منهج المبطلين في إثارة الأباطيل عن القرآن
الحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، فهذه كلمات في حكاية منهج المبطلين وأصول أخطائهم ، وليس المراد تتبع أفراد الشبهات، فإن ذلك له مقام آخر يطول الكلام فيه.
فمن منهجهم :
أ. الكذب في اختراع الأُبطولة:
الكذب حيلة من لا حيلة عنده ولا دليل، وهو مسلك درج في ظلماته مثيرو الشبهات والأباطيل حول القرآن الكريم حين أعيتهم الحيل أن يجدوا في القرآن مطعناً وملمزاً.
وصور كذبهم كثيرة، أكتفي بالتمثيل لها مبتدئاً بما قاله وهيب خليل في سياق حديثه عن معجزات المسيح المذكورة في القرآن: “وإن كان بعض المفسـرين يحاولون أن يقللوا من شأن السيد المسيح في المقدرة قائلين: إنه يصنع هذا بأمر الله، فنجد أن الإسلام يشهد أن هذه المقدرة هي لله فقط”(1).
ومن المعلوم عند كل مسلم أو غيره مطلع على القرآن الكريم أن الذي أحال معجزات المسيح إلى قدرة الله وإذنه هو القرآن الكريم، وليس مفسـروه ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ﴾ (المائدة: ١١٠).
ومن الكذب زعم مؤلفي كتاب “التعليقات على القرآن” أن حفاظ القرآن الأربعة ماتوا قبل جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق : “أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد .. فإن هؤلاء الأربعة ماتوا قبل جمع القرآن .. ولما رأى أبو بكر هذا الحال جزع من ضياع القرآن”(2).
وقولهم هذا كذب صراح ولا ريب ، لأن هؤلاء الأربعة أدركوا جميعاً عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، أي أدركوا جمع أبي بكر ، فأبو الدرداء ولي قضاء دمشق في عهد عمر ، ومات قبل موت عثمان بسنتين.
ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر في طاعون عمواس سنة ١٧هـ.
وأما ثالثهم زيد بن ثابت فهو من جمع القرآن في عهد الصديق ثم عثمان ، ومات سنة ٤٥ هـ، أي في زمن معاوية رضي الله عن الجميع.
ورابعهم أبو زيد سعد بن عبيد الأنصاري ، وقد قتل يوم القادسية في زمن الخليفة عمر بن الخطاب (3).
ومن صور الكذب أيضاً طعن القس العربي الفلسطيني أنيس شروش في عربية القرآن أمام جمهور من الأعاجم الذين لا يعرفون العربية، بقوله: “لكن محمداً استعمل كثيراً من الكلمات والجمل الأجنبية في القرآن … في كتاب ادعى أن الله أوحاه بالعربية”(4)، ومن المؤكد أن القارئ العربي يعرف أنه لا يوجد في القرآن جملة واحدة غير عربية ، فقد نزل بلسان عربي مبين، لكن الدكتور شروش يهذي بهذا أمام أعاجم، ولا يستحي من الكذب عليهم.
ب. تحريف معاني النصوص وتفسيرها بمعان مشكلة :
يلجأ الطاعنون في القرآن إلى تحريف ألفاظ النصوص الإسلامية وتفسيرها بمعان مشكلة لا يوافق عليها عالم من علماء المسلمين ، ومن ذلك قول البابا شنودة: “ولم يقتصر القرآن على الأمر بحسن مجادلة أهل الكتاب، بل أكثر من هذا، وضع القرآن النصارى في مركز الإفتاء في الدين، فقال: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ (يونس: ٩٤)، وقال أيضاً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)(5).
ومن صور التحريف للمعاني ما صنعه القس أنيس شروش مع مستمعيه الإنجليز بقوله: “أنتم معشر المسلمين تعتقدون أن المسيح ما زال على قيد الحياة .. لكننا إذا قارنا هذا بما جاء في القرآن ؛ فإننا سنجد تناقضاً ، فإن القرآن يقول: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ (مريم: ٣٣ )“ قرأها بالعربية صحيحة ، ثم ترجمها لمستمعيه: “وسلام علي يوم ولدت، ويوم مت، ويوم أبعث حياً”(6) ، فحوَّل الأفعال المضارعة – التي يراد منها المستقبل – إلى أفعال ماضية ؛ مستغلاً جهل مستمعيه بلغة العرب.
ج. بتر النصوص وإخراجها عن سياقها:
ويعمد مثيرو الأباطيل إلى بتر النصوص واجتزائها، فيختارون من النص ما يعجبهم، ويدَعون ما لا يوافق هواهم وباطلهم، ومن ذلك ما صنعه القمُّص زكريا بطرس وهو يستدل لعقيدة التثليث بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ (النساء: ١٧١)، فقد تعامى عن أول الآية وتمامها؛ لما فيهما من تنديد بالتثليث ووعيد لأهله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِالله وَكِيلاً لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لله وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُـرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ (النساء: ١٧١-١٧٢).
ومن صور البتر والتحريف ما رأيته عند عدد من كُتَّاب النصارى وقسسهم(7)، فقد زعموا أن الرازي كان يستشكل القول بنجاة المسيح من الصلب ووقوع الشبه على غيره، ثم يسوقون كلاماً طويلاً للرازي ملخصه أن القول بصلب غير المسيح بدلاً عنه فيه ست إشكالات، نقل هذه الإشكالات عنه ثروت سعيد، وعقَّب عليها بالقول: “انتهى للإمام فخر الدين الرازي، ولا تعليق”، وهو يوهم قراءه أن هذه الإشكالات يستشكلها الرازي، فيقول: “ولهذا لم يكن بُدٌّ لعالم نزيه كالإمام العلامة فخر الدين الرازي أن يفند قصة الشبه تفنيداً محكماً”(8).
والحق أن الرازي رحمه الله ذكر الإشكالات الستة التي يستشكلها النصارى وغيرهم على قول القرآن بنجاة المسيح ، ثم لما انتهى من سردها شرع في الرد عليها جميعاً، فقال : ” فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات : والجواب عن الأول … والجواب عن الثاني …”.
د. محاكمة القرآن إلى مصادر ومعلومات غير موثوقة :
ويلجأ الطاعنون في القرآن من النصارى في إلقاء شبهاتهم إلى محاكمة القرآن إلى مصادر مرفوضة ومطعون في موثوقيتها كالكتاب المقدس الذي يرى المسلمون والمحققون من أهل الكتاب أنه أسفار تاريخية كتبها مجهولون، ونُسبت إلى الأنبياء بلا سند يوثقها، ومن ذلك تكذيبهم القرآن حين خالفهم في تسمية والد إبراهيم عليه السلام بـ “آزر“ (انظر الأنعام: ٧٤)، وحجتهم أن التوراة سمته “تارح“ (انظر التكوين ١١/٢٧).
وكذلك كذبوا القرآن الكريم حين تحدث عن كفالة زوجة فرعون لموسى (انظر القصص: ٩)، لأن التوراة تقول: إن الذي كفله ابنة فرعون (انظر الخروج ٢/٥-٧).
كما يولع الطاعنون في القرآن بالغرائب الموجودة في كتب بعض المفسـرين، وهي في جملتها منقولة من مرويات وأخبار أهل الكتاب، فيخلطون بينها وبين القرآن، ويجعلون معانيها المنكرة حجة عليه، وفي هذا مجافاة للموضوعية؛ فإن كتب الرجال يحتج لها بالقرآن ، ولا يحتج بها عليه.
ومن ذلك ما نقله الطاعنون عن بعض كتب التفسير لقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (ص: ٢١)، فقد أوردوا قصة مزعومة باطلة، وملخصها أن داود عليه السلام رأى امرأة جاره تستحم، فأولع بها، فأرسل زوجها للقتل في الحرب، ثم تزوجها ، وأن الله عاتبه على فعله، فبكى أربعين يوماً حتى نبت العشب من دموع عينيه(٩)، فهذه القصة الخرافية المستنكرة في معانيها منحولة في أصلها من أسفار التوراة (انظر: صموئيل (٢) ١١/١-٢٦)، ولم ترد في كتب المسلمين مرفوعة إلى النبي بإسناد صحيح أو ضعيف.
1-استحالة تحريف الكتاب المقدس، وهيب خليل، ص (133).
2-تعليقات على القرآن، ص (29).
3-انظر تراجم الأربعة في الإصابة في معرفة الصحابة، ابن حجر (4/747، 6/136، 2/592، 3/68).
4-مناظرة: القرآن الكريم والكتاب المقدس. أيهما كلام الله؟ أحمد ديدات وأنيس شروش ، ص (115-116).
5-بين القرآن والمسيحية ، البابا شنودة، ص (4)، وسيأتي دفع هذه الأبطولة.
6-القرآن والكريم والكتاب المقدس. أيهما كلام الله؟ أحمد ديدات ، ص (45).
7- انظر : حقيقة التجسد، ثروت سعيد ، ص (325)، وقد صنعه القس أسعد وهبة في مناظرته لي حول مسألة “صلب المسيح في العهد الجديد”، وهي منشورة على الشبكة العنكبوتية.
8- انظر : حقيقة التجسد، ثروت سعيد ، ص (324-326).
9- انظر: جامع البيان، الطبري (21/184).
إمكان بعثة الأنبياء
الخالق لهذا الكون الفسيح المتقَن ، لا يعجزه جعل الإنسان نبياً بل (جعل الإنسانِ نبياً ليس بأعظم من جعل العلقة إنساناً حيّاً عالماً ناطقاً سميعاً بصيراً متكلماً قد علم أنواع المعارف )[1]
وحياة الإنسان وعلمه وحكمته دالةٌ على اتّصاف خالقه بالحياة والعلم والحكمة ، لأنها صفاتُ كمالٍ ، وفاقد الكمال لا يعطيه ؛ هذا من جهة ومن أخرى : أن انتظام الكون وإتقانه يدلُ دلالةً قطعية على حكمة صانعه، والحكيمُ منزهٌ عن الخلقِ عبثاً .
وتخصيص الإنسان بالعلم والحكمة دون سائر المخلوقات ، وتخصيص كل مخلوقٍ بهيئة تناسب الغاية التي خُلق من أجلها ، يدل على إرادته وعلمه بالمآلات ، ما يعني أن الوسيلة التي خاطب بها خلقه كانت وفق إرادةٍ وحكمةٍ وعلم ، ولا يصح الاعتراض عليها من قِبل الموهوب الناقص ، إذ عُلِمَ عقلاً أن الواهب أكمل .
ويتأكد إمكان النبوة بالنظر إلى حاجة الإنسان إليها ، وكلما كان الإنسان إلى شيءٍ أحوج يسَّر اللهُ الوصولَ إليه
يقول الإمامُ ابن تيمية – رحمه الله – :
( الناسُ كلّما قَوِيَتْ حاجتُهُم إلى معرفة شيءٍ يسّر الله أسبابَه ، كما يُيسِّر ماكانت حاجتُهُم إليه في أبدانهم أشد ، فلما كانت حاجتُهُم إلى النفَس والهواء أعظمُ من حاجتِهِم إلى الماء كان مبذولاً لكل أحدٍ في كل وقت ، ولما كانت حاجتُهُم إلى الماء أكثرُ من حاجتهم إلى القُوت كان وجودُ الماء أكثر ، وكذلك لمّا كانت حاجتُهُم إلى معرفة الخالق أعظمُ كانت آياتُه ودلائلُ ربوبيّتِه وقدرتِه وعلمِه ومشيئتِه وحكمتِه أعظمُ من غيرها ، ولمّا كانت حاجتُهُم إلى معرفةِ صدقِ الرسلِ بعد ذلك أعظمُ من حاجتِهِم إلى غيرِ ذلك أقام الله سبحانه وتعالى من دلائلِ صدقِهِم ، وشواهد نبوّتِهِم وحُسنِ حالِ مَن اتّبعَهُم ، وسعادتِه ونجاتِه ، وبيانِ مايحصلُ له من العلم النافع ، والعملِ الصالحِ ، وقُبْحِ حال مَن خالفهم ، وشقاوتِه وجهلِه وظلمِه مايظهرُ لمَن تدبَّر ذلك )[2]
كذلك الإنسانُ بحاجةٍ إلى معرفة الهواء النقيِّ من السام ، والطعامِ الصالحِ من الفاسد ، فوهبَه الله الحواسَّ الخمس ، ليميِّزَ بين المنافعِ والأضرار ، فمن وفَّر له مايحتاجُ إليه في حياته من باب أولى أن يوفِّر ما كان إليه أحوج ، ألا وهو معرفةُ خالقِهِ والغايةُ والمآلُ ، فإن كانَ غايةُ مراد الحيوانات الحصولُ على الطعام والشراب ، فالإنسان غايةُ مرادِه معرفةُ خالقِه وغايةُ وجودِه ، وهذا هو الفرقُ الجوهريُّ بين الإنسانِ والحيوان !
____________
[1] ابن تيمية – مجموع الفتاوى ( 16/264 )
[2]ابن تيمية – الجواب الصحيح ( 3/273 )
الجزية ..
مقدارها وممن تؤخذ
الكاتب: الفريق العلمي لقسم الأحكام الشرعية
إن أصل شرعة الجزية في الإسلام قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } (التوبة: 29).
اعتبروها نوعا من الإتاوة الظالمة – واعتبروها نوعا من الإكراه على اعتناق الإسلام، وأنها عقوبة من الإسلام لأهل الكتاب، وبخاصة انها اقترنت بالصغار.
وثمة مغالطات عديدة تقترن بفهم هؤلاء لهذه الشرعة الإلهية، ونشرع ببيانها بإذن الله
- ١- هل الجزية المفروضة على أهل الذمة جزاء على الكفر
لا ريب أن الجزية في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي)، بمعنى المجازاة، والمكافأة ، ولكن المجازاة ليست على الكفر، بل هي على شيء آخر، وهو الضمانات التي يقدمها الإسلام لدافعي الجزية من اهل الذمة.
قال القرطبي عن تسمية الجزية: “أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن”. الجامع لأحكام القرآن (8/114).
ولو كانت الجزية عقوبة على الكفر لما أسقطت عن النساء والشيوخ والأطفال لاشتراكهم في صفة الكفر، بل لو كان كذلك لزاد مقدارها على الرهبان ورجال الدين، بدلاً من أن يُعفوا منها.
قال الباجي: “الجزية تؤخذ منهم على وجه العوض، لإقامتهم في بلاد المسلمين والذبِّ عنهم والحماية لهم”. المنتقى شرح موطأ مالك (2/175).
إن حساب الكافر على كفره لن يكون دراهم معدودات ، إن احدا من البشر لا يقدر على مجازاة الكافر، ولذلك فالله هو يتولى حساب من كفر به في الآخرة: {قل الله أعبد مخلصاً له ديني # فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين} (الزمر: 14-15). وقال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر # لست عليهم بمسيطر} (الغاشية: 21-22).
- ٢- هل الإسلام أول من اخذ الجزية؟
والإجابة بالطبع لا، فهذا امر دأبت عليه الأمم قبل الإسلام، بل وشرعته الكتب المقدسة عند الامم قبل الإسلام.
فالعهد القديم الذي يؤمن به اليهود والنصارى يشرع شرعة الجزية في ويذكر أن الأنبياء عليهم السلام أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة حين غلبوا على بعض الممالك ، كما صنع النبي يشوع مع الكنعانيين حين تغلب عليهم “فلم يطردوا الكنعانيين الساكنين في جازر، فسكن الكنعانيون في وسط افرايم إلى هذا اليوم، وكانوا عبيداً تحت الجزية” (يشوع 16)، وقد جمع لهم بين العبودية والجزية.
ويذكر إنجيل متّى 22أنه في المسيح سئل: “أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ .. فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه”.
ويعتبر العهد الجديد أداء الجزية للسلاطين حقاً مشروعاً، بل ويعطيه قداسة، ويجعله أمراً دينياً، إذ يقول بولس في رومية 13: “لتخضع كل نفس للسلاطين، السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، .. فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام”.
- ٣- من كان يدفعها وما مقدارها
الجزية فرضها الله على المقاتلين والقادرين على حمل السلاح دون غيرهم من النساء والاطفال والرهبان والعجزة، هذا موضع إجماع من المسلمين.
وهذا واضح لمن تدبر آية الجزية {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } (التوبة: 29)، وأول ما نلحظه أن الآية خطاب إلى المؤمنين تأمرهم بأخذ الجزية من المقاتلين دون غيرهم.
قال القرطبي في تفسيره: “قال علماؤنا: الذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين … وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون، دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني”.
قال الإمام مالك في الموطأ: “مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة”.
لكن السؤال: هل طبق المسلمون هذا في تاريخهم ام أعرضوا عن هدي كتابهم، دعونا نتأمل شهادة آدم متز في كتابه الحضارة الإسلامية فيقول: ” فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار”.
وبمثله شهد ول ديورانت في قصة الحضارة بقوله: “ويعفى منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأَرِقَّاء، والشيوخ، والعَجَزة، والعُمي، والشديد الفقر”.
الأصل في الجزية أن تكون مبلغاً رفيقاً يراعي حالة الدافعين، ففي البخاري أن عمر أوصى الخليفة بعده بأهل الذمة، إذ يقول: ( وألا يكلفوا فوق طاقتهم).
وطوال تاريخ الإسلام لم تتجاوز الجزية أربع دنانير سنويا، بل تراوحت بين الأربعة دنانير والدينار، بحسب حال الدافع للجزية.
يقول المؤرخ بنيامين كما نقل عنه آدم متز في الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: “إن اليهود في كل بلاد الإسلام يدفعون ديناراً واحداً”.
ويقول دربير في كتابه “المنازعة بين العلم والدين”: “إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئاً ضئيلاً من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية”.
بل يوصلنا مونتسكيو في كتابه “روح الشرائع” إلى نتيجة غريبة جدا، وهي أن سهولة الجزية كانت سبباً في انتشار الفتوحات الإسلامية : “إن هذه الأتاوات المفروضة كانت سبباً لهذه السهولة الغريبة التي صادفها المسلمون في فتوحاتهم، فالشعوب رأت – بدل أن تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي تخيلها حرص الأباطرة – أن تخضع لأداء جزية خفيفة يمكن توفيتها بسهولة، وتسلمها بسهولة كذلك”.
وأما من عجز عن دفع هذا المبلغ الزهيد، فإن الفقهاء أسقطوها عنه، يقول ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة: ” تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء “.
قال القاضي أبو يعلى في كتابه الأحكام السلطانية: “وتسقط الجزية عن الفقير وعن الشيخ وعن الزَمِن”.
وهنا نسأل هل كانت الجزية القرآنية اتاوة كما هي عند الأمم السابقة، ام كانت جزء من عقد الذمة الذي يوجب على المسلمين في مقابل هذه الدنانير القليلة سلسلة من الضمانات، وهذا سيكون موضوع حلقتنا القادمة بإذن الله.
- ٤- معنى الصغار احتياطا
وأما الأمر بالصغار الوارد في قوله:{ وهم صاغرون }، فهو معنى لا يمكن أن يتنافى مع ما رأيناه مع تعاليم الإسلام بوجوب البر والعدل، وحرمة الظلم والعنت، وهو ما فهمه علماء الإسلام
فسره الشافعي بأن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة.
وفسره التابعي عكرمة مولى ابن عباس بصورة دفع الجزية للمسلمين، فقال: “أن يكونوا قياماً، والآخذ لها جلوساً”، إذ لما كانت اليد المعطية على العادة هي العالية، طلب منهم أن يشعروا العاطي للجزية بتفضلهم عليه، لا بفضله عليهم.
يقول ابن القيم والماوردي والقرطبي في تفسيره: “فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى، ويد الآخذ عليا”. الجامع لأحكام القرآن (8/115) ، وتفسير الماوردي (2/351-352).
وأما ما نقل عن بعض الفقهاء من صور مستقبحة في معنى الصغار فهي مما استقبحه العلماء وأنكروه، ومنه ما نقله تقي الدين الحصني الشافعي عن بعضهم بقولهم: “وتؤخذ على وجه الصغار والإهانة؛ بأن يكون الذمي قائماً، والمسلم جالساً، ويأمره أن يخرج يده من جيبه، ويحني ظهره، ويطأطئ رأسه، ويصب ما معه في كفة الميزان، ويأخذ المستوفي بلحيته، ويضرب في لهزمته، وفي مجمع اللحم بين الماضغ والأذن”.
وتعقبها النووي بقوله: “هذه الهيئة باطلة، ولا نعلم لها أصلاً معتمداً، وإنما ذكرها بعضهم .. فالصواب الجزم ببطلانها، وردها على من اخترعها، ولم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام ولا أحد من الخلفاء الراشدين فعل شيئاً منها”.[1]
ولما ذكر ابن القيم صوراً شبيهة ذكرها الفقهاء عقّب بقوله: “وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك، والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصغار”.[2]
ونقل النووي عن جمهور العلماء قولهم: “تؤخذ برفق كأخذ الديون”. [3]
- ٥- ضمانات في مقابل الجزية
تحدثنا في الحلقة الماضية عن الجزية ومشروعيتها عند الاديان والامم الاخرى وتحدثنا عن مقدارها وعمن تجب عليه.
وهنا بين ايدينا سؤال هام: هل كان فرض القرآن للجزية على اهل الذمة صورة مما عرفته البشرية من اتاوات باهظة يفرضها القوي الغالب على الضعيف المغلوب.
1- ونقول لا فإن شرعة القرآن للجزية تتناسب مع الرؤية الحضارية التي نشهدها في كافة التشريعات القرآنية، فإن الجزية جزء من عقد معاوضة بين المجتمع المسلم واهل الذمة، يقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، أخذ دنانير معدودة في مقابل مجموعة من الضمانات التي لن تجد لها عند الامم مثيلاً.
2- أول هذه الضمانات الحماية ، وقد ضمنه النبي r لربيعة الحضرمي حين اخذ منه الجزية، فكتب له: “وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين ، وأن أرضهم بريئة من الجور”. رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى
وبمثله ضمن عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط ، حين قال: ” نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا ، وكان لكم به عهد علينا …”. رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر وأخبارها
وكتب خالد لأهل بعض النواحي في العراق : “فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم”. تاريخ الطبري
3- لذا قرر الفقهاء أن الجزية شرطها الحماية، قال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح موطأ مالك: ” الجزية تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم”. وبمثله قال الماوردي في الأحكام السلطانية، والنووي في مغني المحتاج وابن قدامة في المغني.
بل ينقل القرافي في الفروق عن ابن حزم إجماعاً للمسلمين لا تجد له نظيراً عند أمة من الأمم، فيقول: “من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله r؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة”.
ويعلق القرافي فيقول: “فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صوناً لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم”.
4- ولا يسقط واجب المسلمين بحماية أهل الذمة وهم في ديار الإسلام، بل يمتد إلى إطلاق أسراهم الذين غُلبنا عليهم، يقول ابن النجار الحنبلي في مطالب أولي النهى: “يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفكُّ أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى”.
ولما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عدداً، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء، وطلبوا فك الأسرى، فسمح له بالمسلمين، ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام: “لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع لديك أسيراً، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا”، فأطلقهم الأمير التتري جميعاً. مجموع الفتاوى 28
5- وحين عجز المسلمون عن حماية أهل الذمة ردوا إليهم ما أخذوه من الجزية لفوات شرطها، وهو الحماية، رد ابو عبيدة مال الجزية وقال: “إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كان بيننا وبينكم ؛ إن نصرنا الله عليهم”. رواه أبو يوسف في الخراج (166) ، وانظره في: فتوح البلدان للبلاذري (187).
6- وحين قام أهل الذمة بالمشاركة بالذود عن بلادهم أسقط عنهم المسلمون الجزية، كما صنع معاوية t مع الأرمن، يقول لوران المؤرخ الفرنسي في كتابه “أرمينية بين بيزنطة والإسلام” : ” والعهد أعطاه معاوية سنة 653م، إلى القائد تيودور رختوني بان يدفعوا عن بلادهم.
ولما تعهد الجراجمة (قريباً من أنطاكيا) بالقيام بالدفاع عن ثغرهم مع المسلمين، وأن يكونوا عيوناً للمسلمين وأعواناً لهم؛ أسقط عنهم أبو عبيدة t الجزية، بل صالحهم على أن ينفلوا مع المسلمين إذا غنموا في حربهم إلى جانب المسلمين. رواه البلاذري في فتوح البلدان (217).
وبمثله صالح أهل السامرة ، مثله صنع سويد ين مقرن مع أهل جرجان، كما كتب عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب لأهل أذربيجان بإسقاط الجزية عمن قاتل مع المسلمين منهم، وسراقة بن عمرو لأهل أرمينيا.
7- لذا حق لآدم ميتز في الحضارة الإسلامية أن يرى الجزية أشبهت ما نسميه اليوم بالخدمة العسكرية، إذ يقول: ” وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح “.
ويوافقه المؤرخ توماس أرنولد في الدعوة إلى الإسلام ، فيقول: “ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين لوناً من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين”.
ويقول ول ديورانت قصة الحضارة: ” ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح .. وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية .. وكان لهم على الحكومة أن تحميهم”.
أما فان فلوتن كما نقل عنه الإسلام وأهل الذمة قوله فيرى أنها أشبه بضريبة خدمات: “الضرائب ليست فادحة بالنسبة لما كانت تقوم به الحكومة العربية من بناء الطرق وحفر الترع وتوطيد الأمن وما إلى ذلك من ضروب الإصلاح، والحقيقة أن الجزية لم تكن عقاباً لأهل الذمة، فهي نظير إعفائهم من الجندية وفي مقابل حماية المسلمين لهم”.
الضمانة الثانية: التكافل الاجتماعي
لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين – الذين يقيمون في المجتمع المسلم – كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي.
1- وحث الإسلام أيضاً المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال تبارك وتعالى:{ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } (البقرة: 195).
2- وقدجعل الإسلام دفع الزكاة إلى مستحقيها من المسلمين وغيرهم ركناً من أركان الإسلام،فقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} (التوبة: 60) قالالقرطبي: ” ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة .. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين،والمساكين فقراء أهل الكتاب”.
ويقول السرخسي في المبسوط: “لنا أن المقصود سد خلة المحتاج ودفع حاجته بفعل هو قربة من المؤدي، وهذا المقصود حاصل بالصرف إلى أهل الذمة، فإن التصديق عليهم قربة بدليل التطوعات، لأنّا لم ننه عن المبرة لمن لا يقاتلنا، قال الله تعالى :{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين } (الممتحنة: 8)”.
3- ولئن كان الخلاف بين الفقهاء قوياً في بر أهل الذمة من أموال الزكاة المفروضة، فإنهم أجازوا دفع الكفارة الواجبة إلى أهل الذمة، بل قدمهم الكاساني في بدائع الصنائع فيها حتى على المسلم ، لأنها ” وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم، كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى، لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه”.
وأمر القرآن الكريم ورغَّب بالصدقة على غير المسلمين، فقد روى أبو عبيد أن بعض المسلمين كان لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، يريدوهم أن يسلموا ، فنزلت : { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} (رواه أبو عبيد وابن زنجويه في الأموال وصححه الألباني في تمام المنة (1/389).
وقد جاء في مراسيل سعيد بن المسيب أن رسول الله تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تجري عليهم “. رواه أبو عبيد في الأموال ح (1322)، وصحح الألباني إسناده إلى سعيد في تمام المنة (1/378).
وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين قال كنت مع سفيان بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}
ووفق هذا الهدي سلك أصحاب النبي r من بعده ، فكتب خالد بن الوليد t لنصارى الحيرة : ” وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”. رواه أبو يوسف في كتاب الخراج
وروى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من أهل الجزية يسأل الناس فقال: (ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير). رواه أبو يوسف في الخراج ، وانظر الأموال
وفي رواية أن عمر أخذ بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال : (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم { إنما الصدقات للفقراء والمساكين} والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب)، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. رواه أبو يوسف في كتاب الخراج
وكان مما أمر به رضي الله عنه : “من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه”. تاريخ مدينة دمشق
ومر t كم في فتوحات البلاد نفي الجابية على مجذومين من أهل الذمة،فأمر أن يعطوا صدقات المسلمين،وأن يجري عليهما القوت من بيت المال.
وكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن أرطأة : “وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه”. رواه أبو عبيد ابن زنجويه في كتابيهما الأموال .
[1] كفاية الأخيار (1/669).
[2] أحكام أهل الذمة (120-121).
[3] كفاية الأخيار (1/669).
عقوبة الردة عقلًا| أحمد سالم أبو فهر
الكاتب: الفريق العلمي لقسم الأحكام الشرعية
هل حد الردة مقبول عقلًا ؟
يُجيب أ.أحمد سالم – أبو فهر السلفي – في هذا المقال على هذا السؤال، ويشرح مسألة الردة بعقلانية ، يقول :
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ،
الحمد لله وحده..
– مشكلة حرية الاعتقاد والفرق بين موقف الإسلاميين المقيد بالوحي وبين موقف الليبراليين الوضعي الفلسفي،هي من المشكلات الدقيقة التي يحتاج تحريرها إلى بسط تاريخي واستدلالي.
– لكني أكتفي في هذا المقال بالكلام عن الردة ومدى انسجام موقف الوحي منها مع العقل الصحيح؛لبيان أن الشريعة التي قررها الله سبحانه في الوحي هي شريعة عقلانية تفوق في سمو مقاصدها وسلامة بناءها العقلي الشرائعَ الوضعية التي يزعم الليبراليون ونحوهم أنها هي المناسبة لزماننا وأنها زبدة نتاج العقل الإنساني في العصر الحديث.
– وإذا ثبت أن هذه الشريعة الثابتة بالوحي جارية على أصول العقل السليم،يمكن إثبات حسنها بالعقل= امتنع تقديم الشرائع الوضعية عليها؛ لأنه إما أن يقال إن شريعة الوحي جمعت العقل الصحيح مع كونها صادرة عن الله الخالق المدبر العليم الخبير فاجتمع لها حسنان أوجبا تقديمها، وإما أن يقال إنها شريعة ثبتت صلاحيتها بأدلة عقلية وجب على من يطعن فيها أن يرد على هذه الأدلة العقلية وأن يثبت أن الشريعة التي يستند هو إليها قامت على أصول عقلية أحسن وأوفى،أما تقديم الشرائع والقوانين الوضعية على القوانين الثابتة بالوحي مع عدم خوض هذا المعترك الاستدلالي المقارن فهو نهج غير علمي وتحيز غير موضوعي،يأباه المنهج العلمي الصحيح ويرفضه العقل الحر .
– وواضح جداً أنني لن أتكلم عن عقوبة المرتد وصورتها في الشريعة وخلاف الفقهاء حولها وحول شروط إنفاذها؛إذ إن من نحاورهم ينكرون مطلق عقوبة المرتد ويرون أن فيها عدواناً على حرية الاعتقاد فناسب أن نثبت لهم معقولية هذه العقوبة وسلامة بنائها العقلي والقانوني بقطع النظر عن صورتها وكيفيتها.
– وواضح جداً أيضاً أن حديثنا هنا هو مع من يرد العقوبة الشرعية لأنه يرى فيها عدواناً على القيم سواء كان يقر بأن هذه العقوبة هي شرع الله بالفعل أو كان ينازع في هذا.
فنقول :
– عندنا مجموعتان من النصوص ،
المجموعة الأولى هي التي تنتظم نصوص عدم الإكراه في الدين كقوله سبحانه :
((لا إكراه في الدين))،وقوله سبحانه : ((فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر)) ،وقوله سبحانه : ((ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)).
والمجموعة الثانية هي التي تنتظم نصوص حاكمية الوحي وسلطانه وحرمة الفكاك منها كقوله سبحانه : ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم))،وكقوله في الحديث الذي رواه البخاري : ((من بدل دينه فاقتلوه)).
– وضربُ مجموعتي النصوص هاتين ببعضهما ومعارضة المجموعة الأولى بالمجموعة الثانية فيه مغالطة أدت إلى الغفلة عن أن المجموعتين لا تردان على محل واحد،وإنما هما تعالجان حالتين مختلفتين.
– وهذه المغالطة متكررة الحدوث ومن أمثلتها ضرب نصوص السِلم في القرآن بنصوص الجهاد ،وجعل الإسلام سلم كله أو حرب كله أو اتهامه بالتناقض،بينما واقع الحال هو أن نصوص السلم لها موضع ومشروطية معينة،ونصوص الحرب لها موضع ومشروطية مختلفة تماماً.
وفي مسألتنا نجد أن المجموعة الأولى تعالج أمر الذين لم يؤمنوا بهذا الدين ولم يقروا بالالتزام بأوامره وأحكامه،فليس لحامل الرسالة الإسلامية معهم سوى الدعوة والتذكير والنصح،وليس له أن يكرههم أن يكونوا مؤمنين،والدليل على أن هذا هو المراد بآيات هذا المجموعة ظاهر جداً في دلالات ألفاظ الآيات فالآيات تتحدث عن قوم لم يؤمنوا وتمنع إكراههم على الإيمان.
– وفي المقابل تتحدث المجموعة الثانية من النصوص عن قوم آمنوا وعن قوم دانوا بهذا الدين والتزموا أحكامه ،فهي تخاطب المؤمن والمؤمنة والحديث يخبر عن من دان بدين الإسلام بالفعل ،وهنا لا يسوي الوحي بين الحالتين أبداً،ويجعل حكم الذي آمنوا ودانوا بهذا الدين هو وجوب الالتزام بأحكامه وحرمة عصيانها وأنهم معاقبون إن عصوا ومعاقبون إن ارتدوا عن هذا الدين بعد أن آمنوا به وانضووا تحت لوائه.
– وهذ التفريق الذي أتى به الوحي هو الذي يؤيده العقل الصحيح وتسير عليه القوانين المعاصرة،فإن إجماع القوانين والنظم المعاصرة قائم على التفريق بين من أقروا بالالتزام بالقانون وبين من لم يدخلوا تحت مظلته أصلاً،فالمقرون معاقبون إن خالفوا ومن لم يدخلوا تحت مظلة القانون فلا سلطة للقانون عليهم،والأمثلة التالية توضح ذلك :
(1) فلو انتخب رجل حكومة بالانتخاب الحر ،ثم أتت هذه الحكومة بعد أن استوت على سدة الحكم فشرعت قانوناً ،فجاء هذا الرجل وقال إن لي حرية عدم التزام هذا القانون بما أني كنت حراً في اختيار هذه الحكومة أصلاً = لأجمع العقلاء جميعاً على أن هذا التصرف غير جائز وعلى أن الحرية قبل الانتخاب لا تعني الفكاك من الإلزام القانوني الذي تأتي به هذه الحكومة المنتخبة.
(2) الانتماء بالولاء لدولة أجنبية ليس جريمة يعاقب عليها القانون إلا إذا كان هذا المنتمي قد سبق له الدخول تحت ولاء دولة أخرى،وحينها يكون ولاءه لدولة ثانية إشكالاً قانونياً قد يصل لحد اتهامه بالخيانة العظمى بحسب طبيعة الولاء الذي صرفه لتلك الدولة الأجنبية.
(3) تفرق القوانين المعاصرة بين القانون قبل أن يُسن تشريعياً فهو في هذه الحالة غير ملزم ولا يعاقب المواطن على مخالفته وتقوم المحاكم الإدارية بإلغاء أي عقوبة بنيت على أساس قانون لم يشرع بالطرق التشريعية المقررة في الدولة،أما إذا سن القانون تشريعياً وتم الإعلام به فإن المواطن يعد مقراً ضمنياً بوجوب الالتزام به ويعاقب عند مخالفته.
(4) تتم معاقبة الفرد الأجنبي الموجود داخل حدود دولة غير دولته بقوانين تلك الدولة لإقراره الضمني عند دخوله باحترام البلد الذي دخله وقوانينه،في الوقت نفسه الذي لا سلطة لهذا البلد عليه إن ارتكب جريمة خارج حدودها.
(5) يحاسب على نقض الاتفاقات والمعاهدات الدولية من دخل طرفاً فيها دون غيره.
تنبيه: مسألة الولاء للدولة أوردناها كمثال على معقولية التفريق بين ما قبل الولاء وما بعده،وبالتالي فلا يعترض بأن الدول تسمح بالتجنس بدون عقوبة لأن هذا ليس هو المحل الذي أوردنا الولاء للدولة شاهداً له،كما أن من المعقول أن تُعد الردة من باب خيانة الولاء لا من باب تغييره المباح،ولو جعلت دولة ما تغيير جنسيتها بمثابة الخيانة لكان هذا قانوناً معقولاً بقطع النظر عن وجود قوانين أخرى لا تعده كذلك فالكلام في امتناع تقبيح ذلك عقلاً.
وإذاً : فالعقل السليم شاهد على أن لصاحب السلطة القانونية الإلزامية أن يفرق في الأحكام والعقوبات بين من سبق له الالتزام بقانونه والإقرار بالخضوع له،وبين من لم يخضع لهذا القانون أصلاً.
ومن هنا فقد جاء الوحي بعقوبة من التزم بالخضوع لأحكام الشرع والانضواء تحت مظلة الإسلام إن هو أراد الردة عن الدين أو معصية أحكام الشرع،وهذه العقوبة في هذه الحالة سليمة البناء العقلي والقانوني،ولا يمكن الزعم بأن هذه العقوبة مضادة لحرية الاعتقاد ؛لأن هذه الحرية ليست مطلقة وإنما هي كحرية التملك وحرية الحركة وحق الحياة كلها حقوق وحريات يمكن تقييدها والحد منها بالقوانين التي تكون ملزمة للمنضوين تحت الإطار الإلزامي للقانون .
ولذلك :
(1) تقيد حرية الحركة بقوانين الهجرة والجنسية بل وبقوانين السجن.
(2) ويقيد حق التملك بألا يكون هذا التملك بطريق السرقة .
(3) ويقيد حق التصويت بألا يكون المصوت دون السن القانونية.
(4) ويقيد حق الحياة وينزع من الإنسان عقوبة له على انتزاع حياة غيره عمداً.
(5) وتقيد الحرية الجنسية في القوانين الغربية بمنع معاشرة القاصرات.
فلا يمكن إذاً الاعتراض على البناء العقلي والقانوني لعقوبة المرتد في الشريعة الإسلامية،وليس تقييد هذه العقوبة لحرية الاعتقاد بأعظم من تقييد عقوبة الإعدام في القوانين المعاصرة لحق الحياة نفسه.
وبالتالي لا يجوز الاعتراض على عقوبة المرتد بكونها مضادة لحرية الاعتقاد ؛لأن مجرد كون القانون يقيد حرية من الحريات ليس مطعناً فيه ،وإنما يكون محل النظر العقلي هو هل مصلحة تقييد الحرية بهذا القانون أعظم وأكبر وأنفع للبناء القانوني ولصالح الناس والمجتمعات أم مصلحة بقاء هذه الحرية على حالها من غير تقييد.
فإنه لا نزاع بين دعاة الحرية في أن هذه الحرية محكومة ومقيدة بعدم العدوان على الغير ،وبالتالي فإن حرية الاعتقاد لا يصح ولا يجوز أن تبلغ مبلغ العدوان على أحكام الدين التي سبق لهذا المسلم أن أقر بوجوب الالتزام به،ومن حق مشرع القانون وقتها أن يعاقبه على عدم التزامه بالقانون الذي أقر هو بأنه سيلتزم به.
والذي نزعمه ثابتاً ثبوتاً عقلياً ناصعاً هو أن مصلحة تقييد حرية الاعتقاد أعظم بكثير من من مصلحة عدم التقييد؛لأن هذا التقييد يتضمن عقوبة لمن أقر بالالتزام بأحكام الدين إذا أراد أن ينحل منها ،وعقوبة من يريد الانحلال من الأحكام التي أقر بها والتزمها لا يجادل في مشروعيتها منصف؛وإلا تلعب الناس بالأحكام ولم تكن لها حرمة،والحفاظ على الدين من العبث هو في منظومة التشريع الإسلامي لا يقل أهمية عن أهمية الحفاظ على ثوابت الانتماء الوطني من العبث.
فإن قيل : هذا رأيه فلم لا تناقشونه بالرأي ؟
قلنا : إن هذا الرأي ليس مجرداً بل هو رأي يتضمن نقض العقد الذي سبق وقطعه هذا المسلم على نفسه بالالتزام بأحكام الشريعة،ومن هنا كان من حق الطرف الثاني من العقد أن يعاقبه على نقضه لهذا العقد وفق مظلته القانونية المعلنة ؛ولذلك فإنه لو أتى رجل وتخابر لصالح إسرائيل فإن للقانون المصري معاقبته ولا يقول عاقل حينها إنه لا تجوز معاقبته لأن له رأياً مفاده أن مصر تصادر حق إسرائيل في إقامة دولتها؛لأن القانون المصري المعلن يجرم هذا التخابر ويقيد بهذا التجريم مساحة حرية الرأي هذه؛كي لا تتضمن عدواناً على حقوق الآخرين.
فإن قيل : فلم لا تقرون هذه العقوبة على المرتد من دينه إلى دين الإسلام؟
كان الجواب : أن هذا في البناء العقلي القانوني للتشريع الإسلامي متسق جداً ؛لأن خروج الإنسان عن دين آخر ليدخل دين الإسلام هو زيادة في الخير ورحمة بهذا الذي فعل هذا وهو غرض الدعوة أصلاً ولسنا مخولين بالحفاظ على المنظومات الدينية للآخرين إن اختاروا هم تركها بإرادتهم.
وبالتالي فإن تشكل الدول المحكومة بالشريعة الإسلامية من غالبية مسلمة يوجب التسامح في المعاملة مع أهل الملل الأخرى،ولا يقبل في الوقت نفسه أن يترك المسلم دينه لأن في ذلك إخلالاً بالعقد الذي عقده هذا المسلم على نفسه حين دخل الإسلام،ولا يرى إشكالاً في أن ينضم من الأقليات عدد ما لدين الأغلبية؛لأن ذلك في صالح توطيد دعائم الدولة،فوق أنه لا يخالف قانوناً أو عقداً سبق وأن التزم به هذا الذي أسلم مع الدولة القائمة المحكومة بالشريعة الإسلامية،وهذا مثل أن للدولة أن تعاقب مواطنها إن تخابر عليها لصالح دولة أجنبية وليس لها أن تعاقب مواطناً آخر إن تخابر لصالح نفس الدولة؛لأن مظلة الدولة القانونية لا تشمل هذا المواطن ولا يضر بناءها الأمني أن يتخابر لصالح دولة غير وطنه،وكذلك ارتداد الذي يدين بدين غير دين الإسلام عن دينه ولو إلى دين غير الإسلام هو شيء لا يضر البناء الاجتماعي للدولة المحكومة بالشريعة الإسلامية.
هذا ما أردنا بيانه فيما يتعلق بسلامة البناء العقلي والقانوني لعقوبة المرتد في الشريعة الإسلامية،وأنه من جنس الأبنية العقلية والقانونية التي لا ينازع في معقوليتها المؤمنون بالقوانين الوضعية.
تبقى مسألة مهمة وهي مدى معقولية عقوبة من ولد لأبوين مسلمين،ولم يختر الإسلام بإرادته.
فالمخالف يقول: لو سلمنا أن مسوغ كونه المرتد يعاقب هو أنه اختار الدين بإرادته=فلم يعاقب من كان مسلماً لمجرد أنه ولد لأبوين مسلمين؟
والجواب: أن لهذه المسألة صورتان:
الصورة الأولى: ألا تحدث الردة إلا بعد بلوغه مسلماً وإقراره بالإيمان ولو ساعة قبل أن يرتد = فحكمه حينها حكم سائر المرتدين.
الصورة الثانية: أن يرتد قبل بلوغه أو عند بلوغه مباشرة فلا يصدر منه إقرار بالإيمان بعد البلوغ قط.
ورغم ندرة هذه الصورة فالصواب في ذلك هو معقولية عقوبته أيضاً كسائر المرتدين ،بناء على ولادته لأبوين مسلمين ثبت له حكم الإيمان بانتسابه لهما،وإن لم يختر الإيمان بعد بلوغه،وسائر القوانين المعاصرة تعطي للطفل حكم أبويه في إثبات التجنس وفي وجوب الالتزام بالقوانين التي أقر بها أبواه،وتعاقب من لم يبلغ سن الرشد على جرائمه ،وتعاقبه عقوبة الراشد ولو ارتكب جريمته بعد الرشد بيوم واحد،وتلزمه الدول بطاعة الحكومة القائمة والتزام قانونها رغم أنه لم يشارك في اختيار هذه الحكومة؛وإنما كان هذا النمط من التعامل مع الطفل بإلحاقه بالقوانين القائمة وإن لم يخترها ومعاملته ملحقاً بوالديه؛لأن هذا هو مقتضى العدل؛إذ إنه منذ ولد وهو يأخذ جميع حقوقه لمجرد ولادته لهذين الأبوين،سواء في ذلك حقوق المواطنة كما في صورة قوانين الدول أو حقوق المسلم كما في مسألتنا محل البحث، وليس من العدل أن يفرح بحقوق استحقها لمجرد الولادة لهذين الأبوين ثم يحتج على الواجبات التي تجب عليه بهذا الانتساب.
– فإذا تقررت معقولية العقوبة على هذا الوجه=تأتي بعد ذلك النصوص القطعية المقررة لهذه العقوبة وممارسات الصحابة ومن بعدهم في تطبيقها وإجماع المسلمين على تقريرها لترفع أدنى شك في هذه المعقولية ولتقرن هذا الحسن العقلي للعقوبة بأحكامه الشرعية.
والحمد لله رب العالمين.
خواطر في اليقين بمنهجِ المحدثين
بعد أن عرفَ نعيمَ اليقِين بعلم الحديث، يتساءل …؟
أين ستكُون قد وصلت البشرية اليوم لو لمْ تكُن تؤمن بـ«تـهادُوا تحابُّوا»(1) ؟!
وماذا كانت ستُعطي هَذِه الخَلائق مِن دُون مَنبع: «أفشُوا السَّلام ،، وأطعِمُوا الطَّعام»(2) ؟!
حسرتي على أقوامٍ دفنوا الجمال كلَّهُ، وقَطعُوا طُرقَ العِلْم المُنِير والعَقلِ القويم تحت ظلال أشواك إنكار السُّنَّة النَّبويَّة، وردِّ مَنهجِ المحدِّثين..
آه ثمَّ آه على توهُّم العقلانيَّة..!!
لمَّا قلنا بِمَلئِ الفاه، وكلِّ اليقين أنِ: “اضربوا في الأرض كما شِئتُم، وابحثُوا عند أهل الأمم كما شِئتُم، لن تجِدُوا تحرِّيًا كالتَحرِِّي الذي أُلهِمَتهُ هذه الأمَّة بهذا المنْهَج” ..
ظنَّ من يخشى القراءة والإطِّلاع والمعرفة أنَّها تعبيرُ أهلِها وشهادةٌ من داخل الصَّف، والآن قد وصلت بنا غُربة الدِّين في هذا العصر أن نعرضَ كلماتٍ من خارج الدِّين، بل من أعداء الدِّين مِن المُستشرقين إذ قالوا: “والمسلمون مُحِقُّون في الفخر بعلم حديثهم”(3).
وقالها من جانبٍ آخر “أسد رستم” –أحد أشهر علماء التاريخ في القرن العشرين– وهو لبناني نصراني كان يدرِّس بالجامعة الأمريكيَّة ببيروت، واصفًا تلك القواعد والضوابط المنهجية في علم الحديث: “قواعدٌ لا تزال في أسسها وجوهرها مُحترمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا، …. وكنتُ كلما ازددت اطِّلاعًا عليها، ازدادَ ولعِي بها وإعجابي بواضعِيها“(4).
وحتَّى الكاتب المعروف (برنارد لويس) رئيس قسم التاريخ في مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن، ثم في جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية، أستاذ التاريخ الإسلامي في قسم دراسات الشرق الأدنى، وهو صاحب المُخطَّط الغربي لتفتيت العالم الإسلامي، في كتابه: «الإسلام في التَّاريخ»؛ تحدَّثَ عن اهتمام المسلمين الأوائل بباب الخبر والرِّواية وعنايتهم به ومهارتهم فيه، وعن «علم الحديث» بالخصوص: “نجدُ أنَّ الفحصَ الدَّقيق له (أي لعلم الحديث)؛ باعتنائِهِ بسلاسِل السَّند والنقل وجمعها وحفظها الدقيق من المُتغيِّرات في السَّردِ المنقول: تُعطِي التَّأرِيخ العربي في القُرون الوسطى احترافًا وتَطَوُرًا لم يُسبَق لهُ مثيل في العصور القديمة!! والذي بُمقارنتِه بالتأريخ المسيحي اللاتيني: يبدو الأخيرُ فقيرًا هزيلًا!”(5).
فهذِه بيْن يَديْكَ إِضَاءاتٌ مُتفرِّقةٌ، أو نُبذٌ يسيرة، في خصائِصِ هَذا المَنهج، تُطلعك على مراحل البحث والفحص في عملية تصحيح الأحاديث وتضعيفها، لعلَّنا نَتمكَّن -بعون اللَّه- من إِنَارة طريق الغافلين…
- المَحطَّةُ الأولى:
نقدهم وفحصهم للسند – وهو حكاية طريق المتن –:
لا يوجَد حرفٌ واحدٌ نطَق به النَّبِيُّ ﷺ، ولا شعرةٌ وُصفت في جَسِده، ولا خُطوةٌ خطاها في حِياتِه، إلَّا ويعلمون من سَمِع الحرفَ منهُ أو رآها تلكَ الشَّعرة بعينِه، أو حضرَ الخُطْوة معَه، ومن سمِعَها من ذلك السَّامع، وهكذا مُسَلسلًة إلى أن دُوِّنَت في الكتب.
فإِذا وجَدُوا فِي تِلكَ السِّلسلَة كُلِّها إنسَانًا واحِدًا إمَّا كذَّاب، أو كثيرَ الخَطأ، أو شدِيد الوَهم، أو فِيه غَفلة: يُسقَط ذلك المروي كاملًا.
حتَّى لَو كان فِيه عِشْرونَ رَجُلًا، وكلُّهُم أئِمَّةٌ ثِقاتٌ ضَابطُون، وفِيهِ إنسَانٌ واحدٌ مغفَّل، يُسقَطُ الكل ولا يُأبَهُ به..!!
ولا يظن الظانَّ بأن الشرود من تهمة الغفلة والخطأ من السهولة بمكان فإنَّ: ” الأئمة كثيرًا ما يجرَحُونَ الرَّاوي بخبَرٍ واحِدٍ مُنكَرٍ جاءَ به، فضلًا عن خَبريْن أو أكثر”(6)!!!.
ولا يكفي هذا التوثيق لرجال السند! اعلم أيضًا أنَّ من شُروطِهِم أن تُوجَد معلومَة صحيحة أكيدة تُثبِتُ اللِّقاءَ والسَّماع بين الرَّاوِي والشَّيخ. حتَّى لو كان الرَّاوي ابنًا للمَرويِّ عنهُ، فقَد نفى الأئِمَّةُ صِحَّة سماع أبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبِيه لأَّنه لَم يثبُت الأخذَ عنه، وحكَمُوا على روايتِهِ عن أبيه بالإنقطاع!!!
[إلا إن كانت القرائِن الواردة تُغني عن المعلومة الصريحة بالسَّماع]
وأيضًا: لا يكتفِ المحدثون بأي صيغة سماع ورواية وإنَّما هناك أنواع، ومراتب، ودرجات تفاضُليَّة في طُرُقِ التلقِّي، فهل حصلَ لك أوثَق تلك الطُّرق حتَّى يتجاوزَ المحدِّثون عنك، أم ما دون ذلك فيُضعِّفون حديثك!
- المَحطَّةُ الثَّانية:
لم يكتفِ المُحدِّثون مع كلِّ ذلك!! حتَّى توغَّلُوا في البحثِ والنَّقدِ إلى ما يروِيهِ المُحدِّث عمَّن سَمِع منه، هل ((كلُّ)) ما يُحدِّثُ به قد سمعه منه، أو أنَّهُ يُحدِّثُ عنه بأشياء قد سمعِها من غيرِهِ، وأَوْهَمَ أنه قد سمِعَهَا منه..؟؟ وهو نوع من أنواع: «المُدَلِّس». وبذلك استوْفَت نظرةُ المُحدِّثين كافَّة أوجه الإحتمالاتِ في اتِّصالِ السَّندِ وانقطاعِه، لِتأتِيَ أحكَامهم عليه في غاية الصِّحة والسَّداد والدِّقة(7).
- المَحطَّةُ الثالثة:
لا ينتهي الأمرُ عندَ قولِهم عن فلان بأنَّهُ ثقة! مع أنَّ هذه الكلمة تُفنى فيها الأعمَارُ والدُّهور حتَّى يحصُلَ الإنسانُ عليها. وما أسرع ذهابها منه!
إنَّما أيضًا هُناكَ مراتِبٌ للثِّقات وتَبَايُناتٍ واختِلافَات، وفلانٌ أوثَقُ من فلانٍ في الشِّيخِ هذا، وفلانٌ ذاك هو أوثقُ من الآخر في الشَّيخِ الآخر!! وفي أيِّ الأماكنِ كان الرَّاوي حافظًا قويًّا، وفي أيِّها ضعيفًا أو لا يحفظ! ومتى اختلَطَ عليهِ حِفظُه؟ ومتى أضاعَ كُتبَهُ التي يُحدِّثُ منها! وماذا أصابَهُ من همٍّ أو مصيبةٍ في حياتِه فأنستْهُ شيئًا من حديثِه…!!
بل: وفي أيِّ المواضيعِ والأبوابِ هو أحفظُ وأوثَق؟!
- المَحطَّةُ الرَّابعة:
ولو حَصلَ أحدُ الرُّواة على وِسَامِ “الثِّقَة”، فَمِنْ حينَها تبدأُ متابَعتهُ إلى حين وفَاتِه! هل اختَلطَ فِي آخِر عُمُرِه؟ هل تغيَّر حِفظُه؟ وَمَن الذين سَمِعُوا منه قبل الإختِلاط؟ وَمَن بعده؟ وَمَن الذِين سَمِعُوا منه ولم يتبيَّن متى كان سماعُهُم..!!
وافتح كتب الرِّجال تجد من ذلك أمثلة عديدة!!
“لقد تنبه علماء الحديث إلى أن الرواي الثقة -وهو العدل الضابط-، قد يقع منه الخطأ والوهم، فيُدرج في متن الحديث ماليس منه، أو يقلب في متون بعض الأحاديث وأسانيدها، وقد ينسى، وقد يقع منه تخليط في شيخوخته، وبداية هرمه، وقد يكون ممارسا متنقنا لأحاديث شيوخه إلا واحدا منهم لم يتمكن من وإتقانه وممارسته، وقد يكون الراوي سمع شيخه ولم يتنبه إلى عيب في نطقه ولسانه فغيَّر الحرف والكلمة، وقد يذهب الراوي في سند وهو يريد غيره، وقد يروي بالمعنى فيختصر الحديث فيغير حقائقه وهو لا يشعر”(8).
- المحطة الخامسة:
من نظَرَ في منهج المحُدِّثين، عَلم أنَّ الأصل فِي النَّاقل والمَرويِّ عَدَمُ القُبُول، حتَّى يَثبُتَ العكس.
(لأنَّ المُعدِّل يُخبِرُ عمَّا ظَهَرَ من حالِه، والجَارِحُ يُخبِرُ عن باطنٍ خفيٍّ على المُعدِّل، مع إستثناءات ….)
ولذلك كلُّ مجهولٍ لا يعرفهُ المُحدِّثون، ولا يعرفون حاله وأخباره ومرويَّاته، لايقبلون حديثه، ولو عدَّلهُ ووثَّقهُ الأئمة الحُفَّاظ كأن يقولوا: “حدَّثني الثِّقة“، فهو توثيقٌ مردود غير مقبول.
وذلك الراوي المُختلِط، -وهو الذي تغيَّر حفظُه في آخر عمره أو فترة من حياته-، إذا لم يرد الخبر بالتفصيل من سمع منه قبل اختلاطه ومن سمع منه بعداختلاطه = فإنَّهُم يُضعِّفون ما ورد عنه جميعًا..!!
ومن وجهٍ آخر، وهو الإحتياط التام حين الشك وعدم اليقين: قال الخطيب البغدادي: “وإن كان الحديثُ الذي شكَّ فيه لا يعرفُه بعينِه لم يَجُز لهُ التَّحديث بشيءٍ ممَّا في ذلك الكتاب”(9).
