د.أحمد الغامدي
المثقف والسياسي والموت
اعتذر مقدما سطور كتبت على عجل ولم يكن لي ترف التدقيق في المحتوى أو الأسلوب
لا خلاف ان الحي لا تؤمن عليه الفتنة ولهذا ورد في الحديث الشريف (يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك) وهذا متوقع بسبب ما يرد على المسلم من صوارف الشبهات والشهوات.
ويكون أمر الافتتان أخطر وأكثر احتمالية عندما يتعلق الأمر بالسياسية والسلطان حيث يتعرض الأنسان لفتنة سيف المعز وذهبه، كما يقال، فيتم صرفه عن نضاله السياسي، الترهيب بالقمع والحبس، أو الترغيب بالمال والمنصب، وكم عرف التاريخ من معارضين سياسيين أصبحوا وزراء ووجهاء في دولة من كانوا يعارضونهم.
والأدباء والشعراء ليسوا بدعاً من البشر ممن حولهم، فهم قد تغلب عليهم (رخاوتهم العاطفية الجياشة) فينتقلوا من فسطاط الممانعة إلى فسطاط الممالأة والمداهنة. وهذا ما يخطر على البال بعد التفكر في التغيرات السياسية والفكرية التي مر عليها الأديب المصري المشهور (جمال الغيطاني) فبعد أن كان شخصية ثائرة ومناضلة في شبابه لدرجة أنه أودع السجن في أواخر فترة سيء الذكر جمال عبدالناصر نجده بعد الخروج من المعتقل تتوثق علاقته بالطغاة والمستبدين، مثل صدام حسين وحديثا عبدالفتاح السيسي، كما إننا أشرنا سابقا أن شخصية عبدالفتاح السيسي فيها تقاطع كبير مع شخصية الزيني بركات كما في الرواية الأشهر لجمال الغيطاني.
ولعنا نستعرض الآن وبشكل شبه مختصر فضائح ومخازي بعض كبار الأدباء والشعراء العرب المعاصرين الذين انخدع بعض منا بسبب نبرتهم السياسية الناقدة، حيث كنا نتوقعهم مناضلين سياسيين ثم لا تدور الأيام دورتها إلا ونكتشف بأنهم لفرط نفاقهم وسوء دواخلهم لا يمتون إلا في أحضان العسكر كمثال جمال الغيطاني الذي توفي يوم أمس في مستشفى الجلاء العسكري بالقاهرة.
وقبل عدة شهور فقط توفي في أحضان العسكر الشاعر المصري المشهور عبدالرحمن الابنودي الذي نجده هو الآخر يعتقل لفترة من الزمن في سجون جمال عبدالناصر وبالرغم من اشتهاره بالعديد من القصائد السياسية ذات الاتجاه العروبي النضالي إلا أنه وقع في تناقض سياسي صارخ وفاضح. فبعد ثورة 25 يناير المصرية الحاسمة انضم الابنودي إلى قافلة المتسلقين لها ونشر قصيد ذاعت الصيت حملت عنوان (الميدان) دلالة على ميدان التحرير وقال فيها بيته المشهور (آن الاوان ترحلي يا دولة العواجيز) لكن بسبب ان نضاله السياسي لم يكن صادقا فسرعان من انتكس على عقبيه وأيد بصوره متهورة ومحزنة الانقلاب العسكري في مصر بل انه كتب قصيدة في مدح الجنرال السيسي ويقال أنه من أواخر ما قال قبل وفاته (السيسي وقناة السويس والمصريين).
وقبل وفاة جمال الغيطاني والابنودي في عصر السيسي المشؤم توفي قبل حوالي سنة اشهر ثائر سياسي من طبقة الشعراء المصريين إلا وهو الشاعر المعروف أحمد فؤاد نجم وبالرغم من أنه ايقونة الاحتجاج الجماهيري المصري لدرجة انه سجن عدة مرات في زمن جمال عبدالناصر ولهذا بسبب معارضته السياسية المتنوعة كان من القابه شاعر الثورة ومع ذلك نجده يساعر في أواخر حياته بمساندة العسكر في انقلابهم على نتائج الديمقراطية ويقف هو الاخر في صف المطبلين للجنرال السيسي حث وصفه بقولة (السيسي د هزي القمر وهو عبدالناصر الجديد).
ولعلنا بعد فترة من الزمن ربما لن تطول نسمع بمصرع الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي والذي احتفل هذه السنة ببلوغه سن الثمانين وبالرغم من أنه نافق ثورة 25 يناير عندما زعم بانه عاد لكتابة الشعر بعد انقطاع عشرين سنة بسبب حماسته للثورة ولهذا اصدر ديوانه الشعري الاخير (طلل الوقت) ورجع لمصر بعد أن كان يقيم في فرنسا إلا أن هذا الشاعر لم تأمن عليه الفتنة السياسية ونجده كمن سبقه من الادباء يسارع في مرضاة الجنرال السيسي وقبل ايام من الانتخابات الرئاسية الباطلة لانتخاب الفرعون ذهب للقاء السيسي في لفيف من اشهر ادباء مصر. والأنكى من ذلك أنه عندما أمر السيسي بإطلاق سراح عدد من الشباب المعتقلين كان تعليق أحمد عبدالمعطي حجازي بأن هذا التصرف يدل على (إنسانية السيسي) بالرغم من تجاهله للمجازر المريعة التي قام بها.
