد بها فقط المسلسلات التاريخية التي تحكي سير الصحابة والعلماء والقادة الإسلاميين، بل القصد ان يكون حضورها شاملا لمختلف جوانب الحياة ولفترات التأريخ المختلفة والمعاصرة، نريد أن تكون الدراما الهادفة هي الأولى في الفن الدرامي من حيث الإخراج والسيناريو والتمثيل، ومن حيث قوة المضمون في تناول مشكلات المجتمع، فالدراما لا تقتصر فقط على التعليم بل هي ترفيه وارشاد وتوجيه.
ومما يدفعنا للحديث عن الدراما الإسلامية هو واقع الفن الدرامي وتأثيراته المتنامية، فمن منا ينكر مثلاً، تأثير المسلسل الشامي (باب الحارة) الواسع، فقد أصبح المسلسل أشبه بعلامة تجارية خاصة وهو يدخل الآن موسمه العاشر، بل إن كثيراً من المحلات في مدن عالمنا العربي اختارت اسم “باب الحارة” لمحلاتها، كل ذلك يعكس حجم تأثير هذا المسلسل في الحياة الواقعية للناس، ومسلسل عمر وما أحدثه من ضجة واسعة ألا يدلنا على حجم وقوة الدراما في حياة المجتمعات، وما قد تحدثه من تأثيرات واسعة في المجال الديني والسياسي والاجتماعي.
واقع الدراما العربية السلبي في مجمله هو انعكاس للواقع السياسي والإعلامي العام، أي أنه واقع لا يعكس اهتمامات المواطن العربي الحقيقية ولا يعالج مشكلاته وقضاياه الجادة، لا من حيث تناوله لمشكلات الفرد أو الأسرة ولا من حيث تناوله للقضايا الكبرى المتعلقة بعموم الأمة، بل العكس من ذلك تماما فهي دراما في معظمها تافهة المضمون والهدف والعرض، ونلخص أبرز ملامح الدراما العربية في النقاط التالية:
1. دراما مخالفة للتصور الإسلامي في اهتماماتها وطريقة معالجتها للمشكلات.
2. دراما متأثرة بالثقافات الأجنبية والغربية على وجه الخصوص، فقضايا الإرهاب والمرأة تعالج ضمن سياقات الرؤية الغربية لا الإسلامية، كما أن طريقة العيش التي تظهرها الدراما العربية لا تعبر عن الواقع الحقيقي للمواطن العربي.
3. دراما تعمد الى تشويه المنهج الإسلامي وإظهار الطوائف المبتدعة على إنها تعبر عن الوسطية والاعتدال، مثل تلميع بعض طقوس الصوفية وإظهار اليهود والنصارى العرب على انهم متعاونون ومخلصون ـ بإطلاق ـ كما في مسلسل “باب الحارة”، وتشويه مظاهر التدين العام كإعفاء اللحية والتمسك ببعض العبادات الظاهرة!، كما في مسلسل ” وما ملكت ايمانكم”.
4. دراما سطحية وتقدم اهتمامات تافهة وغير جادة، ولعل نجاح وشهرة بعض المسلسلات العربية يعود بشكل كبير إلى المضمون الجاد الذي عرض في بعض جوانب المسلسل، فمسلسل “التغريبة الفلسطينية” مثلا حقق نجاحا جيداً بسبب طبيعة الموضوع الجاد الذي عالجه، كما أن مسلسل “باب الحارة” من أسباب نجاحه هو بعض المضامين الجادة التي تضمنها المسلسل مثل مقاومة المحتل وتكاتف أهل الحارة فيما بينهم، وعرض لحياة الأجداد في القرون الماضية وما تحتويه من محافظة على القيم والمبادئ! .
5. دراما مبتذلة وفيها عُري فاضح للنساء وتفسخ، فالظهور في غرف النوم وكشف النحر والفخذين والتبرج السافر، تعتبر مظاهر أصبحت معتادة في الدراما العربية، بل صارت تشكل إحدى سمات الدراما العربية المعاصرة !.

كل ما ذكر وغيره الكثير، يدعونا للإكثار من الحديث عن ضرورة حضور الدراما الإسلامية ودخولها ميدان المنافسة، بل نرى أن ذلك مسألة لازمة وحتمية، كون الدراما أصبحت احدى الفنون المؤثرة والموجهة لحياة المجتمعات، بل تعدى تأثير بعضها حدودها الجغرافية والثقافية، كما هو حال الدراما الهندية والتركية والمكسيكية.
ولا شك أن هناك عقبات كبيرة أمام الدراما الإسلامية تحول دون انطلاقها أو حضورها الفاعل، منها عقبات فكرية وفقهية، ومنها عقبات فنية وضعف الخبرة في هذا المجال، والمشكلة والعقبة الأكبر هي الضعف الحاد في التمويل وعدم وجود هيئات إسلامية تأخذ على عاتقها تقديم مشاريع درامية أكثر جاذبية وتأثيرا وحضورا.
هذا المقال يأتي تعبيراً عن إحدى الاهتمامات والطموحات الإعلامية للشارع العربي والإسلامي، وهو دعوة ونداء لكل مقتدر أن يساهم في دعم وتمويل الدراما الإسلامية، كما انها دعوة للمخرجين وللكتاب وغيرهم من العاملين في الحقل الإعلامي أن يعطوا هذا الموضوع حقه من البحث والنقاش، وان يُعدوا الدراسات والمشاريع الدرامية ويعملوا على اقناع شركات الإنتاج والممولين بأهمية دعم هذه المشاريع الدرامية الهادفة والوقوف معها.