وهذا موقفٌ من كثيرٍ سواه…:
قال الحسين بن حريث المرزوي: سألت علي بن الحسين الشقيقي، هل سمعت كتاب الصلاة من أبي حمزة؟
قال: الكتاب كله، إلَّا أنَّهُ خَفِيَ عليَّ حديثٌ أو بعضَ حديث، ثم نسيتُ أي حديثٍ كان من الكتاب.. فتركت الكتاب كله(10)!!!
- المَحطَّةُ السَّادسة:
كلُّ الفحصِ والتَّمحِيصِ ذَاك كَان على السَّند فقط! ومِثلهُ الآن عَلى المَتْن! ولَو كان السَّندُ ما كَان! فينْظُرُون في المَتنِ هل تَمتنعُ صِحَّتُهُ أو تبعُد؟ هل يُخالِف صريح العَقل أو الحِسَّ؟ هل فِيه ركَاكةٌ في اللَّفظ أو المَعنى؟! يُخالفُ الكِتاب أو السُّنَّة الصَّحيحَة؟ أو أصول الدين وقواعده ومقاصده؟ أو يخالف الثابت في التاريخ؟
” كلُّ حديثٍ رأيته يُخالف المعقُول، أو يُناقِضُ الأصول، فاعلم أنَّهُ موضوع، فلا تتكلَّف اعتباره “(11).
من أجلِ ذلكَ ظهرت أقسام وأنواع للأحاديث هي مُختصَّةُ بالمتن فقط، كـ”مُشكل الحديث”، و”غريب الحديث” أو “مختلف الحديث”.
- المَحطَّةُ السَّابعة:
حتَّى الكُتب والنُّسخ دخلت في منهجهم المُعُجِز! وتوثيقُهم للكُتبِ كتوثِيقهم للرُّواة، فنسَخُوها، وصحَّحُوها، وقرَّؤُوها، ووضَعوا القواعد للنَّسخ والتَّصحيح، وتركُوا الرِّواية عن الغيرِ معتمدة عندَهُم(12)!
كفاك الآن كفاك، فلا الكتابُ المجيد سيتيحُ لك هذا الرَّفض الذي تعيشه..ولا الواقع الحياتي سيُعطيك المثاليَّة التي تعتقًد أنَّك تتقرَّب إليها..ولا المنهج التاريخي العلمي سيتبرَّع لك بحُجَّةٍ واحدة..
واعلم .. أنَّ خَيْرَ مَالَازَمَ القَلْبَ: الْيَقِين
مركزية الإيمان باليوم الآخر في إثبات النبوات [ إلماحة ]
الكاتب: مهند بن جازي
إمكان النبوة وضرورتها :
الخالق لهذا الكون الفسيح المتقَن، لا يعجزه جعل الإنسان نبياً بل «جعل الإنسانِ نبياً ليس بأعظم من جعل العلقة إنساناً حيّاً عالماً ناطقاً سميعاً بصيراً متكلماً قد علم أنواع المعارف »”١”
وحياة الإنسان وعلمه وحكمته دالةٌ على اتّصاف خالقه بالحياة والعلم والحكمة، لأنها صفاتُ كمالٍ لذاتها، وفاقد الكمال لا يعطيه؛ هذا من جهة ومن أخرى: أن انتظام الكون وإتقانه يدلُ دلالةً قطعية على حكمة صانعه، والحكيمُ منزهٌ عن الخلقِ عبثاً.
وتخصيص الإنسان بالعلم والحكمة دون سائر المخلوقات، وتخصيص كل مخلوقٍ بهيئة تناسب الغاية التي خُلق من أجلها، يدل على إرادته وعلمه بالمآلات، ما يعني أن الوسيلة التي خاطب بها خلقه كانت وفق إرادةٍ وحكمةٍ وعلم، لا يصح الاعتراض عليها من قِبل الموهوب الناقص؛ إذ عُلِمَ عقلاً أن الواهب أكمل، وفيما يلي بيان حاجة الإنسان إلى النبوة وضرورتها
ضرورة الحساب :
دل العقل على اتّصاف الخالق بالكمال المطلق، ومن ذلك الكمال: صفة العلم والحكمة والعدل، فهو جل جلاله لا يخفى عليه ما يفعله الإنسان بمقتضى الإرادة التي وهبها اللهُ إياه، وإرادة الإنسان واختياره تقتضي تنوّع أفعاله بين الخيرِ والشرِ، والله تعالى يجازيه عليها؛ لأن العدل الحكيم لا يمكن أن يساوي بين الأخيار والأشرار، والأبرار والفجّار في المآل؛ لكون ذلك من الظلم الذي ينزه الخالق عنه.
وتمام الجزاء لم يحصل في الدنيا، بل قد يحضى بعض الأشرار بما يفوق غيرهم من حظوظها، فعُلِمَ أن الجزاء التام حاصل في دارٍ أخرى فيها يكافأ المُحسن ويُعاقب المسيء.
ومقدمات هذا الدليل هي:
١ / الخالق متصف بالكمال المطلق .
٢/ كماله يقتضي مجازاته للأخيار والأشرار بما يستحقونه.
٣/ تمام المجازاة لم يحصل في الدنيا .
إذاً لا بد من وجود دارٍ أُخرى يتحقق فيها تمام العدل الإلهي .
يقول شيخ الإسلام : «والكلام في النبوة فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما تنفيه، فتقول: هو سبحانه وتعالى حكيم، يضع كل شيء في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يسوّي بين جنس الصادق والكاذب، والعادل والظالم، والعالم والجاهل، والمصلح والمفسد، بل يفرِّق بين هذه الأنواع بما يُناسب الصادق العادل العالم المصلح من الكرامة، وما يناسب الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان؛ كما قال تعالى : ﴿ أَم نَجعَلُ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالمُفسِدينَ فِي الأَرضِ أَم نَجعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّارِ ﴾ وهذا استفهام إنكار على من ظن ذلك … »” ٢”
إقامة الحجة على خلقه :
علمتَ أن الله تعالى مجازٍ عباده على أعمالهم المتأرجحة بين الخير والشر، فكان من كمال عدله ورحمته بهم أن يعرِّفهم ما لهم وما عليهم، بشكلٍ واضح لا لبس فيه، فإرسالُ الله للرسل هو من تمام عدله كما قال تعالى ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ ﴾ بُشارة للأخيار ونذارة وللإشرار.
ولو وُكل البشر إلى أنفسهم في تحديد ما ينجيهم من عذابه لاضطربوا اضطرابًا شديدًا؛ وذلك لأن عقولهم قاصرة عن إدراك كثيرٍ مما يُصلح دنياهم فضلاً عن أخراهم؛ حيث تجدهم يقبّحون أمورًا كان يظنونها بالأمس طريقاً موصلاً إلى ما ينفعهم، فكيف بهم إذا أقحموا عقولهم فيما ليس من نطاقه ؟!
والإنسان إذا علِمَ أنّ هناك حياة أخرى يُجازى فيها الأخيار والأشرار بما يستحقانه، فإنّ تطلّب ما يحقق حسن الجزاء أولى من كلِّ شيء على الإطلاق؛ وذلك لأن رضا الله تعالى وحسن ثوابه مقدّم على كل ما يخطر في قلب الإنسان من الملذات الزائلة، وما يحقق ذلك الفلاح – أعني: فلاح المعاد – إنما هي جملة من الاعتقادات والأقوال والأعمال من وافقها وامتثلها كان من الأخيار، ومن خالفها وأعرض عنها كان من الأشرار، وإذا كان الإنسان قاصرًا عن إدراكها، فإن المكابرة في ذلك والاحتكام إلى الناقص يؤول إلى اختلاف الناس، وبالتالي يزعم كلٌ منهم أن ما لديه هو المنجي وما لدى الآخر مُهلك؛ ولا يصلح أن يكون كلاهما منجٍ لكون ذلك مستلزمٌ للجمع بين النقيضين، والجمع بينهما مُحال!
فلما كان الأمر كذلك اقتضت رحمة الله تعالى وعدله أن يرسل للناس ما يبين فلاح أخراهم ليمتثلوه ويجتنبوا غيره، ويقطع النزاع بين الناس ويحقن دماءهم؛ إذ لو تُرِكَ الأمر للناس مع اختلافهم لظلم بعضهم بعضاً وتقاتلوا؛ حيث ما يدعون إليه انبثق عن عقولهم القاصرة وعاداتهم وتقاليدهم وأهوائهم ورغباتهم، ولازم هذا اضطرابهم واختلافهم اختلافًا اختلافًا شديدًا، وكلٌ منهم مع ذلك يزعم أن من امتثلها حُقّ له الجزاء الحسن، وحينئذٍ سيبذل كل السبل المفضية إلى إخضاع الناس لمعتقداته وأعماله حتى لو تطلب الأمر قتل المجاهرين بضد قوله؛ لأن الجهر بالضد يحول بين المدعوين وفلاح الدار الآخرة اللازم لما يدعو إليه – كما زعم كلٌ منهم -!
– فإن قيل : ألستم تزعمون أن النبوات قد تحققت في الواقع؟ كيف إذًا تدّعون أن النبوة عاصمة من هذا مع أن الناس مختلفين متناحرين ؟!
قيل: ليس المقصود من هذا أن الاختلاف والتناحر لا يقع؛ وإنّما المقصود أن النبوة تقطع النزاع بين المختلفين إن احتكموا إليها، ففرقٌ بين وجود المعيار وبين التسليم له والاحتكام إليه، فلا يلزم من معرفة الإنسان بالحق اتّباعه والانقياد إليه.
النبوة طريق مأمون .
قد علمت ضرورة الجزاء، وأن المُجازين إما أخيارٌ وإما أشرار، إما أبرار وإما فجّار .. ولابد من وجود معيارٍ تفصيلي يقتضي الحكم على من وافقه بالخير والجزاء الحسن، وعلى من خالفه بالشر واستحقاق العقاب، وذلك المعيار لا يمكن أن يُترك للناس لقصور عقولهم وتأثرهم بالمؤثرات الداخلية ( كالشهوات والرغبات ) والخارجية ( كالعادات والتقاليد ودين الآباء)، وما يستلزم ذلك من الاختلاف والتنافر ثم القتال والتناحر، والتحاكم إما أن يعود إلى الإنسان نفسه وهو عودٌ إلى منشأ تلك الاختلافات أو مصدرٍ آخر متعالٍ عن قصور عقولهم وشهواتهم ورغباتهم وما ألفوه مما هو ذائع بينهم.
ولا شك أن الأسلم هو الثاني؛ إذ الإنسان ليس بمعصومٍ عن الزلل في أمور دنياه، ومن كان حاله كذلك فحريٌ به أن يجانب الصواب في الأمور الإلهية، والعاقلُ الفَطِن لا يهنأ له بالٌ ويطمئن حتى يعلم أن تلك المعتقدات والأعمال – التي تمثل معيارًا للخير – مقتضية للفلاح الأخروي، كيف لا وقد عَلِمَ زلل الخلق فيما دونهما؟! وحيث كان الأمر كذلك فاطمئنانه وهناء باله لن يكون إلا باللجوء إلى وحي سماوي ؛ ينزله من هو عليمٌ بكل شيء ، نافذٌ أمره على كل شيء.
ولا يمكن للصادق في طلب ذلك أن يشترط وسيلةً معينة بحيث يرفض كلَّ معرفةٍ جاءته عن غيره، ومثال ذلك أن ينكر النبوات ويكذب الأنبياء بحجة أن هناك طرقًا أخرى هي أفضل من إرسال الرسل وبعث الأنبياء، فهذا في الحقيقة نصّب نفسه حاكمًا على أفعال من أعطاه الحكمة، وهذا في غاية التناقض !
فالنبوة مقدورةٌ لله تعالى، والجهل بحكمة كون المرسل بشراً لا يعني عدم الحكمة، فكان الصحيح أن ننظر في الواقع ونتساءل هل تحققت النبوة أم لا؟ إذ العقل لا يحكم بنفيها ولا إثباتها ما دامت مقدورةٌ للهِ تعالى ولا تعارض كمالاته.
أصول مهمة في إثبات النسخ ورد الشبهات عنه
الكاتب: زياد بن أسامة خياط
- الأصل الأول:
دلائل الشريعة متضافرة على ثبوت النسخ؛ فقد قرر سبحانه أنه ينسخ ما شاء من آياته، فقال عز من قائل: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} وما يُوهِم نفيَه؛ فإنه محمول على غير وجهه.
ومن ذلك:
١- قوله تعالى: {لا مبدل لكلماته}.
٢- وقوله: {ما يبدل القول لدي}.
٣- وقوله: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}
٤- وقوله: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}.
- فأما الأول؛ فلا يدل:
- لأن المراد أن غيره سبحانه لا يستطيع أن يبطل ما شرعه، أو ينفي ما أخبر به
- ولأن الحكمين الناسخ والمنسوخ كليهما من كلماته التي قضاها، وليست تبديلا، وإنما علمُنا نحن بها هو الذي استجد وحصل شيئا بعد شيء.
- وأما الثاني؛ فهو وارد في مقام الأخبار لا الأحكام، وهو ظاهر في السياق، ذلك أنه أخبر أنه يعذب الكافرين، فلا يبدل خبره بتعذيبهم ولا يرجع عنه.
- وأما الثالث؛ فلا يدل؛ لأن الناسخ والمنسوخ كليهما من عند الله تعالى، والمنفي هو أن يرد ما يبطله من غيره. ثم إن المنسوخ ليس باطلا في نفسه، بل هو حق، لكن يناسب وقتا دون وقت، وحالا دون حال.
- وأما الرابع؛ فالاختلاف بين الناسخ والمنسوخ اختلاف في زمانين وحالين، وليس اختلافا مطلقا، فيوجب التناقض والتضاد، وهذا هو المنفي في الآية.
- الأصل الثاني:
النسخ لا يُخِلُّ بكمال العلم الإلهي، بل هو من مقتضياته.
وبيان ذلك: أن كلا الحكمين -الناسخ والمنسوخ- داخل في علم الله الكلي المطلق، فهما في علمه سواء، يعلم بهما قبل أن يشرعهما، وليس أحدهما طارئا على علمه، وإنما علمنا نحن هو الذي يطرأ عليه الحكم الجديد، وأما الله تعالى فهو قد قضى وقدر أنه يشرع الحكمين الناسخ والمنسوخ، فليس فيه بداء عليه ولا خفاء عنه..
- الأصل الثالث:
النسخ لا يُخل بكمال الحكمة، بل هو من مقتضياتها.
وبيان ذلك: أنه سبحانه شرع الأحكام بما يناسب العباد، ويأخذ بهم مسلك التدريج لينقلهم من حالهم إلى حال يريدها ويرضاها، فيشرع لهم حكما مؤقتا يناسبهم في حال ويعلم أنه لن يدوم حالهم على ذلك، فينسخ حكمه إذا تغيرت حالهم.
وإذا رأيت الطبيب يصف الدواء للمريض وهو يعلم أنه سيستعمله مدة ثم سيحتاج إلى آخر بعده، فوصفه للدواء أول الأمر كان بعلم وحكمة، لكونه إنما يناسبه في تلك الحال، ثم ستتغير حاله وتتهيأ نفسه للدواء الجديد، فيصفه له، ووصفه له في هذه الحال هو من العلم والحكمة أيضا.
والشارع هو الطبيب الأعظم ؛ فيشرع للناس ما يصلح لهم في وقت، لا يناسبهم فيه غيرُه، حتى إذا تهيأت نفوسهم لقبول الحكم الجديد، أنزل سبحانه نسخه للحكم القديم.. فالأمر مبني على تمام العلم والحكمة لا عكسهما.
- الأصل الرابع:
النسخ لا يَرِد على جميع الأحكام. بل على بعضها.
وبيان ذلك: أن النسخ ممتنع فيما مصلحته دائمة؛ لأن حسنه ذاتي. كالتوحيد وأصول الشرائع. وإنما يجوز فيما يكون مصلحة في حال ومفسدة في أخرى؛ لأن الحسن والقبح في مثله إضافي غير ذاتي.
وبهذا يتبين أن النسخ جار على وفق التحسين والتقبيح العقليين غير مناقض لهما.
- الأصل الخامس:
لا نسخ في الأخبار. بل هو محال فيها.
والسر في ذلك: أن الخبر يتعلق بحقيقة المخبر عنه، فإن ورد عليه النقض؛ لزم منه أحد أمرين:
– إما الكذب.
– وإما الجهل وقصور العلم.
والله سبحانه منزه عن هذين النقصين؛ لذا لم يرد في أخباره أي نسخ؛ لأنها حق مطلق، وصدق محض؛ إذ هي ناشئة عن علمه المحيط، وصدقه الذي لا يتبدل ولا يتخلف.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
الآثار التي تترتب على كون الإسلام دين الحق ! ( القضية الفارقة )
الكاتب: د.طارق عنقاوي
القضية الفارقة!
قوة الأدلة على كون الإسلام هو الدين الحق ..كم يترتب على هذه القضية من آثار ضخمة !
لنستحضر أولا أن صحة الإسلام مبرهنة بأدلة كثيرة أعظمها القرآن الكريم، والذي يستحيل نسبته للنبي ﷺأو لغيره من البشر، لكونه معجزا في نظمه ومعانيه،
لا يمكن لبشر الإتيان بمثله ولا ما يقاربه، وهو أيضا معجز في مضامينه، فليس في الوجود كتاب أثنى على الله ووصفه بالكمال المطلق وعظّم حقه كالقرآن، مع اشتماله على إجابة الأسئلة الوجودية والتعريف بالله ووصفه بما يتوافق مع العقل والفطرة ويعززها،
فهو الدين السماوي الوحيد الذي يتصف بذلك، ومع ما فيه من إخبار بالغيوب الماضية والمستقبلية، ومع ما فيه من نظم تعبدية وأخلاقية وتشريعية عميقة وشمولية وظاهرة المحاسن، ولم يسبق ولم يلحق أن أتى كتاب يقارب حتى هذه المضامين العظيمة، خاصة مع معرفة واقع النبي ﷺ من جهة أميته وبيئته وطبيعة حياته وسيرته، فيستحيل أن يكون هو مصدر هذه المضامين لا من جهة طبيعتها ولا من جهة قدرها وتعقيدها وكمالها .
ولو نظرت للإسلام من جهة دلائل صدق النبي ﷺ الأخرى فستجد في سيرته الخلقية ما يدل قطعا على صدقه واستحالة كذبه، ولا يمكن أن يلتبس على عاقل الصادق بالكاذب في أعظم دعوى وهي دعوى النبوة،
فمن يدعيها سيكون أعظم الصادقين أو أعظم الكاذبين، وكيف يلتبس هذا بهذا في سيرته وأخلاقه! وكيف يؤيد الله الكاذب كل هذا التأييد! حتى يلتبس حاله كل هذا الالتباس على خلقه، فهذا يتنافى مع حكمته ورحمته سبحانه
كما ستجد في ما ورد من الأخبار المتواترة التي تفيد القطع ما يدل على صحة نبوته، لما أتى به من الآيات، كتكثير الطعام وتسبيح الحصى بين يديه وإخباره بالمغيبات الكثيرة ووقوعها وانشقاق القمر له
وهذا كله يكفي من تأمله ليصل للحقيقة ويتيقن بها، ويدرك أن الإسلام لا يمكن للعقل أن يقبل اعتباره مساويا لغيره وكأنه وجهة نظر محتملة أو دعوى مجردة أو خفية الدلائل
لكن ليس هذا مقصد الإضاءة الأصلي ولذلك أجملناه ولم نعطه حقه من التفصيل الذي يطول جدا ويصعب حصره خاصة إذا أردنا تفصيل كل جملة وتعداد أفراد كل نوع من أنواع ما ذكرنا من الدلائل
وإنما مقصدنا هنا التنبيه للآثار الضخمة التي تترتب على هذه القضية، من جهة كونها قطعية لا ظنية أو نسبية!
ولهذا دور عظيم في فهم الإسلام ودوره في الحياة.. وله دور عظيم في فهم وتحمل الإنسان لما فيه من تصورات كبيرة ومؤثرة، وتكاليف تفرض تميزاً كبيراً وترسم منهجاً فريداً، بما يخالف في كثير منه كثيرا من السائد في هذا العالم، ابتداءً من الأسس والتصورات الكبرى ووصولاً للتفاصيل..
فهو دين يطلب تغييراً شاملاً عميقاً على مستوى الفرد والجماعة في تعاملاتها فيما بينها وفي تعاملاتها مع غيرها
وغالبا ما نهرب من مساحة الأسس والتصورات الكبرى، وننهمك في الاستشكال للتفاصيل أو حتى إنكارها بحثاً عن التوافق، والمسألة أعمق من ذلك.
هل إشكالاتنا بالفعل هي في بحث عقوبة الردة وحكم جهاد الطلب والجزية وعقوبة الرجم وغير ذلك مما تكثر فيه التساؤلات؟ وهل لو استطعنا الخروج برؤية أو أخرى تخلّصنا من اختلافنا مع الذوق العالمي “الإنساني” حول هذه القضايا ستنتهي المشكلة ونتوافق! ويكون ديننا جميلا في أعينهم؟؟
جوابي: هذا هروب وتسطيح فظيع! وأكمل القراءة لتدرك عمق الفرق.. دعنا نتجه لإدراك عمق الاختلاف في الأصول والأسس :
كثير من الناس يزعم أننا حين نترك التفاصيل ونتجه للمقاصد والأصول الكبرى سنضع أيدينا على مساحة هي من المشتركات الإنسانية التي لا خلاف حولها، لكن تعال انظر للضرورات الكبرى الخمس التي تدور حول حفظها مقاصد الشرع، ماذا تجد؟ حفظ الدين وهي أعلاها عندنا، نحن لا نتفق فيها أبدا، خاصة إذا أدركت أعظم المضامين التي يقررها القرآن بوضوح وتدور عليها كثير من التصورات الكبرى، ومن أهم تلك المضامين التي تغيب كثيرا:
- وضوح صحة الرسالة والرسول
- أن ظهورها على غيرها مقصود، والفرق بين الناس بحسب موقفهم منها أساس يبنى عليه في أحكام الدنيا والآخرة
- عظم حق الله وأن الدين مبني عليه
- عظم جرم الكفر وعودته لأسباب خبيثة كإيثار الحياة الدنيا والاستكبار والتعصب والهوى والحسد
هل يتفقون معنا علناً في أي من هذه ؟ لا
العالم اليوم يعتبر الدين مسألة فردية ولا تبحث أساساً بمنطق الحق والباطل ولا تبنى عليها بهذا الاعتبار أية مواقف أو أحكام، وهذا طرح غريب جداً عنا حيث ينص القرآن على أنه مبين ونور ومهيمن ويحكم وحق وما سواه باطل والرسول مبين ودينه ظاهر على الدين كله ومن يرفض ويكذبه مستكبر متبع للهوى مؤثر للحياة الدنيا متعصب لما عليه الآباء كافر ملعون مصيره النار خالدا فيها!
العالم اليوم يطفح بالحديث عن الحقوق ويبني عليها التصورات، هل سمعت في لغته يوما عن حق الله ﷻ وبناء أي شيء عليه؟! فضلا عن تجريم الكفر به واتخاذ أي موقف ولو بالقلب بناء على ذلك!؟
تعال لضروري آخر وهو حفظ العرض، هل العالم اليوم يقيم وزنا ولو بمثقال ذرة لهذا الموضوع؟ أو أنه يعتبر الزنا حالة طبيعية وحقا مكفولا ؟ وبالتالي لا يبني أي حكم عليه، وإنما يهتم بحماية التراضي على الزنا وتجريم الممارسات التي تنافيه فقط؟
تعال لضروري حفظ العقل! العالم اليوم يزخر بالمسكرات ويحمي شربها ويكتفي ببعض القوانين التي تمنع بعض الأضرار المتعدية الناشئة عنها كمنع القيادة تحت تأثيرها إذا تجاوزت نسبة معينة
تعال لحفظ المال! العالم يستبيح الربا بأضراره الجسيمة ويستبيح الغرر وأكل المال بالباطل بشتى صوره، وقد تحولت هذه المنكرات لصناعات ضخمة بل هي أعمدة الاقتصاد اليوم
فإذا كنا نختلف في كل هَذَا على مستوى الأصول، فهل لا زال البعض يرى نفسه مثلهم في ظل إيمانه بهذا الدين؟؟
نعم نشترك في بعض بقايا الفطرة والدين التي تقضي عليها ماديتهم ولا دينيتهم شيئا فشيئا، ولكن لن يقود التفكير الجاد بسبب ذلك لنتيجة التوافق العام على مستوى الأصول
من الطبيعي إذا على إثر هذا الاختلاف في الأصول أن نختلف في التفاصيل، فلنكن جادين في البحث بدلا من الهروب للتفاصيل وتشتيت التركيز فيها، لنتخذ موقفا جادا في المستوى الأعلى
نحن لدينا رؤية مختلفة حول الوجود والحقوق والضروريات والمقاصد، وتبعا لذلك تختلف أحكام الواجبات والتصرفات بأنواعها، وهذا عظيم جدا، ولا يمكن أن يتبناه إنسان إلا بناء على إدراك هذا الفرق العظيم والاقتناع ببراهينه، وهي في الحقيقة براهين عظيمة، بل هي البراهين الوحيدة وغيرنا بلا براهين أصلا في مستوى التأسيس لتصوراته ورؤاه، هكذا بكل حزم وثقة!
تنوُّع دلائل النبوُّة
الكاتب: أحمد فوزي
الحمدُ للهِ وكفى والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ المصطفى
وبعد ،،
إنَّ الكلامَ عنْ أدلةِ النبوةِ هوَ تناولٌ لبابٍ عظيمٍ منْ أبوابِ الإسلامِ ، فهوَ الشِّقُ الثاني منَ الرُّكنِ الأوَّلِ للإسلامِ ، فإنَّ المسلمَ حينَ يؤمنُ بنبوةِ النبيِّ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وبصحَّةِ الإسلامِ فهوَ يؤمنُ بعقيدةٍ راسخةًٍ رسوخَ الجبالِ الرواسي ، ورسوُّها مصدرُه أنَّها عقيدةٌ قامتْ على العلمِ والدَّليلِ والبرهانِ ، إنَّ حالَه ليسَ كحالِ أولئكَ الذينَ قالُوا:{ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}[سورة الزخرف : ٢٣]، فهؤلاءِ وأضرابُهم حجبُوا عقولَهم عنِ النظرِ في الحقِّ ودلائلِ صدقِه ، و صمُّوا آذانَهم عنْ سماعِه ، واكتَفَوا بالقعودِ حيثُ تاهتْ عقولُ آبائِهم الأوَّلِين، فأنكرَ القرآنُ عليهمْ هذا الجمودَ ، وقبَّحَه ، ودعَاهُم لإعمالِ عقولِهم والإفادةِ منْهَا، فقالَ: {قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }[سورة يونس : ١٦] [١]
إنَّ أدلةَ نبوَّةِ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هي براهينٌ على صحةِ الدِّينِ الخاتمِ الذي دعَا إليه ، وهيَ أدلةٌ كثيرةٌ متنوعةٌ يُمكنُ لِمَنْ أرادَ الاطلاعَ عليها بالتفصيلِ مراجعةُ كتبِ أهلِ العلمِ التي عُنيتْ بذكرِها[٢] .
وسنُبيِّنُ في السطورِ القادمةِ بعضَ خصائصِ تلكَ الأدلَّةِ وبيانَ الإجابةِ على سؤالِ (ما هوَ أفضلُ دليلٍ على النُّبوةِ ؟ ).
لِعِظَمِ مقامِ النبوةِ تعددتِ الطرقُ الموصلةُ لإثباتِه ، فلا شكَّ أنَّ معرفةَ اللهِ والإيمانَ بِه وعبادتَه ومعرفةَ رسلِه وطاعتَه يحتاجُها كلُّ مكلَّفٍ ، ومِنْ حكمةِ اللهِ جلَّ وعلَا أنَّه كلَّمَا كانَ الناسُ إلى معرفةِ شيءٍ أحوجَ ، فإنَّه سبحانَه يجعلُ الوصولَ إليه سهلًا ميسورًا غيرَ ذي عوجٍ.
وحينَ كانتْ نبوةُ النبيِّ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- آخرَ النبواتِ وخاتمتَها اتصَفَت الأدلةُ الدَّالةُ عليها بصفاتٍ تجعلُها متميِّزةً عنْ غيرِها، وظاهرةً لكلِّ مَنْ نظرَ فيها مِمَّنْ تأخَّرَ عَنْها في الزمانِ.
ومِنْ أهمِّ خصائصِ دلائلِ نبوتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:
الكثرةُ : فأدلةُ نبوتِه تفوقُ مِنْ حيثُ الكثرةِ جميعَ دلائلِ النبواتِ السابقةِ عليه.
التَّنوعُ : فأدلةُ نبوتِه لَمْ تكنْ في مجالٍ واحدٍ ، وإنَّمَا كانتْ في مجالاتٍ متعددةٍ بعضُها متعلقٌ بالأفلاكِ السَّماويَّةِ، وبعضُها بالحوادثِ الأرضيَّةِ ، وبعضُها حسيٌّ وبعضُها معنويٌّ ، وبعضُها وقعَ وانتهَى وبعضُها ما زالَ باقيًا.
الحفظُ : فمَعَ كثرةِ الدلائلِ فقدْ حُفِظتْ ونُقِلتْ إليْنَا بطرقٍ ثابتةٍ صحيحةٍ، معَ تفاوتٍ في درجةِ نقلِها، فبعضُها بلغَ التواترَ، وما لمْ يَثبتْ مِنها فُقِدَ بينَ العلماءِ حالُه.
الظهورُ والضخامةُ : فهي مِنْ حيثُ حقيقتِها لا تخفَى على المُطَالِعِ لَها بأدنَى نظرٍ، ولا يحتاجُ إلى عناءٍ وتفكُّرٍ كالتحدِي بالقرآنِ وانشقاقِالقمرِ، ونُبُوعِ الماءِ وتكْثيرِ الطَّعامِ.[٣]
تتَّصفُ العَلاقةُ بينَ دلائلِ النبوةِ بالتكاملِ فأدلةُ النبوةِ أنواعٌ متعددةٌ مِنْها:
المعجزاتُ والأخبارُ المغيَّباتُ والكمالُ الشَّخصيُّ والأخلاقيُّ والإقدامُ على التحدي بالقرآنِ ومعَ تعدُّدِ تلكَ الأنواعِ نجدُ أنَّ كلَّ نوعٍ على حدةٍ يُوجدُ له أفرادٌ كثيرةٌ وأدلةٌ متنوعةٌ مجموعُها يُثْبتُ هذا النوعَ، فمثلًا نوعُ المعجزاتِ نجدُ له أفرادًا كثيرةً مِنْها : انشقاقَُ القمرِ وتكثيرُ الطعامِ ونبعُ الماءِ بينَ يديهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ… كلُّ ذلكَ في نوعٍ واحدٍ وهكذا على نفسِ المنوالِ نجدُ باقِي الأنواعِ كلُّ واحدٍ مِنها له شواهدُ متعددةٌ مكونةٌ من أدلةٍ منفردةٍ.
فعنْدَما نقولُ إنَّ أدلةَ النبوةِ متكاملةٌ يكونُ هذا التكاملُ على درجتينِ، الدرجةُ الأولى: بينَ أفرادِ النوعِ الواحدِ، فنجدُ تكاملًا بينَ تلكَ الأدلةِ المنفردةِ التي تشهدُ لهذا النوعِ، حتى يجدَ الناظرُ نفسَه مضطرًا للتَّسليمِ بصحتِه.
ثُمَّ في الدرجةِ الثانيةِ نجدُ التكاملَ بينَ تلكَ الأنواعِ المختلفةِ، ما يشهدُ على أنَّ مَنِ اجتمعتْ له كلُّ تلكَ الدلائلِ مثلَ المعجزاتِ والكمالِ الشخصيِّ والأخلاقيِّ والإعجازِ بالقرآنِ هوَ بحقٍ نبيٌ مرسلٌ مِنْ عنْدِ اللهِ وأنه صادقٌ في كلِّ ما يخبرُ به.
وتظهرُ أهمِّيةُ هذا التنوعِ في دلائلِ النبوةِ عندَ حوارِ المتشككينَ، فمَنْ شكَّكَ في شاهدٍ منفردٍ على أحدِ الأنواعِ نُتمِّمُ معنى ثبوتِ الدليلِ من بقيةِ الشواهدِ على الدليلِ نفسِه، وإذا طُعِنَ في النوعِ كلِّه، فيمكنُ إثباتُ النبوةِ من الأنواعِ الأخرى.
ولكنْ وجبَ التنبيهُ على أنَّ القولَ بضرورةِ التكاملِ بينَ أنواعِ الأدلةِ وأفرادِها لا يَعني أنَّ اليقينَ لا يتحققُ إلاَّ بالتكاملِ ، فقدْ يتحصَّلُ اليقينُ للإنسانِ بفردٍ واحدٍ من نوعٍ واحدٍ، وقدْ يتحصَّلُ بدليلٍ واحدٍ.
إنَّ اجتماعَ تلكَ الدلائلِ معَ بعضِها لا يُمكنُ أنْ يجعلَه الله تعالى وهوَ الحكيمُ العدْلُ في شخصٍ واحدٍ مدَّعٍ للنبوةِ فمدَّعي النبوةِ يدَّعي أنَّ اللهَ بعثَه فهوَ إمَّا في أسفلِ دركاتِ السفهِ والكذبِ والسوءِ ، أو فيِ أعلى درجاتِ الصدقِ والكمالِ الأخلاقيِّ،ِ فالتفريقُ بينَ هذينِ المتناقضينِ مِنْ أيسرِ الأمورِ.
فكوْنُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ في قمةِ الكمالِ الأخلاقيِّ معَ التنوُّعِ في الدلالةِ على صدقِ نبوتِه، وكونُ اللهِ تعالى كاملًا في صفاتِه سبحانَه فلاَ يُمكنُ أنْ يجتمعَ ذلكَ كلُّه في شخصٍ ويكونَ كاذبًا، ثُمَّ يَمُدُّه أيضًا بالمعجزاتِ التي تدلُّ على صدقِه في دعوَاه.
ونعودُ لنجيبَ على سؤالِ (ما هوَ أفضلُ دليلٍ على النبوةِ ؟ ) فنقولُ إنَّ التفاضلَ بينَ أدلةِ النبوةِ يكونُ بالنسبةِ لاعتبارينِ :
الأولُ : التفاضلُ الراجعُ لذاتِ الدليلِ.
الثاني : التفاضلُ الراجعُ إلى تأثيرِ الدليلِ.
بالنسبةِ للاعتبارِ الأولِ فالإجابةُ بلاَ ريبٍ أنَّ القرآنَ الكريمَ هوَ أفضلُ الأدلةِ ؛ فالقرآنُ هوَ كلامُ اللهِ سبحانَه وهوَ المعجزةُ الباقيةُ إلى قيامِ الساعةِ فهوَ أصلُ الأدلةِ والبرهانِ الذي نستندُ إليه، وقدْ أشارَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ على تقديمِه على غيرِه في قولِه : (ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلَّا أُعْطِيَ ما مِثْلهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهُمْ تابِعًا يَومَ القِيامَةِ).[٤].
أما بالنسبةِ للاعتبارِ الآخرِ وهوَ تأثيرُ الدليلِ ونجاعتُه في الدعوةِ إلى اللهِ أو عندَ إقامةِ الحجَّةِ على المخالفينَ فالأمرُ يختلفُ مِنْ شخصٍ لآخرٍ، فإنَّنا نجدُ من الناسِ مَنْ يصلُ لليقينِ بالنبوةِ بدليلِ الإعجازِ بالقرآنِ، وآخرَ بدليلِ المعجزاتِ، وثالثَ بدليلِ الإخبارِ بالغيوبِ الصادقةِ وهكذا.
وختامًا نذكرُ بعضَ الأمثلةِ التطبيقيةِ مِن قصصِ إسلامِ بعضِ الصحابةِ، ونحاولُ أنْ نتعرَّفَ على الدليلِ الذي أوصلَهُم إلى الإيمانِ بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
ونبدأُ بصدِّيقِ الأمَّةِ أبي بكرٍِ -رضِيَ اللهُ عنه- فقدْ كانَ إسلامُه في أوَّلِ الدعوةِ، ولكنَّه أسلمَ بمجردِ أنْ عُرضَ عليه الإسلامُ ويبدُو مِن ذلكَ أنَّه أذْعَنَ لدليلِ الكمالِ الشخصيِّ والأخلاقيِّ لصاحبِ الدعوةِ -صلَّى الله عليه وسلم-، فقد كانَ الصدِّيقُ -رضِيَ اللهُ عنه- صاحبَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قبلَ الدعوةِ وأعرفَ الناسِ به وكانَ خبيرًا بحالِه فكانَ عندَه قناعَةٌ أنَّ مثلَه لا يكذبُ وأنَّ ما أخبرَ بهِ هوَ الصدقُ فكيفَ إذَا أُضِيفَ إلى ذلكَ جميلُ ما يدعُو إليهِ وهوَ التوحيدُ والأمرُ بالمكارمِ، ونجدُ شاهدَ ذلكَ فيمَا نقلَ ابنُ اسحاقَ في سيرتِه أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قالَ:”مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ مَا عَكَمَ عَنْهُ – أَيْ: ما تَلَبَّثَ – حِينَ ذَكَرْتُهُ، وَلَا تَرَدَّدَ فِيهِ “.
وهذا عُميرُ بنُ وهبٍ الجُمحيُّ الذي أسلمَ بعدَ أنْ شَهِدَ معجزةَ إخبارِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بأحدِ الأمورِ الغيبيةِ، ففي ذاتِ يومٍ اجتمعَ هُوَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ» فَقَالَ وَهْبٌ: «لَوْلَا عِيَالِي وَدَيْنٌ عَلَيَّ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا الَّذِي أقْتُلُ مُحَمَّدًا» فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: «فَكَيْفَ تَصْنَعُ؟» فَقَالَ: «أَنَا رَجُلٌ جَوَّادٌ لَا أَلْحَقُ آتِيهِ فَأَغْتَرُّهُ ثُمَّ أَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَأَلْحَقُ بِالْخَيْلِ وَلَا يَلْحَقُني أَحَدٌ» فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: «فَعِيالُكَ مَعَ عِيَالِي وَدَيْنُكَ عَلَيَّ. فَخَرَجَ يَشْحَذُ سَيْفَهُ وَسَمَّهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَا يُرِيدُ إِلَّا قَتْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمّا قدمَ المدينةَ رآه عمرُ بنُ الخطابِ فهالَه ذلكَ وشقَّ عَلَيْهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي رَأَيْتُ وَهْبًا فَرَابَنِي قُدُومُهُ ، وَهُوَ رَجُلٌ غَادِرٌ فَأَطِيفُوا نَبِيَّكُمْ ، فَأَطَافَ الْمُسْلِمُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ وَهْبٌ فَوَقَفَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَنْعِمْ صَبَاحًا يَا مُحَمَّدُ ، قَالَ : قَدْ أَبْدَلَنَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا قَالَ : عَهْدِي بِكَ تُحَدِّثُ بِهَا وَأَنْتَ مُعْجَبٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَقْدَمَكَ ؟ قَالَ : جِئْتُ أَفْدِي أُسَارَاكُمْ ، قَالَ : مَا بَالُ السَّيْفِ ؟ قَالَ : أَمَا إِنَّا قَدْ حَمَلْنَاهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمْ نُفْلِحْ وَلَمْ نَنجَح ، قَالَ : فَمَا شَيْءٌ قُلْتَ لِصَفْوَانَ فِي الْحِجْرِ : لَوْلَا عِيَالِي وَدَيْنٌ عَلَيَّ لَكُنْتُ أَنَا الَّذِي أُقْتَلُ مُحَمَّدًا بِنَفْسِي فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَهُ ، فَقَالَ وَهْبٌ هَاهْ ، كَيْفَ قُلْتَ : فَأَعَادَ عَلَيْهِ ، قَالَ وَهْبٌ : قَدْ كُنْتَ تُخْبِرُنَا خَبَرَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَنُكَذِّبُكَ فَأَرَاكَ تُخْبِرُ خَبَرَ أَهْلِ السَّمَاءِ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، هذا أمرٌ لم يحضرْه إلاًّ أنا وصفوانُ، فوَاللهِ ما أنبأكَ بِه إلاَّ اللهُ، فالحمدُ للهِ الذي هدانِي للإسلامِ. فقالَ الرسولُ لأصحابِه: فَقِّهوا أخَاكُم في الدينِ وأقْرِئُوه القرآنَ، وأطلقُوا لَه أسيرَه [٥].
ونجدُ في قصَّةِ إسلامِ الطُفيلِ بنِ عمروٍ الدوسيّ الطويلةِ قولَه: فعرضَ رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليَّ الإسلامَ، وتلاَ عليَّ القرآنَ، فلَا واللهِ مَا سمعتُ قولاً قطْ أحسنَ مِنْه، ولاَ أمرًا أعدلَ مِنْه، فأسلمتُ وشهدتُ شهادةَ الحقِّ، وقلتُ: يا نبيَّ اللهِ إنِّي امرؤٌ مطاعٌ في قومِي وإنِّي راجعٌ إليهم فداعيِهم إلى الإسلامِ، فادعُ اللهَ أنْ يجعلَ لي آيةً تكونُ ليِ عونًا عليهم فيمَا أدعُوهم إليه، فقالَ: اللهمَّ اجعلْ لَه آيةً[٦].
فقدْ استدلَّ على صحَّةِ الإسلامِ بدلالةِ ما يدعُو إليه الإسلامُ، وجماليةِ الدعوةِ والتشريعِ، وقدْ انضافَ إلى ذلكَ سماعُه القرآنَ وهوَ الرجلُ العربيُّ الحكيمُ الذي يستطيعُ أنْ يميِّزَ بلاغةَ القرآنِ بعدَ أنْ كانَ وضعَ قطنًا في أذنيْه حتى لا يسمعَ كلامَ النبيِّ كمَا أقنعَه كفارُ قريشِ.
ونجدُ في قصةِ إسلامِ ضمادٍ الأزديِّ الكثيرَ مِنْ الفوائدِ، فعنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ -رضي الله عنه- أنَّ ضمادًا قَدُمَ مكةَ، وكانَ مِنْ أزدِ شنوءةٍ، وكانَ يرقي مِنْ هذه الريحِ (الجن)، فسَمعَ سفهاءَ مِنْ أهلِ مكةَ، يقولون: إنَّ محمدًا مجنونٌ، فقالَ: ( لو أنِّي رأيتُ هذا الرجلَ لعلَّ اللهَ يشفيَه على يديَّ، قالَ فلقيَه، فقالَ: يا محمدٌ إنِّي أرقِي مِن هذه الريحِ، وإنَّ اللهَ يشفِي على يديَّ مَنْ شاءَ، فهَلْ لكَ (أرقيك)؟، فقالَ رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدهُ ونستعينُه، مَنْ يهدِه اللهُ فلاَ مُضلَّ لَه، ومَنْ يُضللْ فلاَ هاديَ لَه، وأشهدُ أن لاَ إلهَ إلاَّ الله وحدَه لاَ شريكَ لَه، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أمًّا بعد .. قال: فقالَ: أعِدْ عليَّ كلماتَك هؤلاءِ، فأعادَهنَّ عليه رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثَ مراتٍ، قالَ: فقالَ: لقدْ سمعتُ قولَ الكهنةِ، وقولَ السحرةِ، وقولَ الشعراءِ، فمَا سمعتُ مثلَ كلماتِك هؤلاءِ، ولقْد بلغنَ ناعوسَ البحرِ(أي وسطه)، قالَ: فقالَ: هاتْ يدَك أبايعُك على الإسلامِ، قالَ: فبايعَه، فقالَ رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: وعلى قومِك؟، قالَ: وعلى قومِي.”[٧]
فضمادٌ أسلمَ بمجردِ أنْ سمِعَ صدرَ خطبةِ الحاجةِ التي اشتملتْ على أصلِ الدينِ وقاعدتِه وهَوُ توحيدُ اللهِ -عز وجل-، ونفيُ الشريكِ عنه، وفيها ثناءُ العبدِ على اللهِ بما يستحقُه، واستعانتُه بربِّه ومولاَه، واستغفارُه من ذنوبِه، وفيها تفويضُ الأمرِ إلى اللهِ، والإيمانُ والإقرارُ بأنَّ الهدايةَ بيدِ اللهِ سبحانَه، فمَنْ شاءَ هدَاهُ، ومَنْ شاءَ أضلَه، وفيها ذكرُ الشهادتينِ، وهما مفتاحُ الدخولِ في الإسلامِ، ومفتاحُ الجِنانِ.
كمَا لا يخفَى أثرُ حِلمِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وجميلِ خلقِه في تأثُّرِ الرجلِ بدعوةِ الإسلامِ، فبعدَ أنْ عرضَ ضمادٌ على رسولِ لله -صلى الله عليه وسلم- معالجتَه من مرضِ الجنونِ ، وهذا موقفٌ يثيرُ الغضبَ ، لكنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- استقبلَ ذلكَ بحلمٍ وصبرٍ، فقد اتّسعَ حلمُه حتى جاوزَ العدلَ إلى الفضلِ معَ منْ أساءَ إليه وجَهِلَ عليه .
إنَّ ضمادًا -رضي الله عنه- لمَّا سمعَ منه صلى الله عليه وسلم خطبةََ الحاجةِ، ولمْ يسمعْ منْه أكثرَ من ذلكَ، قالَ : ” فمَا سمعتُ مثلَ كلماتِك هؤلاءِ”، معً أنَّه -رضى الله عنه-، سمعَ الكثيرَ منْ كلامِ أهلِ الشعرِ والبلاغةِ، ولكنَّه علمَ أنَّ هذا الكلامَ الذي سمعَه من النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- له طابعٌ خاصٌ، يختلفُ تمامًا عمَّا اعتادَ عليه ، ولوْ أنَّ أحدًا مِنْ النَّاسِ تكلَّمَ بمثلِ هذا الكلامِ منْ قبلُ ، مَا حكمَ ضمادٌ بنبوةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
فمِنْ هذهِ الأمثلةِ نجدُ أنَّ أسبابَ إسلامِ الصحابةِ تتنوعُ بتنوعِ دلائلِ النبوةِ، وهذا مِنْ رحمةِ اللهِ -جل وعلا- بهذه الأمةِ أنْ جعلَ أدلةَ النبوةِ متنوعةً وفي مجالاتٍ متعددةٍ .
فاللهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطرَ السماواتِ والأرضِ عالمَ الغيبِ والشهادةِ أنتَ تحكمُ بينَ عبادِك فيما كانُوا فِيه يختلفون اهْدِنَا لِمَا اخْتُلِفَ فِيه مِن الحقِّ بإذنِك إنَّك تهدِي مَنْ تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ .
[١] انظر مقدمةَ كتابِ دلائلِ النبوةِ للدكتور منقذ السقار.
[٢] أرشحُ بابَ النبوةِ من كتابِ سابغات للأستاذ أحمد السيد فهو كتاب معاصر مناسب لجمهور القراء وكذلك كتاب براهين النبوة للدكتور سامي عامري ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب أهل العلم المتقدمين مثل كتاب دلائل النبوة للبيهقي ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني.
[٣] ملخصًا من كتاب ظاهرة نقد الدين د. سلطان العميري.
[٤] أخرجه البخاري ومسلم.
[٥] السيرة النبوية لابن هشام.
[٦] السيرة النبوية لابن هشام والبداية والنهاية لابن كثير.
[٧] رواه مسلم.
وجود الله وكماله – دليل الخلق والإيجاد
الكاتب: مُهنّد بِن جَازِي
المقدمة:
إن من أعظم الحقائق الوجودية التي صار يجادل فيها فئامٌ من الناس هي قضية وجود الخالق تبارك وتعالى ، لا نقصٍ في الأدلةِ والبراهين الدالة عليه – قوةً ووضوحاً، يسراً وسهولةً – وإنما لأسباب متعددةٍ ليس هذا موطن ذكرها والتنقيب عنها، المهم هنا أن تستحضر قضيةً هامة مفادها : أن [ معرفة الحقِّ لا تستلزم اتِّباعه ] .
في هذه المقالة أستعرض معكم دليلاً من أدلةِ وجود الخالق وكماله ، منبّهاً على بعض القضايا التي أرى من المهم التنبيه عليها دفعاً لأصول اعتراضات الملاحدة وأضرابهم .
فأقول مستعيناً بمن فَطَرَ عيناً تُبصر هذه الكلمات :
تعدد الأدلة على وجود الخالق تبارك وتعالى.
إن إثباتَ وجود الخالق تبارك وتعالى له عدة مسالك وطرق ، كثيرٌ منها يغني عن غيره في الوصول إلى المطلوب لما اتصف به ذلك الدليل من القوة والوضوح ، والقرب للعقل الإنساني .
وسأعتمد في هذه المقالةِ أحد تلك الأدلة ، ألا وهو دليل الخلقِ والإيجاد (الحدوث)، وأبسطُ القولَ فيه ، تاركاً لعقلك الحكم على ما كتبت .
مستويات دليل الخلق والإيجاد ومكوناته.
إن دليل الخلق والإيجاد على مستويين بالنظر إلى تقسيم الموجودات إلى موجودات بدايتها معلومةً لنا بالحس والمشاهدة – لا تحتاجُ إلى دليل – وموجودات بدايتها معلومة بالنظر والاستدلال ككثير من أجزاء الكون، والجامع بينهما أن وجودهما له بداية ، ثم القسمة الأعم للموجودات : موجودات لها بداية ، وموجودات ليس لها بداية .
– فالمستوى الأول إذاً / الحوادث المشاهدة كالإنسان مثلاً :
المقدمة الأولى : الإنسان حادث
المقدمة الثانية : لكل حادث محدِث
النتيجة : للإنسان محدِث
– والمستوى الثاني / حدوث الكون أو الدليل الكوزمولوجي ( Cosmological argument )
المقدمة الأولى : الكون حادث
المقدمة الثانية : لكل حادثٍ محدِث
النتيجة : للكون محدِث .
وسأبدأ بعرض المستوى الأول لكون مقدمتيه ضروريتان ، وأما المستوى الثاني فسأرجئ الحديث عنه إلى مقالةٍ أخرى لضرورة ذكر بعض الأمور المهمة إضافةً إلى أدلة العلم التجريبي – وإن كان اللبيب يكفيه في إثبات حدوثه حدوث بعض أجزائه – .
مكونات المستوى الأول من دليل الخلق والإيجاد.
المقدمة الأولى : وجود الحوادث
ثمة حوادث معلومةٌ بالضرورة لا يمكن لأحدٍ إنكارها، كالإنسان مثلاً وُجد بعد عدم ، والمطر كذلك ، وهكذا كل ما يحدث أمامنا، فالحوادث إذاً وجودها ينفي امتناعها ( أي : استحالة وجودها ) ، وعدمها قبل وجودها ينفي وجوبها ( أي : استحالة عدمها ) .
المقدمة الثانية : لكل حادث محدث.
الموجود بعد عدمٍ لا بد له من سبب ، علمٌ يجده الإنسان في نفسه لا يستطيع دفعه ، يقول ابن تيمية :
« معلوم بالفطرة التي فطر الله عليها عباده بصريح العقل أن الحادث لا يحدث بلا محدِثٍ أحدثه ، وأن حدوث الحادث بلا محدِث أحدثه معلوم البطلان بضرورة العقل ، وهذا أمر مركوز في بني آدم …. ولهذا لو جوّز مجوِّزٌ أن يحدث كتابة أو بناء أو غراس ونحو ذلك من غير محدِث لذلك ، لكان عند العقلاء إما مجنوناً ، وإما مسفسطاً ؛ كالمنكر للعلوم البديهية والمعارف الضرورية … » [١]
ويقول لايبينتز أحد مؤسسي علم التكامل والتفاضل :
« براهيننا مؤسسة على مبدأين عظيمين : مبدأ عدم التناقض الذي بفضله تحكم ببطلان كل ما هو متناقض وصدق كل ما يناقض ما هو باطل ، ومبدأ العلة الكافية الذي به لا نعد أي واقعة قائمة في الواقع أو موجودة في الوجود الفعلي ، لا نعد أي قضية صادقة ما لم يكن لها علة كافية تبين لماذا كانت القضية أو الواقعة على ماهي عليه وليس على نحو آخر » [٢]
بل الحياة اليومية والتعاملات مع الناس قائمةٌ على الاعتراف بالسببية -أي: لكل حادث سبب – فالطبيب مثلاً لا يمكنه أن يزاول مهنته دون اعتراف بها ؛ إذ عمله هو البحث عن أسباب ما يعتري جسد الإنسان ولولا يقينه بأن لكل تغير أو حدث سبباً لكان بحثه عبثاً !
وأيضاً هذا المعنى يُدركه حتى الأطفال ؛ فمثلاً « إذا رأى شيئاً قال : من عمل هذا ؟ ولا يقنع البتة بأنه انعمل دون عامل » [٣] و« لو ضُرِبَ الصبي ضربة، فقال : من ضربني ؟ فقيل: ما ضربك أحد لم يصدِّق عقله أن الضربة حدثت من غير فاعل » [٤]
بل ترى الطفلَ حين تُخفي لعبته ينظرُ لمكانها ثم ينظر إليك بدهشةٍ وكأنه يقول : مَن أخفاها ؟! مع أننا لم نعلِّمه أن لكل حادثٍ أو فعل سبب وفاعل !
يقول جيمس لوبيا james Leuba المتخصص في دراسة الأصول النفسية والأنثروبولوجية للأديان :
« تنتاب الدهشةُ كثيراً من الناس وهم يشاهدون استيلاء سؤال الخلقِ على خواطر الأطفال ، يشاهد الطفل حجراً قي تشكّل على نحوٍ غريب ،ثم يسأل : مَن صنعه ؟ فيأتي الجواب : لقد تشكّل بفعل انسياب تيار الماء. ولكنه ، وعلى نحو مفاجئ، لا يلبث أن يقذف بسلسلةٍ من الأسئلة المتعاقبة ، معبرةٌ عن ذهوله بقدر تعبيرها عن تساؤله : مَن صنع النهر؟ مَن صنع الجبل؟ من صنع الأرض ؟. من دون شك ، ضرورة الصانعmaker مغروزة في الإنسان البدائي منذ وقتٍ مبكّر » [٥]
ويعلّق الدكتور عبدالله الشهري :
« نمثِّل بالأطفال لأن وعيهم لم يتشكل على أنقاض التصور الفاسد للعقل من جهة ، ولأن عقولهم تعمل وفق ما نحسبه التصور الصحيح للعقل من جهة أخرى » [٦]
تقسيم العلم إلى ضروري ونظري:
وفيما يلي مزيد كشفٍ لضرورة مبدأ السببية، من باب التذكير والتأكيد لا من باب إقامة الدليل عليه؛ لكونه من العلوم الضرورية التي يستحيل الاستدلال عليها؛ إذ المعارف الإنسانية إما ضرورية ( لا تحتاج إلى دليل ) وإما نظرية ( أي : لا نسلّم بصحتها إلا بعد إقامة الدليل ) ولو كانت كل المعارف ضرورية لما احتجنا إلى إعمال العقل والبحث عن الأدلة للتصديق بكل معنى لاح لنا . وهذا مخالف لما يُعلم من حال البشر، أما على تقدير نقيض ذلك (أي : قيام كل المعارف على الاستدلال ) للزم إما التسلسل أو الدور الممتنع ، فالقضية « أ » تستند في صحتها على الدليل « ب » و « ب » تستند على « ج » وهكذا إلى غير نهاية وهذا هو التسلسل الممتنع وسيأتي بيان امتناعه، أما الدور الممتنع يكون باستناد « أ » على نفسها مباشرةً أو بتوسط علومٍ أخرى، فثبت كون المعارف البشرية تنقسم إلى معارف ضرورية ومعارف نظرية.
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى :
« البرهان الذي ينال بالنظر في العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية ،فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علمٍ ضروري؛ إذ المقدِّمات النظرية لو أُثبتت بمقدمات نظرية دائماً لزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محلٍ له ابتداء، وكلاهما باطلٌ بالضرورة واتفاق العقلاء … »[٧]
وهذا في حدِّ ذاته دليل على وجود الخالق تبارك وتعالى سيأتي بيانه في مقالات أخرى إن شاء الله.
ضرورة مبدأ السببية.