وممن ناصر السيسي فترة من الزمن الروائي المصري الشهير علاء الأسواني والذي بالرغم من أنه كان معارض شرس في فترة حكم المخلوع حسني مبارك كما يتضح من روايته الرائعة (عمارة يعقوبيان) الا أن للكاتب علاء الأسواني أهمية خاصة فيما ننقله هنا عن تحول المناضل السياسي وضعفه من مواجهة الطاغية. ففي رواية (شيكاغو) لعلاء الأسواني يقوم الرئيس المصري بزيارة متخيلة للولايات المتحدة ولهذا تحرص المعارضة المصرية في الخارج ان تحرج الرئيس المصري وتقيم المظاهرات الاحتجاجية ضده.
وفي الرواية يقوم دكتور جامعي ومعارض سياسي مصري يقيم في امريكا ويدعى (محمد صلاح) بتجهيز نفسه للوقف امام حسني مبارك وانتقاده امام الملاء ولكن على ارض الواقع يجبن هذا المعارض أن يقول كلمة الحق امام السلطان الجائر وبدلا من ان يطلب من الرئيس المصري أمام كاميرات التلفزيون الأمريكية أن يطلق سراح المسجونين بل ويطلب من أن يستقيل إذا بهذا المعارض الكرتوني الخائر يترك الورقة التي جهزها لانتقاد مبارك وبدلا عن ذلك يقول بصوت مبحوح (نرحب بسعادة الرئيس).
أن الموقف المخزي للمعارضة أمام السلطة في اللحظات الاخيرة هو تقريبا ما وقع فيه علاء الاسواني نفسه عندما ناصر في البداية بقوة وشراسة الانقلاب العسكري وأخذ يلقي المحاضرات والمؤتمرات الصحفية في الدول الاوروبية يدافع فيها عن الانقلاب بل أنه وصل لدرجة كئيبة من الاسفاف عندما قال وهو يصف السيسي (بأنه أعظم قائد عسكري بعد ايزنهاور) والطامة الكبرى انه قال هذا الكلام الممجوج في مقابلة صحفية لجريدة الاندبندنت البريطانية التي لا يخدع قرائها بهذا الكلام المتهافت ليس فقط لأن السيسي اصلا لم يخوض أي حرب عسكرية بل لآنه جنرال وصل للحكم على ظهر دبابة وما زال يركنها أمام قصره.
الكلام ذو شجون ويطول ويشرق ويغرب ولهذا اقتصر الحديث عن الادباء الذين كان لهم نوع معارضة سياسية ملموسة ثم انقلبوا عليها وسوف نتجاهل حتى حين تسطير المواقف المخزية لأدباء اقل أثر فكري واقل معارضة سياسية من أمثال يوسف القعيد وجابر عصفور وفاروق جويدة ومن لف لفهم ممن يعتبرون اليوم أبرز الادباء في بلاط الفرعون الجديد.
ولعلنا نختم بتلميحه خاطفة إلى أن هذا الداء اصيل ومتجذر في رجالات الثقافة والادب والشعر ألا وهو العيش في كنف الطغاة الرضي بالتودد اليهم. لا يختلف اثنان أن أهم وأفضل شعراء العربية في العصر الحديث هما الشاعر البارز نزار قباني والشاعر الثائر الجواهري إلا أن كلا منهما لطخ سمعته بالارتباط بطاغية العصر حافظ الاسد. فنزار قباني الذي تعرض قديما لبعض المضايقة السياسية لدرجة أنه سمى أحد اشهر دواوينة الشعرية (قصائد مغضوب عليها) ومع ذلك نجد أن هذا الشاعر القومي العروبي هو من كتب في حق السفاح الاكبر حافظ الاسد (سيادة الرئيس القائد … شكرا لكم لأنكم موجودن في تاريخنا) وفي موقف ومقال سخيف آخر قال نزار عن الاسد مجرم حماة وحلب (إن الرئيس حافظ الاسد هو صديق الشجرة والغيمة وسنبلة القمح … ولو أن سنبلة قمح واحدة انكسرت لحمل لها حافظ الاسد وعاء المهل ووقف فوق راسها حتى تشفى)
أما الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري فقد رضى من نفسه أن يقبل أن يطلق عليه حجاج العراق المستبد عبدالكريم قاسم لقب (شاعر الجمهورية) وبعد ذلك بسنوات انتقل للعيش في سوريا الاسد ولهذا لم يتردد هذا الشاعر المناضل والأبي كما يتوهم البعض أن يمدح المجرم حافظ الاسد بقصيدة طنانه يفتتحها كما يقال بأن أول القصيدة كفر (سلاما أيها الاسدُ سلمت وتسلم البلدُ) كما أنه امتدح نجل الاسد باسل بقصيدة (باسل الخيل والفرسان) ولعلها هي من أصابت (ونحتت) ذلك الشبل الاثيم فصرعته وسقط من فوق حصانه مجندلا مقتولا.
على كل حال لا يكفي أن نقول للمثقفين والادباء قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت بل أننا نعدل هذه المقولة لتصبح (قل لي من تمدح أقول لك من أنت).