الذي يهمّنا الآن تسليط الضوء على ضرورة السببية وذلك من خلال أربعة أمور :
الأمر الأول / أصالة العدم في الممكنات :
إن الأصل في المحدَثات هو العدم، وهي باقيةٌ على أصلها معدومة لا تنتقل منه إلا بسببٍ ذي صفاتٍ محددة لولاها لم يتمكن من الإيجاد.
يقول عبدالله العجيري :
« الموجود قبل وجوده إما أن يكون ممتنعاً أو يكون ممكناً أو يكون واجباً ، ومن المستحيل أن يكون ممتنعاً ؛ إذ لو كان كذلك لاستحال وجوده ، والفرض أنه موجود ، ومن المستحيل أيضاً أن يكون واجباً ؛ إذ لو كان كذلك لامتنع عدمه ، فلزم أن يكون ممكناً وهو ما يقبل الوجود والعدم ، وكونه قد انتقل من حالة العدم إلى الوجود يستدعي مرجحاً رجّح وجوده على العدم ؛ إذ بغير ذلك المرجح لاستمر على عدمه ولم يُوجد ، وهذا المرجّح هو السبب أو العلة في وجوده…. وما من موجود يظهر للوجود إلا وله علة رجّحت وجوده على عدمه ، ويستحيل أن تكون هذه العلة المرجحة عدماً محضاً ؛ فإن العدم ليس بشيء ، ولا يتصور أن يصدر عنه شيء ؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه » [٨]
ومن لطيف العبارات ما قاله أبو سليمان الخطّابي – رحمه الله – واصفًا تغيّر الإنسان من حال إلى حال دون اختيار منه وإرادة، ودلالة ذلك على وجود فاعل !
يقول :
« فمن أوضح الدلالة على معرفة الله سبحانه وتعالى، على أن للخلق صانعاً ومدبراً، أن الإنسان إذا فكّر في نفسه رآها مدبرة، وعلى أحوالٍ شتّى مصرفة، كان نطفةً، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عِظاماً، ولحماً، فيعلم أنه لا ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال؛ لأنه لا يقدر أن يُحدِث في الحال الأفضل، التي هي حال كمال عقله، وبلوغ أشده عضواً من الأعضاء، ولا يمكنه أن يزيد من جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في وقت نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز، وقد يرى نفسه شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم، ولا اختاره لنفسه، ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه، وأن له صانعاً صنعه، وناقلاً نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدّل أحواله بلا ناقل ولا مدبّر » [٩]
الأمر الثاني / لازمان لا مفر منها :
الحكم بجواز حدوث الشيء من غير شيء، يقتضي الحكم بجواز حدوثه من أي شيء تحقق فيه معنى الوجود؛ إذ الشيء الموجود -بغض النظر عن صفاته – أكمل من اللاشيء (العدم المطلق) من جهة جواز الإيجاد، وهذا سفهٌ عقليٌ انبثقَ عن سفهٍ آخر !

فمن جوّز حدوث الشيء من غير شيء لزمه أحد أمرين لا محيد له عنهما : إما مناقضة الواقع وذلك بإنكار تقسيم الموجودات إلى موجودات يصح وصفها بالقدرة ( ومعنى القدرة: صفةٌ تمكّن المتّصف بها من إيجاد الشيء ) ، وموجودات لا يصح وصفها بذلك، وينكر أيضاً تفاوت ما يصح وصفه بالقدرةِ = فتكون الموجودات كلها – عنده – متصفةٌ بالقدرة، لا بل القدرة على أي شيء !
وإما أن يُقر بذلك (أي : التقسيم والتفاوت ) فيقع حينئذٍ في التناقض من حيث ضرورة الحكم على كلِّ الموجودات بجواز إحداث الأشياء سواءً كانت تقدر على إحداثه أم لا؛ وذلك لأن مطلق الموجودات أحق بجواز الإيجاد من العدم المطلق، والثاني أحقُّ بالامتناع من الأول !
الأمر الثالث / الوقوع في التناقض :
إن الحوادث المشاهدة – كالإنسان مثلاً – يحكم العقل بجواز وجودها وعدمها، ووجودها يعني وجوبها بغيرها ؛ إذ لو كان وجودها بنفسها لكانت واجبة بنفسها فلزم اجتماع النقيضين؛ لما ترتّب على ذلك من اتصافها بالإمكان والوجوب الذاتيين في آن واحد !
الأمر الرابع / حدوث العلم :
تجويز حدوث الشيء بلا محدث سفهٌ عقلي يستلزم جواز حدوث العلم في نفسِ الإنسان بلا سبب البتة؛ إذ كلاهما حادث ولا معنى لتمييز أحدهما عن الآخر بجواز الحدوث من غير شيء ، وحيثُ كان الأمر كذلك لزِمَ ألّا يُحكم بجهلِ مدّعي العِلم إلا بعد سلوك طريقةٍ غيرَ طريقة العقلاء في سبيل الكشف عن صدق أو كذب مدعي العلم، فمثلاً حين يدّعي طفلٌ في الابتدائية قدرته على إجراء عمليات المُخِ والأعصاب فإن المجوّز لحدوث الشيء من غير شيء لا يستطيع إثباتَ جهله إلا بعد إجرائه العملية أو على الأقل اختباره – لاحظ أن صغْره وعدم بذله السبب في تعلم جراحة المخ والاعصاب غير كافٍ في إبطال ادِّعائه – ؛ فهب أنه تسرّع إلى تكذيب الطفل بحجّة عدم الأسباب المقتضية حصول قدرته على ما ادّعاه . سيقول الطفل : ألستَ تجوز حصول الشيء الحادث بلا سبب ؟ وأليست العلوم في النفس الإنسانية حادثة ؟ إذاً جاز حصول العلم الحادث في نفسي بلا سبب، فما دمت تجوِّز ذلك فلِمَاذا تكذبني قبل أن تختبرني أم هي مغالطة التسرع في الأحكام ؟!
بينما القائل بضرورة السببية سيعلمُ مباشرةً بطلان ادِّعائه؛ إذ العلم الحادث أثرٌ لسبب تام ولا بد ، وفقدان السبب التام يقتضي فقدان الأثر والمسبَّب !
استحالة حدوث الحادث بنفسه .
ولا يُمكن أن يكون السبب هو الحادث ذاته؛ لما في ذلك من التناقض، فلكي يُوجد نفسه من العدم لا بد وأن يكون (موجوداً) أي : موجوداً معدوماً في آن واحد، تماماً كأن يقول لك شخصٌ : أمِّي ولدت نفسها !
فتعيّن ضرورة أن يكون للإنسان سببٌ متصفٌ بالقدرة.
امتناع التسلسل في الفاعلين
السبب لا يخلو من أن يكون إما حادث وإما أزلي، فالأول يقتضي أن يكون له سببٌ لما تقدّم ، وسببه كذلك إما حادث وإما أزلي، والتسلسل في الفاعلين ممتنع عقلاً؛ لكونه يستلزم عدم وجود الحوادث المشاهدة، ولتقريب ذلك إليك المثال التالي :
جنديٌ موجهٌ بندقيته نحو قاتلٍ حُكِمَ عليه بالإعدام ، لا يُطلق النار حتى يعطيه الإذنَ مَن هو أعلى منه رتبةً ، لماذا ؟ لأنه جنديٌ مأمور ليس له أن يفعل شيء دون إذن القائد .
مَن هو أعلى منه رتبةً إما أن يكون كذلك – أعني مأمور يحتاج إذن من هو أعلى منه – وإما أنه مستغنٍ عن إذنِ غيره ، فالأول يقتضي ألا يُطلق الرصاصة إلا بعد أن يأذن له ، وهكذا … فلو لم يكن هناك من هو مستغنٍ عن غيره في إعطاء الأوامر – تقف عنده السلسلة – لما خرجت الرصاصة ، لكن خروجها دل على وجود ذلك الذي لا يحتاج إلى إذن غيره !
نشبِّه خروج الرصاصةِ بحدوث الإنسان ، فلو كانتِ الأسباب لم تتوقف عند سبب أول لا يحتاج إلى غيره ، لم يكن الإنسان موجوداً يقرأ هذه الكلمات !
يُلخّص ابن تيمية رحمه الله امتناع التسلسل بعبارة لطيفة :
« الممكن المفتقر لا بد له من واجبٍ غني بنفسه ، وإلا لم يوجد ، ولو فُرِض تسلسل الممكنات المفتقرات ، فهي بمجموعها ممكنة ، والمُمكن قد عُلِمَ بالاضطرار أنه يفتقر في وجوده إلى غيره ، فكل ما يعلم أنه ممكن فقير فإنه يُعلم أنه فقير أيضاً في وجوده إلى غيره ، فلا بد من غنيٍ بنفسه، واجب الوجود بنفسه ، وإلا لم يوجد ما هو فقير ممكن بحال » [١٠]
اتصاف السبب الأول بالقدرة .
إذاً وجب الإقرار بوجود فاعلٍ أول أزلي لم يسبق وجوده عدم ولا يلحقه زوال، وهذا الأزلي لا بد وأن يكون متصفاً بالقدرة، وهي صفة يتمكن بها الفاعل من إيجاد الأشياء، فهو إما أن يكون قادراً على إيجاد الأشياء ، وإما لا – أي : فاقدٌ لتلك الصفة التي تمكنه من إيجادها – القول بالثاني يوقعنا في تناقض ولا بد؛ لأن الشيء قد وُجد فكيف نقول بأنه عاجزٌ عن إيجاده؟!
– القدرة وحدها لا تكفي في حصول المفعول .
وهذا الخالق كما أنه مستغنٍ عن غيره في وجوده فهو كذلك مستغنٍ عن غيره في كمال قدرته، فلِمَ لم تُوجد مفعولاته منذ الأزل؟ الجواب : لم يشأ وجودها إلا لمّا شاء وجودَها، فهو إذاً متصفٌ بالمشيئة والإرادة :
فلو كانت الذات وصفة القدرة كافيةٌ في وجود معلولاته؛ لكانت كآفة المعلولات أزلية مثله – أي : لم يسبق وجودها عدم – لكن هذا يتناقض مع ما نعلمه ضرورة من وجودها بعد عدم !
يقول ابن تيمية :
« العلة التامة إذا كانت تستلزم مقارنة معلولها لها في الزمان ، وكان الرب علة تامة في الأزل – لزم أن يقارنه كل معلول ، وكل ما سواه معلول له : إما بواسطة ،وإما بغير واسطة ، فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء .» [١١]
معنى العلة التامة
ومعنى العلة التامة ( السبب التام ) : وهو السبب الذي يتصف بكل ما يؤدي إلى حدوث أثره في الواقع ، ولا يمكن أن يتخلف عنه أثره ومعلوله، فكل سبب تام فإنه سيقع مسببه وأثره ولا بد .
ولإيضاح المعنى أكثر أذكر ما يقابل العلة التامة وهي العلة الناقصة ( السبب الناقص ) ومعناها : كل سبب لم يتصف بكل ما يؤدي إلى تحقق أثره في الوجود . أو بمعنى آخر : ما لا يكفي في حصول المعلول.
وأضرب لذلك مثالاً : الفاعل المريد لا يحصل مراده إلا إذا كان قادراً ، فالإرادة الجازمة وحدها لا تكفي في حصول الفعل ، وكذا قل في القادر الذي لم يرد إيجاد الفعل إرادة جازمة ، فقدرته وحدها لا تكفي .
لا علة تامة إلا مشيئة الله تعالى
فلو كانت قدرة الفاعل الأول كافيةٌ في إيجاد المفعول ( أي : علة تامة ) لزم أن يكون المعلول أزلياً لأنه لم يزل قادراً وهذا – كما قلنا – ينافي ما نعلمه من حدوث الأشياء، فعُلِمَ أن العلة التامة هي إرادته ومشيئته. يقول ابن تيمية : « الرب يخلق بمشيئته وقدرته ، وهو موجب لكل ما يخلقه بمشيئته وقدرته ، ليس موجباً بمجرد الذات.. …. فما شاءه وجب كونه ،وما لم يشأ امتنع كونه » [١٢]
ويقول :
« ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة وسبب تام للحوادث بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن »[١٣]
فهو لم يوجب بمجرد الذات كما يقول بعض المتخبّطين، وإنما أوجب بذاته الموصوفة بالقدرة والمشيئة، ولا علة تامة غير مشيئته، فما شاءه وجب كونه وما لم يشأ لم يكن .
يقول د.نديم الجسر :
« إمَّا أن يكون حدوث الكون عنه – أي : عن واجب الوجود – بطريقة العلية والضرورة بدون إرادة واختيار ، وإمّا أن يكون حدوثها عنه بالإرادة والاختيار ، وغير جائزٍ عقلاً أن يكون حدوثها عنه بطريقة العلية والضرورة ؛ لأنه لو كان كذلك وهو قديم – أي أزلي – لَلَزِمَ أن يكون الكون قديماً، وقد ثبت حدوث الكون ؛ فلم يبق إلا أنها بإرادته واختياره ، وتخصيصه لها في الوقت الذي وُجِدت فيه ، فثبت بهذا أن هذا الموجود القديم مريد مختار »[١٤]
ويقول ابن تيمية :
« وإذا أردت التقسيم الحاصر قُلت : الفاعلُ إما مجرد الذات وإما الذات بصفة : فإن كان الأول : فمعلوم أن العلة التامة تستلزم وجود المعلول ، فإذا كان مجرد الذات هو المُوجب ، فمجرد الذات علة تامة ؛ فيلزم وجود المعلول جميعه، فيلزم قدم جميع الحوادث ، وهو خلاف المشاهدة ، وإن كان الثاني: فالصفة التي يصلح بها الفعل هي القدرة .
أو يُقال : فإذا لم يكن موجباً لذاته ، بل بصفةٍ ، تعيّن أن يكون مختاراً ؛ فإنه إما موجبٌ بالذات، وإما فاعلٌ بالاختيار، والمختار إنما يفعل بالقدرة ؛ إذ القادر هو الذي إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل، فأما من يلزمه المفعول بدون إرادته ، فهذا ليس بقادر ، بل ملزوم ، بمنزلة الذي تلزمه الحركات الطبيعية التي لا قدرة له على فعلها ولا تركها » [١٥]
أصل عظيم عض عليه بالنواجذ.
وبهذا تعلم أن أيَّ شيءٍ أزلي يزعم الملاحدة أو المنكرون للصفات تقدّمه على الحادث إن لم يكن متصفاً بالإرادة والاختيار لزمهم الوقوع في التناقض ولا بد؛ فلا يخلو من أن يكون ذلك الشيء علة تامةٌ تستلزم وجود معلولها أو علة ناقصة لا تكفي في حصول معلولها، وعلى التقديرين هذا مناقضٌ لما عُلِمَ ضرورةً بالحس والمشاهدة، فعلى الأول فهو يناقض ما نشهده من (حدوث) الأشياء بعد عدم؛ إذ يستحيل أن يتراخى المعلول عن علته التامة – سواءً كان علةً مباشرةً لها أو بتوسط معلولات – وقد تراخى على فرض قولهم، وعلى التقدير الثاني فقد ناقض قولهم (وجود) الأشياء؛ إذ العلة الناقصة لا تكفي في وجودها !
تناقض من يقر بوجود خالق مع تجاهل صفاته .
وأنا إذ أستدل هنا بمجرد وجود الحوادث على كماله أنبِّه على أن إثبات الكمال لا يقتصر على هذا المسلك فقط وإنما هناك ما لا حصر له من طرق الإثبات – أسأل الله عزوجل أن يعينني على بسطها في الأيام القادمة – هذا أولاً ، ثانياً : المقصود هنا بيان وجه دلالة دليل الخلقِ والإيجاد على صفات الكمال ، وأن الإقرار بوجود سببٍ أولٍ مستلزمٌ بالضرورة إثبات صفاتٍ له لولاها لم يكن فاعلاً ، وبهذا تعلم تناقض من يقر بوجود سببٍ ثم ينفي علمه بصفاته أو ينفي عنه الصفات ؛ لكونهم فرقوا بين المدلولات المتفقة في أدلتها !
صفة العلم .
ومن تلك الصفات – إضافةً على ما مضى – صفة العلم؛ إذ إرادة ما لا يُعلم مُحال، فهي شرط من شروط إيجاد المراد .
فلاحظ أننا قد توصلنا من خلال مجرد حدوث الحوادث إلى صفة القدرة والإرادة والعلم والغِنى، وله من تلك الصفات أكملها؛ إذ الوجود وُجودان لا غير: وجودٌ واجب أزلي ، ووجود ممكن حادث ، فالوجود الواجب الأزلي مستغنى عن غيره ،والوجود الممكن الحادث مفتقر إلى غيره، ومن جعل الواجب محتاجاً في صفاته إلى غيره وقع في التناقض؛ لأنه زعم احتياجه إلى غيره في الوقت الذي يُثبت فيه غناه عن غيره ! فوجود الغني غنى مطلقاً هو أمر ضروري؛ لأن الموجود إما أن يكون غني عن كل أحد وإما أن يكون مفتقراً إلى أحد، وثبوت الثاني يقتضي ثبوت الأول؛ لأنه لو لم يثبت – أعني الغني عن كل أحد – للزم إما التسلسل الممتنع وإما الدور القبلي وكلاهما مستحيل عقلاً – كما بينت سابقاً – فيؤول الأمر إلى عدم وجود شيءٍ، وهذا مناقض لما عُلِم بالحس، فثبت إذن وجود غني عن كل أحد وهو الخالق تبارك وتعالى.

صفتا الحكمة والعدل
وإذا ثبت غناه عن كل أحد لزِم اتصافه بالحكمة والعدل؛ لأن الذي يفعل نقيض الحكمة أو العدل يفعل ذلك إما جهلاً منه أو حاجةً إلى ذلك ، والخالق عليم بكل شيء ؛ لأنه لا يحتاج إلى من يعلمه – كما أنه لا يحتاج إلى معينٍ أو من يجعله قادراً – وليس محتاجاً إلى فعل الظلم أو العبث لأنه ليس بحاجة إلى فعلها.
وهنا أمر مهم : جهلنا بحكمة الشيء أو وجه عدالته لا يعني عدم الحكمة أو انتفاء العدل ؛ لأن الجهل بالشيء لا يعني عدمه ، فجهلنا بوجود القارة الأمريكية قبل اكتشافها لا يعني عدم وجود القارة عند العقلاء ، ثم نحن حين نقر بالتفاوت بين الخالق والمخلوق في العلم ، نقع في التناقض حين نشترط معرفة حكم كل أفعاله أو معرفة حقيقة ما يخبرنا به ، بل المخلوق مع المخلوق لا يشترط هذا ، كمن نراه من المريض أمام الطبيب ، حين يسلّم بتوجيهاته لا لعلمه بحقيقة ما يقول ، بل لثقته به !
وثبوت ما سبق من الصفات – أعني : القدرة والإرادة والعلم والغِنى والحكمة والعدل – متضمن لإثبات صفة الحياة ؛ لاستحالة اتصاف الجمادات بما سبق.
وهذا استدلالٌ على وجوده (بمجرد) وجود الحوادث المشاهدة ، أما الاستدلال على ذلك بحدوث الكون فسيكون في مقالةٍ أخرى إن شاء الله. وبالله التوفيق وعليه التكلان.

[١] الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ( ٢/٢٠٢)
[٢] أبحاث جديدة في الفهم الإنساني، ترجمة أحمد فؤاد كامل ص٧٦. عن كتاب الإجماع الإنساني لرضا زيدان ص٧٢
[٣] الإلحاد للمبتدئين د. هشام عزمي – والنص لابن حزم أحال المؤلف إليه –
[٤] الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ( ٢/٢٠٢)
[٥-٦] ثلاث رسائل في الإلحاد والعقل والإيمان ، د. عبدالله الشهري ص ١٠٤
[٧] درء تعارض العقل والنقل (٣/٣٠٩)
[٨] شموع النهار ص ١٠٦
[٩] عن كتاب ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث ، د. سلطان العميري
[١٠] مجموع الفتاوى (٢٠/١٨٣)
[١١] درء التعارض (٣/٦٢-٦٣)
[١٢] النبوات (٢/٨٧١)
[١٣] مجموع الفتاوى (٨/١٣٣)
[١٤] قصة الفلسفة والإيمان د. نديم الجسر
[١٥] شرح الأصفهانية ص ٣٩٩
العدالة والضبط في رواية الصحابي للحديث النبوي
الكاتب: معتز عبدالرحمن – سامر سليم
تمهيد
وضع علماء الحديث قواعد صارمة وشروطًا واضحة لابد من تحققها كي يوصف الحديث النبوي – أو الخبر محل الدراسة بشكل عام – بأنه صحيح (أما الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا، ولا معللاً) [١] ، فتحقق صفتي العدالة والضبط في رواة الحديث شرط أساسي لقبوله.
(المُرادُ بالعَدْلِ : مَنْ لهُ مَلَكَةٌ تَحْمِلُهُ على مُلازمةِ التَّقوى والمُروءةِ)[٢]،
( والضَّبْطُ: ضبطان، ضَبْطُ صَدْرٍ :وهُو أَنْ يُثْبِتَ ما سَمِعَهُ بحيثُ يتمكَّنُ مِن استحضارِهِ مَتى شاء، وضَبْطُ كِتابٍ : وهُو صيانَتُهُ لديهِ مُنذُ سمِعَ فيهِ وصحَّحَهُ إِلى أَنْ يُؤدِّيَ منهُ )[٣].
وتطبق هذه القواعد على سائر الرواة ، ولأجلها وضع علم الجرح والتعديل الذي يعتني بتصنيف الرواة عدالة وضبطا وبه يتمكن المحدثون – بجانب علوم الحديث الأخرى – من الحكم على إسناد الحديث صحة وضعفا، إلا أن للصحابة استثناء من هذا العلم إذ يشهد لهم بالعدالة والضبط دون حاجة للعودة إلى (الجرح والتعديل).
(للصحابة بأسرهم خصيصة وهي : أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة)[٤].
(ولأن السنن التي عليها مدار تفصيل الأحكام ومعرفة الحلال والحرام إلى غير ذلك من أمور الدين، إنما ثبتت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها، وأولهم والمقدر عليهم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؛ فإذا جهلهم الإنسان كان بغيرهم أشد جهلاً، وأعظم إنكاراً، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم وأحوالهم هم وغيرهم من الرواة، حتى يصح العمل بما رواه الثقات منهم، وتقوم به الحجة؛ فإن المجهول لا تصح روايته، ولا ينبغي العمل بما رواه، والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلا في الجرح والتعديل؛ فإنهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح؛ لأن الله – عز وجل – ورسوله زكياهم وعدلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره، ويجيء كثير منه في كتابنا هذا، فلا نطول به هنا)[٥].
وخلاصة ذلك أن المستهدف في رواة كل طبقات الإسناد هو تحقق العدالة والضبط، أما في طبقة الصحابي فإن مدار التحقيق فيها هو إثبات الصحبة، فمتى ثبتت صفة الصحبة فلا حاجة لمزيد تحقيق في العدالة والضبط، ويتناول هذا المقال شيئا من حيثيات هذا الحكم المجمع عليه في شأن رواية الصحابي ومناقشة بعض ما قد يستشكل حوله، نسأل الله تعالى الإخلاص والتوفيق والصواب.
عدالة الصحابة
أولاً : من هو الصحابي؟
قال الحافظ ابن حجر: (وأصح ُّ ما وقفت عليه من ذلك، أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالأعمى )[٦]، وفي إثبات الصحبة جاء في مقدمة ابن الصلاح (ثم إن كون الواحد منهم صحابيا : تارة يعرف بالتواتر وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر وتارة بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي وتارة بقوله وإخباره عن نفسه – بعد ثبوت عدالته – بأنه صحابي والله أعلم)، وساق السيوطي أبياتا في تعريف الصحابة قائلا فيها :
حَدُّ الصَّحَابِي: مُسْلِمًا لاقَى الرَّسُولْ …
وَإِنْ بِلا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ
كَذَاكَ الاتْبَاعُ مَعَ الصَّحَابَةِ …
وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ وَمَعْ رِوَايَةِ
وَقِيلَ: مَعْ طُولٍ، وَقِيلَ: الْغَزْوِ أَوْ …
عَامٍ، وَقِيلَ: مُدْرِكُ الْعَصْرِ وَلَوْ
وَشَرْطُهُ الْمَوْتُ عَلَى الدِّينِ وَلَوْ …
تَخَلَّلَ الرِّدَّةُ. وَالْجِنُّ رَأَوْا
دُخُولَهُمْ دُونَ مَلائِكٍ. وَمَا …
نَشْرِطْ بُلُوغًا فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا
وَتُعْرَفُ الصُّحْبَةُ بِالتَّوَاتُرِ …
وَشُهْرَةٍ وَقَوْلِ صَحْبٍ آخَرِ
أَوْ تَابِعِيٍّ، وَالأَصَحُّ: يُقْبَلُ .
.. إِذَا ادَّعَى مُعَاصِرٌ مُعَدَّلُ
وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ …
النَّوَوِيْ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ [٧]
ثانياً : أدلة ثبوت عدالة الصحابة
وعدالة الصحابة عند أهل السنة من مسائل العقيدة القطعية ، أو مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، يقول الخطيب البغدادي: (عدالة الصحابة ثابتة معلومة، بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن، في آيات يكثر إيرادها ويطول تعدادها ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة مثل ذلك ….، وكلها مطابقة لما ورد في القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع بتعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم – مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم – إلى تعديل أحد من الخلق …) [٨]،ويستدل لذلك بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، من أبرزها:
[أولاً : من القرآن :]
يقول الله – عز وجل – {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)} سورة الفتح
قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كنا ألفا وأربعمئة [٩]
فهذه الآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم تزكية لا يخبر بها ولا يقدر عليها إلا الله، وهي تزكية بواطنهم وما في قلوبهم، ومن هنا رضي الله عنهم.
قال ابن تيمية رحمه الله (والرضا من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد أن يوافيه على موجبات الرضا – ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدا) [١٠]
يقول الله – عز وجل – { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)} سورة التوبة
والدلالة في هذه الآية ظاهرة، قال ابن تيمية: (فرضيَ عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرضَ عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان) [١١]
يقول الله تبارك وتعالى {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)} سورة الحديد
أي وعد الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح الحسنى ووعد الذين أنفقوا وقاتلوا بعد الفتح الحسنى [١٢]
يقول الله تبارك وتعالى { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)}سورة الحشر
وفي الآيات كلام عن أعمال القلوب أثبته الله لهم [١٣]، فإن كنا فيمن دون الصحابة نستدل بالأعمال الظاهرة على العدالة وعلى نقاء الباطن، ففي شأن الصحابة جاء ثبوت عدالة الباطن من رب العالمين مباشرة وهو وحده تبارك وتعالى العليم بالقلوب وما يدور فيها.
[ثانياً : من السنة :]
عن أبي سعيد، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أحداً من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه) [١٤]
عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (النجوم أمنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل ما يوعدون، وأنا أمنةٌ ٌ لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) [١٥]
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أكرموا أصحابي، فإنهم خياركم) [١٦]، وفي رواية أخرى (احفظوني في أصحابي) [١٧]
نستنتج من العرض السابق للآيات والأحاديث في مناقب الصحابة ما يلي:
١- إن الله – عز وجل – زكَّى ظاهرهم وباطنهم.
٢- بسبب توفيق الله – عز وجل – لهم لأعظم خلال الخير ظاهرا وباطناً، أخبرنا أنه رضي عنهم، وتاب عليهم، ووعدهم الحسنى.
٣- وبسبب ما سبق أمرنا بالاستغفار لهم والترضي عليهم وأمر النبي بإكرامهم وحفظ حقوقهم ونهينا عن سبهم وبغضهم.
٤- ومن الطبيعي بعد ذلك أن يكونوا خير القرون، وأماناً لهذه الأمة، ومن ثم يكون اقتداء الأمة فيهم واجباً، بل هو الطريق الوحيد إلى الجنة.
قال ابن عبد البر رحمه الله (أجمع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول)[١٨]
وقال ابن حجر رحمه الله (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة) [١٩]
قال الخطيب البغدادي رحمه الله (على انه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والاموال وقتل الآباء والاولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وانهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤن من بعدهم ابد الآبدين هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء) [٢٠]
[ثالثا: العدالة والعصمة]
ومن أسباب وقوع بعض الإشكالات في فهم (عدالة الصحابة) أو حتى عدالة الرواة من بعدهم هو الخلط بين مفهوم العدالة والعصمة، فيستدل المعارض بوقوع بعض الذنوب والأخطاء من الصحابي ليطعن في عدالته، والواقع أن العدالة ليست مساوية للعصمة وإلا لما وصف بالعدالة سوى الأنبياء والمرسلين، ولكن (معنى عدالة الصحابة: ” أنهم لا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اتصفوا به من قوة الإيمان، والتزام التقوى، والمروءة، وسمو الأخلاق والترفع عن سفاسف الأمور، وليس معنى عدالتهم أنهم معصومون من المعاصي أو من السهو أو الغلط فإن ذلك لم يقل به أحد من أهل العلم، ومما ينبغي أن يعلم أن الذين قارفوا إثماً ثم حدوا – كان ذلك كفارة لهم – وتابوا وحسنت توبتهم، وهم في نفس الوقت قلة نادرة جداً؛ لا ينبغي أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المؤلفة من الصحابة الذين ثبتوا على الجادة والصراط المستقيم، وجانبوا المآثم، والمعاصي ما كبر منها وما صغر، وما ظهر منها وما بطن، والتاريخ الصادق أكبر شاهد على هذا، ويؤكد ما سبق الإمام الأبيارى بقوله: “وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم، واستحالة المعصية عليهم، وإنما المراد: قبول روايتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، إلا أن يثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد! فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح) [٢١]
إذن فاعتبار وقوع الخطأ في الاجتهاد أو وقوع الذنب ناقضا من نواقض العدالة هو في الحقيقة محاولة للإلزام بما لا يلزم وبما لم يدعه أحد من أهل العلم.
[رابعاً: دعوى تحقق شروط الصحبة للمنافقين ]
إذ يقال تبعا لتعريف الصحابي المعمول به عند أكثر أهل العلم والمذكور عاليا فقد يدخل في ذلك المنافقين الذين أسروا الكفر وأعلنوا الإسلام وبالتالي لا نأمن أن يدسوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، لا سيما أن الصحابة قد يروي بعضهم عن بعض ما لم يسمعوه مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم.
والتعليق على ذلك من وجوه:
أولها: ينبني هذا القول على اعتبار خفاء أمر المنافقين تماما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
وهذا غير صحيح، فقد كشف الله تعالى أمر المنافقين لرسوله صلى الله عليه وسلم ولصحابته بكشف صفاتهم في القرآن الكريم، كما في سورة التوبة وسورة محمد وسورة النساء وسورة الأحزاب وغيرهم، وقد قال الله تعالى عنهم {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)} سورة محمد،
وقال تعالى {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) } سورة التوبة،
كما جاء في سياق أخبار الصحابة ما يدل على علمهم بهم، ففي حديث كعب بن مالك رضي الله عنه لما تخلف عن غزوة تبوك قال (فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَطُفْتُ فِيهِمْ ، أحزنني أَنِّى لاَ أَرَى إِلاَّ رَجُلاً مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ..) [٢٢]، وفيه أيضا لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم اعتراف كعب بن مالك بأنه تخلف بلا عذر (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ فِيكَ)، وفي هذا دلالة على إدراك النبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله لكذب المتخلفين الذين تعللوا بأعذار مختلقة وإن قبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وقال عبد الله بن مسعود عن صلاة الجماعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم (وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ)[٢٣].
وقد أسر النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين إلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عنه الفتن الكائنة في الامة وقد ناشده عمر: أأنا من المنافقين ؟ فقال: لا، ولا أزكي أحدا بعدك)[٢٤]
ثانيها: اعتبار أن كل أو جل (من رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وأعلنوا الإسلام) كانوا يروون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
وبالتالي فقد يكون بعض المنافقين الأخفياء قد تحولوا إلى رواة أساسيين للسنة النبوية يدسون فيها ما شاءوا دون ضابط، وهذا غير صحيح ومخالف للواقع وسيأتي تفصيل هذه النقطة في الكلام عن ضبط الصحابة.
يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي في الأنوار الكاشفة (وعلى كل حال فلم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عرف أصحابه المنافقين يقيناً أو ظناً أو تهمة، ولم يبق أحد من المنافقين غير متهم بالنفاق، ومما يدل على ذلك، وعلى قلتهم وذلتهم وانقماعهم ونفرة الناس عنهم، أنه لم يحس لهم عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حراك، ولما كانوا بهذه المثابة لم يكن لأحد منهم مجال في أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يعلم أن ذلك يعرضه لزيادة التهمة ويجر إليه ما يكره، وقد سمي أهل السير والتاريخ جماعة من المنافقين لا يعرف عن أحد منهم أنه حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الذين حدثوا كانوا معروفين بين الصحابة أنهم من خيارهم) [٢٥].
[خامسا: الاستدلال بما وقع بين الصحابة من خلاف واقتتال على إسقاط عدالتهم]
أولا: وقوع الاختلاف والفتن بل والاقتتال ليس دليلا – بالضرورة – على فساد الدين والنفوس وقد وصف القرآن الكريم الطائفتين المقتتلتين بالمؤمنين حتى مع وصفه لإحداهما بالبغي { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) } سورة الحجرات، وقد وقع شيئا من هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حادث الإفك وفيه (..فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول فقالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر (يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي) فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه و سلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت)[٢٦] ولم ينف ذلك عمن وقعوا في الأمر صفة الإيمان ولا العدالة واستمر القرآن الكريم في تعديلهم والنبي صلى الله عليه وسلم في الثناء عليهم حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، بل واستمرت أخوتهم ومودتهم بعد زوال الغمة وأسباب الضيق والفتنة.
هذا في العموم، فإذا ما ثبت بالدليل البين عدم تعمد الباطل وإرادته، ووقوع الخلاف بسبب الاجتهاد واختلاط الأمور وصعوبة الموقف على أرض الواقع فهذا أدعى لفك الارتباط غير الضروري بين تلك المقدمة وهذه النتيجة.
ثانيا: التحقيق قبل النظر، ففي هذه الوقعة تحديدا كثر الكذب والخلط، والروايات التي يستدل بها الجازمون على التفسيرات الباطلة والنتائج المخالفة لشهادة القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم لا تثبت وإن انتشرت واشتهرت، وهذا ليس حكما عاطفيا وإنما هو نتاج إعمال آلية علم الحديث في التحقيق والتدقيق في تلك الروايات وهي الآلية المشهود لها بالدقة المتناهية والحيادية المطلقة ، وبالتأكيد ليس هذا موطن بسط هذا ولكن يكفي فيه الإشارة إلى وجوب التحقيق قبل الحكم، ومن النافع في ذلك مطالعة كتب مثل (حقبة من التاريخ) لعثمان الخميس، (العواصم من القواصم) لأبي بكر بن العربي، (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدثين) لمحمد أمحزون.
ثالثا: دراسة أثر ذلك في الروايات الحديثية، فإذا كان الاستدلال في النهاية يصب في نقطة قبول روايات الصحابة وردها، فمن باب أولى النظر في مروياتهم (الصحيحة) الثابتة هل ظهر فيها ما يوحي باستخدامهم لمكانتهم من النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوا عليه بادعاء ما يؤيد مواقفهم اللاحقة والانتقاص من مخالفيهم!
والبينة على من أدعى، ومن جميل ما يذكر هنا قول الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله في رده على أبي رية عن عدم ثبوت حديث في فضل معاوية رضي الله عنه (ذكر -أي أبي رية – عن أئمة السنة إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل والبخاري والنسائي، ثم ابن حجر، ما حاصله أنه لم يصح في فضل معاوية حديث، أقول: -أي اليماني – هذا لا ينفي الأحاديث الصحيحة التي تشمله وغيره، ولا يقتضى أن يكون كل ما روي في فضله خاصة مجزوماً بوضعه، وبعد ففي القضية برهان دامغ لما يفتريه أعداء السنة على الصحابة وعلى معاوية وعلى الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث، وعلى أئمة الحديث، وعلى قواعدهم في النقد، أما الصحابة رضي الله عنهم ففي هذه القضية برهان على أنه لا مجال لاتهام أحد منهم بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن معاوية كان عشرين سنة أميراً على الشام وعشرين سنة خليفة، وكان في حزبه وفيمن يحتاج إليه جمع كثير من الصحابة منهم كثير ممن أسلم ويوم فتح مكة أو بعده وفيهم جماعة من الأعراب وكانت الدواعي إلى التعصب له والتزلف إليه متوفرة فلو كان ثم مساغ لأن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أحد لقيه وسمع منه مسلماً لأقدم بعضهم على الكذب في فضل معاوية وجهر بذلك أما أعيان التابعين فينقل ذلك جماعة ممن يوثقهم أئمة السنة فيصح عندهم ضرورة.
فإذا لم يصح خبر واحد ثبت صحة القول بأن الصحابة كلهم عدول في الرواية وأنه لم يكن منهم أحد مهما خفت منزلته وقوي الباعث له محتملاً منه أن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم
وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ما دام في فضيلة له وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يجده ترغيب ولا ترهيب في حمل أحد منهم على ذلك فقد كان في وسعه أن يحدث هو عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد حدث عدد كبير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضائل لأنفسهم وقبلها منهم الناس ورووها وصحتها أئمة السنة، ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكر في أن الكذب أو يحمل غيره على الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم مهما اشتدت حاجته إلى ذلك.
ومن تدبر هذا علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية أدل على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث) [٢٧].
ضبط الصحابة
إذا كان الصحابة قد حققوا شرط العدالة لتوافر الأدلة الشرعية على ذلك، فلماذا يجزم لهم بتحقيق شرط الضبط أو لماذا لا يتم التمييز بينهم في شرط الضبط كما يحدث مع من بعدهم من الرواة العدول؟ ومناقشة هذه النقطة فيه عدة أمور.
أولا: الأسباب العامة لقوة ضبط الصحابة [٢٨]
فقد توفر لعموم الصحابة أسبابا متعددة تعينهم على الوصول لدرجة عالية من الضبط في رواية أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مناسب لقدر المسئولية الشرعية الملقاة على عاتقهم إذ سيحملون أمانة نقل الدين الخاتم الذي لن يأتي بعده رسول آخر، والمتأمل في حياة الصحابة وتاريخهم وما ذكره القرآن الكريم عنهم من توثيق وثناء وما جاء في السنة من مثل ذلك يرى قدر تميزهم لا عمن بعدهم فقط ولكن عن أصحاب الأنبياء قبلهم، وهذا من تدبير وحكمة ربنا تبارك وتعالى.
[١- منهجية النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمهم.]
فقد تميزت منهجية النبي صلى الله عليه وسلم في أداء رسالته وتعليم صحابته بأمور تعين الأكثرية على الاستيعاب وعدم النسيان بسهولة، ومن المعلوم بالضرورة في حياتنا أن منهجية المعلم تمثل عاملا أساسيا في قدرة التلميذ على الاستيعاب وصعوبة النسيان، ومن ذلك:
أ. تخولهم بالموعظة: فمن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على نفع أصحابه المؤمنين أنه كان ينتقي أوقات نشاطهم للتعليم والتحديث، ويتجنب الإكثار والإطالة وأوقات الكسل والتعب، فيسهل هذا على المستمع الاستيعاب وعدم النسيان أو الشرود، وقد بوب الإمام البخاري بابا في كتاب العلم فقال (باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم لكيلا ينفروا) ومما جاء فيه من طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا) [٢٩].
ب. تمهل النبي صلى الله عليه وسلم عند الأداء: فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سريعا في الكلام بصورة يسهل معها فوات بعض الكلام وصعوبة حفظ المستمع له، فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها في وصف طريقته صلى الله عليه وسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه) [٣٠]، وقد أنكرت رضي الله عنها على أبي هريرة رضي الله عنه سرده للحديث سردا وعللت نقدها بأن هذا لم يكن الأسلوب الذي انتهجه النبي صلى الله عليه وسلم في الأداء فقالت (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد كسردكم هذا ، ولكن كان يتكلم بكلام يبينه، فصل، يحفظه من حفظ إليه)[٣١]، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يملي الكلام إملاء في ذاكرة أصحابه.
ج. تكرار العبارة: وهذا كثير في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان يكرر العبارة عدة مرات بقصد الحفظ والفهم وبقصد تأكيد أهمية الموضوع المطروح على سواء، والدليل على أن الهدف لم يكن فقط التأكيد على أهمية الموضوع ولكن أيضا الحرص على تيسير حفظ وفهم الحديث ما ورد في صحيح البخاري عن أنيس بن مالك رضي الله عنه إذ قال عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا) [٣٢].
[٢- علو إسنادهم.]
فقد كان الصحابة يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم دون واسطة، فمع كون أذهانهم أصفى ممن بعدهم وقدراتهم أعلى منهم، فإن القدر المطلوب حفظه أقل بكثير ممن وجب على من بعدهم حفظه، فالصحابي لا يحفظ سوى متن الحديث فقط وينصب ذهنه كله على استيعابه تلقيا وأداء، أما من لحقهم من الرواة فقد وجب عليهم حفظ المتون وأسانيدها وأسماء رواتها، وقد نجح الكثير من المحدثين والرواة في ضبط هذه المتون وأسانيدها على كثرتها وطولها، فضبط الصحابة للمتون فقط أولى وأيسر بكثير.
[٣- اقتران تحملهم بوقائع ومشاهد حضروها.]
ومن المعلوم بالضرورة في حياة الناس أن ما يسمعه الإنسان سماعا مجردا يختلف عما يسمعه في موقف أو حدث، فما يسمعه الإنسان في المواقف والمشاهد يعلق بالذهن أكثر بكثير مما يسمعه سردا، لذلك يلجأ وينصح المهتمون بالتعليم المتقدم أن تكون الدراسة قدر المستطاع مرتبطة بالتطبيق العملي واختلاق مواقف عملية تعين على ترسيخ المعلومة في ذهن الطالب بخلاف الحفظ والاستظهار المجرد، وهذا النموذج ظاهر متكرر فيما رواه الصحابة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فحتى الأحاديث القولية كثيرا ما يذكرون الموقف المصاحب الذي قالها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[٤- اقتران بعض الأحاديث بأمور خارقة حضروها.]
وهذه حالة أخص من السابقة، فإذا كانت المواقف العملية العادية تعين على التذكر والاستيعاب وتصعب النسيان، فكيف بالأحاديث التي تعلقت بوقوع أمر خارق من معجزات ودلائل نبوة رسول الله عليه وسلم، فهذا أدعى لاستقرارها في الصدر وضعف احتمال الوهم والنسيان.
[٥- سيلان أذهانهم وصفاء فطرتهم ]
فبساطة الحياة العربية في ذلك الحين كانت سببا في صفاء الأذهان وسعة الاستيعاب وهو ما كان يظهر في قدراتهم الكبيرة على حفظ آلاف الأبيات من الشعر والأنساب الطويلة المعقدة بل وقدرة الشعراء منهم على ارتجال عشرات ومئات الأبيات الموزونة المحققة لكل القواعد بتلقائية شديدة، فقد كانوا ذوي طبيعة وإمكانيات تجعل مهمة حفظ الحديث أيسر بكثير مما قد يتصور إذا ما نظر في طبيعة وإمكانيات المتأخرين بجانب العوامل الأخيرة المعينة على الحفظ التي تم وسيتم ذكرها.
[٦- التقوى والورع.]
وهنا قد يتطرق إلى الذهن أن أثر التقوى والورع ينصب فقط على جانب العدالة ولا علاقة له بالضبط، ولكن في الحقيقة أن بينهما ارتباط يظهر بوضوح عندما تزداد تلك التقوى وذاك الورع إلى أعلى حد، وهو ما لا يصل إليه بعد الأنبياء والمرسلين مثل الصحابة، إذ أن شدة الورع تدفع إلى تجنب الرواية والتحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يجد الناقل في قلبه يقينا جازما بأنه يتذكر ما يريد تبليغه بوضوح وأنه قادر على تبليغه على وجهه الصحيح، والمتأمل في سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ أن كثيرا منهم كانوا يتجنبون التحديث قدر المستطاع ولا يحدثون عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند الحاجة مثل الاستفتاء أو وقوع موقف أو نازلة يعلم الصحابي فيها كلام أو فعل للنبي صلى الله عليه وسلم [٣٣]، وهذا أيضا في حد ذاته معين على الضبط، فكما أن التلقي مع وجود أحداث ومواقف يعين على الحفظ كما تقدم فإن الأداء مع وجود المواقف التي تستدعي الأداء يزيد من تركيز ودقة المؤدي بخلاف التحديث المطلق كما كان في الأجيال اللاحقة، وسنفصل في نقطة قادمة في أعداد الصحابة المكثرين من الحديث وأعداد أحاديثهم.
[٧- توظيف ما تحملوه من الحديث قولا وعملا.]
فمن سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث مثلا في كيفية الصلاة ومقادير الزكاة وأحكام الصيام وفي الأذكار وما يقال في كل حين وفي البيوع والمعاملات والزواج والتربية، وهو يطبق كل هذا العلم بشكل يومي في كل أعماله حتى إذا أحتاج لأن يذكر شيئا منها للناس كما سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم ليس كمن سمع كل هذا العلم في محاضرة أو درس وحفظه ثم لم يعمل به ولم يطبقه، فحال الأول أدعى للتذكر والاستيعاب بخلاف الثاني الذي تزداد احتمالات نسيانه، ومما لا شك فيه أن الصحابة كانوا أحرص الناس على العمل بما علموا فازداد رسوخ السنة في أذهانهم، وتقرير هذا الحرص والجزم به ليس عاطفيا وإنما يستنتج من ثناء الله تبارك وتعالى عليهم وتبشيرهم بالجنة ويشاهد بوضوح في سيرهم وتاريخهم، بل ثبت أن هذا كان حال الكثير منهم من القرآن الكريم نفسه إذ لم يكن ينتقل لحفظ عشر آيات جدد إلا بعد أن يعمل ويعي تماما العشر آيات السابقة.
[٨- تثبتهم في رواية الحديث.]
فقد اتخذوا منهجا ربانيا قويما في المحافظة على حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقد تمثل ذلك في شدة احتياطهم عند الرواية حتى قلت أحاديث الكثير منهم، وفي تثبتهم في قبول ما يسمعون، وهذا الحرص والتثبت كان له مظاهر كثيرة في حياة وسلوك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كالسفر لأجل التأكد من حديث واحد، لهذا فقد بوب البخاري في كتاب العلم من صحيحه باب (الخروج في طلب العلم) وعلق الأثر الذي يفيد أن جابر بن عبد الله الأنصاري رحل إلى مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه في حديث واحد، كما رحل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر في حديث كما في مسند أحمد، قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (وتتبع ذلك يكثر)، ومن ذلك طلب عمر بن الخطاب البينة أحيانا على الحديث كقصته مع أبي موسى الأشعري في الاستئذان عندما طلب منه شاهدا آخر على هذا الحديث فلما عوتب من أبي بن كعب رضي الله عنه (يا ابن الخطاب لا تكن عذابا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال عمر رضي الله عنه (سبحان الله إنما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت) [٣٤] فعكس ذلك منهجيته العامة، وورد مثل هذا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يستحلف الراوي عند تلقي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه (أصول الحديث) (وهذا لا يعني أن الصحابة اشترطوا لقبول الحديث أن يرويه راويان فأكثر، أو أن يشهد الناس على الراوي، أو يستحلف، بل كان الصحابة يتثبتون في قبول الأخبار ويتبعون الطريقة التي ترتاح لها ضمائرهم مخافة الخطأ في الرواية وحرصا على الضبط والإتقان حين التحديث).
[٩- عناية بعض الصحابة بأحاديث موضوعات خاصة.]
فقد عرف عن بعض الصحابة شدة الاهتمام بالأحاديث المتعلقة بموضوع معين وهذا بلا شك له دور كبير في زيادة ضبط وحفظ هذا الصحابي لأحاديث هذا الباب لشدة عنايته وتركيزه عليها كأنها تخصص، ومن ذلك مثلا اهتمام عدي بن حاتم رضي الله عنه بأحاديث الصيد لأن بيئته كانت بيئة صيد، وكاهتمام وعناية أبي ذر رضي الله عنه بأحاديث الزهد والرقائق وفضائل الأعمال، وهو موضوع يناسب خلقه وشخصيته، فكانت الأحاديث المتعلقة بهذه الأبواب تشكل معظم رواياته، وكاهتمام حذيفة بن اليمان بأحاديث الفتن والمنافقين، وكاهتمام ابن عباس رضي الله عنهما بالأحاديث المتعلقة بتفسير كتاب الله عز وجل وكأنها ترجمة حقيقية لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بتعلم الكتاب والتأويل، وغير ذلك.
[١٠- مذاكرة الحديث وكتابته.]
فقد كان للصحابة عناية بمذاكرة الحديث وتثبيت ما حملوه وضبط ما سمعوه ولم يكن الأمر متروكا مهملا في الذاكرة دون اهتمام، فقد وردت عنهم آثار تبين حرصهم على مذاكرة الحديث وعنايتهم باستظهاره، ومن ذلك ما قاله أنس رضي الله عنه (كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه)[٣٥] ، وما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يجزئ ليله ثلاثة أجزاء، جزء للقرآن وجزء للنوم وجزء يتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) [٣٦] ، ومثل ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعلي بن طالب وابن مسعود وأبي سعيد الخدري في التطبيق وتوصية الآخرين بهذه المدارسة والمذاكرة للحديث النبوي الشريف.
كما كان للكتابة دور مُعين على هذا الحفظ والضبط، فلم تكن الكتابة منعدمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن الكثيرون، قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم فقال (اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق) [٣٧] ، وقد عرف عبد الله بن عمرو رضي الله عنه بصحيفته الصادقة التي كتبها عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وقال أبو هريرة (ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب عنه فأذن له) [٣٨]، وثبتت أيضا الكتابة لأنس بن مالك رضي الله عنه [٣٩].
ثانيا: نظرة أكثر تفصيلا لواقع الرواية عند الصحابة
وبعدما هذه الجولة التي تناولنا فيها الأسباب العامة التي تبين لماذا ضبط الصحابة (إجمالا) أعلى من غيرهم (إجمالا)، وبالتالي فإن تقييمه في المجمل لا يتطلب خوض نفس الخطوات التي تطبق على غيرهم، ننظر الآن نظرة أكثر تفصيلا في واقع رواية الصحابة للحديث النبوي، فإن البعض يظن أن عشرات الألوف ممن أسلموا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولقوه ولو مرة وماتوا على الإسلام – وهو التعريف المشهور لمصطلح الصحابي – كلهم أو حتى معظمهم يروون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي يظن أيضا أن توثيق ضبط الصحابة تعني توثيق ضبط عشرات الألوف من البشر في آن واحد والمساواة بينهم جميعا في هذا وهو ما يصعب استيعابه، وهو في الحقيقة ليس مقصودا وليس واقعيا، وهو ما سنوضحه في النقاط التالية.
[١- المكثرون في الرواية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:]
قال الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه: (ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثروا الرواية عنه وعمّروا: أبو هريرة، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس، وأبو هريرة أكثرهم حديثا، وحمل عنه الثقات) [٣٩].
يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب (وقد ألف في الصحابة كتب كثيرة تناولت أحوالهم وعلمهم، وأوجز الآن في عدد من روى عنه – عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ – من الصحابة وعدد مروياتهم، فقد روى عنه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سبعة من الصحابة، لكل منهم أكثر من ألف حديث، وأحد عشر صحابيًا، لكل واحد منهم أكثر من مائتي حديث، وواحد وعشرون صحابيًا، لكل واحد أكثر من مائة حديث، وأما أصحاب العشرات فكثيرون، يقربون من المائة، وأما من له عشرة أحاديث أو أقل من ذلك فهم فوق المائة. وهناك نحو ثلاثمائة صحابي روى كل واحد منهم عن الرسول – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حديثًا واحدًا) [٤١]
أخذا في الاعتبار أن هذه الأعداد ليست أعداد المتون ولكن أعداد الأسانيد والطرق المؤدية للمتن، فالمتن الواحد قد يكون له عشرات الأسانيد كلها معدودة ضمن تلك الأعداد الكلية، والمتأمل في هذه الأرقام يدرك أن الظن الذي سبق الإشارة إليه من كون عشرات الآلاف من الصحابة كلهم يروون الحديث النبوي بنفس الدرجة ونفس الكم لا علاقة له بالواقع، فجل السنة النبوية مدار روايتها على عدد غير كبير من الصحابة كلهم معروفون مشهورون، وليسوا مجهولين ممن لقوا النبي صلى الله عليه وسلم مرة أو أكثر قليلا ثم عادوا لقبائلهم وبواديهم كما يتصور البعض، بل ومن أكثر منهم في الرواية فلإكثاره حيثيات معلومة من سيرته وطبيعة علاقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وملازمته له وعمره حين تلقى والسنوات التي أتيح له فيها الأداء – تأخر الوفاة – وطبيعة حياته خلال تلك السنوات من تفرغ للعلم والتحديث بخلاف الكثير من الصحابة بما فيهم الخلفاء الراشدون.
وقد فصل الدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه (السنة قبل التدوين) في سيرة كل من السبعة رضي الله عنهم أجمعين، ولكن أكتفي هنا بنقل ما ذكره عن مروياتهم لتعلق هذا بنقطة البحث:
• أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه (ت٥٩هجري)، روى الإمام أحمد بن حنبل في ” مسنده ” [٣٨٤٨] حَدِيثًا وفيها مُكَرَّرٌ كثير باللفظ والمعنى، ويصفو له بعد حذف المُكَرَّرٌ خير كثير، وروى له الإمام بقي بن مَخْلَدْ (٢٠١ – ٢٧٦ هـ) في ” مسنده ” [٥٣٧٤] خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حَدِيثًا.
• عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (تـ ٧٣هـ)، وتبلغُ جملةُ مروياتِه (٢٦٣٠) ألفَيْ حديثٍ وستمائة وثلاثينَ حديثًا.
• أنس بن مالك رضي الله عنه (تـ 93هـ)، وتبلغُ جملةُ مروياتِه (٢٢٨٦) ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثًا.
• أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها (تـ ٥٨هـ)، وعددُ أحاديثها (٢٢١٠) ألفان ومائتان وعشرة أحاديث.
• عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه (تـ ٦٨هـ)، وعددُ أحاديثِه (١٦٦٠) ألف وستمائة وستون حديثًا.
• جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه (ت٨٧هـ)، وعددُ أحاديثِه (١٥٤٠) ألف وخمسمائة وأربعون حديثًا.
• سعد بن مالك بن سنان “أبو سعيد الخدري” الأنصاري رضي الله عنه (تـ ٧٤هـ)، وعددُ أحاديثِه (١١٧٠) ألفٌ ومائةٌ وسبعون حديثًا (٤٢)
[٢- قلة الانفراد: ] ومن المعلوم المفهوم أيضا أن نسبة عدد من الأحاديث إلى صحابي معين لا يعني أنه قد انفرد بها وحده، وبالتالي لا يكون لضبطها مرجع إلا ذاكرته وحده، ولكن هذا العدد يشمل أحاديث رواها غيره من الصحابة ووافقوه فيها، وهذا التكرار والموافقة شاهد ضبط، وكمثال على هذا فإن أكثر الصحابة رواية على الإطلاق وهو أبو هريرة رضي الله عنه والذي يكثر الهجوم عليه ممن يستهدفون تقويض المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بدعوى أن كثرة أحاديثه دلالة إما على الاختلاق أو على عدم الضبط، لم ينفرد بالكثير من الأحاديث مقارنة بالعدد الكبير الذي رواه، يقول الباحث محمد بن علي بن جميل المطري (فإن أكثر الأحاديث الصحيحة الثابتة عن حافظ الصحابة أبي هريرة رضي الله عنه لم يتفرد بروايتها وحده، بل رواها معه غيره من الصحابة الكرام، وقد قال الشيخ المحدث محمد ضياء الرحمن الأعظمي في كتابه “أبو هريرة في ضوء مروياته بشواهدها وحال انفرادها”، وهي رسالة ماجستير: “الأحاديث التي انفرد بها أبو هريرة قليلة جدًّا، لا يتجاوز الصحيح منها مائتين وعشرين حديثًا”، وقال: “هذا ما تبين لي اليوم، ومن الممكن غدًا أن أطَّلع على شواهد لهذه المنفردات أيضًا إن شاء الله”.
وقد قمت في هذا البحث بدراسة الأحاديث التي ذكرها، فبحثي هذا هو مكمل لبحث الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي جزاه الله خيرًا…) [٤٣] ثم قال (بعد هذا التتبع والتحقيق وجدت أن الأحاديث الثابتة الصحيحة والحسنة التي تفرد بها أبو هريرة رضي الله عنه هي نحو ١١٠ أحاديث فقط، والله أعلم، ولا أنسى أن أقول كما قال المحدث الأعظمي في رسالته التي بحثي هذا متمِّمٌ لها: هذا ما تبين لي اليوم، ومن الممكن غدًا أن أطَّلع على شواهد لهذه المنفردات أيضًا أو يجد غيري) [٤٤]، ثم أورد تلك الأحاديث مصنفة على الأبواب الفقهية، فذكر حديثين في العقيدة، وتسعة أحاديث في الأحكام، وأربعين في الفضائل والترغيب والترهيب والآداب، وستة في الجهاد، وثمانية عشر في قصص الأنبياء والأمم السابقة، وعشر أحاديث في الشمائل والسيرة النبوية، وثلاثة خاصة بأبي هريرة ومواقف له مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإحدى عشرة في الفتن وعلامات الساعة، وإحدى عشرة في موضوعات متنوعة.
وهذا مجرد مثال لأكثر الصحابة رواية على الإطلاق.
[٣- مراجعة الصحابة بعضهم لبعض:] وهذا ثابت كثيرا في سيرة الصحابة الكرام – كتعليق السيدة عائشة على حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعا في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه – إذ يراجعون بعضهم بعضا في مروياتهم إذا بدا فيها تعارض، فلم يكن الصحابة يسكتون إذا سمعوا ما قد يتوهم فيه الخطأ، وثبوت المناقشة والإنكار في بعض الأحاديث يعكس الموافقة والقبول في جل الأحاديث الأخرى، وهذا توثيق عملي للضبط يشبه ما يطبقه المحدثون عمليا ونظريا على روايات الأجيال اللاحقة، والعجيب أن وقوع هذه المراجعات يحاول البعض استخدامها كنقطة نقص في حين أنها نقطة قوة، ويشبه ذلك استخدام بعضهم للانتقادات اليسيرة التي ذكرها مثلا الدارقطني على صحيح البخاري كدليل لإسقاط صحيح البخاري في حين أن قلة هذه الانتقادات وطبيعتها في الحقيقة هو ثناء وتوثيق كبير لصحيح البخاري.
[٤- دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:] وهذا مما قد لا يحلو للبعض اعتباره دليلا “علميا” إلا أن المؤمن بالله تعالى ربا وبرسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ليؤمن أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي بالعلم والحفظ ليعد حجة جلية يستند إليها في النظر إلى هذا الصحابي وحجية روايته، وقد ثبت دعاءه صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس ولأبي هريرة رضي الله عنهم جميعا بالعلم والحفظ والبركة، وكلاهما من السبعة المكثرين، روى البخاري في صحيحه عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ ضَمَّنِى النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ (اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ) [٤٥]، وروى أيضا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ – صلى الله عليه وسلم – دَخَلَ الْخَلاَءَ ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ « مَنْ وَضَعَ هَذَا » . فَأُخْبِرَ فَقَالَ (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِى الدِّين) [٤٦]، وروى البخاري عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ (ابْسُطْ رِدَاءَكَ) فَبَسَطْتُهُ. قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ (ضُمُّهُ) فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ [٤٧]، وروى عنه أيضا (يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ وَيَقُولُونَ مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ إِنَّ إِخْوَانِى مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ وَإِنَّ إِخْوَانِى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى مِلْءِ بَطْنِى فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا (أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِى هَذَا ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ) فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَىَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِى فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِى بِهِ وَلَوْلاَ آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ فِى كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ [٤٨]، فذكر أبو هريرة هنا تفسيرا علميا عمليا وتفسيرا إيمانيا لقدرته على الحفظ والأداء أكثر من غيره، وقد شهد عموم الصحابة له بذلك وأقروه عليه [٤٩].
لوازم تبني الرؤية الداروينية للحياة
الكاتب: أحمد سلطان
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله، أما بعد:
في القرن التاسع عشر أسس العالِم داروين نظرية أثرت كثيراً في السياق الفلسفي، وهي ظاهرة النشوء المشهورة، والتي رحب بها الملحدون وتبنوها لاحقاً بعصبية شديدة، حتى أنهم غالوا فيها وجاوزوا بها الإطار التي تعمل داخله؛ فأصبحت تفسر جميع الظواهر الحياتية.
غير أن لهذه النظرية لوازم فاسدة، والتي تضع الملحد نفسه في موقف محرج إن كان صادقاً فيما يعتقده، ولتوضيح هذه اللوازم ولبيان فسادها سأعرض في هذا المقال النقاط التالية:
• ضرورة الاعتقاد
• مفهوم الإلحاد وعلاقته بالاعتقاد
• مفهوم اللازم المنطقي وبيان أن فساد اللازم يقتضي فساد الملزوم
• ذكر اللوازم الفاسدة وارتباطها بالرؤية الداروينية للحياة
ثم ننتهي بخاتمة نؤكد من خلالها فساد الرؤية الإلحادية الداروينية.
إذا تحدثنا أولاً عن ضرورة الاعتقاد ورسوخه في النفس البشرية فإنه يجب الإشارة إلى أنّ الإنسان بطبعه هو إنسان معتقِد، فلا يمكن أن ينفّك الإنسان عن هذا الطبع؛ فالاعتقاد هو الذي يؤثّر في سلوك الفرد حال التصرف، ممّا يجعله يتبنى أموراً تكون لوازم اعتقاده.
ثانياً: مفهوم الإلحاد وعلاقته بالاعتقاد
الإلحاد: هو الميل عن طريق الصَّواب بسبب العهد الذي رسمه الملحد في تصوّره للحياة، فالإلحاد هو العهد الذي يحمله الملحد، وفي الاِصطلاح العرفيّ: هو إنكار الرب.
وهناك اصطلاح ذكره د/سلطان العميري ووَصَفه بأنّه أدق وأتقن، وهو عدم الإيمان بوجود الله؛ لأنّه يستوعب كل الحالات الواقعية الناقدة للوجود الإلهي.
ذكرنا سابقاً أن الاعتقاد لا ينفك عن الإنسان ولكي نُدرك اعتقاد الملاحدة بهذه النظرية يقول ز.ه. سكون: “إن نظريّة النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها حتى ولو أصبحت عملاً من الاعتقاد ” وممّا هو أعمق من هذا القول، قول مايكل روس: “التطوّر هو دين”، وإن لهذه الكلمة دلالات كثيرة منها:
– أن النّظرية عند أصحابها ليست مجرّد فرضية بيولوجية، فقد تجاوزت هذا بكثير حتى أضحت في مقام الدين الذي له إيديولوجيات خاصة به.
– أنها لا تقبل النقد؛ بل إنهم لا يقبلون حتى الكشوفات العلمية التي تنقد النظرية، والذي يؤكّد هذا القول أن جون هاوكس يقرر أنه لا يوجد في القردة العليا جنس انتقالي إلى الإنسان المنتصب، وهذا الكشف العلمي هو من أخرجه، لكن هل قبله؟ طبعاً لا!؛ بل وضع حلاً إيمانياً بديلاً، وهو أن يؤمن بالانتقال المفاجئ من جنس القردة إلى جنس هومو.
– أن النظرية التي تكون بمثل هذا المقام لابد وأن معتنقيها لهم إيمان عميق بها، وهذا ما نجده عند أعلام الإلحاد.
وحين ندرك أن الإلحاد ينطلق من نفي وجود الخالق، حينها ما هو الشيء الذي يملكه لتفسير حقائق الحياة؟ لهذا احتاج الملاحدة لنظريّة التطوّر التي سدت لهم هذه الفجوة؛ إذ لولا هذه النظريّة لما كان بعضهم ملحدًا.
اسمع لريتشارد دوكنز وهو يقول هذه العبارة التي تعبر بعمق عن احتياج الإلحاد لنظرية التطوّر: “لو عشت قبل زمن داروين _ على الأرجح _ سأكون مؤمناً بالله”!
و بهذا تتأكد صلة الإلحاد بهذه النظريّة؛ لأنّ هذه النظريّة هي البديل الوحيد عن الإيمان بالخلق الخاص المباشر، لذلك رُبط الإلحاد بالرؤية الداروينيّة؛ لأنّ الإلحاد أمر فلسفي يقوم على منصّة الإثبات أو النفي، والتطوّر أمر علمي يقوم على منصة التجارب، و الفلسفة تقوم على مقدمات، ويمكن للعلم أن يكون مقدمة لفلسفة معينة؛ لأن التطوّر ينفي وجود الربّ لأمور فلسفية محضة.
وبعد، فإن التّكلم عن اللوازم له بُعد فلسفي؛ إذ يأخذ مقولاتهم ويوصلها إلى النتيجة المنطقية لها، وهو أمر مهم يبيّن تناقض الملاحدة بين تنظيراتهم وعملهم في الواقع.
ثالثاً: مفهوم اللازم المنطقي وبيان أن فساد اللازم يقتضي فساد الملزوم
أما معنى اللازم فقد عرّفه الجُرجاني بما يلي: “ما يمتنع انفكاكه عن الشيء”
ترتكز نظرية التطوّر على ركنين أساسين: العشوائية والانتخاب الطبيعي، والممارسة الداروينيّة تفسر كل شيء داخل إطار الداروينيّة حتى ولو كان خارجاً عن إطارها، وهذا ما فعله أعلام الإلحاد بإدخالهم ملفات خارجة عن هذه الرؤية.
والرؤيّة الداروينية للحياة لخصّها ريتشارد دوكنز بقوله:” الكون كما نشاهده يتمتع بالخصائص التي نتوقعها تماماً إن كان في حقيقته بلا تصميم.. بلا غاية.. بلا شر، ولا خير سوى قسوة عمياء لا مبالية.”
رابعاً: ذكر اللوازم الفاسدة وارتباطها بالرؤية الداروينية للحياة
اللازم الأوّل: العشوائية ونفي الغائية
العشوائيّة هي الطبيعة العمياء للانتخاب، والمسار العشوائي غير واضح؛ لأنّه ليس له هدف أصلاً، والذي في مثل هذا المقام ليس بمقدوره التفسير؛ لأنّ كل الأمور -في النموذج العشوائي- اعتباطية؛ لذا فمعنى الحياة ووجود غاية فيها غير موجود في الرؤية الداروينية.
إذن فصنيع الملاحدة بجعل وجود “معنى للحياة” ليس له مسوّغ في هذه النظرة؛ لأنّ الطبيعة المنطقيّة لهذا القول وهذه الرؤية تفضي إلى فلسفة عدمية.
اللازم الثاني: نزع مفهوم الجمالية من الحياة
أكثر شيء متعلق بالجمال هو الجانب الأخلاقي؛ إذ تشرق منه صفحات جميلة تدل على أن هذا الكائن أسمى من المادة التي تحيط به؛ إذ ترفعه من ماديّة الكون إلى روحانيّته، لكن نجد في التصوّر الدارويني تنكُراً لهذا الجانب، ففي تنظيراتهم يرجعون الأمر إلى الذوق الشخصي والعرف الاجتماعي، وبأن كل الأخلاق نسبيّة، فما تراه خلقاً حسناً قد يراه غيرك قبيحاً، وأقبح لوازم الرؤية الداروينيّة لهذا الجانب تسوية الأفعال -تسوية الفعل الحسن بالفعل القبيح- و هذا ممّا يرفضه العقل و المنطق المستقيم؛ إذ كيف نجعل المسالم كالمجرم، بأيّ معيار نحكم على ذلك؟ فكيف نجعل فعل ستالين وهتلر وغيرهم من الطغاة كفعل المسالم الذي ينشر السلم وسط المجتمعات؟
لكنّها العشوائية الاعتباطية، فهي التي أنتجت هذه الأخلاق لعلّة الاستبقاء، ولازم الإلحاد العدمية الأخلاقيّة التي تجعل من كل شيء مباحاً، وعلى حد تعبير دوستويفسكي {كل شيء مباح إذا لم يكن الله موجوداً}
بيان تناقض الملاحدة:
لما كانت النفس تفرض في واقع المعيشة هذه الأخلاق الموضوعية، ظهر تناقض الملاحدة في تقريراتهم وإنكارهم لهذا الأمر، فنجد أن ريتشارد دوكنز صرح بذلك وأعترف بتناقضه؛ بل يقول: {… ولكنه تضارب يجب أن نتعايش معه، وإلا فستكون الحياة قاسية}
لذلك كان لابد أن تكون النتيجة المنطقية لهذا اللازم بأن يكون الملحد غير أخلاقي؛ لأنّ {الإلحاد يقتضي مذهب اللاأخلاقية}
لمَ يقبلون التناقض رغم فساد قولهم؟
الجواب ببساطة؛ لأنّه يَلزَم من موضوعية الأخلاق وجود الله، والملاحدة لهم حساسية اتجاه الخالق؛ لأن يُوجد كومبيوتر أنشأ هذا الكون هو أكثر معقوليّة عندهم من وجود الخالق
اللازم الثالث: النظرة الدونية للحياة
يقول ستيفن هوكينغ: “الجنس البشري هو مجرد وسخ كيميائي موجود على كوكب متوسط الحجم”.
إنه أكثر شيء يعبر عن النظرة الدونية للحياة، فهو يجعل الإنسان مجرد وسخ كيميائي، وهو بهذا ينزع حرية المرء وقدرته على اختيار ما يريد بفعل التفاعلات الحيوكيميائية الموجودة في الدماغ؛ لأن فعل الإنسان في النظرة الدونية مجرّد تفاعلات حيوكيميائية أُجبرت على العمل أو على المشي أو التّكلم أو التأليف….
ما هو الضابط إذن في إطلاق ألقاب مثل متنوّر ومفكر حر وغيرها؟! في ظل هذا التصوّر لا معنى لتلك الألقاب؛ إذ هي جبرية مطلقة، فتفكير الملحد مجبور في ظل تصوّره للحياة، كذلك كل تصرفاته أسيرة هذا التصوّر
ما الفائدة؟
لماذا إذن ينعت الملاحدة المؤلهة ولا يألون جهداً في كسر دعائم الإيمان، ما الفائدة من ذلك؟ وفي هذا التصوّر كان لزاماً على الملحد أن يقول: “هو مجبور على إيمانه كما أنا مجبور على إلحادي”
الجبرية لا تنتج فائدة، فلا توجد غاية من الكتابة مثلاً وفق النظرة العشوائية التي ليس عندها هدف.
النتيجة المنطقية من هذا أن الإرادة الحرّة مجرد وهم!
اللازم الرابع: التحيّز في التفسيرات
التصوّر الدارويني يحجّر من مسارات التفسير ويجعله في نطاق العلموية فقط، والعلموية -كما في موسوعة لالاند- هي: «العلم القادر على معرفة الأشياء كما هي، وحلّ جميع المشاكل، وإشباع جميع الحاجات الحقيقية».
اختزالية مطلقة تنفي المناهج الأخرى وتهيمن عليها، وذلك ما نراه في تصرفات أعلام الإلحاد، فحين نجد أن سام هاريس يريد أن يبني منظومة أخلاقية من خلال العلموية، فهذا يؤكد التحيز في ظل هذه الرؤية، فبرغم من أن الأخلاق بعيدة جداً عن العلموية إلا أنّه عمل داخل إطاره، وكذلك العلموية تختزل تفسير أسئلة الإنسان الكبرى.
ومن التحيّزات التي يمارسها أصحاب هذا التيّار استعمال الأساليب العلمية في غير مكانها، خذ مثلاً الانتخاب الطبيعي، فمكانه الطبيعي عالم الأحياء، لكن نجد أعلام الإلحاد يُدخلون هذا الأسلوب في الاجتماع والاقتصاد..
لذلك نلخص إلى أنّ العلمويّة فلسفة إلحادية تختزل تفسير الظواهر في العالم المادي، وهي مدرسة أحاديّة الرؤى تتفق مع الرؤية الداروينية، وهم الذين نفخوا فيها روح الحياة من جديد، وما ذلك إلا لقرابة المنهجين من بعض.
لكن هل التزموا هذا القول؟ إنّ الناظر للعلم التجريبي بأنّه غير مؤكد بالعلم التجريبي يُظهر فساد قولهم وبطلان دعواهم؛ لأنّهم لم يلتزموا بقولهم وأخذوا بمنهجه خارج هذا الإطار.
ختاماً، فإن هذه الإلزامات كفيلة بإظهار فساد هذه الرؤية، وما سبق ذكره ما جيء به على سبيل الحصر أبداً، إنما لا يسع المقام لذكر تناقضات آراء أعلام الملاحدة وتخبطهم.
وإن المتأمل لهذه النظرية وتطبيقات مؤيديها لها في الحياة لدعم معتقدهم، يدرك حتماً فسادها واستحالة استقامة الحياة بها وتضاربها المباشر مع الفطرة، ولا يسعنا إلا القول أنّه من العسير جداً أن تجد ملحداً صادقاً في إلحاده.
محاسن الإسلام فيما اتهم به الإسلام ‘’ القصاص’’
الكاتب: نيڤين جلال
بسم الله والصلاه والسلام على رسول الله …
وبعد،،،
أنزل الله الرسالة الخاتمة على نبيه محمد صلّى اللّٰه عليه وسلم للنّاس كافّةً (عربَهم وعجمهم .. شريفهم وضعيفَهم .. لحاضرِهم ومستقبلهم )،
ولذا فقدِ اشتملت هذه الرّسالة على جميع ماينظّم حياة البشر ويُصلحها، فكانت أحكام الشريعة ومقاصدُها التي إن تمسكوا بها واتّبعوها؛ فلحوا في الدنيا ونجوا في الآخرة.
ولكن أعداءُ الإسلام ما يفتأون يطعنون في أحكامِ الشّريعة ويلقون الشّبهة تلوَ الشبهة ليلبِسوا على المسلمينَ دينهم وليصمُّوا آذان غير المسلمين عن تلَقِّي الحقّ وقبوله .
وها هم يضعون أحكام الإسلام في قفص الاتّهام. هذه المرّة اتهموه بأنه الدينُ الأكثر وحشيّة، الذي يهدر حقوق الإنسان ويدعو لإزهاق النّفس البشرية عن طريق القِصاص.
أولًا: أيّةُ حقوق إنسانٍ تلك التي يتشدّقون بالحديث عنها!؟، وتاريخُهم من الماضي إلى الحاضر حافلٌ بإهدار حقوق الإنسان على اختلاف دياناتهم وتوجّهاتهِم. هم يمنعون قتلَ نفس واحدة قِصاصًا، ولا يتورّعون عن قتل مايقارب المائة وخمسين ألف نفسٍ – مابين رجال ونساءٍ وأطفال لاذنب لهم – بضغطة زرٍّ واحدة تسقط قنبلةٌ ذرية فتاكة يستمر فتكُها بالبشر لحظةَ سقوطها ولسنوات عديدةٍ متوالية.
(هل كان هؤلاء بلا حقوقِ إنسان؟)
أمثلة التّعدي على حقوق الإنسان عديدة ولا يسع المجالُ هنا لذكرها، ومن أراد الغوص في هذه المسألة فسوف تهوله القصص والروايات المرعبة.
ثانيًا: إنّ من مقاصد الشريعة الإسلامية الحفاظ على”الضرورات الخمس”للإنسان، وهي: (الدين – النفس – العقل – العِرض – المال) ليعيش الإنسان في هذه الحياه تحت ظلّ الشريعة آمنًا مطمئنًا يعمل لدنياهُ وآخرتِه، وسط مجتمعٍ منضبط يشد بعضُه بعضًا.
ولذا كان المِساس بأيّ عنصر من عناصر الضرورات الخمس يستوجب أشدَّ العقوبة على مرتكبِه.
ومن هذه الضرورات التي نصّ الشّرع بالحفاظ عليها (النفس) فنجد آياتٍ عظيمةً في كتاب الله وفي سنّة رسوله صلى اللّٰه عليه وسلم تُعظِّم من بشاعة جريمة قتل النفس وتتوعّد مرتكبَها بأشد العقوبات في الدنيا والآخرة.
ومن هذا، الآية رقم ٣٢ من سورة المائدة:
{مِنْ أَجْلِ ذَٰلِك كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّه مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }﴿٣٢﴾
هذه الآية جاءت في سياق أوّل جريمةِ قتل على وجه الأرض، حيث قَتل قابيل بن آدم عليه السلام أخاهُ هابيل حِقدًا وحسدًا.
وقد فسّر العلماء قول الله عز وجل “من أجل ذلك” أنه:
من أجل وجود أُناسٍ مسالمين لايريدون شرًا ولا عدوانًا، وكذلك من أجل وجود أُناس طُبعت جِبلّتهم على الشرِّ والعُدوان وتجذّرت في نفوسهم فلا تصلح معهم المسالمة والنُّصح.
من أجل هؤلاء وهؤلاء جعلنا جريمة قتل نفسٍ واحدة كأنّها قتل للناس جميعًا، وجعلنا كذلك العمل على استحياء نفس واحدة ودفعِ القتل عنها عملًا عظيمًا يعدُل إنقاذ الناس جميعًا.
ولكن من اليسير لنا أن نفهم معنى الاستحياء أنّه منعُ قتل النفس والدفاع عنها، فماذا لو تمّ قتل هذه النفس فعلًا؟!، فكيف يكون هذا الاستحياء؟
( إنه القِصاص )
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} – سورة البقرة ﴿١٧٩﴾
ما هو معنى القِصاص ؟
معنى القِصاص شرعًا: أن يتلقّى المجرم عقابه بمثل ما فعل، فيُقتل القاتل .. وهكذا.
إذن أيّة حياةٍ تلك التي تتحدث عنها الآية الكريمة؟ كيف تجتمع الحياة مع القتل؟
هي حياة بالفعل، من عدة وجوه:
-حياة لأولياء دم القتيل، فتُشفى صدورهم من الحقد والرّغبة في الثأر، حيث تسيل الدماء على مذابح الأحقاد العائلية جيلًا بعد جيل ولا تكفُّ عن السّيل حتى يروا عقاب القاتل.
-حياه للمجتمع، الذي سيعيش آمنًا مطمئنًّا في ظلّ وجود عقوبة تمنع مرضى القلوب من العبث بأرواح النّاس، وتعاقبُهم أشدّ العقوبة إذا طوّعت لهم أنفسهم قتلَ النفس التي حرَّمها الله.
بل هي حياة للجاني نفسه.. كيف؟؟
لأنّ الجاني إذا أيقن أنه سيدفع حياتَه ثمنًا لحياة مَن يفكّر بقتله فيمنعه ذلك من ارتكاب جريمته، فقد أنقذ حياته هو ابتداءً، ولكن إذا تغلّب عليه شيطانه وارتكب جريمته ثم تاب وأُقيم عليه حدّ القِصاص كان ذلك كفارةً لذنبه – على الراجح من أقوال أهل العلم – ولن يُعاقب عليه في الآخرة.
فالتّحقيق في هذه المسألة أنّ القاتل تتعلق به ثلاثة حقوق:
“حقّ اللّٰه – حقّ المظلوم المقتول – حقّ وليِّ الدم”
فإذا تاب القاتل وسَلم نفسه طواعيةً إلى وليّ الدم نادمًا على فعله وتائبًا للّٰه توبةً نصوحًا؛ فبذلك يسقط حق اللّٰه. ويسقط كذلك حقّ وليّ الدم إما بأخذ القِصاص أو بالعفو مع الدّيَّة.
ويرى الشافعية أنه إذا عفا أولياء المقتول وجب على القاتل الديّة والكفّارة “صيام شهرين متتابعين” لأن الكفارة شُرِعت في القتل الخطأ فهي في القتل العمد أولى.
ويتبقى حقّ المقتول الذي ظُلم، هنا يعوّض الله هذا المظلوم يوم القيامة إما بأن يأخذَ له من حسنات القاتل، وإمّا أن يعطيَه اللّٰه من فضله وكرمه ما يرضيه عِوضًا عن مظلمته، فلا يسقط حقّ المظلوم ولا تبطُل توبة التّائب.
ثالثًا: إنّ دين الإسلام هو دين الحياة ودين السّلام ودين التّعايش بين البشر، فعلى الرَّغم من اعتبار الشرع جريمةَ قتل النفس كبيرةً من الكبائر تَلي الشّرك باللّٰه – لأن الله هو واهب الحياة وليس لأحد سواه أن يسلبها إلا بإذنه – على الرغم من ذلك فقد أعطى الله لولي الدم الحرية في التصرّف مع القاتل إما بالقِصاص أو بالعفو مع الدية:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } – سورة البقرة ﴿١٧٨﴾
وهنا نلحظ روعة الإسلام وجمال التشريع الحنيف.
من المعلوم أن الغضب للدّم فطرة وطبيعة في الإنسان، فيستجيب الشرع لهذه الفطرة بتقرير شريعة القِصاص، لأن العدل النّافذ هو الذي يهدِّئ النفوس ويكبح جماحها، ولكن في ذات الوقت فإن الإسلام يحبّ العفو ويفتح له الطريق، فتكونُ الدّعوة للعفو مع أخذ الدية دعوةً للسموّ الأخلاقي، وليست فرضًا يكبت فطرة الإنسان ويحمّلها مالا تطيق، فيشعر وليُّ الدّم بأنه ليس مُرغمًا على الصفح فتهيج نفسُه وتندفع نحو الغلو والجموح. ولكنه مُخير إما يقتص أو يعفو.
وبالنظر للآية الكريمة فقد ذكر اللّٰه كلمة (أخيه) التي توحي بالعطف وتؤكّد على أن القتل مع بشاعته لا ينبغي أن يقطع أخوّة الإيمان، فيُطالَب وليّ الدم إذا قَبل الدية أن يطلبَها بالمعروف وبلا عنف، ويُطالَب كذلك القاتل التائب عن جريمته أن يؤدي الدية بإحسان وبلا مماطلة ولا بخس.
أيُّ تشريع هذا الذي يحافظ على أهمِّ حقّ من حقوق الإنسان-حياته-، فيحافظ عليها من العبث بها، فيُشرِع القِصاص من الجاني وفي ذات الوقت يدعو للعفو عنه مع طيب النفس.
( إنه الإسلام )
أمّا من وضعوا شرع اللّٰه وحُكمه بالقِصاص في قفص الاتهام، تُراهم ماذا قدّموا كبديل؟
لقد تبارت الدّول الغربيّة في إلغاء عقوبة الإعدام بحجة عدم التّعدي على النفس البشريّة، وتسابقت المنظَّمات والدّول للتخلصَ من هذه العقوبة، بل وأدانوا من لايزال يطبّقها في بلاده.
إنّ كل هذا الحراك والضجيج حول إلغاء هذه العقوبة إنما يدخل ضمن مشروعِ مركزيّة الإنسان وإلغاء مركزية خالقِ هذا الإنسان والكون من حوله، فيقرّون أنه لا يجب أبدًا المساس بحريّة وحياةِ هذا الإنسان حتى لو تسبب في إنهاء حياة غيره، ذلك يحدث في نفس الوقت الذي لا تجد هذه الدول والمنظماتُ غضاضةً تجاه حالات الانتحار في بلادهم، لنفس السّبب، ألا وهو حرية الإنسان، فكلّ إنسان في عالمهم له الحرية المطلقة في حياته سواء بالاستمرار بها أو بوضع النّهاية لها.
ولْنأخذ تجربةً واقعيّة من إحدى الدول التي ألغت عقوبة الإعدام، وهي روسيا:
لما استشعَر القتلة والمجرمون أنهم في مأمن من المساس بحياتهم أسفر ذلك عن جرائم قتلٍ كبيرة، أشهرها قصّة السفاح (ميخائيل بوبكوف) الذي أنهى حياةَ مايقارب ٧٠ شخصًا، معظمهم من النساء، وبعد اكتشاف أمره والقبض عليه حُكِم عليه بالسجن مدى الحياة -وهو زوج، وأبٌ لشابّة في الثلاثين من عمرها وقت صدور الحكم – ولنا أن نتساءل ونصرخ في وجه مدّعي حقوق الإنسان، كيف لعائلات الضّحايا أن تهدأ ثورة الغضب والانتقام داخلهم وهذا المجرم حيٌّ يأكل ويشرب ويمارس الرياضة داخل سجنه، ولربما استطاع بأيّة وسيلةٍ الهروبَ من السجن!، ألا يدعوهم هذا الحِنق والغضب العارم أن يعمدوا إلى زوجته وابنته وأولادها – إن وجدوا – فيقتلوهم شر قتلة؟، ونكونُ بحفاظنا على حياة هذا المجرم أهدرنا حياة أشخاص آخرين لا ذنب لهم، وقد يمتدّ الانتقام والدم لأجيال وأجيال؟.
(هلا رأيتم كيف أن في القِصاص حياة!، ولكن لا يعلمُ هذا إلا أولو الألباب).
أصل خلقة الإنسان ونواحي التشابه والاختلاف بين الرجل والمرأة، وعلاقة ذلك بالتشريعات
الكاتب: أديبه بنت خلف المطيري.
” بسم الله الرحمن الرحيم “
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وخلق الزوجين الذكر والأنثى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله،
وبعد:
فإن من كرم ومنّة الله -عز وجل- على آدم-عليه السلام- وبنيه أن حدد مهمته منذ خلقه فقال -سبحانه- للملائكة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.}..[البقرة :٣٩] ثم عندما خلقه -عز وجل- خلقه بماهيّة معيّنة مناسبة لهذه الوظيفة، ثم خلق منه حواء -عليها السلام- زوجه، فالأصل الطيني والجنس الإنساني واحد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}..{النساء:١}.
فحواء -عليها السلام- خُلقت من ضلع آدم، وهو خلق من تراب، فالنفس الواحدة هي آدم-عليه السلام- والنفس المخلوقة منها حواء، كما أشارت النصوص الشرعية إلى ذلك في مواطن عديدة منها في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء»[1]. والمراد بالضلع ضلع آدم -عليه السلام-، وكون حواء -عليها السلام- خُلقت من ضلع أعوج لا دلالة له للاستنقاص كما يتضح من سياقات النصوص الشرعية ورد متشابهها إلى محكمها، لكن الواقعين تحت ضغط الفكر المعاصر والمتأثرين بالشبهات يرون أن في هذا الحديث ما يدل على تكريس المرأة وتبعيتها للرجل وهناك من يرى أن وصف خلقتها من ضلع أعوج فيه استنقاص وعيب.
فلو كان في خلق حواء -عليها السلام- من ضلع آدم -عليه السلام- عيبًا أو استنقاصًا لَلَحِق الرجال ذلك أليست بأم البشرية عليها السلام!
ثم وإن القارئ لسيرته -صلى الله عليه وسلم- مع أزواجه بنظر جاد يجد أسمى أنموذجًا للتعامل مع النساء في البشرية كلها.
فهل يعقل أن يظن أو يقال بعد ذلك أن الحكمة من خلقها منه تكريس التبعية والامتهان، وأنه -صلى الله عليه وسلم- قصد ذلك!
أم أن يقال “التأكيد على قوة الرابط بين الرجل والمرأة، وتوجيه الرجال إلى الرفق بالنساء، وعدم تتبع الهفوات بغير ما يصلحها؛ لأنهنّ جزء منهم، ولتذكر المرأة أنها من الرجل، فتحسن معاملتها وتكن المودة والمعروف لأصل خلقها[2]“، قال -تعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[ الروم : ٢١ ]، وقال -تعالى-: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}[البقرة:١٧٨]، وغيرها من الآيات المحكمة التي تدحض مثل هذه الشبهات.
ثم من قال إن الاعوجاج عيب! بل قد يكون الاعوجاج من الكمال، فهل القفص الصدري ذات الأضلاع المعوجّة عيب خلقي؟ أم إن اعوجاجه هذا من أجل أداء وظيفته، فهو ميزة وخصيصة وليس عيبًا؟!
علق الدكتور مروان إبراهيم على هذا الحديث بكلام رائع فقال:
“إن الاستدلال بهذا الحديث على انحطاط منزلة المرأة في الإسلام يدل على جهل باللغة، وبمعنى الحديث والسياق الذي جاء فيه وذلك لما يأتي:
- [أ-] لقد بدأ الحديث بالوصاة بالنساء، وانتهى بالوصاة بالنساء، فتكررت عبارة (استوصوا بالنساء خيراً) مرتين في أول الحديث وفي نهايته.
- [ب-] ترجم البخاري للحديث في باب (المداراة مع النساء) وفي الرواية الأخرى للحديث ترجم له في باب الوصاة بالنساء). كل ذلك يدل على أن الحديث لصالح المرأة لا کما قد يتبادر إلى الذهن.
- [ج-] الحديث توجيه وخطاب للرجال لا للنساء، فهناك مُوصَى وهم الرجال، ومُوصَى به وهن النساء، والوصية عادة لا تكون إلا في مصلحة الموصى به، وهي كذلك لصالح الرجال والأسرة والمجتمع، فإن افتراض الكمال في المرأة يقود إلى محاسبة الرجال لها على كل نقص مما يقلب الحياة الأسرية جحيماً؛ لذا فهناك رواية أخرى «إن المرأة خلقت من ضلع وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها فدارِها تعش بها»[3]“.
إذن يتضح لنا مما سبق أن مرجع كلًا من الرجل والمرأة إلى نفس واحده، فهما متساويين في الوجود والنشأة، أصليهما طيني وجنسيهما إنساني.
والأدلة على ذلك عديدة منها في قوله -تعالى-: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}..{الزمر:٦}.
وقوله -تعالى-:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} ..{الشمس:٨-٧}.
وقوله -تعالى-:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ}..{الأعراف:١٧٢}.
ومن هنا نجد أن النصوص الشرعية في مجال التكليف والمحاسبة أمام الله -عز وجل- ساوت بين الجنسين، يقول الدكتور فريد الأنصاري-رحمه الله-مبينًا ذلك: ” ومن هنا سَوَّى الله بين الجنسين في عموم التكليف إلا ما استثناه الدليل لخصوص المحل. أما الأصل التكليفي فهو قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض}[آل عمران:١٩٥]. فهذه الآية نص -باصطلاح الأصوليين- في تساوي التكليف الإلهي للإنسان، من حيث المبدأ الكلي، بغض النظر عن الفروق الجنسية العارضة من ذكورة وأنوثة. وإنما الصفة التي ينظر إليه بها ههنا هي كونه (عاملا) أم لا؟
فالإنسان له صورتان:
الأولى نفسانية،
والثانية جسمانية.
ولكل صورة سيماء أو سيمياء. أي علامات ومواصفات منها تتشكل ما نسميه بـ (الشخصية). تماما كما تتميز كل صورة جسمانية بعلامات فارقة، هي سيماء ذلك الشخص المميزة له.
ذلك أن النفس مفارقة للجسم. وكينونتها هي على صورة نفسانية. قال -عز وجل-: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}..[الشمس:٧]. فالتسوية هي تمام الخلق، ولهذا قال بعد مباشرة في السياق: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}“[٤].
إذن في أصل التكليف هما متساويان، “وأما ما خالفت المرأة الرجل فيه من أحكام؛ فذلك راجع إلى الطبيعة التكاملية بين الذكورة والأنوثة، وليس إلى تنقيص خلقي تكويني في طبيعتها، فقد ينقص الرجل في شيء لتكمله المرأة، وقد تنقص المرأة في شيء ليكمله الرجل؛ سعيًا لتكوين الحاجة الفطرية الطبيعية بينهما ورغبة في دوام الالتقاء وضمان استمرار الحياة[5]“، ومن منطلق هذا الاختلاف بين الصفات الجسمانية -الذكورة والأنوثة- أفردت بعض التشريعات في الجوانب العملية حتى تكون العلاقة بينهما علاقة تكاملية، وفضل الرجال على النساء في الأمور الدنيوية، إذن هو تفضيل في الأمور الدنيوية مبني على خصيصة الذكورة، وهو تفضيل تكليف وليس تشريف ويصب في مصلحة العلاقة التكاملية بين الجنسين للاستخلاف وإعمار هذه الأرض، كسفينة في البحر تفتقر إلى قبطان، فالقيادة غالبًا ما تكون للمصلحة العامة، وكما للقائد من حقوق عليه واجبات وتبيعات لهذه القيادة.
وختامًا: إن من أمعن النظر في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة التي تحدثت عن الرجل والمرأة، والقائمة على مبدأ العدل الإلهي، والتي رسمت لكل منهما ما له وما عليه ليكمل كلا منهما الأخر، تتجلى له عظمة المنهج الإسلامي الرباني بعيدًا عن واقع بعض نساء المسلمين اليوم، فالله -عز وجل- لما أنزل شريعته المباركة على خاتم النبيين -صلى الله عليه وسلم-، لم ينزلها انفعالًا لواقع معين كما هو حال البشرية حينما يشرعون!
ولا حلًا مرهونًا لواقع معين قد ينتج منه فيما بعد مشكلات تحتاج إلى تشريعات أخرى لحلها!
بل نورًا وهدى ورحمةً للعالمين، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}..[الملك:١٤].
[1] أخرجه البخاري، باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، (٤/١٣٣)، رقم الحديث(٣٣١).
[2] حقوق المرأة في ضوء الكتاب والسنة، الدكتور: مرزوق الزهراني، ص:١٤٥.
[3] المرأة المسلمة بين اجتهادات الفقهاء وممارسات المسلمين، الدكتور: مروان إبراهيم القيسي، ص:١٥٠ وص:١٥١.
[4] سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة، الدكتور: فريد الانصاري، ص:26.
[5] سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة، الدكتور: فريد الانصاري، ص:36.
مسالك الدلالة على ربّانية القرآن
الكاتب: رشيد الذاكر – ياسين الفكير
الحقّ لا يخفى على أحد إن طلبه، وينجلي لكل من رغب فيه وسعى إليه، كما لا تخفى الشّمس على ذي بصر، ولا صوتُ الرّعد على ذي أُذن، ولا طعمُ العسل على ذي لِسَان، غير أن الحواس قد تمرض: فلا ترى العينُ الشمسَ لعمًى أصابها، ولا تسمع الأذن صوت الرعد لصمم حلّ بها، كما لا يتذوق اللسان طعم العسل لداءٍ أصابه. كذلك لا يرى العقل الحقيقة ولا يبصر نور الحق لمرض ألمَّ به.
إذا تقرر هذا فإن القرآن حقيقةٌ مطلقةٌ دالٌّ بنفسه على مصدره، ويكفي النظر فيه للوصول: أنه صناعة ربانية، لكن المتلقي قد يصيبه مرضُ شبهات أو شهوات تؤثر على عقله: فيظنّ الباطل حقًّا، ويرى السّراب فيحسبه ماءً، فكان لابدّ من سلوك طريق توصل الإنسان إلى بر الأمان، وتُثبت له على جهة اليقين أن هذا القرآن هو كلام الله ربّ العالمين، وإن الاندراج: في هذا البحث لهو موضوع كبيرّ جدًا، غير أن الورقة التي بين يديك سوف تسعى أن تضعَه في عشرة مسالك: توصل صاحبها وسالكها بإذن الله إلى ثلج اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين: أن هذا القرآن كتاب {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: ٤٢]
- المسلك الأول: فصاحة القرآن ونظمه العجيب:
إنّ أيَّ قارئٍ للقرآن الكريم: وإن كان لا يعرف إلا النّزر اليسير من العربية: يدرك تمامَ الإدراك أن هذا الكتاب في فصاحته ونظمه لا يشبهه شيء من كلام العرب سواءً الذين عاصروه أو كانوا قبله أو جاؤوا بعده، فهو مخالف تمام المخالفة لكلامهم، وعليه: فإذا كان القرآن لا يتطاوع مع أي كلامٍ عربي: يلزم ضرورةً ألا يكون من كلامهم، ولا كلامَ بشر ينطق العربية: فضلًا عن غيرها: فوجب البحث عن مصدر خارجيٍّ للقرآن الكريم، ولنضرب لذلك مثلًا: قال الله تعالى : {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} [البروج:١] فلربما وجدنا الذين كانوا قبل القرآن قد تكلموا بكلام قريب من هذا إن صحّت النّسبة: وهو قولهم (سماء ذات أبراج) فإنك إن نظرت في الجملة الأولى الواردة في القرآن والجملة الثانية الواردة في غيره مع تقارب اللفظ واتّحاد المعنى لوجدت بينهما اختلافًا شاسعًا يعلّمك: أنّ هذا الكلام ليس مثل هذا الكلام، ولا يمكن أن يصل إلى درجته إلا إذا وضع في حُلّته، فأعطي نفس الحروف الزائدة في القرآن الكريم للحروف الناقصة في الكلام العربي السّابق، وعلى هذا فَقِسْ كل عبارة أُشبِهت عليك في الباب، أو استخبر أولي الألباب يُعْلِمُوك: الصواب.
- المسلك الثاني: لغة التحدي والعجز البشري:
إن من يقرأ القرآن الكريم سيجد فيه تحدّيًا كبيرًا للناس سواء في زمن القرآن أو بعد زمانه: على أن يأتوا بشيء يشبهه أو يقاربه، وقد مرت الأزمان وتوالت السنون ولم يستطع أحدٌ أن يأتيَ بشيء يمكن أن يقارب القرآن الكريم، فإذا عجز البشر جميعا عن معارضة هذا الكتاب الذي يزعم البعض أنه من إنشاء محمّد صلى الله عليه وسلم: فإن النتيجة الحقيقية التي تدفع كل إنسان إلى الاعتراف بها هي: أنّ هذا القرآن من عند الله تعالى.
- المسلك الثالث: غيوب القرآن الماضية والمستقبلية:
إنّ كل من ينسب هذا القرآن لمحمد بن عبد اللّٰه عليه الصلاة والسلام: يعترف أنه عاش في الجزيرة العربية، وكان رجلا أمّيًّا لا يقرأ ولا يكتب ولم يتعامل مع الحضارات الأخرى ثم إنك إذا نظرت في كتابه وجدته ملآنًا بالأخبار السّابقة التي يستحيل أن تكون من إنشاء العقل وحده، ثم إذا تجاوزت زمان صاحب القرآن وجدته أيضًا في كتابه يتحدّث عن أخبار غيبيّة ستحدث في المستقبل، فكان كلما حدّثنا عن الماضي صدقته شواهد التاريخ، وكلما حدّثنا عن المستقبل صدّقتهُ الليالي والأيام، ثم اسأل نفسك بعد ذلك “أترى هذا الرجل الأُمّيّ جاء بهذا الحديث كلِّه من عند نفسه؟ “.. تسمع منها جواب البديهة الذي لا تردد فيه “إنه لا بد أن يكون قد استقى هذه الأنباء من مصدر علمي وثيق، واعتمد فيها على اطّلاع واسعٍ ودرس دقيق. ولا يمكن أن تكون تلك الأنباء كلها وليدةَ عقله وثمرة ذكائه وعبقريّته”
- المسلك الرابع: الحديث عن الباري سبحانه وتعالى:
إن النّاظر في القرآن الكريم يجده: يخبر بأنه منزل من عند الله عز وجل: وأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم مجرد مبلّغٍ وناقل، كما يجده يتحدث بإسهاب كبير جدًّا عن الله سبحانه وتعالى وعن جميل صفاته وعن جلال ذاته وأسمائه مع ما يتضمن ذلك من الحُجج القاطعة والبراهين السّاطعة التي تضطرّ كل إنسان إلى الاعتراف بخالقيّته سبحانه للأرض والسماء ولو كان كتابًا بشريًّا لكان الأولى به أن يهتمّ بصفات صاحبه: محمد بن عبد الله، ويهتم بشؤون حياته الشخصية، فإذا غاب هذا وحضر ذاك، أعطى للعقل ضوءًا لمعرفة المصدر.
- المسلك الخامس: الحفظ من الزيادة والنقصان:
القرآن الذي نقرؤه اليوم في حياتنا والمتداول بيننا بطبعاته المختلفة وقراءاته المتعدّدة: لهو النص الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله وأملاه على صحابته الكرام فإنك لا تستطيع أن تجد فيه رغم تطاول الزمن أيّ تحريف أو تغيير وهذا يُنبئ أنه من عند الله تعالى وقد جاء بذلك مصرّحًا في القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: ٩] ولك أن تختبر ذلك بفسك إن كنت تُجيد التعامل مع المخطوط، وإلا {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣]
- المسلك السادس: تيسير حفظه وضبطه في صدور الناس:
إنك لو نظرت إلى واقعنا المعاصر وبحثت في حفاظ القرآن الكريم الذين لا يصلون إلى المئات ولا إلى الآلاف بل يُعدّون بالملايين، ومنهم من لا يفقه في العربية شيئًا ومع ذلك تجدهم يحفظون القرآن عن ظهر قلب، ولو فتّشت في نفس اللحظة عن الكتب الأخرى التي تحسب نفسها أنها دينيّة كم عدد الذين يحفظونها، بل ابحث عن أي كتاب في الدنيا ولو كان قليل الأوراق وميّز بين من يحفظه وبين من يحفظ القرآن الكريم {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: ١٧] فهو سهلٌ ميسّر في حفظه رغم كثرة كلامه وطول أوراقه وصفحاته.
- المسلك السابع: غياب المل في قراءته:
قدم أي كتابٍ لأي شخص، كيفما كان هذا الكتاب في لغته وأدبياته واطلب منه أن يرتّله أو أن يقرأه مرات متعدّدة في نفس اللحظة، فإنه إذا قرأ الأولى والثانية لا يكاد يصلُ العاشرة بل دونها إلا يشعر بالملل، ثم عُد إلى كتاب الله عز وجل فإن الواحد من المسلمين قد يجلس اليوم كاملًا يردّد سورة الإخلاص ولا يشعر بأي ملل في قرائتها بل لا يزيده تَرْدَادها إلا حفظًا لها وشغفًا في زيادة التّرداد والقراءة. إنّه كلام الله الذي ينسجم مع خلق الله فإذا وقع الكلام على الخلق تأثّر به وشعر بحبّه وأناب إليه ولم يجد الرّاحة إلا فيه.
- المسلك الثامن: غياب نفس صاحبه:
يزعم المستشرقون وملاحدة العرب وغيرهم أن القرآن الكريم من وضع محمد، وإذا قرأت هذا الكتاب فإنّك تجد فيه الحديث عن الأنبياء السابقين وأحيانًا بتفصيلٍ وإسهاب بل تخصيص سورٍ كاملة لبعضهم ولكنك لا تجد اسم صاحبه يذكر إلا نَزْرا يسيرًا، فلو كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم وحاشاه لكان ينبغي أن يذكر في كل صفحة إن لم نقل في كل آية، فما دامت شخصيّة محمد تكاد تغيب في وسط القرآن إلا لِمَمًا: فهذا يعني أنه ليس من عنده بل هو من عند الله سبحانه وتعالى.
- المسلك التاسع: آيات العتاب:
تخيّل أنك تضع كتابًا من تلقاء نفسك ثم تشرع في معاتبة نفسك وأن يكون المعاتب لست أنت في ذلك الكتاب، إن العاقل يستبعد أن يُفْعَل هذا.
فيمكن للإنسان أن يوجه عتابًا لنفسه وهذا أمر لا إشكال فيه لكن أن يخلق الإنسان من تلقاء نفسه مُخاطبًا في كتابه يخاطبه بأخطائه: فهذا مستبعد في العقل، ثم إنّ من يقرأ القرآن الكريم ويعرف شيئًا يسيرا من حياة صاحبه: سيجد أنه يتصرّف بتصرّفات: يعتقد صحتها ويميل إليها ثم بعد ذلك يأتي في القرآن ما يخالفها ويحثُّه على تركها أو تغييرها{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: ٤٣] فآيات العتاب وحدها تثبت: أن ذات محمد مجرّد عبد ضعيف بين يدي الله تعالى.
- المسلك العاشر: كثرة الخصوم مع العجز عن الكسر:
إنك لو نظرت في زماننا، وتأمّلت كل فكرة تعيش بيننا ثم بحثت عن خصومها فلن تجد الخصم يتجاوز الاثنين أو الثلاثة، لكن لو نظرت إلى القرآن الكريم وبحثت عن خصومه في الواقع فستجدهم اليهود ثم النصارى ثم الأمم الوثنيّة التي لازالت تعبد الأصنام، وستجدهم الملحدين وستجدهم اللأدريين والربوبيين، كما ستجدهم الماركسين والليبراليين والعلمانيين…
كل هؤلاء يدٌ واحدة على حرب القرآن وكل هؤلاء أيضًا رغم التعاون والتّآزر عاجزون عن القطع والاجتثات:{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف:٨]
فهذه مسالكٌ مختصرة، في كل مسلك فيها كتب منتشرة، فما عليك عزيزي القارئ سوى فتح البصيرة، وسلوك طريق العلم والتعلم، وأن لا تقنع دون بلوغ الغاية: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: ١١٤]
0
الغرائزُ ومعارفُ المخلوقاتِ الأوليةِ ودلالتُها على الخالقِ العليمِ
الكاتب: أحمد حسن العدوي
الحمد لله الذي خَلَقَ فسوَّى، وأعطى كلَّ شيءٍ خَلقَهُ ثُم هدى، وخلقَ الزوجينِ الذكرَ والأنثى، وعليه النشأةُ الأخرى، وأشهدُ أنَّ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وخاتمُ أنبيائه ﷺ وأصحابه أجمعين،
وبعد
حين تُحَاطُ الأجيالُ بمناهجٍ تزعمُ أنَّ الإنسانَ ومن شاركَه الحياةَ على الأرضِ من كائناتٍ حيَّةٍ قد أوجدتهم الطبيعةُ، وأنَّ الإنسان وأشجارَ الصنوبرِ والقرودَ أحفادُ خليةٍ بكتيريةٍ، طورتها الطبيعةُ تدريجيًا عبر بلايين السنين، منكرينَ خلقَ اللهِ لها، ناسِبين ذلك إلى العلم! متجاهلين –من حيث المبدأ- أنَّ الطبيعةَ غيرُ مُدرِكَةٍ، وأنَّ قوانينَها تفتقر إلى مَنْ وضعَها، عندها يحتاجُ الإنسانُ إلى وقفةٍ هادئةٍ مع نفسِه، يقرِّرُ ذلك بنفسه، أو يوجِّهه غيرُه، وسيُدرِكُ حين يُقلَّب بصرَه في الكائناتِ مِن حوله أنَّها أُوجِدت في أتقنِ صورةٍ، وأحسنِ نظامٍ، وسيرى طوائفَ المخلوقات وأصنافَها يتمايز بعضُها عن بعضٍ، ويتكيّفُ بعضُها مع بعضٍ، فلكلِّ صِنفٍ منها طعامُه، وعملُه، وأسلوبُ حياته الخاص، ولكلٍّ منها سلاحُه لاتِّقاءِ أعدائه، وردِّ عدوانهم، والنجاةِ بنفسِه وبصغارِه. فأمَّا حياتُها: فمنها ما يعيشُ في الماء ومنها ما يعيشُ خارجَه، وقد وُجِد في كلِّ نوعٍ منها أجهزةُ التنفس، والغوصِ أو الطيرانِ التي تُلائمُ وظيفتَه ومعيشتَه، حتى إنَّالمتأملَ لَيدركُ دونَ عناءٍ أنَّ هذا وُجد ليعيشَ في البرِّ، وهذا للبحرِ، وهذا ليطير في السماء، فلا يَلحظُ اضطرابًا في تكوينِ شيءٍ منها.
وأمّا غذاؤها: فلكلِّ نوعٍ من الكائناتِ طعامُه الخاص، فآكلات العُشبِ لا تأكلُ اللحومَ، والعكسُ صحيح، وآكلاتُ الحشراتِ لا ترتشفُ رحيقَ الأزهار، ولا تأكلُ الثمراتِ، وتعرفُ كلُّ دابةٍ –صغُرت أو كبُرت- أينَ يكمُنُ غذاؤها، وأين تعيشُ فريستُها، وكيف يُمكنُ اصطيادُها، وكيف تَستخدمُ قدراتِها في التربُّصِ والانقضاضِ.
وأمّا عن وظائفها: فيقومُ كلُّ كائنٍ بوظيفته في الحياة، سواءٌ عرفَها الإنسانُ، أو لم يعرفْها، وسواءٌ أنتفَعَ بها أم لم ينتفع، فالنحلةُ تبني وتُكَوِّنُ الخليةَ، ثمَّ تسعى لتمتصَّ الرحيقَ؛ لتعودَ إلى الخليةِ التي تنتظمُ فيها الأعمال وتتوزع المهامُ، والنملةُ تبني مدينتها، وتحتفظ فيها بحبوبها، ويحُطُّ طائرُ النَّوْرَسِ على فكِّ تمساحٍ في بحيرةٍ، فيُنقبُ بين ثناياه عن طعامٍ فاضَ عن حاجتِهِ فآذاه، فأكلَ هذا، واستراحَ ذاك، والعجيبُ أنَّ ( تشارلز دارون)[١] _نفسه_ قد تعجَّبَ من ذلك النظامِ والإتقانِ وتلك الغرائزِ، التي تقومُ بها حيواناتٌ بشكلٍ لا يستطيعُ الإنسانُ القيام بهِ إلا بمزيدٍمن التجربة والمرانة، فقال: “إنَّ في كثير من الغرائزِ ما يبعَثُ على العجب، حتى إنَّ نشوءها وتطورها قد يكون من الصعوبة بحيث يدفع القارئَ إلى رفض نظريتي جملةً… إذا ما سُقنا الكلام –مثلاً- في أن الغريزة قد تضطر طائر الوقواق [Cuekoo] إلى الهجرة، وأنها تُلزِمُهُ أن يضعَ بيضَهُ في أعشاشِ غيرِهِ من الطير، على أن فعلًا أو عملًا ما، نحتاجُ نحنُ إلى بعض المرانةِ حتى نستطيع القيام به، إن أتى به حيوان – سيَّما إذا كان نشأَ وليدًا من غيرِ مرانة“[٢]، ولكنَّ دارون عادَ وهربَ إلى أنَّه لا يريد بحثَ أصلِ تلك الغرائزِ، وإنَّما يهدفُ فقط إلى الإشارة إلى تنوُّعها.
فلو أننا سألنا أنفسنا هنا: لماذا تخرجُ الفراخُ لتأكلَ نفسَ الغذاءِ، وتؤدي نفسَ الوظيفةِ، وتحيا بنفس الطريقة؟ ولماذا لا يُنتِجُ النحلُ شرابًا غيرَ العسلِ؟ ولماذا لا تنتخبُ الطبيعةُ كائنًا آخرَ ليقومَ بهذا العمل؟ هذا كلُّه إذا تجاوزنا الكلامَ عن إبداعِ خلقِ تلك الكائنات، واختلافِ أشكالها وألوانها والأجهزة الداخلية في أجسامها، لكنْ الذي أريد هنا أن أصلَ إليه هو: أنَّ تلك الكائناتِ تخرجُ إلى الحياة بقدرٍ من المعلومات فيه أهمُّ أسسِ الحياة، ومهارات البقاء فيها، حتى إنَّنا لَنرى الثدييات –مثلًا- تلِد أجنتَها فلا تَمُرُّ الدقائقُ حتى يلتقمَ الوليدُ ثدي أمه، وتبدأ دورتُهُ في الحياة، ولقد رأيتُ بعيني ما أظنُّه أعجبَ من هذا: اقتنيتُ ثلاثةَ أفرادٍ من الأرانب (ذكرًا وأُنثَيين) كانت إحداهما بيضاءَ والأخرى سوداءَ، والذَّكرُ أسود، فوَلَدت السوداءُ صغارًا سودًا، وولَدت البيضاءُ ثلاثةً بيضًا وثلاثةً سودًا، فكانت البيضاءُ تأخذ القماش وتربطُ به صغارها السود، وتترك البِيض؛ مخافةَ أن يختلطوا بأبناء جارتها، فتُدخلهم في حفرةٍ صنعتها وسترتها بأعواد البرسيم، لا تُخرجهم إلا للرضاعة، فإمّا أنَّ الأرانب تتعلَّم هذا من التجارب أو التقليد (معرفة مكتسبة) ، وإما أنَّها وُلِدتْ بهذه المعرفة (معرفة فطرية)، والاحتمالُ الأولُ باطلٌ؛ لأنَّها ولِدت عندي ولم تخالطْ غيرَها لتتعلَّمَ منه، ولا يبقى إلا أنَّها المعرفةُ الفطريةُ وهدايةُ الله لها؛ لتحققَ الحكمةَ التي خلقها الله من أجلها، فسبحانَ من خلقَها وعلَّمَها. ورَحِمَ الله شوقي[٣]حيث قال: ’’سَل النملَ مَنْ أَدقَّها خَلقًا، وملأَها خُلقًا، وسَلَكَها طُرُقًا، تبتغي رِزقًا؟ وسَلِ النحلَ: مَنْ ألبَسَها الحِبَرَ[٤] وقَلَّدَها الإبَرَ، وأطعَمها صَفوَ الزهر، وسخَّرها طاهيةً للبشرِ؟ لقد نبذتَ الذلولَ المُسعفة[٥] ، وأخذتَ في معامي[٦] الفلسفة، على عشواءَ من الضلالِ مُعسِفة[٧]…فخَبِّرني: الطبيعةُ مَن طَبَعَها؟ والنُّظُمُ المُتقادمةُ من وَضَعها؟ والحياةُ الصانِعةُ مَن صَنَعها؟ والحركةُ الدَّافعةُ مَن دَفَعَها؟[٨]
وهذا القدر من المعلوماتِ هو مايمكنُ أنْ نطلقَ عليه : ‘’الهداية’’ أو الفطرة _كما أشرتُ_ وهو عند المسلمين من أثبتِ اليقين، لأنهم -مع ما أنعم الله عليهم به من القدرة على النظر والتفكُّر كعامة الناس – قد جاءهم الخبرُ الصادقُ ببيانِ هذا السر ، وهو أنَّ الله -سبحانه – وهو الخلاّق العليم ُ، قد منح تلك المخلوقاتِ الوجودَ ، وجَعَل لوجودها حكمةً وغايةً ، وهداها سُبُلَها ، وعرَّفها وظائفَها وغذاءَها، وطبيعة حياتها، وتكيُّفها مع غيرها ، ودفاعها عن حياتها وأوكارها وصغارها، يقول الله تعالى حكايةً عن موسى عليه السلام :- {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}[طه:٥٠] وقال سبحانه
{وَأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل: ٦٨ – ٦٩] ،
وبنفسِ المنطقِ: لا شكَّ أنَّ الإله الخالقَ العليمَ –طالما أنه هو الإله الحقُّ- سيُودِعُ في البشر ما يدلُّهم عليه، ويوصلُهم إليه، فالإنسانُ وهو المخلوقُ الأسمى بين هذه المخلوقات أولى بأن يُوهَبَ ذلك، فالفطرةُ فيه واضحةٌ جليةٌ، لا يُنكرها إلا مُكابر.
وهذا ما توصَّلتْ إليه الدراساتُ الحديثةُ في علم النفس، يقول الدكتور جستون باريت([٩]: ’’يُولدُ كلُّ أطفال البشر متحدثين، أي: قُدِّرَ لهم أن يمتلكوا لغةً، ويولدون مُشاةً، أي: سيتعلمون المشي طبيعيًا، وبطريقة مشابهة يُولَد الأولاد مؤمنين بنوعٍ ما من الإله’’([١٠].
فتلك هي الفطرة التي نوقن بها نحن -المؤمنين- ، كما وردت في القرآن، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [ الروم: ٣٠]، وقال رسول الله ﷺ : “مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ”[١١] فالمخلوقاتُ وعلى رأسها الإنسان فهي أيضًا لم تخرج للحياة مجردةً من المعلومات، وإنَّما جاءت محمَّلة بمبادئ المعرفة العقلية، التي لا تحتاجُ إلى دليلٍ، وإنَّما هي مادة التدليل، فهل هذا من العشواء، والطبيعة الصَّماء؟ أم أنَّه الخالقُ العظيمُ العليمُ أودَعَها في مخلوقاته؟ ألاَ توافقني الرأيَ أنَّ الإنسان -العاقلَ- لا يتمارى في أنَّ الكلَّ أكبرُ من الجُزء، أو أنَّ الواحدَ نصفُ الاثنين، خاصةً الطفل الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تلك المبادئ العقلية، فتراه يتعرَّفُ على انفعالات مَن حوله، وربَّما حاكاها، فمِن أين له المعرفةُ بأنَّ له وجهًا كوجوههم حتى يضحكَ في وجه من يضحك له، ويعبَسُ في وجه من يعبَسُ له؟ كما ينشأ على أنَّ لكلِّ فعلٍ سببًا، وأنَّ كلَّ شيءٍ موجودٍ حولنا فإنَّ هناك مَن أوجده، ولئِن ضربتَه من وراء ظهره، أو أخذتَ لُعبته أو طعامَه خِلسةً، فلن يزلُّ عقله –الصغير قليل التجربة- في اعتقاد أنَّ هذا الفعل قد حدثَ بلا فاعِلٍ موجودٍ، فيالله! كم يعاني من يحاول إقناعَه بالبعدِ عن اعتماد السببية في التفكير؟ بل إنَّ المختصين في علمِ الإدراك الديني Cognitive Science Of Relegion قد توصَّلوا إلى أنَّ البنية الطبيعية للعقلِ البشريِّ ضمنَ الظروفِ العادية تجعلُ الإيمانَ بالآلهةِ أمرًا مُتوقعًا بالكامل [١٣] فيما يُسمَّى “فطرية الإيمان naturalness off religion”، وهذا الأمر لا يُمكنُ معارضتُه بأنَّ إيمانهم يرجع إلى التلقين، فإنَّ المُلاحظَ هو: أنَّ إقناعَ الطفل بعدمِ وجودِ الإله هو أمرٌ أشدُ صعوبةً، ويحتاجً إلى مزيدٍ من التلقين، وقلَّ أن يُفلِح، إلَّا إذا اجتمعتْ معه الشبهاتُ والشهواتُ، وذلك عندما يعتاد الناشئُ التمرُّدَ على الفطرة، ويُهمِلُهُ أبواه، ويَتركانِهِ لهواه، وهنا يتجلَّى صدقُ رسول الله ﷺ: ” فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه… الحديث”. ليدُلَّ وجودِ تلك الفطرة على أنَّ لهذه المخلوقات خالقًا عليمًا حكيمًا قادرًا مُريدًا، له الخلقُ وله الأمرُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
مذاهبُ النَّاسِ في المعرفةِ والأخذِ بالخبرِ
الكاتب: سليم الحفيان
إنَّ النَّاظر في الواقعِ العربيِّ خاصّةً، وفي الواقع البشريّ عامّةً، يعلم ما خلَّفَته التَّيَّاراتُ الفكريَّةُ المختلفةُ من تهديدٍ للاستقرار الفكريّ الإنسانيّ والدِّينيّ، فنجدُ أنَّ النَّاس فيها على أقسامٍ: فمنهم من ثبتت أصولُه في الأرض فلا يؤثِّر فيه ما هبَّ من رياحٍ هَوْجَاء، والبعض تؤثِّر فيه فتُزحزِحه بعض الشَّيْء عن الموْرِد الصَّافي للمَاء، وسُرعان ما يتدارك ويَغْمِس جذُورَه في الأرض ويبقَى شامخًا بأفكاره في السَّماء، والبعض الآخر لا زالت به حتَّى تُفقِده هويَّته وتَصرفه عن كلِّ ما يوصله إلى العلم والمعرفة والاهتداء.
فكان حريًّا بنا أنْ نلتمسَ الطُّرق المستقيمة الموصِلة إلى العلمِ والمعرفةِ بما يوافق الواقع ولا ينحرف عن الحقِّ ولا يَحِيد عنه.
ولا بدَّ لكلِّ من أراد أن يصل إلى الفلاح أن يأخذ بكلِّ أسباب التَّوفيق والنَّجاح، وأن يتَّبع منهجًا معرفيَّا شاملًا يمكِّنه من بناء أفكاره قَصْدَ السَّيْر في طريقٍ مستقيمٍ وعدم الحَيْدَة عنه بما يشوِّش اختياره ويَحُول بينه وبين هدفه وغايته؛ لذلك أَوْلى الإنسانُ اهتمامًا كبيرًا بالمنهج المعرفيّ الذي من شأنه تحديدُ الوِجْهَةِ وإزاحة الغِشَاوة، فظهر جرَّاء ذلك مبحثٌ فلسفيٌّ كبيرٌ يحدِّد للإنسان كيفيَّة التَّوصُّل إلى المعرفة ومصادرها ومتعلِّقاتها حتَّى صار هذا المبحثُ من أهمِّ ما يُطرَح خاصَّةً في الفلسفة الحديثة، وهذا المبحثُ هو ما يُسمَّى عند الفلاسفة بـ”نظريَّة المعرفة”.
تُعَدُّ المعرفةُ من الهواجس التي تَلْزَمُ كلَّ عاقلٍ ولا تنفكُّ عنه، فتجده يبحثُ ويتوقُ إلى اكتشاف الأشياء وعِللها وحِكَمها… والوصول إلى معرفة كلِّ مجهولٍ غابت عنه معرفةُ ماهيَّته أو صِفته… لذلك عبَّر بعضُ الفلاسفة عن الإنسان بكَوْنِه كائنًا مفكِّرًا، يسعى دائمًا إلى حلِّ الإشكالات والتَّساؤلات التي تطرأ عليه وتخطر في ذهنه قصدَ الوصولِ إلى ما يُشبع نَهَمَ غريزته الفكريَّة.
تَطَوَّر الكلامُ حول نظريَّة المعرفة خاصَّةً مع التَّقدم الحضاريّ البَشَريّ الذي تبعه انكشافُ كثيرٍ من الأمور التي كانت مجهولةً من قبل، ممَّا زاد من تنازع الفلاسفة في تناولهم لمبحث مصدريَّة المعرفة، حتَّى صار كلُّ واحدٍمنهم يُدلي بِدَلْوِهِ مستدلاًّ بما يراه مناسبًا لمنهجه المعرفيّ مفنِّدًا بذلك منهجَ مخالفِه.
فالبعضُ يرى أنَّ العقلَ هو الوحيدُ القادرُ على الإيصال إلى معرفة الأشياء معرفةً حقيقيَّةً وإدراكها إدراكًا جازمًا دون غيره، ويدَّعي أنَّ ما ورد بغير العقل فلا عِبرةَ به ولا يُلتفتُ إليه.
والبعضُ يُغالي في اعتبار المعرفة منحصرةً فيما كان مصدرُه حدَسيًّا أو إلهاميًّا يقوده الباطنُ إلى معرفة الظَّاهر.
أمَّا البعضُ الآخرُ فيعُدُّ المعرفةَ البشريَّة منحصرةً في الحسِّ ولا يمكن تحصيلُ أيِّ معرفةٍ إلاَّ بما توفِّره لنا حواسُّنا دون غيرها…
تطوَّر هذا التَّيَّارُ الحسِّيُّ القائمُ على المشاهدة والتَّجربة حتَّى صار سائدًا في بعض الأوْساط، بل إنَّ كثيرًا من النَّاس اليومَ لو جادلتَه في أيِّ موضوعٍ لأحالَك إلى مسألةِ الإثباتاتِ الحسِّيَّة التَّجريبيَّة -حتَّى لوْ لمْ يكن يتبنَّى هذا المنهج الفلسفيّ-، فيَنْفِي كلَّ ما هو غيرُ محسوسٍ أو تجريبيّ ويتمسَّك بالعالم الماديّ الذي احتلَّ مكانةً كبيرةً وصار ليس من المُستَبعد أن نعتبره هو المهيْمنَ والقائدَ للفكر الإنسانيّ المعاصر خاصَّةً مع فُشُوِّ وانتشار العلم التَّجريبيّ في واقعنا وانحياز النَّاس -خاصَّةً في المجتمع الغربيّ- إلى تصديقِه والالتزامِ به دونَ غيرِه من مصادر المعرفة.
لكنَّ النَّاظرَ في حالِ البشريَّة قديمًا وحديثًا وواقعِها، يعلمُ يقينًا قُصُورَ هذه المناهجِ، وأنَّ المعرفة تأتي من طرقٍ أخرى لا تقلُّ أهمِّيَّةً عن الحسِّ والعقل…، ولعلَّ من أهمِّ المصادرِ التي وقعَ إنكارُها ممَّن يتبنَّوْن فكرة حَصْرِالمصدريَّة المعرفيَّة في الحسِّ أو العقل هو المصدر الخَبَرِيّ الذي ثبت أنَّه لا تقوم حياة البشر دونه، بل قد يعتلي ليصبح هو أهمَّ مصدرٍ قامت عليه الحضاراتُ الإنسانيَّةُ المتعاقبةُ منذ القديمِ حتَّى واقعنا المعاصر الذي لا يزالُ يعتمدُ الخبرَ كمصدرٍ أوَّلٍ للمعرفة.
وفي هذا الصَّدد نقل ابْنُ تَيْمِية (٧٢٨هـ) عن الخطَّابيّ تفصيلَ بعضِ هذه المناهجِ المعرفيَّة في قوله: “والأصلُ في مذاهبِ النَّاس كلِّهم ثلاثُ مقالاتٍ:
القولُ بالحسِّ حَسْبٌ: وهو مذهبُ الدّهريَّة، فإنَّهم قالوا بما يدركه الحسُّ، لم يقولوا بمعقولٍ ولا خبرٍ.
وقال قومٌ بالحسِّ والمعقول حَسْبٌ، ولم يقولوا بالخبر: وهو مذهبُ الفلاسفة؛ لأنَّهم لا يثبتون النُّبوَّة.
وقال أهلُ المقالة الثَّالثة بالحسِّ والنَّظر والأَثَر: وهو جماعة المسلمين، وهو قول علمائنا، وبه نقول”، ثمَّ تعقَّبه بأنَّ الدّهريَّة لا تُنكر جنسَ المعقولِ، بلْ تُنكر منه ما لا يكونُ جنسُه محسوسًا أيْ لا تُنكر ما كان مِنَ العقليَّاتِ التي أصلُها وجنسُها مِنَ المحسوسات، وإنَّما تُنكرُ ما كان عقليًّا محضًا مفارقًا للحسِّ، أمَّا الفلاسفة فإنَّهم لا يُنكِرون جنسَ الخبرِ، بل يقبلون منه ما كان متواترًا فقط دون الآحاد، وهذا معلومٌ من مذهبهم حتَّى إنَّ البعضَ ينسِبُ ابتداعَ هذا التَّقسيمِ إليهم [1].
دلائل الوضع اللُّغويِّ والواقع الاجتماعيِّ الإنسانيِّ على الخبر
الكاتب: سليم الحفيان
- معنى الخبر ومرادفاته:
إنَّه لَمِنَ المهمِّ لنا ابتداءً أنْ نَعْرِف معنى الخبر كي نؤسِّس على مفهومه وماهيَّته ما يناسب من الدَّلائل الظَّاهرة على حجِّيَّته كمصدر للمعرفة، فالخَبَرُ “وَاحِدُ الْأَخْبَارِ، وَ(أَخْبَرَهُ) بِكَذَا وَ(خَبَّرَهُ) بِمَعْنًى“[1]، وهو “الكلام التّامُّ الغير الإنشائيّ”[2]، ويأتي للإفادة بما هو مجهول فيكون “بِمَعْنى العِلْم… وَلِهَذَا سُمِّي الامتحان الْموصَل بِهِ إِلَى العِلْم اختبارا بِمُقْتَضى مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ أَنْ يَقع على الصِّدْق خَاصَّة ليحصل بِهِ مَعْنَاهُ وَهُوَ الْعِلْم، إِلاَّ أَنَّه كَثُر فِي العُرْف للكَلَام الدَّالِّ على وجود الْمخبر بِهِ صَادِقًا كَانَ أَو كَاذِبًا، عَالما كَانَ أَو لم يكن، وَلِهَذَا يُقَال: أَخْبرنِي فلَان كَاذِبًا، والحقيقة الْعُرْفِيَّة قاضية على اللُّغَوِيَّة…”[3]، أيْ أنَّ الخبر هو كلُّ كلام أخبر به المخبِر صادقًا كان أم كاذبًا عالمًا به أم جاهلًا، وَالْخَبَر والنَّبأ كلاهما بمعنى واحد عند العرب فنقول “أخبرني فلان بكذا، وأنبأني فلان بكذا”، وَيَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى السَّمَاع -أيْ المسْمُوع- والنَّقْل -أيْ المنْقُول- فَنَقُولُ “سَمِعْتُ فُلاَنًا أوْ مِنْ فُلاَنٍ إِذَا أَخْبَرَني، وَنَقَلَ لِي فُلاَنٌ إِذَا أَخْبَرَنِي”، وكَذَا بِمَعْنَى الحَدِيث فَنَقُولُ “حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا إِذَا أَخْبَرَنِي” وقد يأتي بِمَعْنَى الكَلاَمِ وَالقَوْلِ…
مِنْ هذا التَّعريف يَتَبَيَّن لنا اقتران القَوْل المخبَر به بصفتين وهما: الصِّدق والكذب، فكما أنَّ المخبِر يوصَف بالصِّدق والكذب فإنَّ خبره يوصف بذلك أيضًا أو بالصحَّة والخطأ أو الغلط.
- دلالة الوضع اللُّغويِّ على الخبر:
معلوم أنَّ الوضع اللُّغويَّ إنَّما يقع بعد وجود الشَّيء لا قَبْلَه، أيْ أنَّ التَّسمية لاحقةٌ لمسمَّاها لا العكس، ومثاله تسمية الطِّفل فإنَّها لا تتمُّ قبل ولادته بلْ بعدها، وكذلك اصطلاحُهم على بعض العلوم كـ”علم الاجتماع” مثلا، فإنَّ ذات العِلم وتطبيقاته في الحياة سابقة على تسميته حيث أنَّ هذا العِلم وقع الاصطلاح عليه بذلك مؤخرًا بينما كان ظهوره مقارنًا للوجود البشريّ منذ العصور الأُولى التي نشأ فيها أوَّل تجمُّع للكائن البشريِّ.
وعليه، فإنَّ تسمية الخبر خبرًا لاحقةٌ لوجوده على أرض الواقع أيْ أنَّه ظهر في المجتمعات منذ القِدم ثمَّ تمَّ الاصطلاح عليه وضعًا، ذلك أنَّ الخبر هو نَقْلُ عِلم أو معنًى من مُخبِر إلى مُخبَر إليه وهذا النَّقل موجود بوجود الاجتماع الإنسانيّ.
وكذلك فإنَّنا نجد أنَّ مفهوم الخبر الذي هو “الكلام المحتمل للصِّدق والكذب”[4] يدلُّ دلالة واضحة على اعتبار البشر جميعًا لهذا المصدر المعرفيّ في جميع الحضارات وجميع الأزمان، يتبيَّن ذلك من النَّاحية الوضعيَّة التي تعارف النَّاس عليها بوصف القائل أو النَّاقل للكلام إمَّا بالصِّدق وإمَّا بالكذب، فنجد جميع الشُّعوب على اختلاف أصولهم وأعراقهم ولغاتهم متَّفقين على استعمال هذا الوصف، وإثباتُ الصِّفة متوقِّف على وجود الموصوف ومتفرِّع عنه ممَّا يدلُّنا دلالة قاطعة على اعتبار جميع هذه الحضارات البشريَّة للخبر كمصدر لتناقل المعلومات والمعرفة فيما بينهم بغضِّ النَّظر عنْ صِدْق الخبر من كذبه، وإلاَّ لكان التَّعبير بوَصْفَي الصِّدق والكذب مجرَّد وَهْم أو خَيَال غير متحقِّق في الواقع.
هذا من النَّاحية اللُّغويَّة الوضعيَّة المتعارَف عليها بين جميع البشر على اختلاف ألسنتهم، فهو بذلك يبيِّن لنا بحجَّة قطعيَّة أنَّ الخبر معتمَد منذ القديم كمصدر للمعرفة الإنسانيَّة.
- دلالة الواقع الاجتماعيِّ الإنسانيِّ على الخبر:
ومن ناحية أخرى نجد أنَّ الواقع البشريَّ قائم في معاملاته بين أفراده وجماعاته على التَّواصل الخبريّ حتَّى أنَّه لا يخلو عنه مجال واحد من مجالات الحياة الاجتماعية حيث أنَّ الأفراد إنَّما يتبادلون المعلومات بآليَّة الإخبار والتَّخابر، وهذا يظهر في مجالات مختلفة:
فَفِي مجال التَّواصل البشريّ العامِّ، نرى أنَّ الأخبار اليوميَّة تَنْتَقِل بَيْنَ آلاف بلْ ملايين البشر، فمِنْ ذلك ما يَتَنَاقَلُه أفراد عائلةٍ واحدةٍ مِنْ أنَّ أحدَهم يُخبِر بما وقع معه في يَوْمه أو ما حصل معه من مواقف مُهمَّة سواء في الشَّارع أم في المدرسة أم في الشُّغل…
وبناءً عليه تطوَّر هذا الاستعمال الإخباريُّ حتَّى أصبح ممَّا لا يُنْكِره عاقل لكونه أشهر مِنْ أنْ يُنكَر، فهذه وسائل التَّواصل الاجتماعيّ (فيسبوك/تويتر/واتساب…) قائمة على تناقل الأخبار بَيْن مستعمليها الذين صار عددهم هائلًا في عصر العَوْلمة، بلْ إنَّنا نرى أنَّ الآليَّة الإخباريَّة المعتمدة على التَّناقل الخبريّ كمصدر للعِلم والمعرفة تَكَرَّست وتدَعَّمت أكثر مع ظهور وحضور وسائل الإعلام الحديثة المرئيَّة والمسموعة والمكتوبة، فصار مِنْ بَيْن برامجها المؤكَّدة “نشرة الأخبار” التي نادرًا ما يخلو الإعلام منها، ومعناها إلقاء الأخبار التي مِنْ شأنها أنْ تُنشَر عند متابعي هذه الوسائل الإعلاميَّة، ممَّا لمْ يعد مقبولا مِنْ أحد أنْ يُنكِر هذه المصدريَّة المعرفيَّة الخبريَّة لأنَّه حتَّى لوْ أنكره لكان كمَنْ يُغْمِض عَيْنَيْه عن الشَّمس السَّاطعة في وضح النَّهار حالةَ كونِها تحرق جلده بينما يدَّعي أنَّه لا يبصرها، فكذلك إنْ أنكر الخبر كمصدر للمعرفة فإنَّه لا بدَّ له في ظلِّ هذه العَوْلمة أنْ يكون مِنْ رُوَّاد إحدى الوسائل الإعلاميَّة التي تقوم على نَشْر وتَبَادُل الأخبار سواء شاء أم أبى.
ولعلَّه مِنَ الطَّريف اليوم أنْ ترى الكثير مِنَ الملاحدة الذين ينكرون الاحتجاج بالخبر جلُّ معلوماتهم إنَّما كانت آتية مِنْ خبر أيضًا.
لذلك كان إنكار الخبر بكونه مصدرًا للمعرفة مجرَّد مكابرة لا غير، كمَنْ يسبح في البحر ويقول أنا لا أصدِّق بوجود أيِّ بحر…
ولعلَّنا نضرب مثالا حياتيَّا يستعمله جميع البشر، فإنَّنا نعلم أنَّ بعض النَّاس ممَّنْ لم ندرك حضورهم ووجودهم بيننا لكنَّنا مع ذلك نعلم يقينًا أسماءهم وكثيرًا مِنَ المعلومات عنهم، فالواحد منَّا قد يموت أحد أقاربه قبل أنْ يولد هو لكنْ حينما نسأله عَنْه نجده يقرُّ بوجود هذا القريب بلْ ويعرفه معرفة جيِّدة كان قد جمعها مِنْ بعض المحادثات مع أهله الذين عاصروه كما لوْ أنَّه عاصره بنفسه…
وأيضا فإنَّنا نعلم قطعًا وجود كثير مِنَ البُلدان ممَّا لم نَزُرْه أو نُشَاهِدْه بأعيُنِنَا بما لا يَدَع عندنا ذرَّة شكٍّ بوجود مثل تلك البلدان التي إنَّما ثبت عِلمنا بها ومعرفتنا بوجودها بمجرد الخبر سواء كان الخبر منقولًا بصريًّا أم سماعيًّا أم كتابيًّا، ففِي الحالات الثَّلاث إنَّما هو مجرَّد خبر…
إضَافَةً إلى ذلك نَجِد أَنَّ الإنسان بطَبْعِه يَتُوقُ إلى إقامة العَدْل وإحْقَاقِ الحَقِّ بالدَّلاَئِل والبَرَاهِين وَيَسْتبعِد الظُّلْم والتَّعَدِّي كَيْ يَحْيَا حياةً آمِنةً مُستَقِرَّةً قِوامُها الأُخُوَّة والمحبَّة والتَّكَافُل الاجتِماعِيّ لذلك أَحْدَث النَّاسُ مُنذ القَديم مَجَالس للتَّحاكم والتَّقَاضِي في الأُمُور المتَنَازَع حَوْلَها، وقد صَارَ في عَصْرِنا مِنْ مُقَوِّمَات الحَيَاة وُجُود مَحَاكِم تَفْصِل بَيْنَ النَّاس فيما اخْتَلفُوا فِيه أوْ فيما يَدَّعُونَه عَلَى بَعضِهم البَعْض، وإنَّ مِنْ بَيْن الأُمور التي يَقْتَضِيها الحُكْم السَّلِيم والقَضَاء القَوِيم أنْ يكُون لِكُلِّ مُدَّعٍ شُهُودٌ على إِخبَاره أوْ ادِّعَائِه، فهَذَا يَدَّعي أَنَّ فُلانًا ضَرَبَه وهَذَا يَدَّعِي أَنَّ فُلاَنًا سَرَقَ مَالَه وذَلِك يَدَّعي أَنَّ فُلانًا اغتَصَب أَحَد مُمْتَلَكَاتِه وتِلْكَ تَدَّعِي أَنَّ زَوْجَهَا يَحْرِمُها مِنْ أَبْسَطِ حُقُوقِها بلْ ويُعَنِّفُها…
كُلُّهُم يَقِفُون أَمَام القَاضِي فيَطْلُبُ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهم شَاهِدًا أوْ شُهُودًا يَشْهَدُون على صِحَّةِ أَخْبَارِهِم وادِّعَاءَاتِهِم فيَحْكُم بما اجْتَمَع لَدَيْه مِنْ حُجَجٍ وَمُعْطَيَات على هَذَا أوْ ذَاكَ… ولَمْ نَسْمَع يَوْمًا أَحَدًا اعْتَرَضَ على اسْتِعْمَال الخَبَر والشَّهَادَةِ كَدَلِيلٍ مَعْمُولٍ بِهِ في الوَاقِع الإِنسَانِيّ، بلْ حَتَّى لَوْ حَصَلَ وأَنْكَرَه لَأَلْزَمَه القَاضِي به حين المحَاكَمَةِ…
والغَرِيبُ مِمَّنْ يُنْكِر مصدريَّة الخبر بينما يُقِرُّ بوجود مخابرات دوليَّة تقوم على الإِدلاء بالمعلومات السِّريَّة إلى الجهاز الأمنيِّ لكلِّ دولة، بلْ إنَّ أقوى البلدان هي تلك التي تمتلك أَمْهَر أجهزة المخابرات وهذا ممَّا لمْ تُخالف فيه أيُّ دولة سواء كانت دينيَّة أم لا دينيَّة بلْ إنَّهم يُسارعون في معرفة كلِّ أسرار خُصومهم في جميع المجالات السِّياسيَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة… ولَوْ كان الخبر غير معتَبَر عند هؤلاء لما كان لجهاز المخابرات أيُّ وجود ولا أيُّ أهمِّيَّة…
والأمثلة على ذلك أكثر مِنْ أنْ تُحصَى لشُموليَّة اعتماد الخبر كمصدر معرفيٍّ في جميع المجالات للاجتماع الإنسانيّ.
- تهافت إنكار الخبر ونقض حجج المنكرين:
إنَّ الإنسان لا يَجِدُ مَنَاصًا -مَهْمَا عَاند أوْ جَحَدَ- مِنْ أنْ يُصدِّق بالخبر بلْ ويَعْتَمِدَه كمصدر أساسيٍّ للمعرفة التي يحتاجها في جميع شؤُون حياتِه.
وَمِنْ هُنا لَوْ فَرَضْنا جدلاً أنَّه يُمكِنُنَا الاستغناء عنْ مَصْدَرِيَّة الخبر لَوَجَدْنا أنَّ هذا الشَّخص الذي هكذا حاله لا يستطيع العَيْش في هذا العالَم لِمَا تَتَوَقَّف عليه حياتُه وحياةُ غيره على الأَخْذِ بالخَبَر. فَلَوْ أنَّه كان يَدْرُس كتلميذ أو طالب وأخبره أحد زُمَلائه بفترةِ امتحاناتٍ في الأيَّام المقبلة فَلَمْ يُصدِّقه لِعَدم اعتباره واستناده على الخبر في المعرفة فإنَّه سَيَفْشَل ويَسْقُط ويَبْقَى طِيلَة حياته وهو في ذات الفَصْل الدِّراسيِّ ولَنْ يَتَخرَّج حتَّى لوْ صَار عُمره في التِّسعين -هذا إنْ لمْ يَقُومُوا بِطَرْدِه وفَصْلِه-.
أمَّا إنْ تَخَرَّج وتَحصَّل على وظيفة فَأَخبره أحد زُملائه أنَّ مدير المصْنَع أوْ الشُّغل يُريد مُقَابَلَتَه فَلَمْ يَلْتَفِت إلى خبره ولمْ يَذْهَب إلى المدِير حتَّى لَوْ أَرْسَل لَهُ جَميع العُمَّال فَلَنْ يُصَدِّقهم وَلَكَانَ مَصِيرُه الطَّرْد…
وكذا لَوْ نبَّهَه أحَدُ المارَّة في الطَّريق أنَّ سيَّارةً ستَدْهسُه لكنَّه واصل غير مبالٍ بخبره لَلقِيَ حَتْفَه بلا شكٍّ إنْ كان الخبر صَحِيحا، وهذا المثال يُبيِّن لَنَا اضْطِرَارَ الإنسان إلى الأخذ بالخبر فإنَّ في مِثْل هذه الحالة نجد أنَّ مَنْ تمَّ تنبيهُه بذلك سَيَنْتَبِه ويَلْتَفِت إلى المكان الذي أشار إليه المخبِر لا شُعُوريًّا دُون وَعْيٍ منه أوْ انتظارِ دَرْسِ قرارِ الالتفات والتَّثبُّت أوْ النَّظر العقليِّ في هلْ أنَّه عليه أنْ يعتبر الخبر كمصدر للمعرفة أم لا؟…، فهذا التَّصرُّف الخالي مِنَ التَّفكير يدُلُّنا على بَدَاهَة وفِطْريَّة اعتبار الخبر وتصديقه حتَّى عند مَنْ يُنكِرُه في الموَاقِف والحالاَت العاديَّة.
ثُمَّ نُوَاصِل الرِّحلة مع صَاحِبنا حَيْثُ أنَّه مرِض فحُمِل إلى الطَّبيب فَعَايَن حالته الصِّحِّيَّة وأخبره بأنَّه مُصَابٌ بنوع ما مِنَ الأمراض وأوْصَاه بأَنْ يشترِيَ دواءً معيَّنًا، لكنَّه لمْ يَكُن يَعتَبِر الخبر مصدرًا للمعرفة والعِلْم فَلَمْ يخضع لكلام الطَّبيب وقال في نفسه لاَ بُدَّ مِنْ تَجرِبة التَّحاليل تَجرِيبًا ذاتيًّا دُون الحَاجة إلى مُخبِر…
ولربَّما مات بعض أهله فأخبره أحد النَّاس بذلك فلم يَأْبَه لخبره…
هذه أمثلة مُزْعِجة ومُملَّة -وغيرها كثير-، وإنَّما سُقْتُها لبيان عدم استقامة حياة المنكر لحجِّيَّة المعرفة الخبريَّة وبيان أهمِّيَّة الخبر بلْ وجَوْهَرِيَّته في المعرفة الإنسانيَّة إذْ كان إنكار ذلك ممَّا قد تتوقَّف لأجله حياة الإنسان في جميع المجالات الحياتيَّة الخاصَّة والعامَّة…
وهذا ما يُبَيِّن لَنَا أهمِّيَّة الخبر مِنَ النَّاحِيَتَيْن الموجِبَة والسَّالبة في حياة كلِّ فَرْدً في ذاته أو في مُجتَمَعِه.
دلائل الوضع العِلميِّ التَّجريبيِّ والإنسانيِّ على الخبر
الكاتب: سليم الحفيان
- علاقة العلوم التجريبيَّة بالخبر:
وأمَّا مِنَ النَّاحية العِلميَّة فإنَّ الكثيرين يدَّعون اليَوْم مع عَصْر طُغْيَان العلْمويَّة أنَّه لا مجال إلى الاعتماد على الخبر أو غيره من مصادر المعرفة في حضور العِلم التَّجريبيّ الذي اكتسح وتصدَّر الجانب المعرفيّ عند كثير مِنَ النَّاس…
لكنَّنا لوْ دقَّقْنا النَّظر قليلًا لعلِمنا أنَّ العِلم التَّجريبيّ لا معنى له دون خبر بلْ سيبْقَى في حَيِّزٍ ضَيِّق، وها نحن نرى أنصار النَّزعة العلمويّة وهم يرفعون بعض الشِّعارات الرَّنَّانة مثل “أنا أصدِّق العِلم”…
غير مُدركين ولا مُستُوْعِبِين لمفهومها أو تطبيقاتهم لها في أرض الواقع، فنقول لهم موضِّحِين: أنتم في الحقيقة لمْ تُصدِّقوا العِلم مباشرةً وإنَّما صدَّقتم الخبر الذي أَوْصل لكم العِلم، ودون ذلك الخبر لنْ يَصِلَكُم أيُّ عِلم أو مكتَشَف تجريبيّ، إلاَّ في حالة ما إذا كان هذا الشَّخص عالمًا مُكتشِفًا وقتها؛ حُقَّ له أنْ يرفع هذا الشِّعار “أنا أصدِّق العلم”، لكنْ هذا أيضًا يطرأ عليه إشكالٌ آخر وهو أنَّه سيَحْصِر العِلم في اكتشافاته هو بنفسه ونحن نعلم أنَّ العالِمَ قد يمُرُّ عليه السَّنوات الطِّوال ولا يكتشف أيَّ شَيْء جديد وإنَّما يتبادل الخبرات والاكتشافات مع غيره مِنَ العُلَماء فيتكاملون ويأخذون بأخبار بعضهم لبعض في ما استحدثوه مِنْ مُكتَشَفات أوْ نَظريَّات واستنتاجات…
وعلى كلِّ حال، سواء كان هذا الشَّخص الذي يحصر تصديقه في العلم التَّجريبيّ عالمًا أمْ لا؛ فإنَّه لا يَستَنْكِف عَنْ قَبول الخبر حتَّى في الاكتشافات العِلميَّة، وهذا ما تفعله الوكالات الكبرى في العالَمِ كـ”وكالة ناسا” أو المجلاَّت المتخصِّصة في إصدار الاكتشافات العِلميَّة ونَشْرها كـ”مجلة الطَّبيعة” و”مجلة العلوم”… فكَوْن هذه المصادر العلميَّة تنشر الاكتشافات المختلفة هو في حدِّ ذاته ما قلنا أنَّه يُسمَّى إِخبارًا، ونحن حين قراءتها أو متابعتها في ما نشرته نصدِّق خبرها بوقوع اكتشاف كذا أو كذا مِنَ المكتشفات أو الاختراعات الحديثة…
فإنكار الخبر كمصدر للمعرفة يعني إنكار صِدقيَّة هذه المكتشفات إلّا إنْ قام الشَّخص باكتشافها بنفسه، وهذا مخالف لما عليه واقع غالبيَّة النَّاس.
- علاقة العلوم الإنسانيَّة بالخبر:
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى نجد أنَّ العلوم الإنسانيَّة تَكْشِف بوُضُوح اعتمادها للخبر كمصدر معرفيٍّ بل كأحد أَهَمِّ مصادر المعرفة، وهذا يظهر جليًّا في “علم التَّاريخ” مثلًا، فهو علم قائم على الأخبار وتناقلها، ولمْ نَجِدْ أحدًا أنكر اعتباره من جنس العُلوم أوْ أنَّه لا يُحتجُّ به أوْ أنَّه لَيْسَ مُهمًّا، بلْ واقع النَّاس -مُثبِتهم لمصدريَّة الخبر ومُنكِرهم- يَحتجُّون به في كلامهم ولقاءاتهم المعرفيَّة والعِلميَّة، رغم أنَّ هذا العلم خاصَّة قائم في جانب كبير منه على الخبر المجرَّد عَنْ الحسِّ والعَقْل.
وَلَنَا في ما صَدَّر به ديُورانت (١٩٨١م) مقدّمة مَوْسُوعته التَّاريخيَّة الشَّهيرة التي جابت أصقاع المعمورة وحَضِيَت بالقَبول مَوْسُوعة “قصَّة الحضارة”، لنا فيها خير دليل على ما ذكرناه سالفًا، فقال ما نَصُّه: “أردتُ فيه أنْ أروي أكثر ما يمكن مِنَ النَّبأ في أقلّ ما يمكن مِنَ الصَّفحات، بحيث أقصّ في روايتي ما أدَّته العَبقريَّة وما أدَّاه دأب العاملين في ازدياد تُرَاث الإنسانيَّة الثَّقافيّ…” ، فاستعماله لِعبارة “أنْ أروي أكثر ما يمكن مِنَ النَّبأ” يدلُّ على أنَّ هذا الكتاب التَّاريخيّ الضَّخم تمَّ تدوينه اعتمادًا على جمع الرِّوايات الخبريَّة والأنباء المتفرِّقة حول الثَّقافات والحضارات الإنسانيَّة المختلفة والمتعاقبة.
أمَّا ابنُ خَلدون (٨٠٨هـ) فقد صَرَّح بلفظ الأخْبار في تاريخه حيث قال في المقدِّمة: “هذا وقد دوَّن النَّاس في الأخبار وأكثروا، وجمعوا تواريخ الأُمَم والدُّول في العالَم وسطَّروا، والذين ذهبوا بفضل الشُّهرة والإمامة المعتبرة، واستفرغوا دواوين مَنْ قبلَهم في صحفهم المتأخّرة، هم قليلون لا يكادون يُجاوِزون عدد الأنامل، ولا حركات العوامل، مثل ابن إسحاق والطَّبريّ وابن الكَلبيّ ومحمَّد بن عمر الواقديّ…” ، فأقرَّ كما عبَّر هو أنَّ علم التَّاريخ علمٌ خبريٌّ أصالةً يتناقلُ هذه الأخبارَ اللاَّحقون عَنْ السَّابقين جامعين بذلك موروث كلِّ قوم أدلَوْا بشهاداتهم وروَوْا أخبراهم لهؤلاء المؤرِّخين فحفظوا لهم تاريخهم وأَوْصَلُوه لِمَنْ بعدَهم مِنَ الأُمم.
- علاقة علم الأنساب بالخبر:
وممَّا له علاقة وطيدةٌ بالتَّأريخ علمٌ اهتمَّ به العَرَب أكثرَ مِنْ غيرهم وهو “عِلْم الأَنْسَاب” الذي يتَطرَّق إلى البحث في نسبة كلِّ واحد إلى أصله وبيان سلفه مِنَ الأشْرَاف وشجرة النَّسب الخاصَّة به…
ثمَّ إنَّ هذا العِلم لمْ يقتصر على وجوده كمفهوم نظريٍّ مُسَطَّر في الكُتُب فقط بلْ إنَّه عِلمٌ واقعيٌّ حياتيٌّ حيث أنَّ الطِّفل إذا ولِد ثمَّ كَبُر وأراد أنْ يعرف أصله ونسبه فإنَّما يكون اعتمادُه على الخبر مِنَ النَّاس الذين يعرفون مَوْلِده وأهله وأقاربه. ولا يجد في نفسه أيَّ حرجٍ في أنْ يُصدِّق خبرهم، بلْ حتَّى مَنْ كان مجهول النَّسَب فإنَّه سيتتبَّع معارفه كيْ يُخبروه بما يعرفونه عنْ مَنْشَئه.
أمَّا ما ظهر في العصر الحاضر مِنْ تحليل الحمض النَّووي لتحديد النَّسب فيبقى قليلًا لا يقوم عليه عمل غالبيَّة النَّاس، بلْ إنَّنا لوْ طلبنا مِمَّنْ يُنكِرون مصدريَّة الخبر أنْ يُبرهنوا لنا عنْ صحَّة ما يعتقدونه حول نسبهم لما سارعوا إلى إجراء هذا التَّحليل بلْ يكتفون بالتَّصْدِيق بالخبر تصديقًا جازما لا يدع معه شكًّا في قلب صاحبه مِنْ صحَّة نِسْبَتِه إلى أبويه…
وإنْ كانوا في الغالب سَيَسْتَنْكِرون مِنْ مِثل هذا السُّؤال رغم أنَّه ليس مقصودًا به الطَّعن في نسب أحد منهم بلْ محاججة لهم بجنس حجَّتهم وإلزام لهم بما ألزموا به أنفسهم، فمَنْ كان منهم ممَّن يحصر العلم والمعرفة في الحسِّ والتَّجربة فإنَّه حسب منهجه لا بدَّ لإثبات صحَّة نسبه مِنْ أنْ يُثبته بالحسِّ والتَّجربة حصرًا دون أيِّ مصدر آخر.
ولعلَّ حاله سيكون مثل الجواب الذي وَقَعَ مِنْ أحد السَّلف حين سُئل عنْ زواج إبليس، حيث ذكر البغويّ (٥١٠هـ) في تفسيره: “رَوَى مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ يَوْمًا إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي هَلْ لِإِبْلِيسَ زَوْجَةٌ؟ قُلْتُ: إنَّ ذلك العرس مَا شَهِدْتُهُ…” .
فكذلك صاحبنا لمْ يَشْهَد زواج والدَيْه، فأنَّى له أنْ يَحكُم -حسب منطقه ومنهجه- بأنَّه ابنهُما؟…
أقسام الخبر باعتبار عدد نَقَلَتِه
الكاتب: سليم الحفيان
إنَّ صَاحب الفِطْرة السَّليمَة لاَ يَجِد حَرَجًا في أنْ يَقْبَل الخبر ويَسْتَعْمِله في جميع شُؤُون الحياة، لكنْ هذا لا يَنْفِي وُقُوعَ خِلاَف في قَبُولِ جَمِيعِ الأَخْبَار حَسَبَ دَرَجَة قُوَّتِها، ومِنْ ذلك مَا طَرَحَه الفَلاسِفَة مِنْ كَوْن الخبر مَصْدرًا مُعْتَمَدًا للمَعْرِفة لكنَّ صِدْقِيَّتَه مُتَوقِّفة على أَنْ يَكُون مُتَوَاتِرًا.
لَقَدْ اخْتُلِف في تَقْسِيم الأخبار على أَقْوَال: فالبَعْض جَعَلَهَا قِسْمَيْن: مُتَوَاتِرٌ وآحَاد[1]، والبَعْضُ جَعَلَها ثَلاثَة أقْسَام: مُتَوَاتِر ومَشْهُور وآحَاد[2]، والبَعْضُ زَاد على ذَلك المسْتَفِيضَ[3]…
فالمتَوَاتِر هو الخبر الذي نَقَلَه جَمْعٌ تُحِيل العَادةُ تَوَاطُؤهم على الكذب، أو هو “الخَبَر الثَّابِت بِإِخْبَار قَوْمٍ لَا يُجِيزُ العَقْلُ تَوَافُقَهُم على الكَذِب. ومعيارُه؛ أَي مَا يصدقهُ وَيدلّ على بُلُوغه حدَّ التَّوَاتُر حُصُول الْعلم وَالْيَقِين”[4].
وإنَّما سُمِّي بالمتواتر لتَعَاقُب وتَتَابُع المخْبِرين -سواء كانوا في مجلس واحد مُجْتَمِعِين أمْ مُتَفَرِّقِين أمْ في مَجَالِس مُخْتَلِفَة- بنَفْسِ الخبر ممَّا يجعل العَقْل يُسَلِّم بتَصْدِيقِه دُونَ نَظَر أوْ بَحْث في إِمْكَانِيَّة تَطرُّق الكذب أو الخطأ إليه.
وهذا النَّوْع مِنَ الأخْبَار ممَّا دَفْعُ تَصْدِيقِه مُسْتَبْعَد، بلْ إنَّ الإنسان يجد عقله مُنْدَفِعًا إلى قَبُوله دُون التَّوَقُّف فِيه أوْ مُراجَعَته، كما لوْ أخبَرَنَا ألفُ شَخْصٍ عنْ وُجُود شَيْءٍ ما في مكان ما -لكنَّنا لمْ نَخْتَبِرْه بحَوَاسِّنا- لَوَجَدْنا أنَّ العَقْل يَقْبَلُه ويَجْزِم بصِدْقِه دُون تَوقُّف على التَّثبُّت منه والذَّهاب لِرُؤْيَته رُؤْيَة عَيْنيَّة ذاتيَّة قَصْدَ التَّأكُّد مِنْ صِدْقه.
وهَذَا النَّوْع مِنَ الخَبَر -كما مرَّ معنا- يُقِرُّ به الفلاسفة أيضًا ويُصَدِّقونه، وإنَّما إنكارهم كان لخبر الوَاحِد أو خَبَر الآحَاد؛ وهو الخَبَر الذي لم يبلغ عدَدُ المخبِرين به حدَّ التَّواتر، فهو بالتَّالي ما أخبر به مُخبِر واحد فأكثر ما دُون التَّواتر[5].
إنَّ الطَّعْنَ في خبر الآحاد واعتبارَه غير مفيد للعِلْم مُطْلَقًا ليْسَ بصَحيح، وذلك لأَنَّ الواقع يؤكِّد على قَبُول خبر المخبِر وإنْ كان واحدًا فقط. ولنا في ذلك أمثلةٌ كثيرةٌ نَقْتَصِرُ مِنْهَا على مِثَال واحدٍ في ما كان المخبِر شَخْصًا واحدًا -وهو فيما يَرْوِيه أكثر مِنْ وَاحدٍ أَوْلى وأَحْرَى- حيثُ أنَّنا نجد في مُعَامَلاتِنا الحياتيَّة اليَوْمِيَّة كثيرًا ما تُصادِفنا أخبار مَنْبَعها ومَصْدَرُها مُخبِر واحدٌ فقط، وعليه فإنَّ إنكار هذا النَّوْع مِنَ الخبر فيه إضَاعَة لمصْلَحة كُبْرى على الإنسان، بلْ في بعض الأَحْيَان تَتَوَقَّف عليه حيَاتُه كما لوْ أنَّ شَخْصًا مريضًا احتاج إلى عمليَّة فَوريَّة فأخبَره الطَّبيب أنَّه إنْ لمْ يُجْرِ هذه العَمَليَّة فسَيُعَرِّض نفسه للمَوْت، فلا نجد عادةً أنَّ هذا المريض يَطْعَن في الخَبَر لأنَّ مَصْدَرَه مُخبِر واحدٌ فقط، أوْ يقول له لَنْ أُجْرِي أيَّ عَمَليَّةٍ حتَّى يُخْبِرني بذلك مَجْمُوعَة مِنَ الأَطبَّاء يبلُغ عددُهم حدَّ التَّواتُر ممَّا تُحِيل العَادَة تَوَاطُؤهم واجْتِمَاعَهم على الكَذِب، ممَّا يُزِيحُ عنِّي التَّوَهُّم بإمكان كَذِب الخبر الذي مفادُه تَعْرِيضِي للأَذَى أوْ الموْت إنْ لمْ أسْمَح بحصُول هذه العَمَليَّة…
فلَوْ حَصَلَ واشْتَرَطَ مِثْل هذا الشَّرْط لاعْتَبَرْناه فاقِدًا للعَقْل أوْ سَفيهًا لاَ يَعْلَم مَصْلَحَتَه ولَتَولَّى النِّيابة عنه أَحَد أقرِبائه كَمَا هُو حَاصِل في الواقع.
فاشْتِرَاط التَّواتُر لِقَبُولِ الخبر إنَّما هو قَرِيب مِنَ العَبَث ومُخالَفة العَادَة دُون دَلِيل.
ومَعْلوم -كما سبق- أنَّ المخبِر قد يُوصَف بالصِّدق أوْ الكَذِب، هذا ما جَعَلَ الفَلاسِفَة يَحيدُون عَنْ قَبول خبر الآحَاد لِتَطرُّق الكَذِب والوَهْم إليه.
وبَيَانُه فيما لوْ قُلنا مثلًا؛ أنَّ وجودَ شَخْصَيْن في مَحْكَمَة أحدُهما مُجرِم والآخر بَرِيءٌ فتَنَازَعْنا مع الفلاسفة حَوْلَهُما فقالوا بما أنَّنا لا نعرف يقينا أنَّه بريء إِذَنْ نعتبرُه مُتَّهمًا ومُجرِمًا.
هل هذا يقبله عاقل؟ إنَّما الحُكم يكون على الأفراد المعيَّنين لا على الكُلِّ باعتبار خطأ بعضِ أو جُلِّ أفراده، فمِنَ المعِيب أنْ نَحكُم على بَرِيءٍ بأنَّه مُجْرِم لمجرَّد أنَّ غالبيَّةَ مَنْ وَقَفُوا أمَام القَاضِي هُم مِنَ المجْرِمِين…
وكذا فإنَّه مِنْ غَيْر المنطِقيِّ رَفْضُ خبر الآحَاد الذي يَرْوِيه العَدْل الضَّابِط المعرُوف بالصِّدق والأمَانَة لأنَّ البَعْض الآخر ممَّن يَرْوي الأخْبَارَ يَكُون كَاذِبًا.
- تصنيف الرُّواة باعتبار العدالة والضَّبط:
وبهذا يُمْكِنُنَا أنْ نُقَسِّم المخْبِرِينَ في مَجَال نَقْل الأَخْبَار إلى ثَلاثَةِ أصْنَاف إجمالًا:
الأَوَّل: المخبِر الصَّادق يُقبَل خَبَرُه، إذْ مَنْ عُلِم ضبطُه لما يَرْوِيه وعدالتُه وظَهَرَ أنَّه مِمَّن يَتَحرَّى الصِّدق في حديثه ولمْ يُجرَّب عليه الكَذِب فما مِنْ دَاعٍ لاتِّهامه بالكَذِب دُون بيِّنَة، بلْ وُجِد الدَّليل على عَكْسِ ذلك فَلَزِم الأخْذ به وتَرْك التَّوهُّمِ.
الثَّاني: المخبِر الكَاذِب لاَ يُقبَلُ خَبَرُه ويُرفَضُ، حيثُ أنَّ مَنْ عُلِم كَذِبُه في عامَّة ما يُخبر به عادةً يُلحَقْ بأَصْلِه كُلُّ خبرٍ لاَحِقٍ حتَّى يَظْهَر منه خِلاَف ذلك مِنْ تَوْبَةٍ عَنِ الكَذِب، أوْ قِيَام حُجَّة ما تُدَعِّم صِدق خَبَرِه مجرَّدًا بِمَعزَل عَنْ قَائِلِه.
الثَّالث: المخبِر الذي لا يُعلَم صِدقُه مِنْ كَذِبِه، فإنَّ هذا القِسْم ممَّا يُتوقَّف في قَبُول خَبَرِه إلى أَنْ نَتَثَبَّت فيه فنُلحِقَه بأَحَدِ القِسْمَيْن السَّابِقَيْن، وذلك كَمِثْل مَنْ كَان غَرِيبا مَجهُولًا عنْ منْ نُقِل إليه الخبر أوْ كَانَ حالُه غير مَعْرُوف لا بصِدق ولا بكَذِبٍ.
أقسام الخبر باعتبار حال النَّاقل
الكاتب: سليم الحفيان
للمرء أن يقول: ألا يُحتمل أن يكون المخبِر صَادقًا وخَبرُه كاذبًا، أو المخبِر كَاذبًا وخبرُه صَادقًا؟
لذلك عَلينا وَضع ضوابِط لقَبول الخبر باعْتِبار الخبر في حد ذاته -أي بموافقته للعقل والعادة- بمَعزِل عَن حال المخبِر به.
وعليه فإنه يمكننا تقسيم الخَبر بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أَقسام:
- الأَوَّل: الخَبَر الصَّادِق أَوِ الصَّحِيح،
وهُو ما أفَاد العِلم المطابق للواقع، أو هو المتوفِّر فيه الصِّدق الذي هو “المطابقة الخارجيَّة مع الاعْتِقَاد لَهَا”[1] كمَا عبَّر عنه الرَّاغب.
وهذا القسم من الأَخبار نوعان:
فالنوع الأول هو ما يعلم صدقه بالضرورة، والنوع الثاني هو ما يُعلم صِدقه بالنظر والاستدلال.
أما ما يُعلَم صِدْقه ضَرورةً فهو “ما لا يحتاج إدراكُه إلى تأمل”[2] أو ما لا يحتاج تصدِيقُه إلى تأمل، وذلك ما إذا كان موافقًا للبَدَهيَّات العقلية كإخبار المخبِر أن للكون خالقًا، فهو موَافِق للقَاعِدة العقلية “لِكلِّ حادثٍ مُحدِث” وموافق لمبدأ السبَبِية الذي يَندَرِج ضمن المبادِئ العقلية الضرورية، وكذلك كونه واحدًا لا شريك له قديمًا قائمًا بنفسه واجب الوجود وله صفات الكمال.
ويمكن أن نقول أن تصديق هذا الخبر واجب، أي يمْكِن أن نطلِق عليه “خبر واجب التَّصديق”.
ومنه أيضًا الإخبار بأن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا، وأن النار مُحرِقةٌ وأن الكُل أكبرُ من الجزء وأن الواحد نصفُ الإثنين؛ فكل هذه الأخبار لا تحتاج إلى توقف معها واستدلال عليها؛ لأنها تُقبل مباشرةً وضرورةً دون تمحيص.
ويندرج تحته أَيضًا الخبر المتوَاتر كما سبق.
وأما ما يُعلم صِدقه بالنَّظر والاستدلال فهو “ما يَحتاج إدراكُه إلى التّأمل”[3] أو ما يحتاج تصديقُه إلى تأمُّل، وذلك كقولنا “العالَم مُحدَث” فقد ثبَت بالنظر العقلِي والاستدلال التَّجريبي أنه مُحدَث، مما يجعله خبرًا صادقًا قائمًا على الاستدلال ومُوافقًا للواقع.
وهذا الخبر يُمكن أن نقول بأن تصديقه مُمكن ابتداءً، وقد يَصل إلى الوجُوب بعد النظر، وقد لا يصل حسب ما يظهر من الدَّلائل والبراهين المقارِنة له، ويُمكن أن نطلق علَيه “خَبر مُمكِن التَّصديق”.
- الثَّاني: الخبر الكَاذب،
وهو ما لم يكن علمًا أو كان مخالفًا لما عليه الواقع أو كان كِلاهُما، وهو باختصار ما كان مُخالِفًا لِما عُلِمَ صِدقُه.
وهذا القسم من الأخبار نوعان أيضًا:
فالنوع الأول هو ما يُعلَم كَذِبُه ضَرورةً، والنوع الثاني هو ما يُعلَم كَذِبُه بالنظر والاستِدلال.
فأما ما يُعلم كَذِبُه ضَرورةً فهو ما استحال تصديقُه لِمُخالفته للبدهيَّات العقلية، كقول البعض بتَعَدُّد الآلهة، فإنه معلومٌ بدَاهةً استحالَته وبطلانه، ذلك أن الشريكين -أو الشرَكاء- إما أن يكونَا مُتّفِقين وإما أن يكونَا مُختلفين
فإن كانَا مُخْتَلِفين لَزِم التَّنازُعُ المفسِد لِلكَون، والكَوْن لَيسَ بفَاسدٍ؛ بل هُو في غَاية النَّظم والدقَّة، فبَطلَ هذا.
وإن كَانَا مُتَّفقَين فإِما أن يكونا متطَابِقَين في الصِّفات مِن كل وجه وإما أن يكونا غير مُتطابقَين
فإِن كانا غير مُتطابِقَين لَزِم أن يكون الأَقوى مِن بَينِهِما والأَفضل هُو المتعالي على الآخر والقَاهِر لَه، حيث أن إرادته هي النافذة، فبطلت أُلُوهِيَّة الثاني وثبتَت أُلُوهية الأَول.
وإن كانَا مُتَطَابِقَين مِن كُل وَجهٍ فهذا مُحالٌ عقلاً لمخالفَتِه مبدأ الهويَّة، وهُو مِن بَينِ البَدَهيَّات العَقليَّة؛ ولأَنَّهُما لَو كانَا كذلك لَصَار مِن العبث وجود اثنَين عِوَضًا عن وَاحِد مَا دَامَا يقُومَان بِنَفس الدَّور الذي يَستطِيع أن يَقُوم به أَحَدُهُما دُون الآخر، ومَعلومٌ أَن العَبث مُنافٍ لِلكمال الذي هُو مِن لَوَازم الأُلُوهِية، فإن كَانَ لاَ يَستَطِيعُ أَحدُهما القيام بما يقُومُ به الآخر ثَبتَت الألوهيَّة للآخر دونَه، وسبق القَول بأنهما مُتَطَابقان فَيَلزم منه استِطَاعَتهما أو عَدَم استِطَاعَتهما، فإن كَانَا مُتَطَابِقَين لكِنهُما مَحدُودَي القُدرَة انتَفَت عَنهُمَا صِفَة الأُلوهيَّة؛ لأنَّ محدُود القُدرَة عاجِزٌ مُفتقِرٌ ومُحتاجٌ إلى غيره، والمحتاج إلى غيره يَستحِيل عَقلاً أن يَكُونَ إلهاً، وإن كَانَا كُلِّيَّي القُدرة فإِمَّا أَن يتَّفِقا أو يَختَلِفا، فإن اختَلَفَا اعتُبِرت ألوهيَّة مَن نَفَذَ قَولُه وقُدرَتُه عَلَى غَيْرِه، وإن اتَّفقَا كَانَ لاَ بُدَّ مِن آمِرٍ ونَاهٍ أو صَاحِب قَرَار، فهذا تَثبُتُ له الألوهيَّة وتَنتَفِي عنْ غَيْرِه، وكَذَا فَإِنَّه لاَ بُدَّ مِن قَائِم بالفِعل، فَالقَائِم به هُو صَاحب الألوهية؛ لأَن القائِم بالفِعل أَولى ممَّن لا يَقومُ بِه.
ويُطرحُ مِن هذا القَبِيلِ أيضًا مَوضُوعُ ادِّعَاء طائفةٍ كبيرةٍ مِنَ النَّصارى لتجسد الرَّبِّ في المسِيح، وهَذَا الخَبر مَشهُورٌ ومَعرُوفٌ عِندَ النَّاس، والعَجِيبُ أنَّ البَعض يَقبله ويُصحِّحُه رغم مُخَالَفَته لمبدَأ عقليٍّ بَدهي، وهُو مبدأ عدمِ اجتِمَاع النَّقِيضَين، يتبيَّن ذلك فيما يُقرون به مِن أَن الرَّب أو الآب مِن صِفاته القِدَم والأَزَلِيَّة، وهُو بذلك مُنزَّهٌ عن الحُدُوث، بينما الجَسد البَشَرِيُّ مَخلوقٌ وحادثٌ بَعد أن لَم يكن، ومعلُومٌ أَنَّ الأَزَلِيَّة والقِدَم نقِيضُهما الحُدُوث، وأن الخَالِقِيَّة نَقِيضُها المخلُوقِيَّة، فَيَستحيل ضرورةً اجتماع نَقِيضَين في ذاتٍ واحدة، بِمَعنَى أَنه لاَ يُمكِن بحالٍ اجتماعُ صفتَي الخَالقيَّة والمخلُوقيَّة في الذَّاتِ نَفسِها، ولا يُمكن اجتماعُ صِفَتَي الأَزَلِيَّة والحدوث في ذاتٍ وَاحدة أيضًا؛ لِمناقضة إِحدَاهما الأُخرَى؛ ولأن اجتِمَاع النَّقيضَين مُستحيلٌ عقلاً أصلًا، فَيَمتَنعُ كَونُ الذَّاتِ خَالقةً ومخلُوقَةً في نَفسِ الوقت، وأَزلِيةً قَدِيمَةً وَمُحدَثةً أيضًا في نفسِ الوَقت.
لذلك لا نجدُ إشارةً في العَهدَين القَدِيم والجَدِيد أن أحَدًا ادَّعى أنه هُو الرَّبُّ أَو أَن الرَّب تَجَسَّدَ فِيه؛ بَل حَتى المسِيح نَفسُه دَائِمًا ما يُنزِّه الرَّبَّ عن ذَلِكَ، ولم يَدَّعِ أَو يُصرِّح وَلاَ في مَوضِعٍ واحدٍ أنَّ الرَّبَّ تَجَسَّدَ فِيهِ، لَكِن الكَنِيسَة النَّصْرَانيَّة انحَرفَت عَن أَصل الرِّسَالة الإِنجِيلِيَّة وبَثَّت خَبَرًا كَاذِبًا مَفَادُه تَجَسُّد الرَّبِّ في المَسِيح، مُنَاقِضِينَ بذلك لمبدأ عَقلِيٍّ ضَرُوريٍّ تَأبَى البَدِيهَة العَقليَّة قَبُولَه وتَصديقه.
وَهَذَا مَا يُمكِنُ أَن نُطلِق عَلَيه “خَبَرٌ وَاجِبُ التَّكذِيب”.
وأَمَّا مَا يُعلَم كَذِبُه نظرًا واستِدلالاً فَهُوَ مَا جَازَ وأمكن وُجوده في الوَاقِع لَكِن النظر يكَذبُه، كالقَائلِين بنظرِيَّة النُّشوء والارتِقَاء، فوجود إِخلاَلاَتٍ كُبرَى وفجوَاتٍ كَثِيرَةٍ في النَّظَريَّة يَجعل الاستِنتَاجَ بِأن الكَائِنَات تَطَورَت مِن أَصل مُشتَرَك وَاحِدٍ مُجرَّدَ خَبَرٍ كَاذِبٍ عُلِم كَذِبُه بالاستِدلاَل والنَّظَر، ومِن بَينِ هذه الاستِدلالات عدمُ وجود أي تطَوُّر في أَي كائنٍ مُنذُ تَدوِين التَّارِيخ، ومَعلُومٌ أن التَّطوُّر لَيسَ مُتَوازِيًا بَينَ جَمِيع الكَائنات؛ بل مُتَفَاوِت في الزَّمان، بِمَعنَى أنَّه قد يَتَطوَّر كَائِنٌ مَا هذا اليَومَ ويَتطوَّر غَيره بَعدَ شَهر، ولَيس لازمًا أن يَكُونَ تَطَوُّر كُل الكَائناتِ في ذاتِ اللَّحظَة مِن نَفسِ اليَوم.
ومَعَ ذَلِك على مرِّ قُرُونٍ طويلَةٍ لم نلحَظ أيَّ تَطوُّر ولَو كَان طَفِيفًا.
وَهذَا يُمكِنُ أَن نُطلِقَ عَلَيهِ “خَبَرٌ مُمكِنُ التَّكذِيبِ”.
- الثَّالث: الخَبَر الذي لاَ يُعلَمُ صِدقُه ولاَ كَذِبُه،
وهذا يكونُ باعتِبَارِ حَالِ مُخبِرٍ مَجهُولِ الحَالِ -كمَا مرَّ مَعنا بيانُه- أو باعتبار الشخصِ المخبَر المتلقِّي للخبر بأنه لا يستطِيع التَّوصُّل -سَواء بعقلهِ أم بحواسِّه- إلى تَصديقِ أو تكذيبِ الخَبَر، ورأيتُ أَنَّه قَد يُجعَلُ مَفهُومُه ما كان خَبَرًا مَبنِيًّا على تَصوُّر عقلِي مَحضٍ غيرِ مقرُونٍ بالحِس، أي أنَّه لا يمكن تَمحيصُه وَاقِعًا واختِبَارُه عادةً وتجرِيبًا، كخبَر فرضِيَّة تعَدُّدِ الأَكوان مثلاً، أَو قَد يكونُ خَبَرًا مُتجاوزًا للحِس والعَقل، حيثُ أَنه لا يتوصل إلى أن يثبته ولا إلى أن ينفيه، ومعلومٌ أن التَّصوُّر العَقلِي أَشمل وأَعمُّ مِن التَّصدِيق أَو التَّحقُّق الخَارِجيِّ الوَاقِعِيّ، ومعلومٌ أيضًا أَن التَّصَوُّرَ العَقلِيّ مَحدُود، فقَد يَأتي الخَبَر مُتَجَاوِزًا لِحُدُودِ العَقلِ المبنِيَّة في غَالِبِهَا عَلى القِياس.
يَقول ابنُ تيمية -رحمه الله- (٧٢٨هـ): “لَيسَ كل مَا علِم بالخَبَر والسَّمَاع يُمكن اعتِبَارُه بالقِيَاسِ، إما لِعَدَم النَّظِيرِ له من كلِّ وَجه، وإِما لِغيرِ ذَلِك
ثُمَّ إذا كَان الخَبَر صَادِقاً لا كَذِب فِيه، أُمِنَ مِنَ الانتِقَاضِ والفَسَادِ، بخلاف القياس، فَإِن كثِيراً ممَّا يُبنَى فِيهِ عَلى قضايَا كُلِّيَّة تكُون مُنتَقِضَة، وإِن كَانَ فِيه مَا لَيسَ مُنتَقِضاً.
والمقصُود أَنهُ لَيسَ كُلُّ شَيءٍ يُمكِن عِلمُهُ بالقِيَاس، ولاَ كُلُّ شَيءٍ يُحتَاجُ فِيهِ إِلَى القِيَاسِ، فَإِنَّ نَفسَ الغَرِيزَة العَقلِيَّة التي تَكُون لِلشَّخصِ قَد تَعجِزُ عَن إِدرَاك كَثِير مِنَ الأُمُورِ لاَ سِيَمَا الغَائِبَات، فَمَن رَامَ بِعَقلِ نَفسِهِ أَن يُدرِكَ كُلَّ شَيءٍ كَانَ جَاهِلاً، لا سيمَا إِذا طعن في الطُّرق السَّمعِية النَّبَويَّة الخَبرِيَة”[4].
وهذا التعليق مِن ابن تيمية هو أَولَى في الحِس؛ لِأَن العَقل أَعَمُّ وَأَشملُ مِنه، فَكَان الحِس أَولَى مِنه بِالقُصور وَالعَجزِ عن الإِدرَاك.
فصَارَ بذَلِكَ مِنَ الأَخبَار التي لاَ يُمكِن لِلعقل أَن يَجزِم بصحتها أو كَذبها إلا بِقرِينةٍ خَارِجيَّة عَن ذَات الخبَر كَصِدق المخبِر وعدمِ اتِّهَامه.
وهَذا يُمكِنُ أَن نُطلقَ عَلَيهِ “خَبَرًا مُحتَمِلًا لِلتَّصدِيقِ وَالتَّكذِيب”.
- خلاصة أقسام الخبر بالاعتبارين معًا
يَجتَمِعُ لَدَينَا بَعد التَّقْسِيمَين السَّالِفَين -بِاعتِبَار المخبِر وَبِاعتبار الخبِر ذَاتِه- أَقسامٌ مُترَكّبَةٌ مِنهُمَا تعْطِينَا صُورةً وَاضِحةً وَمتَكامِلَةً للحكمِ عَلى الخبَر بِالاعتبَارَين السَّابِقين، وفِي ذاتِ الوقت قصد الوصولِ إِلى الصواب والحَق، فَيجتمعُ عِندَنَا بِذلك تسعة أَنواَع:
- النَّوعُ الأوَّلُ: خَبَرٌ وَاجِبُ التَّصدِيق يَروِيهِ رَاوٍ عَدل ضَابِط مُتَّصِف بِالصِّدق والأمَانَة، وهذا الخبر مِن أَصدَقِ الأخبارِ التي لا يَجد كُلُّ عَاقلٍ إمكان دَفع صِدقِيَّته.
- النَّوعُ الثَّانِي: خَبَرٌ وَاجِبُ التَّصدِيق يَرْوِيهِ رَاوٍ مجهُول الحَال، وهَذَا الخَبَر صَادِقٌ مُتوسِّط القَبُول لَدَى المتلَقِّي.
- النَّوعُ الثَّالِثُ: خَبَرٌ وَاجِبُ التَّصدِيق يَروِيهِ رَاوٍ كَاذِب أَو مُتَّهمٌ بالكَذِب، وهذا الخبر صَادِق بِمَعزل عَن قَائِلِه، لَكِنَّه أضعَفُ مِن سَابِقَيْه.
- النَّوعُ الرَّابِعُ: خَبَرٌ مُحتَمِلٌ للتَّصدِيق والتَّكذِيب يَروِيه رَاوٍ عَدل ضَابِط مُتَّصِف بِالصِّدق والأمَانَة، وهذا الخبر صَادقٌ لِصِدقِ قَائِلِه.
- النَّوعُ الخَامِسُ: خَبَرٌ مُحتَمِل للتَّصدِيق والتَّكذِيب يَروِيه رَاوٍ مَجهُول الحَال، وهذا الخبر يترَدَّدُ بَين التَّصدِيق والتَّكذِيب مَالَم يُوجَد مُرَجِّح خَارِجِيٌّ كَتَدعِيم رَاوٍ آخَرَ لَهُ ومُتَابَعَتِه، أَوِ الاستِئنَاس بِبَعض أَفعَال هذا الرَّاوِي التي قد تَدُلُّ على الصِّدق والأمانَة عُمومًا، وإِن لَم يُوجَد فيُتوقَّف فِيه.
- النَّوعُ السَّادِسُ: خَبَرٌ مُحتَمِل للتَّصدِيق والتَّكذِيب يَروِيه رَاوٍ كَاذِبٌ أَو مُتَّهَمٌ بالكَذِبِ، وهذا الخَبَر كَذِبٌ.
- النَّوعُ السَّابِعُ: خَبَرٌ مُستَحِيلُ التَّصدِيقِ يَروِيه رَاوٍ عَدل ضَابِط مُتَّصِف بالصِّدق والأَمانَة، وهذا الخبَر خَطَأٌ أَوْ وَهمٌ مِنَ الرَّاوِي.
- النَّوعُ الثَّامِن: خَبَرٌ مُستَحِيلُ التَّصدِيق يَروِيه رَاوٍ مَجهُول الحَال، وهذا الخَبَر كَذِبُ أَو خَطَأٌ وَوَهمٌ مِنَ الرَّاوِي، وهذا مِمَّا قَد يُطعنُ في رَاوِيه.
- النَّوعُ التَّاسِع: خَبَرٌ مُستَحِيل التَّصدِيق يَروِيهِ رَاوٍ كَاذِب أو مُتَّهَمٌ بالكَذِبِ، هذا الخبر مِن أَكذَبِ الأَخبَار.
فَهَذا مُحَصَّلُ وَخُلاَصَةُ الأَخبَارِ مِن نَاحِيَةِ القَبُول والرَّدِّ باعتِبَار الخَبَر فِي ذَاتِه وبِاعتِبَار المخبِرِ بِه، وهَذَا المِيزَانُ الذي فَصَّلنَاهُ هُوَ الحَقُّ والعَدلُ لِلحُكْمِ عَلَى جَمِيعِ الأَخبَار التي مِنْ شَأنِها أَن تُتَنَاقَلَ في الوَاقِع.
خلاصة القول في أهمِّيَّة الخبر وعلاقته بغيره من مصادر المعرفة
الكاتب: سليم الحفيان
يَتَبَيَّن مِنْ كلِّ ما سَبَقَ أهمِّيَّة الخَبَر كَمَصْدَر مَعْرِفيٍّ اعْتَمَدَتْه الإنْسَانيَّة منذ القديم كأَحَد أَبْرَز مُقَوِّمَات الحَيَاةِ في مُختَلف مَجَالاتها، فنَجِدُ أنَّ اعتبار الخبر كَانَ ولاَ زَالَ مِثل الإجْمَاع العَمَليِّ مِنْ كُلِّ النَّاس، والمعترِض على حُجِّيَّة الخبر إنَّما هو مُخالِف لإِجْمَاعِ العُقَلاَء فَكَانَ بذَلِكَ شَاذًّا عَنْهُم فلاَ يُؤخَذ بقوله.
وكَذَلِك تَتَبَيَّن لنا العَلاَقَة المتَدَاخِلة بَيْنَ مَصَادِر المعْرِفة المخْتَلِفَة مِنْ خبرٍ وعقلٍ وحسٍّ ظاهرٍ وباطنٍ، حيثُ أنَّ الحِسَّ يُنقَل بالخَبَر ويُحَلَّلُ ويُستَنْتَج بالعَقْل، والعَقْلُ يُنْقَل بالخَبَر ويَعْمَل في الحِسِّ الظَّاهِر والبَاطن، والخبر يَكُون مُنْتَهَاهُ الحِسُّ أوِ العَقْلُ…
يقول ابْنُ تَيْمية (٧٢٨هـ): “فطُرُقُ العِلْمِ ثَلاَثٌ:
أحدُهَا: الحِسُّ الباطنُ والظَّاهرُ، وهو الذي تُعلَم به الأمورُ الموْجُودَة بأَعْيَانِها.
والثَّاني: الاعتِبَار بالنَّظَر والقِيَاسِ، وإنَّمَا يَحْصُل العِلم به بَعْدَ العِلْمِ بالحِسِّ، فمَا أفَادَه الحِسُّ مُعَيَّنًا يُفِيدُه العَقْلُ والقِيَاسُ كُلِّيًّا مُطْلَقًا، فهُو لا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ عِلْمَ شَيْءٍ مُعيَّن، لَكِنْ يَجعَل الخاصَّ عامًّا، والمعَيَّن مُطلقًا. فإنَّ الكُلِّيَّات إنَّمَا تُعْلَم بالعَقْل، كَمَا أَنَّ المعَيَّنَات إنَّما تُعْلَم بالإِحْسَاسِ.
والثَّالثُ: الخَبَرُ. والخبر يَتَنَاول الكُلِّيَّات والمعَيَّنَات والشَّاهِد والغَائِبَ، فهُو أعَّمُّ وأشْمَلُ، لَكِنَّ الحِسَّ والعِيَان أتمُّ وأَكْمَل.
فيُمْكِن أنْ يُعلَم بالسَّمَاع والخبر أَضْعَافُ مَا يُمْكِن عِلْمُه بالعِيَان والبَصَر أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلِهَذَا كان الغَيْبُ كلُّهُ إنَّما يُعْلَم بالسَّمَاعِ والخَبَرِ، ثُمَّ يَصِيرُ المغيَّبُ شَهَادةً، والمخبَرُ عَنْهُ مُعَايَنًا، وعِلْمُ اليَقِينِ عَيْنَ اليَقينِ.
والمقْصُودُ هُنَا أَنَّ الخَبَرَ أَيْضًا لاَ يُفِيدُ إلاَّ مَعَ الحِسِّ أوِ العَقْل، فإنَّ المخبَرَ عَنْهُ إنْ كان قَدْ شُوهِد كَانَ قَدْ عُلِمَ بالحِسِّ، وإنْ لمْ يَكُنْ شُوهِد مَا يُشبِهُهُ مِنْ بَعْضِ الوُجُوه، وإلّا لَمْ يُعْلَم بِالخَبَرِ شَيْءٌ فلاَ يُفيدُ الخبر إلّا بَعْدَ الحِسِّ والعَقْل، فَكَمَا أَنَّ العَقْل بَعْدَ الحِسِّ، فالخَبَرُ بَعْدَ العَقْلِ والحِسِّ، فَالإِخْبَار يَتَضَمَّن هَذَا وهَذَا…”.
ويَظْهَرُ لَنَا جَلِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ مُعْتَمِدًا على كُلِّ هذه المصادر المعرفيَّة كَانَ أَقْرَبَ لِإِدْرَاكِ المعْرِفَةِ الصَّحِيحَة والوُصُولِ إلى الحَقِّ والصَّوَابِ… أمَّا مَنِ اقْتَصَر على البَعْضِ مِنْهَا دُونَ الآخَرِ فَلاَ يَنْفَكُّ أَنْ يَكُون حُكمُه على القَضِيَّة قَاصِرًا، فَقَدْ يَصِلُ إلى نَتِيجةٍ صَحِيحةٍ وقَدْ يَصِل إلى نَتِيجَة خَاطِئةٍ لأنَّه كَانَ مِثْلَ مَنْ يَسْتَعْمِلُ نَظَرَه مِنْ زَاوِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِشَيْءٍ مَا وَيُرِيدُ أَنْ يُحيطَ بعِلْمِه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
- إشارة إلى الخبر في المنظومة الإسلاميَّة وتكامله مع بقية مصادر المعرفة:
إِنَّ الخَبَر لَيُعْتَبَر مِنْ أَشْمَل وأعَمِّ المصَادِر المعْرِفِيَّة بلْ إِنَّ المقْتَصِرَ عَلَيْه دُونَ غَيْرِه يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى النَّتِيجَة المرَادَةِ ممَّنْ يَقْتَصِرُ عَلى غَيْره دُونَهُ، لَكِنَّ الأَكْمَل والأَصْوَبَ هُو التَّكَامُل بَيْنَ كُلِّ هَذِهِ المصَادِرِ كَمَا هُوَ في المعْرِفَةِ مِنْ مَنْظُورٍ إِسْلاَمِيٍّ حَيْثُ وَرَدَت العَدِيد مِنَ الدَّلاَئِل النَّصِّيَّة عَلَى اعْتِبَارِ جَمِيعِ المصَادِر المعْرفيَّة والحثِّ على اسْتِخْدَامِها لِلوُصُول إلى الحَقِّ وتميِيزه عَنِ البَاطِل كَمَا في الآيَةِ {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)} [النَّحْل:٧٨-٧٩].
يَقُولُ ابْنُ عَاشُور (١٣٩٣هـ): “أَوْجَدَ فِيكُمْ إِدْرَاكَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعَقْلِ، أَيْ كَوْنُهَا فِي النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتْ مَبْلَغَ كَمَالِهَا الَّذِي يَنْتَهِي بِهَا إِلَى عِلْمِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ…
فَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ أَعْظَمُ آلَاتِ الْإِدْرَاكِ إِذْ بِهِمَا إِدْرَاكُ أَهَمِّ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهُمَا أَقْوَى الْوَسَائِلِ لِإِدْرَاكِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ.
فَالْمُرَادُ بِالسَّمْعِ: الْإِحْسَاسُ الَّذِي بِهِ إِدْرَاكُ الْأَصْوَاتِ الَّذِي آلَتُهُ الصِّمَاخُ، وَبِالْإِبْصَارِ: الْإِحْسَاسُ الْمُدْرِكُ لِلذَّوَاتِ الَّذِي آلَتُهُ الْحَدَقَةُ.
وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا مِنْ بَيْنِ الْحَوَاسِّ لِأَنَّهُمَا أَهَمُّ، وَلِأَنَّ بِهِمَا إِدْرَاكَ دَلَائِلِ الاعْتِقَادِ الْحَقِّ.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُمَا الْأَفْئِدَةَ، أَيِ الْعَقْلَ مَقَرَّ الْإِدْرَاكِ كُلِّهِ، فَهُوَ الَّذِي تَنْقُلُ إِلَيْهِ الْحَوَاسُّ مُدْرَكَاتِهَا، وَهِيَ الْعِلْمُ بِالتَّصَوُّرَاتِ الْمُفْرَدَةِ.
وَلِلْعَقْلِ إِدْرَاكٌ آخَرُ وَهُوَ إِدْرَاكُ اقْتِرَانِ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ بِالْآخَرِ، وَهُوَ التَّصْدِيقَاتُ الْمُنْقَسِمَةُ إِلَى الْبَدِيهِيَّاتِ: كَكَوْنِ نَفْيِ الشَّيْءِ وَإِثْبَاتِهِ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَكَكَوْنِ الْكُلِّ أَعْظَمَ مِنَ الْجُزْءِ.
وَإِلَى النَّظَرِيَّاتِ وَتُسَمَّى الْكَسْبِيَّاتُ، وَهِيَ الْعِلْمُ بِانْتِسَابِ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ إِلَى الْآخَرِ بَعْدَ حَرَكَةِ الْعَقْلِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَوِ التَّفْرِيقِ…”.
هذا ما يُبْرِزُ اعتِنَاء الدِّينِ الإسْلاَمِيِّ بالمعْرِفَة واعتِمَادِه عَلَى المنْهَجِ التَّكَامُلِيِّ لمصَادِر المعْرِفَة خَبَرًا وَعَقْلًا وَحِسًّا ظَاهِرًا وبَاطِنًا، فَكَانَ بِذَلِكَ مُوَافِقًا لِلخَبَرِ الصَّحِيحِ وَلِلعَقْلِ الصَّريحِ وَلِلعِلْم المطَابِقِ لِلدَّلِيلِ الصَّحِيحِ.
الغاية الكبرى من خلق الخليقة
الكاتب: ياسمين قلاتي
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم والصّلاة والسّلام على أفضل الأنبياء والمرسلين.
ما الهدف من الحياة؟
من أكثر الأسئلة الّتي يطرحها النَّاس على أنفسهم، وقد يفنون أوقاتًا كبيرة من أعمارهم وهم يفكّرون ويبحثون عن جواب لهٰذا السؤال، أو لأسئلة أخرى تدور حول نفس الإشكاليّة، إشكالية الغاية من الخلق وهذه الإشكاليّة قد تقود الإنسان إلى البحث في غايات جزئية محدودة بعيدة كلّ البعد عن الغاية الكبرى الصحيحة، بل وقد يجعل غاية من تلك الغايات الجزئية غاية كبرى لحياته، وذلك بسبب قدرته القاصرة على إدراك الغاية الحقيقيّة.
إنّ من يتأمل حق التأمل في هذا الكون وفي نفسه، وكان صادقًا في طلب الحق والبحث عنه؛ سيدرك أنه عاجز عن إدراك الهدف من حياته بنفسه من دون تدخل ذات عليا ترشده إلى ذلك، بل وتريه السّبيل الصحيح للوصول إلى تحقيق ذلك الهدف، فإذا عرف أنّ هذه الذات العليا هي خالقه لاهتدى إلى الغاية من هذا الخلق كله، ولعلم أن هذه الغاية قد حددها الله سبحانه وتعالى في كتابه بقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }[١]، هذه الآية توضح أن: “الغاية التي خلق الله الجنّ والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها؛ هي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبَّته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عمّا سواه، وذلك متوقف على معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة متوقّف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة بربّه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم”[٢]
إذا أيقن الإنسان أنّه خُلق لعبادة الله سبحانه وتعالى بحث عن أفضل سبيل يوصله إلى هذه الغاية، وعرف أن الذي خلقه ووضع له هذا الهدف اختار له أفضل سبيل ومنهج يناسب الغاية من خلقه، وترك سبحانه وتعالى للإنسان الحريّة في اختيار اتّباع ذلك المنهج من عدم اتّباعه، وذلك اختبارًا له، قال الله تعالى: { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}[٣]، وأحسن ما يعين الإنسان على تطبيق هذا المنهج هي التقوى، بل إنّ العبادة لها علاقة بالتقوى، وفي هذا يقول الله عزّ وجلّ:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[٤]، ويتّضح من خلال هذه الآية؛ أنّ التقوى مرتبطة بأمر العبادة وهو: “أمر عامّ لجميع الناس، والعبادة الجامعة لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له…”[٥]، كما أن الله أمر العديد من الرّسل بدعوة أقوامهم إلى التّقوى، وفي هذا يقول الله تعالى آمرًا العديد من الأمم في هذه الآيات بتقواه:
{وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ }[٦]
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ }[٧]
{كَذّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ}[٨]
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ}[٩]
{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ}[١٠]
{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ}[١١]
بل إنّ المقياس في تفاضل النّاس في الدّنيا هي التقوى، يقول الله سبحانه وتعالى:{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.[١٢]. أمّا في الآخرة فيقول الله سبحانه وتعالى محددًا عاقبة المتقين: { مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا} [١٣]
هذا بالنّسبة لمن عرف الغاية الصحيحة من خلقه، أمّا الذي لم يعرف هذه الغاية فسيتخبط حتمًا بين الغايات الجزئيّة الّتي يظن أنّها غاية يستحقّ أن يعيش من أجلها، وسيكون من أفسد حياته الدّنيا بيده، بل وآخرته كذلك { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ } [١٤]
حجيَّة الظّن في ثبوت الأخبار
الكاتب: معتز عبد الرحمن
إذا كان الحديث -حتّى الصّحيح منه- ظنّي الثبوت، فكيف تبنى الأحكام الشرعية على “الشَّك”؟.
بهٰذه الصيغة وصيغ مماثلة تتفاوت في دقّة التعبير يطرح هذه السؤال كثيرًا، ومع تفاوت دقّة التّعبير يبقى القدر المشترك في عدم دقة محتوى السّؤال والمعلومات المبني عليها كبيرًا، في هذا المقال نحاول الذهاب في رحلة قصيرة سريعة في جذور السّؤال وفروعه ليكون التعامل مع ثمرته علميًّا وواقعيًّا.
أولًا: ترتيب أوراق:
إن هناك عدة أنواع من الخلط تساهم متضافرة في تكوين هذا الإشكال، لذا يجدر عند مناقشته البدء بتناولها بالإيضاح والتبيين:
النوع الأول: تفاوت اليقين:
فبعض النّاس يتعامل مع (اليقين-القطع-العلم) كدرجة واحدة، كأنه الدرجة الماْئة في النسبة المئوية، فإذا وصفنا نوعًا معيّنًا من الأدلة باليقيني أو أنه يفيد العلم؛ فهو الدّرجة (١٠٠)، ويلزم أن كل ما دونه لا يفيد العلم ولا اليقين ولو كان درجة (٩٩)، والحقيقة أنّ اليقين يتفاوت وليس على درجة واحدة، فتحقق أعلى درجات اليقين في نوع من الأدلة لا يعني بالضرورة أن كل ما دونه من الأنواع قد خرج من دائرة إفادة العلم واليقين، وهذا معلوم في سائر شؤون النّاس في الدِّين والدّنيا، وبه وقع الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين[١]، والناس تجد في نفسها يقينًا في أمر ما بناء على شواهده، فإن زادت شواهده زاد يقينهم فيه، ولا يعتبرون ما كانوا عليه قبل زيادة الشواهد شكًّا أو ظنًّا أو وهمًا، والأدلة الشرعية والعقلية على هذا متعددة[٢]، وعلى ذلك: إن قلنا أن التّواتر مفيد للعلم واليقين؛ فلا يساوي هذا بالضرورة أن كل ما لم يتحقّق فيه التواتر بشروطه المعروفة عند الأصوليين لا يمكن أن يفيد العلم واليقين، هذا مع وقوع أيضًا قدر من النسبية في هذا بين الناس، فليس كل يقين عند بعض الناس يقينًا عند غيرهم بحسب توفر الأدلة والقرائن عند كلٍّ منهم.
النوع الثاني: العلم الضروري والعلم النظري:
فالضروري هو: الذي يُضْطر الإِنْسانُ إليهِ بحيثُ لا يُمْكنه دفْعُهُ، فهو يفيدُ العلمَ بلا استدلالٍ، ويحصل به العلم لكل سامع[٣].
والنَّظري: يفيد العلم مع الاستدلال، ولا يحصل إلا لمن له أهلية النظر[٤].
وبصورة أبسط؛ فإن الضروري هو الذي يتجلى ثبوته بصورة لا يحتاج معها إلى استدلال وجمع قرائن، وقد يحصل حتَّى للعامي غير المتخصص، ومن صوره في موضوعنا: “التواتر”، إذ يثبت به العلم الضروري[٥]، والتواتر، هو: رواية الجمع عن الجمع، الذين يمتنع اتفاقهم على الكذب، أو الخطأ[٦]، أما العلم اليقيني النظري الذي يتحقق بالاستدلال والقرائن فقد يقع في الحديث غير المتواتر بحسب القرائن التي تحققت فيه[٧]، وإغفال تحقق “اليقين – القطع – العلم” بالنظر والاستدلال واعتبار أنه لا يقع إلا للضروري فقط؛ هو ما يوسع دائرة الإشكال دون داعٍ، بل ويخالف واقع الناس.
النوع الثالث: الظن والشك:
إذ يعتقد البعض أنّ الظن مرادف للشك، بل منهم من يعده مرادفًا للوهم، وهذا خلط مخالف للغة والاصطلاح.
قال ابن قدامة: (الظن ميلها -أي النفس- بسبب)، وقال القرَّافي والزركشي: (الظن: اسم للاحتمال الراجح)، بينما الشك: (تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر)، أما الوهم فهو: (الطرف المرجوح غير الجازم بين المترددين)، وجمعَ الثلاثة تعريف الرازي: (التردد بين الطرفين إن كان على السوية فهو الشك، وإلا فالراجح الظن، والمرجوح وهم). بل ومن العلماء من جعل الظن مقابلًا (مضادًا) للشك، لكون الظن فيه إدراك لأحد الطرفين، أما الشك فإدراك للطرفين دون ترجيح[٨].
فالقول بأن الظن هو معنى مذموم مطلقًا استدلالًا بالآيات القرآنية التي ورد فيها ذم الظن، مثل قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[٩] هو قول قاصر، وذلك لورود الظن في كتاب الله أيضًا بمعان أخرى، فقد ورد الظن في القرآن الكريم بمعنى اليقين: { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون}[١٠]، وقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ }[١١] ، وجاء بمعنى الاحتمال الراجح كقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}[١٢]، { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}[١٣]، وهي معان لغوية متعددة لنفس الكلمة، والاستدلال بواحدة منها فقط دون الآخرين انتقاء أو خطأ في التّصوّر، ومن هذا عُلم أن الظن المذموم في القرآن هو العاري من الدليل والحجّة، أما المبني على الاحتجاج والاستدلال وبذل الوسع فيه؛ لا يوضع أبدًا في نفس السلة معه.
النوع الرابع: حديث الآحاد وحديث الرجل الواحد:
يتصوَّر البعض أن كلمة (حديث آحاد) تعني بالضرورة أنه قد رواه رجل واحد، بينما حديث الآحاد في حقيقته ليس كذلك، فالحديث المشهور هو -اصطلاحًا-: حديث آحاد رغم أن الحديث المشهور قد رواه فوق الثلاثة في كل طبقة[١٤]، ومنه العزيز: الذي رواه اثنان في الطبقة[١٥]، أما الحديث الغريب: فهو الذي يرويه واحد في إحدى طبقاته[١٦]، وهو أحد أنواع الآحاد وليس مرادفًا له، لذلك تجد من يقول: لا يمكن أن نقبل بحديث الآحاد؛ فينبغي أن يرويه اثنان على الأقل، فيدل هذا على الفور على وجود خلط في فهم معنى (حديث الآحاد)، لأن ما رواه اثنان وثلاثة وأكثر؛ يظل -اصطلاحًا- حديث آحاد، لأنه لم يبلغ حد التواتر بمعناه الاصطلاحي.
وهذا التفرد -الحديث الغريب- ليس مقبولًا مطلقًا عند المحدثين وإن كان من ثقة أو صدوق، فبعض التفرد مقبول وبعضه محل للتعليل بحسب قرائن متعدّدة ليس هذا محل بسطها[١٧].
النوع الخامس: الآحاد والضعيف:
وهذه نسمعها أحيانًا لا سيما من غير المتخصصين، سواء ممن تصدروا للكلام ونشر الفكر والرأي، أو في مجالس الناس العادية، فتجد من يجعل كلمة (آحاد) مرادفة لكلمة: (ضعيف)، ومضادة لكلمة: (صحيح)، فيقول: هذا الحديث آحاد ليس صحيحًا!، وفي ظل هذا الخلط يغفل عن كون علم الحديث قام في الأساس على تحقيق أحاديث الآحاد، فكل تلك العلوم والقواعد والتدقيقات التي تثبت المقارنة الدقيقة تفوقها على مناهج البحث العلمي التاريخي التي أقرتها الجامعات الغربية والشرقية بعد نشأة علم الحديث بأكثر من عشرة قرون[١٨]؛ اهتمت بشكل أساسي بحديث الآحاد وتمييز صحيحه من سقيمه، والمقبول منه والمردود، فمن يطالع شروط صحة الحديث الخمسة: (اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، انتفاء الشذوذ، انتفاء العلة)، وقواعد الجرح والتعديل، واكتشاف العلل الخفية والتدليس بأنواعه، وتمييز أخطاء الثقات أنفسهم؛ يدرك أن ما يمر من هذه الشروط والقواعد لا يمكن أن يوصف بالوهم والشك، وأنه قد اصطحب من حجج وأدلة الثبوت ما يرفع كثيرًا منه إلى درجة القطع، وما بقي في دائرة الظن الراجح قد صاحبه ما يوسع الهوة بينه وبين الشك والوهم، وقد استفرغ فيه الوسع الكافي لإقامة الحجة والالتزام به.
ثانيًا: من أين نبدأ؟
إنَّ الكلام عن حجية السنة النبوية وما يحتج به منها وما لا يحتج به؛ يأتي تاليًا للإيمان بصدق نبوة النبي محمد ﷺ والإيمان بكون القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى نبيه ﷺ، هذا ترتيب منطقي للأمور، فمثلًا: من لا يؤمن بوجود خالق للكون أصلًا؛ لا معنى لمناقشته في مسائل النبوة قبل حسم تلك المسألة معه، لأن من لا يؤمن بوجود إله كيف سيؤمن بوجود رسل للعدم؟ [١٩]، كذلك من لم يؤمن بنبوة النبي محمد ﷺ فلا معنى للقفز معه لمناقشة تفاصيل بعض الأحكام الفرعية في الدين الذي أرسل به، وهكذا، وهذا مما يهدر الكثير من الجهود بعيدًا عن مواطن إفادتها، فإذا تحقق الإيمان بنبوة النبي ﷺ ونسبة القرآن الكريم إلى رب العالمين؛ فإن الوحي هنا هو من يعلمنا منهج الاستدلال والتلقي والتعامل مع النصوص الشرعية، ويعلمنا ما تقوم به الحجة وما لا تقوم به، ودلالة الوحي كافية في إثبات الصورة المقبولة للدليل والحجة أيًّا كان الوصف اللغوي والاصطلاحي لها، فمن يعتقد بحجية حديث الآحاد -وهم جماهير الأمة سلفًا وخلفًا[٢٠] – يقول بذلك، لأن تلك الصورة من الاحتجاج أقرها الشرع بغض النظر عن وصفها بالقطع أو بالظن الراجح، فإنها وإن جزم بوصفها (ظنًّا راجحًا) فإقرار الشرع لها كحجة هو إقرار لحجية الظن الراجح، مع عدم التسليم للقول بأن كل أحاديث الآحاد تفيد الظن مطلقًا، بل منها ما يفيد القطع واليقين كما سيأتي.
ثالثا: من أدلة حجية حديث الآحاد:
وهي كثيرة جدًّا، وقد أسهب فيها الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتابه الشهير: (الرسالة)، كما فعل ذلك الكثير من العلماء والباحثين المتقدمين والمتأخرين، ولعدم مناسبة مقام المقال للتفصيل أذكر بعضها مختصرة:
- قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ للَعَلَّهُمْ يَحْذَرُوْن}، والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، فأوجب الحذر بقول الآحاد، وقال تعالى: {يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }، حيث جعل علة رد الأخبار الفسق لا الوحدة[٢١]، فلو كان واحدًا غير فاسق لقبل خبره.
- قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الذِّكْرِ وَهُمْ أُولُو الْكِتَابِ وَالْعِلْمِ، وَلَوْلَا أَنَّ أَخْبَارَهُمْ تُفِيدُ الْعِلْمَ لَمْ يَأْمُرْ بِسُؤَالِ مَنْ لَا يُفِيدُ خَبَرُهُ عِلْمًا، وَهُوَ سُبْحَانُهُ لَمْ يَقُلْ سَلُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ بَلْ أَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ مُطْلَقًا، فَلَوْ كَانَ وَاحِدٌ لَكَانَ سُؤَالُهُ وَجَوَابُهُ كَافِيًا [٢٢].
- الأخبار المتواترة في أن النبي ﷺ كان يرسل الرسل إلى الملوك، ويرسل الدعاة إلى أطراف الأرض ليبلغوا العقائد والأحكام، وقيام الحجة على تلك الأقوام بذلك البلاغ مع كون المبلغ رجلًا واحدًا يحتمل في حقه الخطأ [٢٣].
- حادثة تحول القبلة التي رواها عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، وقبول المصلين في مسجد قباء خبر رجل واحد وتحولهم عن القبلة وهم في صلاتهم دون تردد، مع كون القبلة الأولى أمرًا مقطوعًا به لديهم، ومع ذلك انصرفوا عنه فورًا بخبر رجل واحد [٢٤]، ولم يرد أي عتاب أو إنكار من النبي ﷺ وكبار صحابته عليهم، وهذا مما يستدل به أيضًا على أن حديث الآحاد قد يفيد القطع [٢٥].
- الآيات والأحاديث الآمرة بتبليغ الرسالة دون اشتراط للتواتر: ﴿يَٰأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيّ-ﷺ- قَالَ: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)[٢٦]، وقوله ﷺ: (أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ)[٢٧]، وقوله ﷺ: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ)[٢٨].
- أنَّ الأمة مكلّفة باستفراغ الوسع، فمن استفرغ وسعه في التثبت وتحرى أدلته فقد أدى ما عليه، ولا يلزم بما فوق طاقته ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
- ما كان عليه الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- ومن تبعهم من السلف الصالح من العمل بحديث الآحاد في شتّى أمورهم، وهذا جلي متواتر عنهم، فالإجماع منعقد على العمل بحديث الآحاد في الظنيات[٢٩] كالعبادات والمعاملات، وكذلك إجماع الأمة على العمل بحديث الآحاد في القطعيات على اختلاف طرائقهم، إذ تستدل كل طائفة منهم -كالقدرية والمرجئة والرافضة والخوارج فضلا عن أهل السنة-؛ على صحة معتقدها بحديث آحاد، وهذا إجماع منهم على العمل به حتى في العقائد والقطعيات [٣٠].
- حفظ الله تعالى لدينه، فالله تبارك وتعالى تكفل بحفظ دينه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ويدخل في الذكر السنة النبوية لقوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، وقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، والسنة مبينة للقرآن، لا تطبق جل أحكامه إلا بها، والسّنة أكثرها آحاد، واعتبار أن الآحاد لا تقوم به حجة يخالف الاعتقاد بحفظ الله تعالى لدينه، ولو أراد الشارع الحكيم القدير تبارك وتعالى صورة معينة من صور النقل لا تقوم الحجة إلا بها؛ لأمر بها تبارك وتعالى ويسر أسبابها.
- الواقع العملي للناس في حصول اليقين أو درجة الثقة في أي خبر بما يرتب عليه اعتقاد وعمل يشهد بحجية الآحاد، وكذلك واقع الشريعة في إقامة الحجج، كقيام الحجة بشهادة شاهدين، وأربعة، وشاهد واحد في الأحكام المختلفة، يقول الإمام ابن القيم: (إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ لِإِفَادَةِ أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ الْعِلْمَ يَشْهَدُونَ شَهَادَةً جَازِمَةً قَاطِعَةً عَلَى أَئِمَّتِهِمْ بِمَذَاهِبِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا، وَلَوْ قِيلَ إِنَّهَا لَمْ تَصِحَّ عَنْهُمْ لَأَنْكَرُوا ذَلِكَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ جَهْلِ قَائِلِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الْمَذَاهِبَ لَمْ يَرْوِهَا عَنْهُمْ إِلَّا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ وَنَحْوُهُمْ، وَلَمْ يَرْوِهَا عَنْهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ يَقِينًا.
فَكَيْفَ يَحْصُلُ لَهُمُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ وَالْمُقَارِبُ لِلضَّرُورِيِّ بِأَنَّ أَئِمَّتَهُمْ وَمَنْ قَلَّدُوهُمْ دِينَهُمْ أَفْتَوْا بِكَذَا وَذَهَبُوا إِلَى كَذَا، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا بِمَا رَوَاهُ عَنْهُمُ التَّابِعُونَ وَشَاعَ فِي الْأُمَّةِ وَذَاعَ، وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَتَنَوَّعَتْ، وَكَانَ حِرْصُهُ عَلَيْهِ أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِنْ حِرْصِ أُولَئِكَ عَلَى أَقْوَالِ مَتْبُوعِيهِمْ؟ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ الْعُجَابُ)[٣١].
رابعًا: هل أحاديث الآحاد ظنية مطلقًا؟
فكما سبق ذكره أن القول بظنية حديث الآحاد مطلقًا غير صحيح، فالظنية والقطع درجات يتدرج فيها الخبر بحسب قرائنه، فحديث الآحاد الصحيح الذي تحققت فيه شروط صحة الحديث الصعبة؛ قد يرقى إلى درجة القطع إذا احتفت به قرائن إضافية زادت من درجة ثبوته، (وقد يَقعُ فيها -أي في أَخْبارِ الآحادِ المُنْقَسِمَة إِلى: مَشْهورٍ، وعَزيزٍ، وغَريبٍ- مَا يُفيدُ العلم النظريَّ بالقَرائِنِ)[٣٢]، ومن هذه القرائن التي أوردها ابن حجر:
- ما اتفق عليه الصحيحان، لعلو شأنهما وشرطهما وتلقي الأمة كتابيهما بالقبول.
- ما له طرق متباينة سالمة من الضعف والتعليل.
- المسَلْسَلُ بالأئمةِ الحفاظِ المُتْقِنينَ.
يقول الإمام ابن الصلاح: (وهذا القسم -يقصد ما اتفق عليه البخاري ومسلم- جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به. خلافًا لقول من نفى ذلك محتجًّا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًّا ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولًا هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ولهذا كان الإجماع المبتنى على الاجتهاد حجة مقطوعًا بها وأكثر إجماعات العلماء كذلك)[٣٣].
خامسًا: هل تقسيم الأدلة إلى قطعي وظني بلا قيمة!
إذن فهل يعني كل ما سبق ذكره أن تفاوت درجة الخبر بين القطع والظن الراجح لا أثر له في التطبيق العملي مطلقًا؟ وأن غاية أثرها في درجة اليقين القلبي تجاهه فقط؟.
الحقيقة أن أثر تصنيف الأخبار بل والأدلة عمومًا (خبرية وعقلية وحسية) إلى قطعي: (مفيد للعلم واليقين)، وظني: يتجلى دوره في التطبيق العملي عند التعارض، فمن شروط حجية الظن عند العلماء عدم وجود معارض قطعي له، بل عدم وجود معارض ظني أقوى منه في الثبوت[٣٤]، بل إذا تعارض القطعي مع الظني لا يعدون هذا تعارضًا حقيقيًّا يحتاج إلى ترجيح، إذ أن الظن سينتفي في هذه الحالة لوجود القطع المعارض له[٣٥]، ولا يظن القارئ أن هذه مرحلة لاحقة لتحقيق الحديث، أي أن الحديث يقطع له بالصحة أو لا ثم ينظر في مخالفته لما هو أقوى منه ثبوتًا، بل إن وصول الحديث لصفة الصحيح يتطلب أولًا سلامته من عدة مخالفات، منها: مخالفة القرآن، ومخالفة المعروف من السنة المحفوظة (التي تعلوه في الثبوت)، ومخالفة المحسوس، ومخالفة العقل، فكل هذا يدخل في تحقق شرط انتفاء العلة[٣٦].
وإن قيل كيف وهناك أحاديث صحيحة جزم المحدثون بصحتها يقال عنها أنها تعارض القرآن أو العقل أو المحسوس!، والحقيقة أن النظر التفصيلي في هذه المسائل يبين أن هذا التعارض غير حقيقي، إذ أنه كثيرًا ما تنتج مثل هذه التعارضات المتوهمة عن فهم خاطئ للنص القرآني أو النبوي وإسقاط أحدهما في غير موضعه، أو خطأ في الدليل العقلي أو المحسوس، هذا بجانب التصيد أو السطحية والعجلة
أحيانًا، فانحسار تعظيم سنة النبي ﷺ في قلوب البعض يجعل اختيار الطعن في النص وإسقاطه أيسر عليهم من النظر في حقيقة معناه وفي حقيقة الدليل الذي يتوهم معارضته له من حيث كونه فعلًا قطعيًّا أم لا، وكونه معارضًا فعلًا للحديث أم لا، فالتعارض بين النقل القطعي وبين العقل القطعي أو المحسوس (كالعلم التجريبي) القطعي لا يقع، وإنما قد يقع التعارض بين النقل القطعي والعقل أو العلم الظني، فيقدم النقل القطعي لكونه قطعيًّا وليس لكونه نقلًا، أو يقع التعارض بين النقل الظني وبين العقل أو العلم القطعي، وحينها يقدم العقل أو العلم القطعي أيضًا لكونه قطعيًّا، وقد يقع التعارض بين النقل الظني والعقل أو العلم الظني، وحينها ينظر في القرائن والمرجحات لتقديم أحدهما على الآخر[٣٧].
كما أن بعض الإشكالات التي تقع في الوقت الحالي تأتي بسبب التعامل مع ظنيات العقل وظنيات العلم التجريبي على أنها قطعيات مؤكدة، وهذا سببه أولًا: الجهل بالعلم التجريبي نفسه وبقطعيات العقل، فلا يفرق بين ما وصل من مسائل العلم التجريبي إلى حد اليقين وما بقي في نطاق النظرية المحتملة التي كثيرًا ما يثبت خطؤها، ولا يفرق بين العقل الصريح الذي لا يُختلف فيه وبين التذوق والرأي الشخصي.
ثانيًا: المغالاة والمبالغة في تقدير وتقديس كل ما ينسب للعلم التجريبي والعقل وإن كان غير قطعي بل وإن كان أحيانًا مجرد نظريات مقطوع بخطئها وبتعسف الاستدلال فيها أو نظرات عقلية يظهر الخلل فيها بوضوح.
ثالثًا: افتراض استقلالية العلم التجريبي وتفسيراته عن فلسفات القائمين عليه ودوافعهم العقائدية، فالتجربة العلمية محايدة في الأصل ولكن بناء الاستدلال عليها وصياغة نتائجها ليست كذلك بالضرورة [٣٨].
ومن المعلوم أن مثل التعارضات المتوهمة وقوعها ليس قاصرا على السنة النبوية وأحاديث الآحاد، بل بعضها يثار حول آيات من القرآن الكريم وهو قطعي الثبوت، فاستغلال بعض منكري السنة مثل هذه الإشكالات لصب جمّ غضبهم ونقدهم على السنة النبوية وحصر سبب الإشكال في آلية الثبوت مردود عليهم، إذ أن الخلل في الأفهام يؤدي لوقوع مثل هذا مع القرآن الكريم وحينها لا يكون تعاملهم بنفي ثبوت القرآن والعياذ بالله، بل بإيضاح سبب الخلل في فهم المعارض، وهو ما نفس ما يقوم به العلماء مع السنة النبوية.
وأخيرًا : خاتمة
إن الله تبارك وتعالى قد ميز الإنسان بقدرته على الاستنتاج والتفكير والبحث، فجعل تكليفه ملائمًا لموهبته، فأوجب عليه الإيمان بالغيب لامتلاكه الأداة التي تمكنه من الاستدلال بالأثر على المؤثر، ومعرفة أمارات الصدق والكذب إذا أدعى رجل النبوة، والنظر في دلائل نسبة الكلام إلى الله تعالى واستحالة نسبته للبشر، وأبقى له باب تحري الحق مفتوحًا في كثير من التفاصيل مستخدمًا نعمة الله تعالى عليه، ليتميز المخلص المخالف للهوى الذي يجعل هواه تبعًا للدين عمن يجعل الدين تبعًا لهواه، فقال تعالى في كتابه الكريم { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[٧]} سورة آل عمران، فكان من النص القرآني ما هو ظني الدلالة ينبغي رده إلى قطعي الدلالة ليفهم مراد الله تعالى منه، فيثاب المخلص المجتهد ويعاقب صاحب الهوى الانتقائي، وميز تلك الأمة بجهود شريفة أيضًا في تحري حديث نبيها صلى الله عليه وسلم لم يسبقهم إليها أحد[٣٩]، محاطون بالعون والتوفيق، والحفظ والعناية، فلا يكاد كاذب يهنأ بكذبه حتى يكتشف، ولا مخطئ في رواية حتى يظهر خطأه وإن كان ثقة أمينًا، فحفظ الدين بجهود ومساعي أبنائه وتقدير أسبابه، فجمع لهم الحفظ والأجر والتميز بين الأمم.
القرآن كلامُ بَشَرٍ أم كلامُ رَبِّ البَشَرِ؟
الكاتب: أسماء العواودة
المراجعة: عائشة المحمدي
إنَّ الإسلام إذ يصف نفسه بالدين الحقِّ، وبأنَّ رسوله المبعوث هو خاتم النبيين و الرسل، يضع بين يدي العالمين برهانًا و حجة على ذلك؛ القرآنَ الذي يؤمن المسلمون بأنه كلام الله و معجزته الخالدة، في حين يَتَعَنَّى آخرون الجهدَ بهدف التشكيك بربوبيَّته وإثبات بشريَّته.
ولعلَّ من اللافت للنظر ابتداءً أن المطَّلعَ على الخطِّ الزمني منذ ظهور القرآن إلى زماننا هذا، يرى أنَّ أعداد المسلمين على امتداد ما يزيد عن أربعة عشر قرنًا في ازدياد مستمرٍّ ملحوظٍ جدًا، حتى أنَّ كثيرًا من مراكز الأبحاث المعنية بدراسة نمو الأديان لتتوقع للإسلام نموًا أكبر في قادم السنوات، فنرى على سبيل المثال لا الحصر بحثًا نشره مركز بيو الأمريكي للأبحاث بعنوان ( لماذا المسلمون هم المجموعة الدينية الأسرع نموًا في العالم)[١] يخلص إلى أن عدد المسلمين سينمو بنسبة ٧٠% ليتعدى ثلاثة مليار مسلم في عام ٢٠٦٠م .
وفي الجانب الآخر نجد أن التشكيك في القرآن – الذي هو عماد الدعوة للإسلام – لا يكاد يبرح مكانه منذ قرون. ما الذي يدفع المسلمين للتمسُّك بالقرآن إن كان كلامَ بَشَرٍ، أعَقِمَت النساءُ أن تلد من يكتُب خيرًا منه؟ أم أنَّ القرآنُ عَصِيٌّ على مرادِ المشككين، ولا تناله سهام الطاعنين لأنه كلام ربِّهم؟ فلنتَّجه نحو القرآن لنستقيَ منه الإجاباتِ، ولنستمع لما يُقِرُّ به عن نفسه؛ مصدره و محتواه، فليس بعد الإقرار حديث فهو سيِّد الأدلَّة، وليس لمن يطعن بهذا الدليل إلا الإتيان بدليل يفوقه و يضاهيه.
ولأن مستهلَّ الكلام يشفُّ عن فحواه، لا بدَّ لنا أن نقف عند الأوَّل تنزُّلًا من القرآن {اقرأ باسم ربِّك الذي خلق}[ العلق : ١]
اقرأ، فعل أمر لا يصدر إلا من مصدر علوي، فلا بدَّ للآمر أن يعلوَ المؤتَمِرَ فيما يأمره. إنَّ الكلمة الأولى وحدها تثير اللُّبَّ بعجيب إشاراتها و مدلولاتها بأن القراءة هي وعاء هذه الرسالة التي ستكون خاتمة الرسالات. لا ريب أنَّ الكلمة التي هي وحدة بناء القراءة تشكل الفهم و تبني النفس و تبعث على الحركة و الفعل.
و الكلام -إن أُتقن- كان خيرَ ناقلٍ حاملًا بين ثناياه تفاصيل ما يعجز البصر والسمع عن إدراكه مباشرة، ألا تراه يأتيك بنبأ ما لم ولا تبصره، ويخبرك بما خفي عن سمعك، وقد يأخذك إلى ما سيكون. أنَّ مجرَّد اختيار الكلام أن يكون هو الرسالة المعجزة لهو اختيارٌ عليٌّ.
إذًا لم تكن المعجزة العظمى للإسلام مما يبهر من عاينها وقت وقوعها فحسب، فلم تكن كإحياء موتى أو شق بحر أو غير ذلك مما يدفع رائيها للإيمان وقد يزول تأثيرها أو يخبو بانتهاء حدوثها، بل كيف ستكون حجة على من لم يرها حينئذ؛ فلابد لرسالة أُريدَ لها الخلود من معجزة خالدة لا تقف على حياة النبي المرسل بل تبقى من بعد وفاته حيَّة تستنطق إيمان البشر في كل زمان يأتي من بعده، ولا يخفت بريقها ولا ينضب معينها. و أنَّى لكل هذه المتطلبات والمعايير أن تجتمع إلا في كلامٍ معجز يُتلى جيلًا بعد جيلٍ، محفوظٍ من أدنى تبديل أو حذف أو إضافة.
فهل تنطبق هذه المعايير على القرآن؟ فلنقترب منه أكثر و لنرعه سمعنا و ننصت كما يطلب منا { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: ٢٠٤] ولنتدبَّر بعضًا من الدلائل على ربوبيته كما يعرضها هو.
أولًا: بلسان عربي مبين.
إنَّ اللغة العربية هي الوعاء الذي حوى هذه الرسالة فجاء القرآن بلسانها، وقد يقول قائل: لماذا يكون القرآن باللغة العربية في حين أنه للبشرية جمعاء؟ سنجد أن القرآن يجيبه { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت ٤٤].
فلابدّ للكلام المنزل أن يكون بلغة مفهومة للبشر فيكون بإحدى اللغات المتداولة وقت تنزله. ولو فرضنا تنزله بلغة أخرى غير العربية لما زال هذا الاعتراض ولَقيل لم أنزل بهذه اللغة و ليس بتلك! فإن كان لا بد من لغة بشرية فلا عجب أن تكون أرفع اللغات وأعمقها تعبيرًا وأسلسها مرونة وأمتنها نسقًا ليتسنّى لها احتواء رسالة ربانية عظيمة سامية المعاني، بل ولن يكتمل الأمر إلا بأن تكون على لسان أفصح من ينطق بهذه اللغة. وهذا ما كان حقّا، فمن من اللغات تفوق العربية بفصاحتها ومرونتها ومتانة ألفاظها و سعة الاشتقاق فيها فلقد بلغت في آخر معجم جامع لها ١٢ مليون و ٣٠٠ ألف كلمة[٢]، أي ما يزيد عن لغة أخرى كالإنجليزية والفرنسية بخمس وعشرين مرة.
ناهيك عن غنى التعبيرات والأساليب من تقديم و تأخير وخطاب العامة والخاصة والمقيد والمطلق والإيجاز والبلاغة والمحسنات والخصائص الصوتية وغيرها من المزايا التي لا يسع ذكرها هنا والتي تاهت بها آلاف الكتب والمجلدات من نثر وشعر.
ولم يتنزل القرآن إلا بأفصح وأبين لسان عربي؛ لسانِ قريش الذي جمع الألسنة العربية كافة كما يؤكِّد ذلك علماء اللغة، فيقول العلامة ابن فارس: “وكانت قريش-مع فصاحتها و حسن لغتها و رقة ألسنتها- إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم و أشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخير من تلك اللغات إلى نحائرهم وسلائقهم التي طبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب؛ ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد و قيس مثل: تِعلمون، ونِعلم، ومثل شِعير و بِعير.” .[٣]
ويبيِّنُ ابن خلدون في مقدمته أن لسان قريش كان أفصح و أصرح الألسن العربية، ويعزو ذلك لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم الجغرافية فلم يشبه ما يشوب الألسن من اختلاط اللغات.
فكان العرب يحتكمون إلى لسان قريش في خلافاتهم اللغوية. وبعد نزول القرآن وجمعه أصبح هو المرجع الأول في اللغة العربية عبر كل الأزمنة. يتفق على ذلك كل علماء اللغة مسلمين كانوا أم غير مسلمين. ومن شرِّ البلية المضحكِ أنك تجد في زماننا هذا من ينعق بما لا يفهم ويدَّعي وجود أخطاء لغوية في القرآن، في حين أنه لا يُحسِنُ اللفظ الصحيح في حديثه ناهيك عن الضبط.
إنَّ عِظَمَ تنزُّلِ القرآن بأبينِ لسانٍ عربيٍّ ليقودنا إلى ما ترتَّب عليه من أمور، وفيها بيان الدلالة الثانية.
ثانيًا: التحدي
فلما وجدت قريش أن هذا القرآن له وقع ليس كوقع غيره من الكلام وأنه من البلاغة والسلاسة والمتانة ما أغاظ مشركيهم جحدوه، واتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه افتراه من عنده، فأنزلت آياتٌ تتحداهم أن يأتوا بمثله، وكأنَّ لسان حاله يقول: هأنذا مكوَّنٌ من حروف تعرفونها ومن كلمات تتداولونها بينكم – وأنتم أفصح العرب – فهلا جئتم بمثلي؟! فإن كان بشرٌ مثلكم أتي بي من عنده كما تزعمون فلأنتم مجتمعون أشد بلاغة منه وحده فأتوا بمثل ما أتى به إن صدقتم. فلم يجرؤ أحدٌ منهم أن ينبس ببنت شفة، ثم ينخفض سقف التحدي إلى الإتيان بعشر سورٍ فقط{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }[هود :١٣].
وما من متقدم ٍللنزال، فينتهي الأمر بتحديهم أن يأتوا بسورة واحدة فقط {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس :٨٣] ولم يتقدم من أرباب العربية أحدٌ عَجزًا منهم، فهم وإن كفروا ليعلمون في قرارة أنفسهم عظيم ما هم أمامه، وهم الذين برعوا في المبارزة اللغوية ليجدون أن هذا القرآن ليس من جنس ما اعتادوا مبارزته، وإلا لتقدموا.
ومن المؤكد أنه لم يصرفهم صارفٌ عن التحدي، فلو كان ذلك لسمعنا أنهم قبلوا التحدي لكنَّ أمرًا خارجًا عن إرادتهم قد منعهم، ولسجل لنا التاريخ عجائب القصص في ذلك، بيد أنَّ ذلك لم يكن، بل سجَّل لنا إقرارهم بأنه كلامٌ ليس كمثله كلام؛ فها هي شهادة أحد زعماء مشركي قريش، الوليد بن المغيرة يصف القرآن للمشركين بعدما سمعه :” وماذا أقول؟! فوالله، ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن مني، والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته “ [٤]و لم يذكر لنا التاريخ أن أحدًا منهم جاء بسورة أو حتى أقام مؤتمرًا لقبائل العرب لدراسة مشروع الإتيان بسورة، فهل يعقل أن يستعينوا بمن هم أقلُّ فصاحة، كالمستجير من الرمضاء بالنَّار!.
لذلك نجد أنهم اتخذوا كل سبل الصدِّ عن القرآن إلا السبيل الذي فتحه لهم القرآن نفسه. وهذا لعمري هو منهج الصَّادين عن الحق حتى يومنا هذا. إن التحدي لم يكن لقريش فحسب و لم يكن حتى للعرب كافة وقت تنزل القرآن، بل لم يكن حتى للإنس فقط!
إن التحدي بالإتيان بسورة واحدة كسور القرآن مكتملة البناء ببلاغتها وبيانها وعلو معانيها وتآزرها ومتانة لفظها ونسق نظمها ورقّة وقعها على النفس وكل ما تتصف به السورة الواحدة من القرآن مازال مفتوحًا حتى الآن وسيبقى إلى قيام الساعة متاحًا للإنس والجنِّ متفرقين كانوا أم مجتمعين متعاونين على ذلك، وهذا هو السبيل الوحيد للاعتراض على أن هذا القرآن من عند الله، وهو الحل الوحيد لمن أراد أن يثبت دعوى أنه من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، بيد أن القرآن يجيب {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء :٨٨] فهل من معترض؟!
إنَّ هذا التحدي العظيم لا يمكن أن يبقى متاحًا إلا بملازمة الدلالة التالية للقرآن الكريم.
ثالثًا: الحفظ
ستجد في القرآن تعهدًا صريحًا واضحًا مؤكَّدًا أنَّ الذي نزَّله سيحفظه. {إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون} [الحجر:٩] . وإنَّ هذا لتعهد عظيم جدا لا يجرؤ عليه إلا العظيم الذي لا يعجزه شيء، والذي لا يُقضى أمرٌ إلا بمشيئته؛ فإن قال لن يناله التحريف، فلن يناله ذلك أبدًا ولو اجتمعت الخلائق كلها لتحريفه في كل زمان ومكان.
وقد يتساءل أحدهم: إن كان القرآن محفوظًا لأنه كلام الله، فلِمَ لم تحفظ التوراة و الإنجيل مثلًا؟ أليست كلام الله؟!
سيجيبه القرآن على ذلك إن أنصتَ له في وصفه للذين أنزلت عليهم {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة :٤٤].
والشاهد هنا ( استحفظوا) فلقد وكِّلت الأمم السابقة بحفظ كلام الله الذي أنزل إليهم ولم يتعهد الله بحفظه، فنال تلك الكتب _ على قدسيَّتها_ ما نالها من تحريف و تبديل بما يوافق أهواء من وكِّلوا بحفظها فلم يرعوها حق رعايتها. لكنَّ القرآن لم يُوكَل حفظه للمسلمين بل تعهّد بحفظه اللهُ الذي أنزله، فالمعيار هنا ليس قدسية الكلام و لكنَّ المعيار هو إرادة المُنزِل؛ فلو أراد لتلك الكتب الحفظ لحفظت، ولكنه شاء ذلك و تعهَّد الحفظ للقرآن الكريم وحده، الذي جعله مصدِّقًا لها و مهيمنًا عليها إذ قال {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } [المائدة :٤٨].
ثم إن المتدبر للحكمة من ذلك ليجد أن الكتب من قبل أُنزلت بشرائعَ تخصُّ أقوامًا بعينهم وتختلف عن غيرهم، ولكنَّ القرآن أنزل للعالمين ففيه شريعتهم إلى قيام الساعة، فلا بدَّ من قوة عظيمة تتولى حفظه نقيًّا كما أنزل فيصلح أن يكون حجَّة في كل زمان دون أن يدَّعي بشرٌ الفضل بحفظه أو رعايته. فها أنت اليوم بعد ما يزيد عن أربعة عشر قرنًا من تنزل القرآن تُمسك نفس المصحف الذي يمسكه المسلم في أيَّة بقعة على وجه الأرض، وإنَّ تسابق المسلمين في حفظه ليس خوفًا عليه من الضياع أو التحريف بل مسارعةً منهم للازدياد من الأجر و الثواب.
ولعلَّ التحريف الذي نال التوراة والإنجيل على يد الذين استُحفظوها من أحبار ورهبان فأدخلوا عليها أهواءهم وأخفوا منها عن الناس ما خالف هواهم، لعلَّه ينقلنا للدلالة التالية من دلائل ربوبية القرآن الكريم.
رابعًا: مخالفة أهل الكتاب.
إن القرآن إذ يذكر من قصص وعبر الأمم السابقة ومن تفاصيل بعثة الأنبياء من قبل ليزيد مشركي قريش ذهولًا؛ فقد كانوا قد اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه جاء بالقرآن من عنده فوصفوه بالشاعر وبالمجنون تارة وبالكاهن تارة أخرى، لكن ماذا يقولون الآن وهو يتلو عليهم أحسن القصص وهم الأميون الذين لا يعلمون من الكتب السابقة شيئًا، وهو الرجل الذي عاش بين ظهرانيهم أربعين سنة لم يغادرهم بطول سفر فينقل العلم من علماء أهل الكتاب؟! فلم يجدوا في مكة من غير الأميين والوثنيين إلا حدادًا نصرانيًّا روميًّا يعرف الكتابة ولا يعلم من كتابه إلا أمانيَّ، ولا يكاد يبين في تحدثه العربية، فاتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه تعلَّم منه، فتتنزل الآيات التي تسخر من زعمهم هذا ؛ فكيف لأعجمي أن يعلِّم البيان، وأنى له أن يصمت دون نسبة هذا الشرف العظيم لنفسه من قريب أو بعيد{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل :١٠٣].
وهل يرضى هذا النصراني بما جاء به القرآن؟ فكيف يُعقل أن يعلِّم ما يخالف دينه ويُبطل معتقده؟!
{وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ }[البقرة: ١٢٠]. وما أدقَّ وصف الدكتور الدراز لحالهم في تخبطهم برمي التهم جزافًا فيقول: ” هكذا ضاقت بهم دائرة الجد فما وسعهم إلا فضاء الهزل، وهكذا أمعنوا في هزلهم حتى خرجوا عن وقار العقل.)[٥]
ويظهر في هذا الزمن من يرمي بكل الشواهد و العقل عرض الحائط ليقول أن القرآن ما هو إلا تجميع من الكتب السماوية. لو كان في هذه الفرية بصيصُ عقل لما غفل عنها الذين كفروا من أهل الكتاب و هم يرتعدون بعد كل آية تتنزل تفضح تحريفهم كتبهم و إخفاءَهم الحق عن أتباعهم، وتجلِّي أمامهم العقيدة الحق بأن الله هو الواحد الصمد الذي ليس له ولد.
مخالفة صريحة واضحة جليَّة لصلب عقيدتهم؛ النصارى الذين يؤمنون بأن له ولد، واليهود بزعمهم أنه يتعب ويستريح ويندم على أفعاله وغير ذلك مما جاء القرآن لينزه الله سبحانه وتعالى عنه، فكيف يكون قد اقتبس من كتبهم وهو يهاجمهم في صلب عقيدتهم؟!
ناهيك عن الاختلافات الكثيرة العظيمة التي لا يمكن حصرها هنا، أورد منها مثلًا ما يذكره العهد القديم -الذي يسرد تفاصيل حياة بني إسرائيل- بأن هارون عليه السلام هو من صنع العجل، بينما يبين القرآن كيف كان نبيّا عونًا لأخيه موسى عليه السلام، ويفضح من صنع العجل ويذكره باسمه ” السامري” .
أضف إلى ذلك تفاصيل قصص لم ترد لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد كقصة موسى مع العبد الصالح وذي القرنين، ودقائق قصة يوسف عليه السلام وغير ذلك كثير. ولا مجال هنا كذلك للخوض في البون الشاسع في التشريعات والعبادات والمعاملات.
فمن أين لبشر أين يأتي بكل هذه التفاصيل التي لم يشهدها بل ويخالف بحجة واثقة من يدَّعي معرفتها ويظهر علنًا ما تم إخفاؤه منها، تالله لا يكون ذلك إلا من عند من يعلم الغيب! {تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}[هود :٤٩]. وهذا ما يسوقنا للدلالة القادمة.
خامسًا: الإخبار بالغيب، ماضيه وحاضره ومستقبله.
فلقد ورد في القرآن ذكر العديد من الأخبار الغيبية التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع وفقًا لزمن حدوثها :
[١-غيب الماضي] : وتجد ذلك جليًّا في آيات كثيرة تناولت أخبار الأمم السابقة بتفاصيل دقيقة يعلم بعضَها علماءُ الكتب السماوية ويجهلون أكثرها كما وضحنا ذلك في الدلالة السابقة، فمن أين جاء محمد صلى الله عليه وسلَّم بكل دقائق تلك الأخبار؟ {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}[ آل عمران :٤٤] وتعقيبًا على قصة يوسف عليه السلام {ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}[يوسف ١٠٢]
[٢-غيب الحاضر] : وهي أخبار كثيرة حدثت في حياة النبي صلى الله عليه و سلم، بيد أنه لم يشهدها ولم يخبره بها أحدٌ من الصحابة، كتلك الآيات الكثيرة التي نزلت تكشف ما يُسِرُّ به المنافقون فيما بينهم وما يحيكون من دسائس ومؤامرات، بل وآيات أخرى تفضح ما يعتلج صدورهم من غيظ يخفونه عن المؤمنين، فسورة التوبة مليئة بتلك الشواهد.
وإن لقصة النبي صلى الله عليه وسلَّم مع إحدى زوجاته التي استودعها سرًّا فأخبرت به، فأُوحيَ إليه عليه الصلاة و السلام بما فعلت {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِير}[التحريم: ٣]
بل إن بعض الآيات نزلت تخبر عما في نفس النبيِّ عليه الصلاة والسلام مما كان يخفيه، أو يستحي من إظهاره للمؤمنين، فلو كان القرآن من صنعه لما كشف ذلك ولأخفاه. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ}[الأحزاب ٣٥]
ولوتدبَّرت الآيات التي أخبرت عن حقائق علمية لم تكن معروفة في ذلك الوقت و منها ما أثبته العلم لاحقًا، كمراحل تكون الجنين في بطن أمه {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }[المؤمنون ١٢_١٥] والإشارة إلى تميز بصمة الأصابع عند الإنسان { بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة : ٤] فهذا لم يعرف إلا في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد. وهو من غيب الحاضر لأنها أمور تحدث في كل وقت لكن العلم بها متوقف على البحث وتراكب المعلومات والأجهزة العلمية المتخصصة التي لم تكن وقتئذ، فأنى لرجل أمِّيٍّ في ذلك الزمن أن يكتب هذه العلوم التفصيلية.
[٣-غيب المستقبل] : و لعل هذا النوع هو أبرز الأخبار الغيبية إذ لا سبيل لمعرفته من غير الوحي، فلقد أخبر القرآن عن وقائع ستحدث في قادم الأيام، منها ما شهده الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته بعد نزول الوحي به كانتصار الروم على فارس {غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾} [الروم ٢_٤] ودخوله مكة مع المؤمنين معتمرين مسالمين {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا}[الفتح :٢٧] ومنها ما لم يحدث بعد، كبعض علامات الساعة. فكيف لبشر مهما أوتي من علم أن يخبر بالغيب من الأمور، ويتحدث جازمًا بأنها ستحدث بكل تأكيد لا يشوبه تردد ولا مجال فيه لاحتمالية الشك، لعمري لا يجرؤ بشرٌ على ذلك.
ومن الطريف أن نذكر كيف فوَّت كبير المشركين أبو لهب فرصة ذهبية للتشكيك بالقرآن ـ وهو الذي ما كلَّ من محاربته. فلقد أنزلت سورة المسد تصف قبح صنيعه وأنه وزوجته سيموتان على الكفر وسيصليان النار. فكيف لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يجزم بذلك بتعبير واثق لا يحتمل الريب، ألا يخشى أن ينسف أبو لهب كلامه ويعلن إسلامه، فمن سيصدقه بعد ذلك؟! إن الذي أنبأ بذلك لهو الخبير علَّام الغيوب.
وكون القرآن كان يتنزل أحيانًا وفقًا لأحداث أو ردًّا على تساؤلات ليهدينا لدلالة سادسة على ربوبيته.
سادسًا: تنزله منجَّما مفرَّقًا.
فلقد كان القرآن يتنزل على محمد صلى الله عليه وسلم طوال فترة دعوته التي زادت عن العشرين عامًا، فلم ينزل عليه دفعة واحدة، فاشتهى المتربصون أن يجعلوا من ذلك إسفينًا للتشكيك بمصدر القرآن {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ} الفرقان 32.
وما دروا أنهم بذلك يدقُّون المسمار الأخير في نعش الشبهات والاعتراضات التي يحيكونها. يجيبهم القرآن على ذلك مباشرة { كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان ٣٢] فلقد كان لتنزله مفرَّقًا الأثر الكبير في تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، فكانوا يتلقفون الآيات شوقًا ويفرحون بنزولها، في حين كانت تتصدع بها أفئدة المنافقين ارتعادًا من أن تنزل آياتٌ تفضح ما يكتمون { يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ}[التوبة ٦٤ ]. وإن وصلت في تلاوتك لسورة الإسراء {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} [الإسراء ١٠٦] لعلمت أن هذه ميزةٌ عظيمة أُريد من خلالها أن يكون القرآن هيِّنًا على المؤمنين، يتناولونه على تؤدة جزءًا جزءا، يتدبرونه ويستخرجون علومه ويعملون به ولا يعجلون في ذلك. ولا ريب أن ذلك التدرّج أدَّى إلى متانة تربية جيل الصحابة الفريد وإلى قوة عقيدتهم وصلابة إيمانهم، ودقيق فهمهم للشريعة فكانوا بذلك أهلًا للثبات بعد وفاة الرسولﷺ هب أن القرآن نزل دفعة واحدة بكل تشريعاته وأحكامه التي تقلب الجاهلية رأسًا على عقب بل تنسفها نسفًا، لكان ذلك أدعى لنفور الناس منه، ولشق حتى على المؤمنين تلاوته وتطبيق حدوده واستيعاب علومه.
ألا إن التدرج في نزول القرآن ليهدي لسنة مُنزِله في الكون؛ تأمَّل الكون من حولك وفي نفسك، ألا ترى أن كل تغيير طبيعي لابد له من وقت وتدرُّج، إننا نستبشر بالسحاب يساق في السماء بخفة ونرتعد خوفًا إذا أشتد سرعةً! إن الذي نزَّل القرآن بهذا النسق لهو الرحيم بنا.
أنصت معي لقوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[ النساء ٨٢] فمن يتدبر القرآن من أهل الفهم يجد أن له أسلوبًا فريدا ونسقًا في تتابع الألفاظ والآيات، وأن هذا الأسلوب يغلِّف القرآن كلَّه؛ سيَّان ما كان منه في بداية البعثة أو في آخرها، تقرأ السورة الواحدة التي قد تجتمع فيها الآيات من العهد المكي والمدني فلا تجد غرابةً أو اختلافًا في الأسلوب بل إنه ينساب كأنه أنزل بهذا الترتيب ابتداءً.
ولن تجد في القرآن ما يعارض بعضه بعضًا، ثم ارجع النظر فلن تجد إلا مزيدًا من الترابط و كأن الآيات تساند بعضها وتؤيِّدها فلا تناقض و لا تضارب.
إنك لو أخذت نصوصًا مكتوبة لكاتب أو شاعر مشهور وقارنت بين أول عهده في الكتابة وآخره لوجدت أثر السنين باديًا عليها ، فقد تزداد أفكاره نضجًا وألفاظه رفعةً أو قد يظهر على أفكاره ما عاناه من ظروفٍ، وقد يعدل عن أفكار ومعتقدات أو يزداد تعصبًا، إلى آخره مما يعتري طبيعة الانسان في مراحل عمره المختلفة.
فكيف يصدِّق أحدهم أن قرآنًا بهذه المتانة وبهذا البيان -الذي لا يحيد- يؤلفه رجل على مدار ثلاثة و عشرين عاماً – بما فيها من ظروف و تغييرات كبيرة عظيمة- دون أن يظهر لها أي أثر على ما يخط؟!
وإن سألت عن حالهﷺفي القرآن، فإنك تأخذ بيدنا نحو دلالة أُخرى .
سابعًا: ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن.
كثيرة هي الآيات التي تتحدث عن الرسول وتؤكد أنه عبد لله و أنه ما هو إلا رسول قد خلت من قبله الرسل {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ } [الكهف :١] {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ} [آل عمران ١٤٤]. فليس بمعقول أن يأتي من عنده بهذا الكتاب العظيم دون أن يخصَّ نفسه بميزات عن غيره! بل إنك لتجدنَّه يبرأ من أن يبدِّل أو يغير من القرآن شيئًا {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[الأعراف :٢٠٣].
وإنه عليه الصلاة والسلام ليتلو على المسامع آيات الوعيد الشديد من الله إن هو أدخل على القرآن ما ليس منه – حاشاه – {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}[لحاقة ٤٥:٤٧].
أما إن تلوت فواتح سورة عبس لوجدت عتابًا من الله لنبيهﷺعلى فعلٍ قام به؛ إذ حرص بشدة على دعوة صناديد الكفر أملًا في إسلامهم و تولى عن الأعمى الذي جاءه حينها لانشغاله بهم (عبس و تولى) فهل يملك عليه الصلاة والسلام أن يخفي أو يمحو آيات العتاب هنا و هناك إذ عاتبه الله بعد أن أَذِنَ للمنافقين بعدم الخروج للجهاد {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة :٤٣]
وما إن تلتفت لسورة القيامة فتتلو نهيَهُ عن التعجُّل بتلاوة القرآن، وطمأنته بحفظه {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ }[القيامة ١٦-١٧ ] لعلمتَ أنَّه كان يخشى أن يتفَلَّت القرآن منه فينساه، فكان يستعجل بحفظه مظنة تثبيته و هذا ليس من طبع العرب ولا من طبعهﷺفي سائر حديثه ، فطبع العربي الفصيح التأنِّي في حديثه، فوالله لوكان القرآن من حديثه لتأنَّى به ولما خاف تفلُّتَه .
إنَّ القرآن العظيم ليستمد قدسيته من مُنزِله عزَّ و جلَّ {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}[الحاقة٤٣]، وإننا إذ نحاول لفت النظر لبعض دلائل ربوبيته لنغفل عن كثير، و إنَّ الدليل الواحد مما تم ذكره لكفيلٌ بإيمان العبد أن هذا الكلام كلام الله ربِّ العالمين مدبر الأمر، بل إن تلاوة القرأن أو حتى الاستماع له لكفيلٌ بذلك إن مُلأ القلبُ بصدق التوجُّه و إرادة الهداية، وهذا ما عايشناهُ عن قربٍ في بلاد الغرب من دخول الكثير في الإسلام بعد قراءة القرآن، بل ترجمته الإنجليزية. و لكنَّنا في زمن استشرى فيه العابثون المضلِّلون وكثرت فيه وسائلهم، فقد يختلط الأمر على المسلم الغرّ الذي لم ينعم في ظلال القرآن الوارفة، فوجب علينا درء المفاسد.
وإنَّهُ لقرآنٌ عزيزٌ ينضَحُ بدلائلَ ربوبيَّته، حتى لقد شهد له غيرُ المسلمين بذلك، فها هو الأديب والفيلسوف الألماني غوته يقول: ” القرآن ليس كلام بشر، فإذا أنكرنا كونه من الله فمعناه أننا اعتبرنا محمداً هو الإله.”[٦] فمَن عَمِيَ وأراد الطعن بذلك فأمامه سبيل واحدٌ لا ثاني له، هو الإتيان بسورة من مثله فقط. ولن يزداد القرآن شرفًا بإيمان من آمن ولا يُضيرُهُ كفرُ من كَفَرَ { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا}[الإسراء: ١٠٧]
إفادة الأخبار للعلم اليقينيِّ
الكاتب: سليم الحفيان
بعد أنْ بيَّنَّا الاعتماد الإنسانيَّ على الخبر بكونه مِنْ بَيْن أهمِّ مصادر المعرفة التي تُدَعِّم وتُنَمِّي المعارف البشريَّة في شتىَّ مجالات الحياة، لا بُدَّ لنا أنْ نبيِّن أنَّ الغاية مِن اعتماد مصادر المعرفة عامَّة والخبر خاصَّة إنَّما هو لغاية الوصول إلى اليقين والعلم بالشَّيْء على ما هو عليه حقيقة وواقعًا، فالخبر -كما أسلفنا- إمَّا أنْ يكون صحيحا يقينًا وإمَّا أنْ يكون كاذبا يقينًا وإمَّا أنْ يكون ظنِّيًّا متردِّدا بين الصِّحَّة والخطأ أو الوهْم، لذلك علينا التَّفريق بين يقينيَّة الخبر -صحيحا كان أم خاطئا- وبين ظنِّيَّته كيْ يتبيَّن لنا الحالات التي لا بُدَّ فيها منَ الأخذ بالخبر والعمل به مِنَ الحالات التي يلزم فيها ترك الخبر وعدم العمل به ويتبيَّن الحالات التي يُتَوَقَّفُ فيها على العمل به حتَّى يتَّضح حاله.
إنَّ المعرفة البشريَّة في شتَّى المجالات كانت مبنيَّة منذ القديم في غالبها على تناقل الأخبار والرِّوايات لسبَبَيْن اثنَيْن: فأمَّا السَّبب الأوَّل، فهو أنَّ الخبر يُمكِّن مِنْ معرفة ما غاب عَن التَّجربة الذَّاتيَّة، وبذلك الاستفادة مِنْ تجارب الآخرين، كإخبار الوالدين ابنَهما حين اقترابه ممَّا يؤذيه كالنَّار أنَّها مُؤذية مُحرقة، ولا نجد مِنْ هذا الطِّفل تَوَقُّفا في تصديق هذا الخبر والعمل به معامِلا له كتجربةٍ ذاتيَّة عاشها مع أنَّ هذا التَّصديق لا يتوقف على تجربته هو بنفسه بلْ يكتفي كلٌّ منَّا بتصديق خبر مَنْ يثق بصدقِه وحرصِه على فائدته…
وأمَّا السَّبب الثَّاني، فهو أنَّ البشر لا يتسَنَّى لهم الوقوف على كلِّ مصدر للمعرفة -فيما دون الخبر كالحسِّ والعقل- بحيث يستخرجون منه العلم الذي يجعلهم مُوقنِين بالحقيقة التي وراءَه، وذلك لطبيعة النَّقص البشريِّ ومحدوديَّة المصادر المعرفيَّة لَدَيْهم، ومثاله المكتشفات العلميَّة والأثريَّة والجغرافيَّة… فإنَّ هذه المكتشفات وغيرها يكفي في معرفتها أنْ يطَّلع عليها واحد أو مجموعة محدودة كيْ تصل إلى البقيَّة مِمَّنْ لمْ يروْها ولم يطَّلعوا عليها بذواتهم…
فنجد أنَّ البشر لا يستنكفون أنْ يأخذوا بكلِّ هذه الأخبار، بلْ هي عندهم تمثِّل أكبر مصدر معرفيٍّ يَدْعَم غيره مِنَ المصادر كيْ يَصِلُوا إلى دائرة أكبر مِنَ العلم والمعرفة.
يُعتَبر الخبر مِنْ أهمِّ الأدوات لمعرفة المجهول عَن الذَّات أو الغائب عنها -سواء كان هذا الغائب جزئيًّا أمْ كلِّيًّا-، ولَمَّا كان كثير مِنَ النَّاس يطعنون في إمكان إيصال الخبر إلى اليقين والعلم دُون الطَّعن في ذات المصدريَّة الخبريَّة، حيث أنَّنا نرى أنَّ مُنكري الخبر ينقسمون إلى قسمين:
القِسم الأوَّل أَنْكَر الخبر كمصدر للمعرفة في ذاته وقَصَرَ هذه المصدريَّة على الحسِّ أو العقل أو الحدْس أو قد يجمع بعضها إلى بعض…
وهذا القِسم قائِله قليل مقارنة بالقِسم الثَّاني، ذلك أنَّ إنكار الخبر في أصله مخالف للفطرة والعقل والعلم والواقع… فكان كالمعدوم، وإنْ كان هناك مَنْ قال ويقول به، فالشَّاذُّ يُحفظ ولا يُقاس عليه، وهذا القول مِنْ أشَذِّ الشُّذُوذ.
وقد تقدَّم الرَّدُّ والجواب على أصحاب هذا الرَّأي.
وأَمَّا القِسم الثَّاني فلمْ يُنكِر الخبر في ذاته وأصل مصدريَّته بلْ أنكر حجِّيَّة بعض أنواعه أوْ أنكره باعتبار ما يَعْرِض له مِنْ مُلابَسات وتَدَاعيات جعلت البعض يُنكِر صِدقيَّته ويستنكر جَعْلَه مُوصِلاً لليقين، فيكتفي أصحاب هذا الرَّأي بجعل الخبر ظنِّيًّا غير مقطوع بصحَّته، ولا ينبغي لنا الأخذ بما ليس بقطعيٍّ…
والبعض الآخر يستنكر جزْءًا مِنَ الأخبار فقط كما أسْلَفْنا في بيان مذهب الفلاسفة ومَنْ تبعهم في الأخذ بالأخبار المتواترة دون الآحاد.
والحقُّ أنَّ الخبر منه يَقينيٌّ ومنه ظَنِّيٌّ، ولكلٍّ منهما مراتب متفاضلة فيما بينها.
لذلك علينا بدايةً بيان أنَّ البَشريَّة اعتمدت الخبر كمصدر يَقينيٍّ في مَعَارِفِها، كما لا بُدَّ منْ بيان أقسام الأخبار ومراتبها في القوَّة والضَّعف وإبراز ما يفيد منها اليقين وما يفيد منها مجرَّد الظَّنِّ مع ما يقترن بهما مِنَ الأَخْذ والتَّرْك…
اعتماد الخبر كمصدر يقينيٍّ للمعرفة البشريَّة:
سبق لنا الحديث عَن الأدلَّة التي تَدْعَم مصدريَّة الخبر في عمومه مع ما تعرَّضْنا له مِنْ بيانٍ في بعض الجوانب حول إفادته لليقين، لذلك سيكون الكلام هنا مُوجَزًا لئَلاَّ يقع تكرار ما سلف دون فائدة، فنوجز الأدلَّة فيما يلي:
- الدَّليل الوضعيُّ اللُّغويُّ:
إنَّ العَارِفَ بلُغَات النَّاس على اختلافها وتنوُّعها يلاحظ أنَّ هذه اللُّغات تجتمع وتتَّفق في بعض المصطلحات والإطلاقات اللُّغويَّة التي لَمْ تشذَّ عنها لغة واحدة، وذلك لتعلُّقها بالواقع البشريِّ الذي يشترك في معظم حيْثيَّاته غالبيَّةُ البَشَر، فكَمَا أنَّنَا نجد أنَّ الخبر مصطلح منصوص عليه في جميع اللُّغات التي أَوْرد بعضَها التَّهانويُّ (بعد١١٥٨هـ) في كشَّافه حيث يقول:
“الخبر:
[في الانكليزية] Information،news ، predicate.
[في الفرنسية][1] Information،nouvelle ،attribut ، predicat فإنَّنا كذلك نجد أنَّ الخبر ينقسم إلى صِدْق وكَذِب أوْ إلى خبر صادق وخبر كاذب، ولوْ لَمْ يكن هناك وجود للخبر الصَّادق -أي اليقينيّ- لَمَا تَمَّ التَّنصيص عليه في جميع اللُّغات.
وقد أشار الكَفَويُّ (١٠٩٤هـ) إلى أنَّ الخبر يأتي أصالةً لمعنى العلم: “الخَبَر: لُغَة بِمَعْنى العِلم، والخبير فِي أَسمَاء الله تَعَالَى بِمَعْنى الْعَلِيم، وَلِهَذَا سُمِّي الامتحان الموصل بِهِ إِلَى العلم اختبارا بِمُقْتَضى مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ أَنْ يَقع على الصِّدْق خَاصَّة ليحصل بِهِ مَعْنَاهُ وَهُوَ العلم”[2]، فكَوْن معناه العلم أيْ أنَّه هو ما أفاد اليقينَ، وكذَا إنْ قسَّمْناه باعتبار الصِّدْق والكذب فالصَّادِق هو ما أفَادَ اليقين.
- الدَّليل الاجتماعيُّ:
إنَّ الإنسان منذ ظهور التَّجمُّعات البشريَّة اعتمد الخبر إضافةً إلى الحسِّ والتَّجربة والعقل كمصدر مِنْ أوْسَع المصادر المعرفيَّة لتدعيم معارفه، وهذا الإقرار باعتماد مصدريَّته يجعل المجتمعات على اختلاف تَوَجُّهاتها وأفكارها وأزمانها وأماكنها مُقِرَّة أنَّ الخبر يُفيد اليقين، ذلك أنَّ الواحد منَّا يأخذ ويعمل بالدَّليل الذي يرى أنَّه صحيح يَقِينيٌّ لا بمجرَّد الوَهْم، فالعمل بمقتضَيَات الخبر إنَّما يدلُّ بلا شكٍّ على اعتبار الأصل الخبريِّ يقينيًّا، وهذا ما نلمسه في كثير منَ مجالات حياتنا الاجتماعيَّة المعاصرة أيضًا حيث نجد أنَّ الخبر الذي يتمُّ تداوله في وسائل الإعلام أو في وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ يتعامل معها المتلقُّون لها باليقين ويعملون بمقتضاها، مِنْ ذلك أنَّه لوْ تَمَّ تَدَاوُل مَوْت شَخْصيَّة مشهورة أوْ نُشوب حَرْب بيْنَ دَوْلَتَيْن أوْ وجود تغيُّرات في الطَّقْس… لَكَانَ كُلُّ النَّاس عَامِلِين بهذا الخبر متَيَقِّنِين منه.
كذلك نرى أنَّ النَّاس يتعاملون بهذا في حياتهم اليوميَّة، فلَوْ أخبر أحدُهم زميله في العمل أنَّ المدير أخبره بشَيْء ما لما توقَّف المتلقِّي عَنْ تصديق الخبر واعتباره يقينيًّا، بلْ إنَّنا لنَلْمَسُ ذلك فيما هو أظهر وأوْضح كما هو الحال في القاضي أو الحاكم إذا أخبره الشَّاهد بخبر، حيث نجده يبني حكمه ببراءة المتَّهم أوْ إدانته بناءً على ذلك، ومعلومٌ ما في دماء النَّاس وعقوبتهم أو تبرئتهم مِنَ الأهمِّيَّة البالغة التي لا يُكْتَفَى فيها بمجرَّد الظَّنِّ…
وعليه، فإنَّنا لَوْ قلنا بإفادة الخبر للظَّنِّ مُطلقًا لَلَزِم مِنْ ذلك عَدَم الحُكم في أيِّ قضيَّة لعدم وجود خبر يقينيٍّ يبني عليه الحاكم حُكمه… والواقع خِلاَف ذلك.
فدَلَّ كلُّ ما سبق أنَّ البشر جميعًا -حتَّى المنكرون منهم لإفادة الخبر لليقين- يعتمدون الخبر كمصدر يقينيٍّ للحُكم والعمل الحياتيِّ في شتَّى المجالات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة… وإنَّما كان إنكار هؤلاء المنكرين مِنْ باب التَّنظير المجرَّد فقط لا مِنْ باب التَّعامل التَّطبيقيِّ العمليِّ.
- الدَّليل العِلميُّ:
تاريخيًّا: تتنوَّع الدَّلاَلات العلميَّة المثبِتَة ليقينيَّة الخبر حيث نجد أنَّ علم التَّاريخ كأحد العلوم الإنسانيَّة يؤخذ في غالبه كيقينيَّات، بَلْ إنَّ بعضَ المشكِّكين في ذلك لا يرقى قوله عنْ كوْنه مجرَّد زَعْم عَارٍ عَن الحقيقةِ ومخالفٍ للواقع، حيثُ أنَّ الأمثلة على ذلك كثيرةٌ جدًّا يستحيل حصرها لكنْ فَلْنَذْكُر ما تطمئِنُّ به النَّفْس خاصَّة في ظِلِّ الموْجَات التَّشكِيكيَّة في بعضِ ما صحَّ يقينًا حتَّى ما كان متواترا منَ الأمور الثَّابتة تاريخيًّا.
فقد رَأَيْنَا مَنْ يزعُم أنَّ وُجُود النَّبيِّ محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- مجرَّد أسطورة أوْ كِذْبَة كان منشؤُها منْ سُلْطة الدَّوْلة الأُمَويَّة، أوْ زعْم الآخر أنَّ وجود المسيح -عليه السَّلام- مجرَّد وَهْمٍ لا صحَّة لهذه الدَّعْوَى تاريخيًّا…
الغَريب مِنْ أصْحاب هذه الدَّعاوَى أنَّهم لا يستندون على مراجع تَاريخيَّة وإنَّما يشكِّكون لمجرَّد التَّشكيك فقط وإلاَّ فكيْفَ علِموا أنَّ الدَّوْلة الأُمويَّة هي مصدر الوجود المحمَّديِّ حيث أنكروا خَبَرا بافتراض خبرٍ آخرَ مع أنَّهم في أصلِهم يشكِّكون في جميع الأخبار دون تمييز، فلماذا يشكِّكون في خبر غيرهم ولا يشكِّكون في خبرِهِم هُم؟
وللجَوَاب عنْ ذلك لاَ بُدَّ من استحضار معنى الخبر منَ النَّاحية اللُّغويَّة، فنقول لصاحب هذا الزَّعْم: قولُك هذا أو ادعاؤك هل هو خَبَر أمْ لاَ؟ ولاَ مناص له مِنْ أنْ يقول أنَّه خَبَر.
ومعلومٌ أنَّ الخبر قابل للتَّصْديق والتَّكذيب، فكَمَا أنَّ الخبر الذي أنْكره طَعَن فيه مِنْ جهة صِدقيَّته فكذلك خَبَرُه مَطْعون فيه مِنْ ذات الجهة، حيثُ أنَّ كُلَّ خبر يُوضع في اختبار الصِّدق والكَذب وليس خبَره بنفي وجود النَّبيِّين بأَوْلى مِنْ خبر إثبَات وجودهم، فينتج عنه أنَّ خبره ليسَ أَوْلَى بالتَّصديق مِنْ خبر وجود النبِيِّين تاريخيًّا.
مِنْ ناحية أخرى، نجد أنَّ هذا الخبر المنكِر لوجود النَّبيِّين لاَ يَرْقى إلى أنْ يَكون معروفا أوْ شائعًا أوْ مشهورًا بَيْن النَّاس، بَلْ هو خبر متفرِّق بيْنَ مَنْ شذَّ عَن المعروف عندهم حتَّى أنَّ الغالبيَّة العُظْمَى -بِغَضِّ النَّظر عَمَّنْ يعترف بكوْنهما نبيَّيْن أمْ لا- يُقِرُّون إقرارًا جازمًا لا يخْتلجه شَكٌّ حَول وُجود هَتَيْن الشَّخْصِيَّتَيْن التَّاريخيَّتَيْن بمعزل عنْ صِحَّة نُبُوَّتهما -فالمستشْرقُون مثلا يُقِرُّون بوجود شخصيَّة النَّبيِّ محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام مع أنَّ أكثرهم لا يقرُّ بنبوَّته-.
ومعلومٌ أنَّ الشَّاذَّ لاَ عِبْرَة به مِنَ النَّاحية الإخباريَّة حيث عَارَض مَنْ هو أَوْلَى منْه صِدقًا أوْ كَثْرَةً.
والخبر بوجودهما -عليهما السَّلام- بلغ مبلغ التَّواتر، وقد سَبَقَ معنَا تعريف المتواتر أنَّه ما تُحيل العادة تواطأ ناقليه على الكَذِب، فإن اعتَبَرْنا خبر المنكرين آحادًا فإنَّه لا يَصمُد في مُوَاجهة المتواتر.
وأيضا فإنَّ مُنْتَهَى زَعْم هؤلاء إنَّما هو مُجرَّد التَّشكيك في الوجود لا اليقين بالعدم، فإنَّ ما اشتهر وجوده لا ينبغي ولا يصحُّ نفيُه إلاَّ بدليل، ولا دليل.
ومِنْ ناحية ثالثة، فإنَّنا نجد أنَّ الأدلَّة حوْل وجود هذين النبيَّين الكريميْن مُثبَتَة في المصادر التَّاريخيَّة، وقد أطْبَقَ المؤرِّخون على اعتبارهما شخصِيَّتين تاريخيَّتين مَوْجودتَيْن لَهُمَا أثرهما البارز في الحياة خاصَّة مع امتداد هذا التَّأثير إلى عصرنا رغم تطاول القُرُون. وبذلك فإنَّنا نجد ممَّا يَدْعَم أيضًا هذا الدَّليل التَّاريخيَّ هو الدَّليل العقليُّ الخاصُّ بدلالة الأثر على المؤثِّر حيث أنَّ تأثير هتين الشَّخصيَّتين يُعَدُّ مِنْ أَبْيَن ما يكون مقارَنَةً بغيرهما مِنَ الشَّخْصِيَّات المؤثِّرة تَاريخيًّا، وكلُّ مؤثِّر وجوده مُتَيَقَّنٌ.
يُضاف إليه ما وُجد مِنْ أدلَّة الآثار التي تُثْبِت وجود حضارةٍ تُنسَب لهذين النَّبيَّيْن -عليهما الصَّلاة والسَّلام-.
ومِنْ ناحية رابعة، نجد أنَّ زَعْم الطَّاعنين في وجود بعضِ التَّأْريخات إنَّما نَبَع مِنْ هَوى أوْ مِنْ تَخَرُّص مَحْضٍ، لذلك نراهم مِنْ جهة أخرى لا ينكرون الكَثِير مِنَ التَّأريخات كَوُقُوع الحَرْب العالميَّة الأُولى والثَّانية بَلْ وتصديق كثير مِنَ الملابسات الدَّقيقة التي خالطت هتين الواقعتَيْن وغيرهما… بَلْ أشدُّ مِنْ ذلك فإنَّنَا نجدهم يُقِرُّون بوجود فلاسفة الإغريق كـ”سُقراط” و”أرسطو” و”أفلاطون”… ولَوْ أنْكَرَ أحدُهم هذه الشَّخصيَّات السَّابقة لِمَا قَبْلَ الميلاد لاعْتبرْناه جَاهِلاً أوْ مُكابِرًا.
وكذا نقول في إنكار ما عُلِم عند عامَّة النَّاس فصارتْ معرفتُه مِنْ بابِ الضَّرُورة المعرفيَّة التي لا يتوقَّف الجَزْم بصحَّتها على نظر أو استدلال.
وكذلك ذات الشَّيء فيما يخصُّ عِلْمَ الأنساب فهو يُثبت صحَّة النَّسب لِكُلِّ شخص، والنَّاس جميعًا يعتمدونه كمصدر يقينيٍّ لإثبات العلم بالنَّسب ويعتبرونه كافيًا فيه رغم أنَّه مجرَّد خَبَر.
تجريبيًّا: تعتمد العُلوم التَّجريبيَّة على الملاحظة والاستقراء والاستنتاج… يقوم بها البعض ثمَّ تتكفَّل وكالات عِلميَّة ومواقع بنَشر هذه الاستنتاجات والمكتَشَفَات إلى بقيَّة النَّاس في مختلف أقطار العالم، لذلك نجد كثيرا مِنَ المتأثِّرين بالخطاب العلمويِّ وحصر المعرفة في التَّجربة والحِسِّ مع إنكاره للخبر أو طعنه فيه -سواء الآحاد أم المتواتر- كما يفعله كثير مِنَ الملاحدة ومَنْ نَهَج نهجهم فأنكروا النُّبُوَّات وجميع الأخبار… بينما نجدهم في عامَّة استدلاَلاَتهم يستدلُّون بالخبر الذي منتهاه التَّجربة والحسُّ، وليس بذات التَّجربة والحسِّ. فكثيرا ما يقْبلون ورقة علميَّة أو قول أحد العلماء والمكتَشِفِين في وكالة “ناسا” خاصَّة لشُهرتها، ويتعاملون مع هذه المكتَشَفَات بنظرةٍ يقينيَّة لا يُزَعْزِعُها تشكيك أوْ تَهوِين حتَّى وإنْ كان هذا المكتَشَف العلميُّ أو الاستنتاج مُجرَّد نظريَّة أوْ فَرَضِيَّة لاَ ترْقَى إلى أنْ تكونَ حُجَّةً علميَّة على الذَّات فكيف تكون حجَّة على الغَيْرِ؟
ثم نجدهم لا يتعاملون هذه المعاملة اليقينيَّة مع بقية الأخبار التي ينقلها لهم غيرهم، بَلْ حتَّى أصدق الأخبار لاَ تَسْلَم مِنْ مُعارَضَتهم مَعَ إغفالهم لاسْتِدلالهم بالخبر الذي منتهاه التَّجربة كالمكتشفات العلميَّة، فنحن نقول أنَّ الخبر في غالبه منتهَاهُ الحسُّ أو العَقْل.
لذلك كان لاَزما عليهم الأخذ بجميع الأخبار دون تخيُّرِ بعضها عَن الآخر -فيما إنْ وافقت شروط الصِّحَّة واليقينيَّة-، أيْ أنَّه كمَا يُمكن الوثوق بخبر “ناسا” على سبيل المثال واعتباره خبرًا علميًّا يقينيًّا فلا بُدَّ مِنِ اعتبار غيرها مِنَ الأخبار اليقينيَّة أيضًا.
أقسام الخبر باعتبار إفادته لليقين والظَّنِّ:
الكاتب: سليم الحفيان
ينقسم الخبر -كما ينقسم غيره مِنْ مصادر المعرفة- إلى ما يفيد قَطْعًا ويقينًا وإلى ما لاَ يفيده، وكلٌّ مِنْ هذين القسمين ينطوي تحته مراتبُ حَسب قوَّة إفادة الخبر لليقين وضَعفه:
- الخبر المفيد لليقين ومراتبُه:
سبَق لَنَا الكلام عَن الخبر وأقسامه، ولكنْ عليْنا أنْ نُميِّز بَيْن ما أفاد اليَقين وبَيْن مالَمْ يُفد إلاَّ الظَّنَّ، وقبل ذلك لا بُدَّ مِنْ بيان معنى اليقين.
اليقين هو “الِاعْتِقَاد الجَازِم الثَّابِت المطابِق للْوَاقِع، وَقيل: عبارَة عَن العِلم المستقِرِّ فِي القلب لثُبُوته مِنْ سَبَب مُتَعَيّن لَهُ بِحَيْثُ لَا يَقبَل الانهدام.
مِنْ (يقن الماء فِي الحَوْض) إِذا اسْتَقَرَّ ودَامَ”[1].
أمَّا مراتبه فهي ثلاثة[2]:
- أَوَّلُها: عِلْم اليقين، وهو ما يحصل عَن الفكر والنَّظر والاستدلال، وهو أدناها مرتبة.
- ثَانِيها: عَيْن اليقين، وهو ما يحصل مِنْ عِيَان العَيْن والبصر والمشاهدة.
- ثَالِثُها: حَقُّ اليقين، وهو اجتماعُهُما أَوْ هو ما حصل بالعيان مع المباشَرَة، وهو أقواها.
فَالأَوَّل مثل خبر المخبِر بوجود مدينة معيَّنة تَوَاتَر الخبر بوجودها، والثَّاني مثل الوقوف عليها ومشاهدتها دون مُباشرتها كمشاهدة هذه المدينة مِنْ بعيد على متْن طائرةٍ مثلا، والثَّالث مثل مشاهدتها بالعَيْن ومُباشرتها أيْ النُّزُولُ بها أو العَيْش فيها.
أمَّا مِنَ النَّاحِية الدِّينيَّة فنَضْرب لذلك مثالا أنكره عامَّة اللاَّدينيِّين وهو وجود الجَنَّة والنَّار فإنَّ النَّظر والاستدلال يقطع ويجزِم بوجودهما حيثُ أنَّ مَبْدأ التَّكريم والثَّواب على الفِعل الحَسَن والمعاتبة والعقاب على الفعل السَّيِّءِ مِمَّا فُطِرَت النَّفْس عليه ومِمَّا أقَرَّه النَّظَر العقليُّ والواقع الإنسانيُّ.
فأمَّا مِنَ النَّاحية الفِطْريَّة فإنَّنَا نَجِد أنَّ النَّفْس تَتُوق إلى أَخْذ الجَائزة عَن العمل الجيِّد فَكُلُّ إنسان يطلُب المثوبة -مَادِّيَّة كانتْ أمْ معنويَّة- على ذلك، ويخاف إنْ فَعَل فِعْلا مُشِينا مِنْ توابعه ومآلاته.
ومنه أيْضًا أنَّنا نجد ذلك في غريزة الحيوانات كالقِطَّ مثلا إذا سَرَق شَيْئًا سارع إلى الهرب والاختباء مبتعدا عمَّا ينتظره مِنَ العُقوبة، بينما على عكس ذلك نجد أنَّه إذا أعطَيْنَاه شيْئا وأَحَسَّ أنَّه بِرِضَا نَفْسٍ مِنَّا فإنَّه سَيَأْكُله أمامنا دون انتظار لعقوبة.
كما أنَّنَا نرى أنَّ أنْفُسَنا جُبِلَت على مَدْحِ المحسِن وذمِّ المسيء، ومعلوم أنَّ المدح مِنْ جِنس الجزاء وأنَّ الذَّمَّ مِنْ جِنس العقاب.
وأمَّا مِنَ النَّاحية العقليَّة فإِنَّنَا نرى في نماذج حياتيَّة كثيرة مُقترنة بطلب الأجر ودفع الوِزْر، فالنَّاسَ ما خَرَجُوا لِأَعمالهم إلاَّ طَلَبًا للأُجْرَة، بَلْ نجد أنَّ عامَّة المؤسَّسات المجتمعيَّة تعتمد على القَانُون الرَّدْعِيِّ: مَنْ طبَّق القَانُون استحقَّ الشُّكر مِثل ما وضعه بعض المؤسَّسات مِنْ جائزة العَامِل المثاليِّ للتَّحفيز على إتقان العمل والإبداع فيه، ومَنْ خالف القانون استحقَّ الذَّمَّ والعقاب ويَصِلُ في كثير مِنَ المؤسَّسات والشَّركات إلى العَرْض على مجلس التَّأديب وربَّما إلى الطَّرْد… وما يحصل في المؤسَّسات التَّعليميَّة خير دليل على ذلك…
فالعقل يتَصوَّر أنْ يكون وراء كُلِّ فِعْل أوْ عَمَل ثوابٌ أوْ عقاب، ولا يُجيزُ خلوَّه عنهما وتجرُّده عَنْ غاية.
أمَّا عَيْن اليقين فهو العَرْضُ عَلَى الجنَّة أو النَّار ورؤْيتُهما دون الوُلُوج فيهما وذَلِك يكون في فترة الحساب وعرْض الأعمال أوْ قَبْل ذلك في القَبْر، وقد ورَد في القُرآن: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)}[التكاثر: ٥/٦/٧/٨].
أمَّا حَقُّ اليَقِين فهو الرُّؤْية معَ الملابَسَة والمباشرة حِينَ يَدْخُل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأهلُ النَّارِ النَّارَ فتكون حِينَها الرُّؤْيَة العَيْنِيَّة مختلِطَةً بالمباشرة والدُّخُول فيها.
وقد قُسِّمَت اليقينيَّات إلى قِسْمَيْن فـ”القضايا التي يَحصل منها التَّصديق اليقينيُّ … إمّا ضَرُوريَّة أوْ نظريَّة، والضَّرُوريَّة سِتَّةٌ على المشْهُور: الأَوَّليَّات والفِطْرِيَّات والمشاهَدات والحَدْسيَّات والمجرَّبات والمتواترات”[3]، هذا على الإجمال.
أما على التَّفْصِيل فهي كالآتي:
- “أَوَّلُهَا: الأَوَّليَّات وَتُسَمَّى البديهيَّات، وَهِي مَا يَجْزم بِهِ العقل بِمُجَرَّد تصوُّر طَرفَيْهِ، نَحْو: الكُلُّ أعْظَمُ مِنَ الْجُزْء.
- ثَانِيهَا: المشاهَدَات البَاطِنِيَّة، وَهِي مَا لَا يفْتَقر إِلَى عَقْلٍ كَجُوع الإِنْسَان وعطشه وألمه فَإِن الْبَهَائِم تُدْرِكهُ.
- ثَالِثُهَا: التَّجْرِبيَّات، وَهِي مَا يحصل مِنَ الْعَادة كَقَوْلِنَا: (الرُّمَّان بِحَبْس الْقَيْء)، وَقد يَعُمُّ كعلم الْعَامَّة بِالْخمرِ أَنَّه مُسكِر، وَقد يَخُصُّ كعلم الطَّبِيب بإسهال المسهلات.
- رَابِعُهَا: المتَوَاتِرَات، وَهِي مَا يحصُل بِنَفْس الْأَخْبَار تواتراً، كَالْعلمِ بِوُجُود مَكَّة لِمَنْ لمْ يَرَهَا.
- خَامِسُهَا: الحَدْسِيَّات، وَهِي مَا يجْزم بِهِ العقل لترتيب دون تَرْتِيب التجربيَّات مَعَ الْقَرَائِن، كَقَوْلِنَا: نُورُ الْقَمَر مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّمْس.
- سَادِسُهَا: المحسُوسَات، وَهِي مَا يحصُل بالحِسِّ الظَّاهِر أَعنِي بِالْمُشَاهَدَةِ، كالنَّار حارَّة وَالشَّمْس مُضيئة”[4].
وعليه، فَلَوْ كان الخبر متواترًا أوْ كان مُستنِدا إلى عِلْم ضَرُوريٍّ فإنَّ الخبر يكونُ يَقينيًّا.
وهنا يجتمع عندنا خمسة أنواع مِنَ الأخبار المفيدة لليقين:
- الأَوَّل: الخبر المتواتر الذي مُستنَدُه قضِيَّة يقينيَّة، وهو أقواها.
- الثَّاني: الخبر المتواتر الذي مُستنده قضيَّة نظريَّة.
- الثَّالث: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نقلته معروفون بالصِّدق.
- الرَّابع: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نقلته غير معروفين لا بصدق ولا كذب.
- الخَامِس: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نَقَلَته معروفون بالكذب، وهذا أضعفها.
وأمَّا النَّظريَّة فغالبًا ما تَتَوقَّف على العَلاَقة التَّلازميَّة بَيْن صِدْق المخبر وبَيْن يقينيَّة خبره لأنَّ هذا القسم لا يدخل فيه الخبر المتواتر بَلْ في ما دون المتواتر فقط، وقد سبق بيان المتواتر الذي مستنده القضايا النَّظريَّة، فرأيت أنَّ هذا النَّوع ينحصر في الخبر الذي يرويه العَدْل الضَّابط، وقد يتأتَّى اليَقِين مِنْ غيره لكنَّه ليسَ بقويٍّ ولا مشهور إلاَّ إنْ تَمَّ التَّأكُّد مِنْ يقينيَّة الخبر بمعزل عَن المخبر كما لَوْ أخبرَنَا راوٍ كاذب عَنْ مسألة تحقَّقنا بالنَّظر مِنْ يقينيَّتها فيكون الخبر يقينيًّا بمعزَلٍ عَن المخبِر بِهِ.
الخبر المفيد للظَّنِّ ومراتبُه:
يأتي الظَّنُّ على عدَّة معانٍ مُرَتَّبَةٍ مِنَ الأدنَى إلى الأعْلى: الوَهْم والشَّكُّ والرَّاجِح فيما دون اليقين واليقين.
وقد يعبِّر البعض عَن ذلك تقريبيًّا بالنِّسَبِ المائوية كالتَّالي:
الوَهْمُ: نسبتُه ٢٥% أوْ ما قاربها أوْ أدنى منها.
والشَّكُّ: نسبتُه ٥٠% أوْ ما قاربها.
والرَّاجح: نسبتُه ٧٥% أوْ ما قاربها أوْ ما هو أعلى منها لما دون اليقين.
واليقين: نسبتُه ١٠٠% أوْ ما قاربها، إذْ ما قارب الشَّيْء أخذ حُكْمَه.
فأَمَّا اليَقِين فقد سَبَق بيانه والحديث حَوْلَه.
وأمَّا الرَّاجِح أوْ ما يُسمَّى بالظَّنِّ الرَّاجِح وهو ما اعْتَمَدَه الأصُوليُّون حيث قَالُوا: “الظَّنُّ: الطَّرَف الرَّاجِح مِنَ التَّرَدُّد بَين أَمْرَيْن”[5]، فهو بذلك ترجيح أحد أمرَيْن والأخذ به، كَمَا لَو استفسرنا مِنْ أحَدِ الأشخاص في مُفْتَرَق طُرُق عَنْ أصحِّ الطَّريقَيْن فأخبرنا بأحدهما لَوَجَدْنا أنفسنا مُضْطَرِّين للعمل بمقتضى هذا الخبر مَعَ أنَّه ظنِّيٌّ، ويتقوَّى ذلك بكثرة المخبِرِين.
وهذا قد يدخل فيه نوعان مِنَ الأخبار:
- الأَوَّل: خبر الواحد الثِّقة الذي لمْ يَحْتَفَّ بالقرائن، فإن احْتَفَّ بالقرائن فقد سَبَقَ ذِكْرُه في أدنى درجات اليقين.
- والثَّاني: نرى أنَّه قد يدخل فيه أيضا خَبَر مجهولِ الحال إذا احتفَّت به القَرَائِن، كأَنْ يُخبِرَنا مجهول الحال خبرا مرجعه إلى النَّظر فوجدنا أنَّ النَّظر والاستدلال يقوِّيه، وإنْ كانَ أضعف مِنْ سابقه.
وأمَّا الشَّكُّ فهو “مَا اسْتَوَى طرفاه”[6] بحيث لا يُمكن ترجيح أَحَد الطَّرفَيْن على الآخر، كما لَوْ سَأَلْنَا عَن الطَّريق الصَّحيح أوْ عَنْ حُكْم شَيْء ما شَخْصَيْن مُستَوِيَي العِلْم فأَخْبَرَانا بخبرين مُختَلِفَيْن مُتَنَاقضَيْن لَوَجدْنا في أنفسنا تَسَاوِيًا بَيْن الأَخْذ بخبَر الأَوَّل والثَّانِي.
وهذا يَدْخَلُ فيه نَوْعٌ وَاحِدٌ وهو خَبَرُ مجهول الحال إذَا لَمْ تَحْتَفَّ به القَرَائِن فإنَّنا نَتَوَقَّف فيه حتَّى يَتَرَجَّح أحد طَرَفَيْه قُوَّة أوْ ضَعْفا.
وقد يدخل فيه أيضًا خبر المتَّهَم بالكذب إنْ كَانَ مستنَده إلى قضيَّة متَعلِّقة بالنَّظر والاستدلال، وتقوَّى خبره بموافقة النَّظر.
وأَمَّا الوَهْمُ فهو “الطَّرَفُ الْمَرْجُوح” [7] ، فيكون المرْجُوحُ هو ما نُقِل إلينَا، فَعَلَيْنا حينئذ تركه وعَدَمُ الأخذ به.
يدخل فيه خبر العَدْل الضَّابط المتعلِّق بالنَّظَر لكنَّ الاستدلال والنَّظر على خلافه أوْ يضعِّفه، فيكون وَهْمًا مِنَ المخبِر.
وأيضًا خبر مجهولِ الحالِ إنْ كَانَ مُخالِفًا للنَّظر والاسْتِدْلال.
وكذا خبر المتَّهَم بالكَذِب إنْ كان خبره متعلِّقا بالنَّظر معَ ضَعْف أدلَّته النَّظريَّة.
ولا بدَّ مِنَ التَّنبيه إلى أنَّ تنازع مُخبِرَيْن أوْ أَكْثر أحدُهما ثقة والآخرُ دون ذلك يدخل تحت هذا النَّوع بحيث يكون خبرُ الثَّاني وَهْمًا إنْ خالف مَنْ هو أَوْثق مِنْه عدالةً وضبطًا أوْ كثرةً.
وأَمَّا مَا يُمكِن إضافتُه على هذه الأنْواع السَّابقة فهو الخَبَر الذي يُقْطع بِخَطَئه فيكون يقينًا عكسيًّا أيْ أنَّنا نَتَيَقَّن بعَدَم صحَّته.
وهذا يدخل فيه ما كان مُخالِفًا للعِلْم الضَّرُوري سواء كان المخبِر عَدْلاً ضَابطًا أوْ مجهولَ حالٍ أوْ مُتَّهَما بالكذب -وهُو أضعفها-، أوْ كان أيضًا مُخالفا للعِلْم النَّظريِّ الذي تيقَّنَّا صحَّة دلالته، ومِثاله الإخبَار بتَعَدُّد الآلهة أو الإخبار بأزليَّة الكَوْن…
هذا مُلَخَّص القَوْلِ في مسألة يقينيَّة الخبر وإمكانيَّة إفادته للعلم، وقد تركت كثيرا مِنَ الفُرُوع لِئَلاَّ يطول الكلام، وتركت التَّفصيل إلاَّ ما دعت الحاجة إليه مِنْ بعض المتَعلِّقات والشُّبهات التي يطعن مِنْ خِلاَلِها المنكِرُون في الخبر ويَبْنُون عليها تَبِعَات انجرَّ عنْها إنكارهم للنُّبوَّات وتشكيكهم فيها مِمَّا نرى أنَّه لا يرتقي إلى أنْ يكون شكًّا بَلْ هو مجرَّد وهْمٍ جزَمَ العقل والخبر المتواتر والتَّجربة ببُطلانه وشُذُوذِه.
عبادة الله وحده = خلاصٌ من أعظم الظلم والكذب!
الكاتب: مُهَنَّد بِنْ جَازِيْ
القراءة الصوتية: عبدالرحمن محمد
التصميم: إيمان زيدان
–اعلم أن الناس إمّا مُقِرُّون بالخالق وكماله معترفون بهما، وإمّا لا يعترفون بِهما، ويكفيك في ردِ باطلِهم أنْ تَعْلم أن الأصل في حقهم هو العدم، وهم لولاه باقون على الأصل، وأنْ تعلم أيضًا أنه أولى بصفاتِ الكمالِ منهم !
– والمُقِرُّون بوجودِه وكمالِه إمّا أنهم يعتقدُون افتقارهم إليه واحتياجهم له، وإمّا أنهم لا يعتقدُون ذلك، وهذا من أبطلِ الباطل؛ لأن الإقرار بوجوده ينبني على الإقرار باحتياج المخلوقات إليه؛ إذ لو لم تكن بحاجة إليه لما سبَق وجودَها عدمٌ! هذا أولاً.
وثانياً: في هذا تسوية للخالق بالمخلوق، وبيانه أن يقال: إن نسبة المخلوق إلى المخلوق الآخر لا تتضمن بالضرورة العقلية توقف وجود الأول على الآخر، فكذلك نسبة المخلوق إلى الخالق في زعم هذا الصنف، وهذا عين تمثيل الخالق بالمخلوق من جهةِ علاقة المخلوق بهما!!
ثالثًا: أفراد هذا الصنف كَذَبة؛ لأنهم يعلمون أن استمرار حياتهم موقوف على أمور هي من خلق الخالق سبحانه كالماء والهواء والغذاء وغيرها.
– والمعتقدون ذلك – أعني: الافتقارَ المطلق إلى الخالق – إما أنهم أظهروا هذا الافتقار في أقوالهم وأفعالهم الاختيارية (وهذا هو لب العبادة)، وإما أنهم جحدوه وكتموه، وهذا الثاني عين الكفر والاستكبار؛ ويكفيك من قبحه أنه إظهارٌ لخلاف معتقدهم وواقع ذواتهم الحقيرة!
– والمظهرون لما يطابق حقيقة ذواتهم ويتناسب معها إما أنهم خصوا الخالق وحده بهذا، وإما أنهم أشركوا غيرَه معه في الحق الذي لا يكون إلا له. والثاني هو عين الشرك القبيح المذموم؛ فإن كان الكافر قد ساوى الخالق بالمخلوق بجامع عدم الافتقار، فإن المشرك ساوى المخلوق بالخالق بجامع الافتقار، وكلاهما كاذب!
– والموحدون له في هذا الحق إما أنهم ينطلقون في تحديد الكيفية التي بها يكون المخلوق مؤدياً لحق الخالق = من الخالق نفسه، وإما من المخلوق، والواجب هو الأول دون الثاني لأمور عدة منها :
الأول: الرجوع إلى المخلوق هو في الحقيقة اختراع لدين وضعي ليس إلا، ومعلوم عند العقلاء أن الدين السماوي أشرف من الدين الأرضي!
الثاني: ليس كل أقوال الإنسان وأفعالهم الاختيارية مما يرضاها الخالق تبارك وتعالى، والإنسان المخلوق ليس بمقدوره أن يعين كل قول وفعل يرتضيه الخالق، والمفتقر المحتاج إنما يسعى إلى استرضاء من حاجته بيده، وليس هناك أعظم من حاجة الإنسان إلى ربه، وآمن طريقٍ ينتهي بسالكه إلى رضا الخالق هو ما كانت معالمه من وضع الخالق نفسه لا غيره. كيف لا والإنسان يرى خيبة بعض ظنونه في استرضاء المخلوق مثله؟!
الثالث: الإنسان ليس بمنأى عن المؤثرات الداخلية – كالميول والرغبات – والمؤثرات الخارجية – كالعادات والتقاليد وتنشئة الأبوين.. إلخ – ومن كان هذا حاله كيف يأمن الخضوع لمؤثر داخلي أو خارجي في صورة الخضوع للخالق سبحانه؟!
إذا تبين هذا علمت أن كمال الإنسان في أن يكون اعتقاده مطابقا للواقع، وأقواله وأفعاله الاختيارية توائم حقيقة ذاته – أي: معبرة عن افتقاره لخالقه بالكيفية المرضية له- وبهذا يجانب الكفر الذي هو تمثيل الخالق بالمخلوق أو جحد حقه، ويجانب أيضًا الشرك الذي فيه تمثيل المخلوق بالخالق، ومعلوم أن التسوية بين الخالق والمخلوق أعظم ظلمًا وكذبًا من التسوية بين الصادق والكاذب، والمجتهد والمهمل، والأمين والخائن، والخيّر والشرير.. والظالم مستحق للعقاب بعد قيام الحجة عليه باتفاق العقلاء، وعظم العقاب بقدر ما وقع فيه من الظلم، ومعلوم أن الخالق يستحيل عليه أن يساوي بين الواقع في أعظم الظلم والكذب ممن هو غير واقع في ذلك؛ إذ التسوية بين المختلفات ظلمٌ بين، والخالق أولى بالتنزه عنه من المخلوق، فثبت إذاً وجود الجزاء المتمثل في جنة أو نار، فاختر لنفسك
{ فَمَن أَبصَرَ فَلِنَفسِهِ وَمَن عَمِيَ فَعَلَيها وَما أَنا عَلَيكُم بِحَفيظٍ}.

0
أقسام الخبر باعتبار إفادته لليقين والظَّنِّ:
الكاتب: سليم الحفيان
ينقسم الخبر -كما ينقسم غيره مِنْ مصادر المعرفة- إلى ما يفيد قَطْعًا ويقينًا وإلى ما لاَ يفيده، وكلٌّ مِنْ هذين القسمين ينطوي تحته مراتبُ حَسب قوَّة إفادة الخبر لليقين وضَعفه:
- الخبر المفيد لليقين ومراتبُه:
سبَق لَنَا الكلام عَن الخبر وأقسامه، ولكنْ عليْنا أنْ نُميِّز بَيْن ما أفاد اليَقين وبَيْن مالَمْ يُفد إلاَّ الظَّنَّ، وقبل ذلك لا بُدَّ مِنْ بيان معنى اليقين.
اليقين هو “الِاعْتِقَاد الجَازِم الثَّابِت المطابِق للْوَاقِع، وَقيل: عبارَة عَن العِلم المستقِرِّ فِي القلب لثُبُوته مِنْ سَبَب مُتَعَيّن لَهُ بِحَيْثُ لَا يَقبَل الانهدام.
مِنْ (يقن الماء فِي الحَوْض) إِذا اسْتَقَرَّ ودَامَ”[1].
أمَّا مراتبه فهي ثلاثة[2]:
- أَوَّلُها: عِلْم اليقين، وهو ما يحصل عَن الفكر والنَّظر والاستدلال، وهو أدناها مرتبة.
- ثَانِيها: عَيْن اليقين، وهو ما يحصل مِنْ عِيَان العَيْن والبصر والمشاهدة.
- ثَالِثُها: حَقُّ اليقين، وهو اجتماعُهُما أَوْ هو ما حصل بالعيان مع المباشَرَة، وهو أقواها.
فَالأَوَّل مثل خبر المخبِر بوجود مدينة معيَّنة تَوَاتَر الخبر بوجودها، والثَّاني مثل الوقوف عليها ومشاهدتها دون مُباشرتها كمشاهدة هذه المدينة مِنْ بعيد على متْن طائرةٍ مثلا، والثَّالث مثل مشاهدتها بالعَيْن ومُباشرتها أيْ النُّزُولُ بها أو العَيْش فيها.
أمَّا مِنَ النَّاحِية الدِّينيَّة فنَضْرب لذلك مثالا أنكره عامَّة اللاَّدينيِّين وهو وجود الجَنَّة والنَّار فإنَّ النَّظر والاستدلال يقطع ويجزِم بوجودهما حيثُ أنَّ مَبْدأ التَّكريم والثَّواب على الفِعل الحَسَن والمعاتبة والعقاب على الفعل السَّيِّءِ مِمَّا فُطِرَت النَّفْس عليه ومِمَّا أقَرَّه النَّظَر العقليُّ والواقع الإنسانيُّ.
فأمَّا مِنَ النَّاحية الفِطْريَّة فإنَّنَا نَجِد أنَّ النَّفْس تَتُوق إلى أَخْذ الجَائزة عَن العمل الجيِّد فَكُلُّ إنسان يطلُب المثوبة -مَادِّيَّة كانتْ أمْ معنويَّة- على ذلك، ويخاف إنْ فَعَل فِعْلا مُشِينا مِنْ توابعه ومآلاته.
ومنه أيْضًا أنَّنا نجد ذلك في غريزة الحيوانات كالقِطَّ مثلا إذا سَرَق شَيْئًا سارع إلى الهرب والاختباء مبتعدا عمَّا ينتظره مِنَ العُقوبة، بينما على عكس ذلك نجد أنَّه إذا أعطَيْنَاه شيْئا وأَحَسَّ أنَّه بِرِضَا نَفْسٍ مِنَّا فإنَّه سَيَأْكُله أمامنا دون انتظار لعقوبة.
كما أنَّنَا نرى أنَّ أنْفُسَنا جُبِلَت على مَدْحِ المحسِن وذمِّ المسيء، ومعلوم أنَّ المدح مِنْ جِنس الجزاء وأنَّ الذَّمَّ مِنْ جِنس العقاب.
وأمَّا مِنَ النَّاحية العقليَّة فإِنَّنَا نرى في نماذج حياتيَّة كثيرة مُقترنة بطلب الأجر ودفع الوِزْر، فالنَّاسَ ما خَرَجُوا لِأَعمالهم إلاَّ طَلَبًا للأُجْرَة، بَلْ نجد أنَّ عامَّة المؤسَّسات المجتمعيَّة تعتمد على القَانُون الرَّدْعِيِّ: مَنْ طبَّق القَانُون استحقَّ الشُّكر مِثل ما وضعه بعض المؤسَّسات مِنْ جائزة العَامِل المثاليِّ للتَّحفيز على إتقان العمل والإبداع فيه، ومَنْ خالف القانون استحقَّ الذَّمَّ والعقاب ويَصِلُ في كثير مِنَ المؤسَّسات والشَّركات إلى العَرْض على مجلس التَّأديب وربَّما إلى الطَّرْد… وما يحصل في المؤسَّسات التَّعليميَّة خير دليل على ذلك…
فالعقل يتَصوَّر أنْ يكون وراء كُلِّ فِعْل أوْ عَمَل ثوابٌ أوْ عقاب، ولا يُجيزُ خلوَّه عنهما وتجرُّده عَنْ غاية.
أمَّا عَيْن اليقين فهو العَرْضُ عَلَى الجنَّة أو النَّار ورؤْيتُهما دون الوُلُوج فيهما وذَلِك يكون في فترة الحساب وعرْض الأعمال أوْ قَبْل ذلك في القَبْر، وقد ورَد في القُرآن: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)}[التكاثر: ٥/٦/٧/٨].
أمَّا حَقُّ اليَقِين فهو الرُّؤْية معَ الملابَسَة والمباشرة حِينَ يَدْخُل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأهلُ النَّارِ النَّارَ فتكون حِينَها الرُّؤْيَة العَيْنِيَّة مختلِطَةً بالمباشرة والدُّخُول فيها.
وقد قُسِّمَت اليقينيَّات إلى قِسْمَيْن فـ”القضايا التي يَحصل منها التَّصديق اليقينيُّ … إمّا ضَرُوريَّة أوْ نظريَّة، والضَّرُوريَّة سِتَّةٌ على المشْهُور: الأَوَّليَّات والفِطْرِيَّات والمشاهَدات والحَدْسيَّات والمجرَّبات والمتواترات”[3]، هذا على الإجمال.
أما على التَّفْصِيل فهي كالآتي:
- “أَوَّلُهَا: الأَوَّليَّات وَتُسَمَّى البديهيَّات، وَهِي مَا يَجْزم بِهِ العقل بِمُجَرَّد تصوُّر طَرفَيْهِ، نَحْو: الكُلُّ أعْظَمُ مِنَ الْجُزْء.
- ثَانِيهَا: المشاهَدَات البَاطِنِيَّة، وَهِي مَا لَا يفْتَقر إِلَى عَقْلٍ كَجُوع الإِنْسَان وعطشه وألمه فَإِن الْبَهَائِم تُدْرِكهُ.
- ثَالِثُهَا: التَّجْرِبيَّات، وَهِي مَا يحصل مِنَ الْعَادة كَقَوْلِنَا: (الرُّمَّان بِحَبْس الْقَيْء)، وَقد يَعُمُّ كعلم الْعَامَّة بِالْخمرِ أَنَّه مُسكِر، وَقد يَخُصُّ كعلم الطَّبِيب بإسهال المسهلات.
- رَابِعُهَا: المتَوَاتِرَات، وَهِي مَا يحصُل بِنَفْس الْأَخْبَار تواتراً، كَالْعلمِ بِوُجُود مَكَّة لِمَنْ لمْ يَرَهَا.
- خَامِسُهَا: الحَدْسِيَّات، وَهِي مَا يجْزم بِهِ العقل لترتيب دون تَرْتِيب التجربيَّات مَعَ الْقَرَائِن، كَقَوْلِنَا: نُورُ الْقَمَر مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّمْس.
- سَادِسُهَا: المحسُوسَات، وَهِي مَا يحصُل بالحِسِّ الظَّاهِر أَعنِي بِالْمُشَاهَدَةِ، كالنَّار حارَّة وَالشَّمْس مُضيئة”[4].
وعليه، فَلَوْ كان الخبر متواترًا أوْ كان مُستنِدا إلى عِلْم ضَرُوريٍّ فإنَّ الخبر يكونُ يَقينيًّا.
وهنا يجتمع عندنا خمسة أنواع مِنَ الأخبار المفيدة لليقين:
- الأَوَّل: الخبر المتواتر الذي مُستنَدُه قضِيَّة يقينيَّة، وهو أقواها.
- الثَّاني: الخبر المتواتر الذي مُستنده قضيَّة نظريَّة.
- الثَّالث: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نقلته معروفون بالصِّدق.
- الرَّابع: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نقلته غير معروفين لا بصدق ولا كذب.
- الخَامِس: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نَقَلَته معروفون بالكذب، وهذا أضعفها.
وأمَّا النَّظريَّة فغالبًا ما تَتَوقَّف على العَلاَقة التَّلازميَّة بَيْن صِدْق المخبر وبَيْن يقينيَّة خبره لأنَّ هذا القسم لا يدخل فيه الخبر المتواتر بَلْ في ما دون المتواتر فقط، وقد سبق بيان المتواتر الذي مستنده القضايا النَّظريَّة، فرأيت أنَّ هذا النَّوع ينحصر في الخبر الذي يرويه العَدْل الضَّابط، وقد يتأتَّى اليَقِين مِنْ غيره لكنَّه ليسَ بقويٍّ ولا مشهور إلاَّ إنْ تَمَّ التَّأكُّد مِنْ يقينيَّة الخبر بمعزل عَن المخبر كما لَوْ أخبرَنَا راوٍ كاذب عَنْ مسألة تحقَّقنا بالنَّظر مِنْ يقينيَّتها فيكون الخبر يقينيًّا بمعزَلٍ عَن المخبِر بِهِ.
الخبر المفيد للظَّنِّ ومراتبُه:
يأتي الظَّنُّ على عدَّة معانٍ مُرَتَّبَةٍ مِنَ الأدنَى إلى الأعْلى: الوَهْم والشَّكُّ والرَّاجِح فيما دون اليقين واليقين.
وقد يعبِّر البعض عَن ذلك تقريبيًّا بالنِّسَبِ المائوية كالتَّالي:
الوَهْمُ: نسبتُه ٢٥% أوْ ما قاربها أوْ أدنى منها.
والشَّكُّ: نسبتُه ٥٠% أوْ ما قاربها.
والرَّاجح: نسبتُه ٧٥% أوْ ما قاربها أوْ ما هو أعلى منها لما دون اليقين.
واليقين: نسبتُه ١٠٠% أوْ ما قاربها، إذْ ما قارب الشَّيْء أخذ حُكْمَه.
فأَمَّا اليَقِين فقد سَبَق بيانه والحديث حَوْلَه.
وأمَّا الرَّاجِح أوْ ما يُسمَّى بالظَّنِّ الرَّاجِح وهو ما اعْتَمَدَه الأصُوليُّون حيث قَالُوا: “الظَّنُّ: الطَّرَف الرَّاجِح مِنَ التَّرَدُّد بَين أَمْرَيْن”[5]، فهو بذلك ترجيح أحد أمرَيْن والأخذ به، كَمَا لَو استفسرنا مِنْ أحَدِ الأشخاص في مُفْتَرَق طُرُق عَنْ أصحِّ الطَّريقَيْن فأخبرنا بأحدهما لَوَجَدْنا أنفسنا مُضْطَرِّين للعمل بمقتضى هذا الخبر مَعَ أنَّه ظنِّيٌّ، ويتقوَّى ذلك بكثرة المخبِرِين.
وهذا قد يدخل فيه نوعان مِنَ الأخبار:
- الأَوَّل: خبر الواحد الثِّقة الذي لمْ يَحْتَفَّ بالقرائن، فإن احْتَفَّ بالقرائن فقد سَبَقَ ذِكْرُه في أدنى درجات اليقين.
- والثَّاني: نرى أنَّه قد يدخل فيه أيضا خَبَر مجهولِ الحال إذا احتفَّت به القَرَائِن، كأَنْ يُخبِرَنا مجهول الحال خبرا مرجعه إلى النَّظر فوجدنا أنَّ النَّظر والاستدلال يقوِّيه، وإنْ كانَ أضعف مِنْ سابقه.
وأمَّا الشَّكُّ فهو “مَا اسْتَوَى طرفاه”[6] بحيث لا يُمكن ترجيح أَحَد الطَّرفَيْن على الآخر، كما لَوْ سَأَلْنَا عَن الطَّريق الصَّحيح أوْ عَنْ حُكْم شَيْء ما شَخْصَيْن مُستَوِيَي العِلْم فأَخْبَرَانا بخبرين مُختَلِفَيْن مُتَنَاقضَيْن لَوَجدْنا في أنفسنا تَسَاوِيًا بَيْن الأَخْذ بخبَر الأَوَّل والثَّانِي.
وهذا يَدْخَلُ فيه نَوْعٌ وَاحِدٌ وهو خَبَرُ مجهول الحال إذَا لَمْ تَحْتَفَّ به القَرَائِن فإنَّنا نَتَوَقَّف فيه حتَّى يَتَرَجَّح أحد طَرَفَيْه قُوَّة أوْ ضَعْفا.
وقد يدخل فيه أيضًا خبر المتَّهَم بالكذب إنْ كَانَ مستنَده إلى قضيَّة متَعلِّقة بالنَّظر والاستدلال، وتقوَّى خبره بموافقة النَّظر.
وأَمَّا الوَهْمُ فهو “الطَّرَفُ الْمَرْجُوح” [7] ، فيكون المرْجُوحُ هو ما نُقِل إلينَا، فَعَلَيْنا حينئذ تركه وعَدَمُ الأخذ به.
يدخل فيه خبر العَدْل الضَّابط المتعلِّق بالنَّظَر لكنَّ الاستدلال والنَّظر على خلافه أوْ يضعِّفه، فيكون وَهْمًا مِنَ المخبِر.
وأيضًا خبر مجهولِ الحالِ إنْ كَانَ مُخالِفًا للنَّظر والاسْتِدْلال.
وكذا خبر المتَّهَم بالكَذِب إنْ كان خبره متعلِّقا بالنَّظر معَ ضَعْف أدلَّته النَّظريَّة.
ولا بدَّ مِنَ التَّنبيه إلى أنَّ تنازع مُخبِرَيْن أوْ أَكْثر أحدُهما ثقة والآخرُ دون ذلك يدخل تحت هذا النَّوع بحيث يكون خبرُ الثَّاني وَهْمًا إنْ خالف مَنْ هو أَوْثق مِنْه عدالةً وضبطًا أوْ كثرةً.
وأَمَّا مَا يُمكِن إضافتُه على هذه الأنْواع السَّابقة فهو الخَبَر الذي يُقْطع بِخَطَئه فيكون يقينًا عكسيًّا أيْ أنَّنا نَتَيَقَّن بعَدَم صحَّته.
وهذا يدخل فيه ما كان مُخالِفًا للعِلْم الضَّرُوري سواء كان المخبِر عَدْلاً ضَابطًا أوْ مجهولَ حالٍ أوْ مُتَّهَما بالكذب -وهُو أضعفها-، أوْ كان أيضًا مُخالفا للعِلْم النَّظريِّ الذي تيقَّنَّا صحَّة دلالته، ومِثاله الإخبَار بتَعَدُّد الآلهة أو الإخبار بأزليَّة الكَوْن…
هذا مُلَخَّص القَوْلِ في مسألة يقينيَّة الخبر وإمكانيَّة إفادته للعلم، وقد تركت كثيرا مِنَ الفُرُوع لِئَلاَّ يطول الكلام، وتركت التَّفصيل إلاَّ ما دعت الحاجة إليه مِنْ بعض المتَعلِّقات والشُّبهات التي يطعن مِنْ خِلاَلِها المنكِرُون في الخبر ويَبْنُون عليها تَبِعَات انجرَّ عنْها إنكارهم للنُّبوَّات وتشكيكهم فيها مِمَّا نرى أنَّه لا يرتقي إلى أنْ يكون شكًّا بَلْ هو مجرَّد وهْمٍ جزَمَ العقل والخبر المتواتر والتَّجربة ببُطلانه وشُذُوذِه.
عبادة الله وحده = خلاصٌ من أعظم الظلم والكذب!
الكاتب: مُهَنَّد بِنْ جَازِيْ
القراءة الصوتية: عبدالرحمن محمد
التصميم: إيمان زيدان
–اعلم أن الناس إمّا مُقِرُّون بالخالق وكماله معترفون بهما، وإمّا لا يعترفون بِهما، ويكفيك في ردِ باطلِهم أنْ تَعْلم أن الأصل في حقهم هو العدم، وهم لولاه باقون على الأصل، وأنْ تعلم أيضًا أنه أولى بصفاتِ الكمالِ منهم !
– والمُقِرُّون بوجودِه وكمالِه إمّا أنهم يعتقدُون افتقارهم إليه واحتياجهم له، وإمّا أنهم لا يعتقدُون ذلك، وهذا من أبطلِ الباطل؛ لأن الإقرار بوجوده ينبني على الإقرار باحتياج المخلوقات إليه؛ إذ لو لم تكن بحاجة إليه لما سبَق وجودَها عدمٌ! هذا أولاً.
وثانياً: في هذا تسوية للخالق بالمخلوق، وبيانه أن يقال: إن نسبة المخلوق إلى المخلوق الآخر لا تتضمن بالضرورة العقلية توقف وجود الأول على الآخر، فكذلك نسبة المخلوق إلى الخالق في زعم هذا الصنف، وهذا عين تمثيل الخالق بالمخلوق من جهةِ علاقة المخلوق بهما!!
ثالثًا: أفراد هذا الصنف كَذَبة؛ لأنهم يعلمون أن استمرار حياتهم موقوف على أمور هي من خلق الخالق سبحانه كالماء والهواء والغذاء وغيرها.
– والمعتقدون ذلك – أعني: الافتقارَ المطلق إلى الخالق – إما أنهم أظهروا هذا الافتقار في أقوالهم وأفعالهم الاختيارية (وهذا هو لب العبادة)، وإما أنهم جحدوه وكتموه، وهذا الثاني عين الكفر والاستكبار؛ ويكفيك من قبحه أنه إظهارٌ لخلاف معتقدهم وواقع ذواتهم الحقيرة!
– والمظهرون لما يطابق حقيقة ذواتهم ويتناسب معها إما أنهم خصوا الخالق وحده بهذا، وإما أنهم أشركوا غيرَه معه في الحق الذي لا يكون إلا له. والثاني هو عين الشرك القبيح المذموم؛ فإن كان الكافر قد ساوى الخالق بالمخلوق بجامع عدم الافتقار، فإن المشرك ساوى المخلوق بالخالق بجامع الافتقار، وكلاهما كاذب!
– والموحدون له في هذا الحق إما أنهم ينطلقون في تحديد الكيفية التي بها يكون المخلوق مؤدياً لحق الخالق = من الخالق نفسه، وإما من المخلوق، والواجب هو الأول دون الثاني لأمور عدة منها :
الأول: الرجوع إلى المخلوق هو في الحقيقة اختراع لدين وضعي ليس إلا، ومعلوم عند العقلاء أن الدين السماوي أشرف من الدين الأرضي!
الثاني: ليس كل أقوال الإنسان وأفعالهم الاختيارية مما يرضاها الخالق تبارك وتعالى، والإنسان المخلوق ليس بمقدوره أن يعين كل قول وفعل يرتضيه الخالق، والمفتقر المحتاج إنما يسعى إلى استرضاء من حاجته بيده، وليس هناك أعظم من حاجة الإنسان إلى ربه، وآمن طريقٍ ينتهي بسالكه إلى رضا الخالق هو ما كانت معالمه من وضع الخالق نفسه لا غيره. كيف لا والإنسان يرى خيبة بعض ظنونه في استرضاء المخلوق مثله؟!
الثالث: الإنسان ليس بمنأى عن المؤثرات الداخلية – كالميول والرغبات – والمؤثرات الخارجية – كالعادات والتقاليد وتنشئة الأبوين.. إلخ – ومن كان هذا حاله كيف يأمن الخضوع لمؤثر داخلي أو خارجي في صورة الخضوع للخالق سبحانه؟!
إذا تبين هذا علمت أن كمال الإنسان في أن يكون اعتقاده مطابقا للواقع، وأقواله وأفعاله الاختيارية توائم حقيقة ذاته – أي: معبرة عن افتقاره لخالقه بالكيفية المرضية له- وبهذا يجانب الكفر الذي هو تمثيل الخالق بالمخلوق أو جحد حقه، ويجانب أيضًا الشرك الذي فيه تمثيل المخلوق بالخالق، ومعلوم أن التسوية بين الخالق والمخلوق أعظم ظلمًا وكذبًا من التسوية بين الصادق والكاذب، والمجتهد والمهمل، والأمين والخائن، والخيّر والشرير.. والظالم مستحق للعقاب بعد قيام الحجة عليه باتفاق العقلاء، وعظم العقاب بقدر ما وقع فيه من الظلم، ومعلوم أن الخالق يستحيل عليه أن يساوي بين الواقع في أعظم الظلم والكذب ممن هو غير واقع في ذلك؛ إذ التسوية بين المختلفات ظلمٌ بين، والخالق أولى بالتنزه عنه من المخلوق، فثبت إذاً وجود الجزاء المتمثل في جنة أو نار، فاختر لنفسك
{ فَمَن أَبصَرَ فَلِنَفسِهِ وَمَن عَمِيَ فَعَلَيها وَما أَنا عَلَيكُم بِحَفيظٍ}.

0
محاسن الإسلام فيما اتُّهِم به الإسلام| الردة
الكاتب: نيفين جلال
جلسنا نتناول طعام الغداء، ولم نلبث قليلًا حتى اهتز هاتفي المحمول ليعلن عن اتصال، فإذا به صديق قديم لم أحادثه منذ زمن..
السلام عليكم أخي.. مرحباً بك.
= أجاب بصوت مرتجف متردد: وعليكم السلام يا أخي .. هل أستطيع أن ألتقي بك الآن .. أحتاج بشدة للتحدث معك.
لم أتردد بالجواب قائلاً: على الرحب والسعة.. سأنتظرك في البيت.
لم تمضِ ساعة حتى كان صديقي أمام البيت تبدو عليه علامات الصدمة والحزن والحيرة.
رحبتُ به .. وأثناء إعداد الشاي باغتني بقوله: هل تعلم أن ابن عمي قد ألحد العام الماضي؟
نعم، علمت بالخبر للأسف، وقد قرأت مداخلاته على مواقع التواصل الاجتماعي وهو يدافع عن إلحاده، ويدعو أصدقائه ومعارفه لإعمال عقولهم وإعادة التفكير ورفض الموروثات، وللأسف وجدت له متابعـ….
= قاطعني صديقي: بل ومنهم من تأثر به.
ربَّتُ على كتفه: لا بأس يا صديقي لعل الله يهديه ويرده إلى دينه.
= وضع رأسه بين كفيه وقال بصوت بالغ الأسى: ليست هذه هي المصيبة،
المصيبة .. ابني ..
هو في الحقيقة ابن أخي ولكنه بمثابة ابني، وهو أيضاً خطيب ابنتي
= المشكلة أنه من متابعي ابن عمي وقد بدأ يتأثر بكلامه بشدة، فابن عمي هذا كما تعلم رجل مثقف، حسن الكلام والمظهر، وله أسلوب وطريقة جاذبة لمن حوله
= واستطرد قائلاً: ماذا أفعل كي أحافظ على ابني من الضياع، وكيف لهؤلاء الملحدين أن يُتركوا وهم يبثون أفكارهم ومعتقداتهم كيفما شاءوا؟؟
هدئ من روعك يا أخي، سندركه ونتحاور معه، وبحول الله سوف نفند له الشبهات ونُزيل الشكوك التي ملأت قلبه.
ولكن الكارثة الحقيقية هي في ترك هؤلاء العابثين يفسدون دين أبناءنا ويبثون سمومهم بكل حرية، ولا يجدون ما يردعهم ويمنعهم.
هل تعلم يا صديقي أننا لو كنا نطبق حدود الله ما كنا وصلنا لهذا البؤس والخراب الذي نعيشه الآن
= وكيف هذا؟
نعم، لو كنا نطبق حد الرِدة على المسلم المرتد، لما رأينا اليوم أمثال ابن عمك وغيره ممن تخلوا عن دينهم واتخذوا الشيطان ولياً لهم من دون الله يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً.
= ولكن كيف؟ أليس تطبيق هذا الحد يتعارض مع حرية الاعتقاد التي كفلها الإسلام؟
= أو ليس اللهُ يقول في كتابه:
“فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ـــــ “لا إكراه في الدين”
على رِسلك يا أخي، دعنا أولاً نبحث في سياق الآيات ومعناها، ولكن لابد أولاً من الإشارة إلى أن هذا الحكم يُعد من محاسن الإسلام وجمال التشريع، وسوف أوضح لك هذا الأمر فيما بعد
أما الآية الأولى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [سورة الكهف : ٢٩]
هذه الآية موجهة للكافرين، حيث يأمر اللهُ نبيه ﷺ أن يوضح لهم الحق الذي لا مِرية فيه ولا شك، فمن شاء بعد ذلك يؤمن ومن شاء يكفر، فهم أحرار في أن يقبلوا الفطرة التي أودعها اللهُ فيهم وأيدها بشواهد كثيرة من حولهم تثبت أنه سبحانه هو الخالق المدبر، أو يتحدوا تلك الفطرة ليستحقوا العقاب، فهذا من باب التهديد والوعيد لما ينتظرهم في الآخرة إن استمروا على إنكار الحق الذي جاء به النبي.
= آه .. تفسير مقنع فعلاً، وماذا عن الآية الثانية؟
هذه الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [سورة البقرة : ٢٥٦] أجمع المفسرون بحسب سياق الآية وسبب نزولها أنها تخص عدم إكراه غير المسلم على الدخول في الإسلام، وليس معناها عدم إكراه المسلم على البقاء مسلماً، فليس من حق المسلم أن يترك دينه ويرتد.
= ولكن الآية تفيد العموم .. بمعنى أنه يُفهم من كلمة (لا إكراه) وهي نكرة، أي لا إكراه في الدخول أو الخروج من الدين.
لو سلمنا يا صديقي بما تقول فسوف ينطبق ذلك على عموم الدين وعلى أجزائه كذلك، عندئذ سنجد من يقول لا إكراه فيمن يشرب الخمر أن يتوقف عن شُربها، ولا إكراه في مانع الزكاة أن يؤديها، وبهذا ينفتح المجال بشكل واسع لإبطال باب العقوبات في الدين، ويصبح الدين بلا دين، فهذه الآية تفيد أنه لا إكراه لغير المسلم بعد دعوته للإسلام أن يعتنقه أو لا، مع بيان عاقبة ذلك.
= حسناً، ولكن ما الفرق بين من لم يدخل الإسلام وبين من دخله؟ أليس لكلٍ منهما عقله وحريته الشخصية؟ لماذا أترك الأول وأُعاقب الثاني بالقتل؟
الفرق كبير يا صديقي، فالكافر الأصلي لم يعلن التزامه بنظام الإسلام ولم ينخرط فيه، فحاله كحال من جهل الشيء ولم يجربه، لذا فهو لا يستحق العقوبة الدنيوية.
أما المسلم الذي دخل الإسلام فهو قد خَبَر الإيمان وذاق حلاوته، وأدرك أنه منهج كامل للحياة مبني على العقل والمنطق وقائم على الدليل والبرهان، فليس في الإسلام مايصادم فطرة الإنسان أو عقله، فإن خرج منه بعد ذلك وارتد كان كمن أعلن عصيانه وخيانته للنظام العام.
فالرِدة عن الدين عملية مركبة تتضمن تغيير الولاء والانتماء وتبديل الهوية، والمُرتد ينقل ولاؤه وانتماؤه من أمة إلى أمة ومن دار الإسلام إلى دار أخرى، ونحن نرى جميع الأنظمة الوضعية في العالم تحكم بالإعدام على من يخرج على نظام الدولة بتهمة الخيانة العظمى، فكذلك المُرتد الذي يعلن رِدته ويظهرها للعيان هو كالخارج على النظام فاستحق العقوبة.
= ولكن ألا تتفق معي أن هذا من الممكن أن ينطبق على من دخل الإسلام اختياراً ثم ارتد، فماذا عمَّن ولِد مسلماً ولم يختر الإسلام بمحض إرادته؟ أليس من حقه عندما ينمو عقله وتتسع مداركه أن يمارس حقه في اختيار ما يعتقد؟
لقد اتفقنا يا صديقي أن الإسلام دين لا يصادم الفطرة، وبناؤه على العقل والمنطق، فالكافر الذي أسلم ثم ارتد قد عرف الحق ببقايا الفطرة داخله، فانتقل بإسلامه من الظلمات إلى النور ثم جحد به وأنكره، والذي ولِد مسلماً في بيئة مسلمة عرف الحق بالفطرة والنشأة، فهو يتفوق على الأول أن فطرته لم تتلوث مثل الكافر، وكانت لديه أسباب ووسائل الفهم الصحيح والثبات، ثم جحد هذه النعمة وكفر بالإسلام وارتد.
ومن الغريب أننا نتقبل إلزام من يولد في بلد ما بقوانين وأعراف تلك البلد ونعاقبه عند خرقها بالرغم من أنه لم يختر بمحض إرادته الانتساب لها، ثم نرفض معاقبة من يخرج على دين الله بحجة حرية الاختيار.
= وهل هناك دليل من الشرع على تطبيق هذا الحكم ؟
بالتأكيد، هناك العديد من الأدلة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
(قال رسول الله ﷺ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري ومسلم
وكذلك مارواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله ﷺ قال: من بدل دينه فاقتلوه)
= حسناً، ولكن مالذي يضر المجتمع المسلم ذو المليار والنصف وأكثر من ارتداد هذا أو ذاك؟
أنت تعلم يا صديقي أن للإسلام كيانات مقدسة لا ينبغي المساس بها، والتي تسمى الضرورات الخمس، والدين من أهم هذه الضرورات؛ لأنه الكيان الذي يربط الإنسان بربه ويمنعه من الزلل والضياع، فالمرتد بإعلانه الخروج عن الإسلام يهدد هذا الكيان؛ لأنه يَظهر للناس كمن اختبر الإسلام فوجده دينًا غير صالح، ولا يستحق الاستمساك به، وأنه قد وجد ماهو أصلح منه.
وليس خافياً على أحد أن أعداء الإسلام لا يألون جهداً حتى يخلعوا المسلمين من دينهم..
{وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير}. [سورة البقرة : ١٢٠}
وهؤلاء الأعداء يخترعون الوسائل للتغلغل بين المسلمين وزعزعة دينهم، فالتاريخ حافل بأسماء مسلمة لشخصيات مجهولة ادَّعت الإسلام ولعبت دوراً خطيراً في الحرب على الدين، تماماً كما فعل يهود المدينة في صدر الإسلام ..
{وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون}[سورة آل عمران : ٧٢]
فهؤلاء النفر من أهل الكتاب قالوا لبعضهم البعض أظهروا للمسلمين الرضا بدينهم أول النهار لعلهم يصدقونكم، ثم اكفروا آخره حتى يظنوا أنكم قد رأيتم فيه ما تكرهون فيرجعوا عن دينهم، وهي طريقة ماكرة توقع ضِعاف الإيمان في حيرة واضطراب، وبخاصة العرب الأميين، الذين كانوا وقتها يرون أن أهل الكتاب أصحاب علم ودين وأنهم أعرف منهم بالديانات والكتب السماوية، فإذا رأوا أنهم ءامنوا ثم ارتدوا حسبوا أنهم ما فعلوا ذلك إلا بسبب اطلاعهم على خبيئة ونقص هذا الدين …
واليوم، لدى القوى المناهضة للإسلام جيشاً من العملاء في أنحاء العالم الإسلامي في صورة أساتذة ومثقفين وإعلاميين يحملون أسماء إسلامية، وهؤلاء لهم ما لهم من قوة تأثير على العامة (تماماً مثل تأثير ابن عمك على من حوله) بما يعرضونه من مقالات وأبحاث وكتابات براقة تهون من أمر العقيدة والدين؛ بل وتطعن في الإسلام نفسه، آمنين من تعرضهم لأية عقوبة، فتضطرب النفوس وتتزلزل الأفكار لدى المسلمين، فيقع بعضهم في مصيبة الرِدة ويفترق الزوج المرتد عن زوجته والعكس، وتتصدع أركان الأسرة وينهار البنيان المرصوص.
وفي هذا الزمن الذي ألغت فيه كثير من الدول الإسلامية تطبيق حد الرِدة قد يدَّعي الكثير من أصحاب الرأي والعلم دخولهم الإسلام، ثم ما يلبثوا حتى يعلنوا ارتدادهم لأجل أن يطعنوا في الدين ويشككوا المسلمين في عقيدتهم، فيتسرب الشك إلى بعض عوام الناس أنه طالما ارتد هؤلاء النبغاء فمن المحتمل أنهم رأوا ما لا يرى غيرهم.
وهؤلاء يتبعون أسلافهم من اليهود، فهم يعلنون الإسلام وجه النهار ويكفرون آخره.
فتخيل معي يا صديقي لو كان حد الرِدة يُطبق على من يرتد عن الإسلام لما تجرأ هؤلاء على هذا الفعل الماكر لعلمهم المسبق بأنهم سيخسرون حياتهم ثمناً لبغيهم.
= ولكن ألم يكن من الجائز لهذا المرتد لو تركناه حياً أن يتراجع ويعود للإيمان؟ ونكون بقتله قد ألقينا به في جهنم؟
نعم نحن نريد لجميع المسلمين أن يموتوا على الإسلام وندعو لمن ضل منهم بالهداية؛ ولأن الردة كثيرا ما تكون نتيجة للشكوك والشبهات التي تساور النفس، لذا أقر الشرع استتابة المرتد، ولو تكررت رِدته يُمهَل فترة زمنية – حددها العلماء بثلاثة أيام _ يراجع فيها نفسه وتُفند وساوسه، فإن عدل عن موقفه ورجع للإسلام وأقر بالشهادتين عصم دمه، وإن أصر على عناده أُقيم عليه الحد.
ثم دعني أهمس في أذنيك أمراً مهماً، نجد هذه الأيام من يموت معلناً إلحاده من بني جلدتنا أمره محير؛ لأنك ما تلبث إلا وتجد الأقلام والبرامج في حديثٍ عنه بين من يلعنه ويسبه، وبين من يترحم عليه؛ بل ويطالب غيره بالدعاء له بالرحمة على اعتبار أنه أفضى إلى بارئه وهو وحده الذي يحدد مصيره.
ولكن الذي لا شك فيه أن من مات على غير دين الإسلام فهو في النار، وما كان هذا الجدال ليظهر بين الناس ويقعوا حيارى ما بين لاعنٍ ومُترحِم لو كان حد الرِدة يطبق على المرتد، ليُغلق هذا الباب الخطير الذي يؤدي إلى تمييع الدين والتشجيع على الانخلاع منه.
= نعم يا عزيزي صدقت، فمعك كل الحق في وجوب تطبيق هذا الحد الذي ينقذ أرواحاً ومجتمعاً في مقابل نفوس قليلة.
والآن يا صديقي سأخبرك كيف أن هذا الحكم يُعد من محاسن الإسلام وجمال التشريع …
= لا يا عزيزي لم أعد أحتاج لتوضيح، فالأمر أجلى وأبين من أي توضيح، والله ما ضعنا ولا تخطفتنا الشياطين إلا حين أزحنا أحكام الشرع جانباً واستبدلناها بأحكام العقل والهوى. لك الله يا ابن أخي فهو وحده القادر على انقاذك.
هون عليك يا صديقي، فلنرتب مقابلة قريبة معه حتى نساعده بعون الله على كشف الغشاوة وإزالة الشبهة.
= نعم يا عزيزي سأهاتفك غداً بإذن الله لتحديد الموعد.
سأنتظرك … دُمت في رعاية الله وحفظه
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الخطابُ الديني والإلحادُ
الكاتب: أحمد صديق الوكيل – عنتر صلحي عبد اللاه
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد:
في مفهوم الخطاب:
يعتبرُ مصطلح “الخطاب” مصطلحاً حديثاً من مصطلحاتِ العلومِ اللغويةِ والفلسفةِ، ورغم ورودِه في التراثِ العربي إلا أنَّ المعاني الجديدةَ له تختلف عن الاستخداماتِ القديمة.
ففي المعاجمِ اللغويةِ التراثيةِ يُعرَّفُ الخطابُ بأنّه الكلامُ أو تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للإفهام ثمَّ نقل مِنْهُ إِلَى مَا يَقع بِهِ التخاطبُ من الْكَلَام لفظياً أَو نفسياً” (معجم دستور العلماء).
وفي القرآن: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}أي في القول والطلب، و{وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} أي الحكمَ
بِالْبَيِّنَةِ أَو الْيَمين أَو الْفِقْه فِي الْقَضَاء للفصلِ بين الحقِّ والباطلِ (المعجم الوسيط). وعند السيوطي: فصلُ الخطابِ هو تَلْخِيص الْكَلَام إِلى إِلى الْمَقْصُود مع قربِ الملاءمةِ ( معجم مقاليد العلوم )[١].
وبالتالي فمجملُ القولِ إن الخطابَ يعني المخاطبةَ، وإنه يتأثرُ بأسلوبِ الخطيبِ وطبيعةِ المخاطَبِ وترتبطُ به القدرةُ الخطابيةُ وإلقاءُ الخطب وما تحويه من بلاغةٍ ومحاولاتٍ للإقناع والاستمالة.
أما عند اللغويينَ المعاصرينَ، فالخطاب يشير إلى مستوى التحليلِ ما فوق الجمل؛ أي تحليلُ النصوصِ سواءً كانت مكتوبةً أو منطوقةً ، كما يشيرإلى الجوانبِ النفسية والإشارية التي تكتَنِفُ الحديثَ، وعند الفيلسوفِ ميشال فوك و [٢]Foucault ينصرفُ الخطابُ إلى مجموعِ سلوكياتِ الشخصِ أو المجموعةِ من الأشخاصِ التي تعكسُ جوانبَ الشخصيةِ في علاقتها مع سلطةٍ أخرى، وبالتالي يتسعُ مفهوم الخطابِ ليشملالألفاظَ -المكتوبةَ والمنطوقةَ- والإيماءاتِ والحركاتِ والإشاراتِ، والعاداتِ والتقاليدَ والأعيادَ القوميةَ والملابسَ الشعبية والرموزَ الروحيةَ، والأمثالَ الشعبية والأشعارَ الديوانية وأساليبَ هندسةِ البيوتِ وطرائقَ تعليمِ الأطفال إلى غير ذلك في مجتمع من المجتمعات.
الخطاب الديني:
والخطابُ الديني على هذا الأساس يُقصدُ به مجموعُ أساليبِ الخطابةِ المكتوبة والمسموعة والسلوكياتِ المجتمعية التي ترتبطُ برجالِ الدين أو المتدينينَ في مجتمع من المجتمعات.
وفي السياقِ الحالي، يقصد بالخطابِ الديني -خصوصاً- الخطابُ الإسلاميُّ، بمعنى الطرائقِ والأساليبِ التي يعرض بها المشايخُ والوُعاظُ وخطباءُ المساجدِ والفضائياتُ ومواقعُ التواصل والمتدينونَ الإسلامَ في ردِّهم على الأسئلةِ أو تعليقهِم على الأحداثِ أو مناظراتِهم لأصحابِ الأديانِ الأخرى أو الملحدينَ، أو في دروسهِم العلمية والوعظية الدورية، ويشملُ ذلك أيضاً الصورَ الذهنية للمتدينينَ سواءً من ناحيةِ السَّمْتِ العام المتحفظ والمنكفِئِ على الذاتِ والتراثِ أو من ناحيةِ الملابسِ التي تشكلُ منظومةً إسلاميةً معينةً مثل النقابِ والحجابِ للمرأةِ واللحيةِ والثوبِ القصيرِ للرجل، بما يعتبر صوراً نمطيةً يتم استدعائُها للأذهانِ نتيجةَ عقودٍ من عمل الآلةِ الإعلامية العالمية المشوِّهة لصورةِ الإسلام والمسلمين.
وفي الصورةِ النمطيةِ للمتدينين يغلبُ تصورُ الأمرِ والنهي والزجرِ والوعظ ِوالترهيبِ والتخويفِ بالعذاب والحرقِ في النار وفي القبرِ، والوعيدِ، في مقابلِ الخطابِ العلماني الذي يُصَوَّرُ نمطياً على أنّه المحرِّرُ للعقولِ والمنوِّرُ للأفهامِ والرائدُ للتحررِ من رِبْقِ التخلفِ والرجعيةِ والساعي إلى التقدمِ والتطورِ.
وشُيوعُ هذه الصورِ النمطيةِ وترسيخها في الأذهان من أكبرِ عواملِ الاتجاه للإلحادِ والهجومِ على الدين.
الإلحاد:
الإلحادُ في المفهومِ الغربي الحديث يعني إنكارَ الإلهِ، إذ أن كلمةَ atheist مكونة من شقين:a بادئةبمعنى (بلا أو بدون) وtheist التي تعني (رُبوبي أو معترف بوجود ربٍّ، وهي مشتقةٌ من الاسم Theo اليوناني بمعنى الرب[٣]، واشتُقَّ منها اسم زيوس Zeus كبيرُ الأربابِ في الأساطيرِ اليونانية)، وينقسم مفهومُ الإلحادِ بهذا المعنى إلى قسمين: إلحادٌ إيجابيٌّ وإلحادٌ سلبيٌّ، فأمّا السلبيُّ فهو الذي يدَّعي إنكارَ الإلهِ لأنه لا يجدُ أدلةً كافيةً تثبتُ وجودَه، وأما الإلحادُ الإيجابيُّ فهو الذي يدَّعي إنكارَ الإلهِ لتوافرِ أدلةٍ تؤكدُ عدمَ وجودِه.
والإلحادُ الإيجابيُّ هو ما يطلق عليه الإلحادُ الصلبُ Solid atheism[٤] .
وعبرَ التاريخِ الأوروبيالحديث انتشرَ الملحدونَ المنكرونَ للإلهِ –من القسمين- وظهرَ معهم طائفةٌ أخرى هي اللاأدريين
Agnostics وهم الذين يقولون إن معرفة وجودِ الإلهِ من عدمهِ أمرٌ لا سبيلَ إليه وبالتالي لا ندرِي عن إمكانِ وجودِه من عدمِه، وظهرت كذلك طوائفُ من الربوبيين Theists وهمُ الذين يؤمنونَ بربٍّ للكونِ خلقَهُ وتركَهُ، فهو ليسَ إلهاً يعبدُ ولا وجودَ للأديانِ ولا للرسالاتِ، إنَّما الربُّ خلقَ الكونَ وتركه يعملُ بذاته.
ورغمَ تعدُّدِ فئاتِ الملحدينَ، وخفُوتِ نَجمهم في القرن العشرين، إلا أنَّهم اجتمعوا في هجمةٍ إلحاديةٍ معاصرةٍ منذ أواخر القرنِ العشرين فيما يسمى بالإلحاد الجديد Neo Atheism وصارَ لهم نجومٌ من العلماءِ الملحدين ممن يدْعون أنفسهم بالفرسانِ الأربعة[٥] .
ورغم ورودِ كلمةِ الإلحادِ في القرآن، إلا أنَّ معناها لا ينصرفُ إلى إنكارِ وجودِ الإله؛ وإنما جحودِ النعمةِ أو جحودِ الرسالةِ:{ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ}[النحل: ١٠٣]، {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت: ٤٠]، {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}[الأعراف: ١٨٠]. وكلُّ من اشتهرَ بالإلحادِ في التاريخ الإسلامي لم يكن منكرا لوجودِ الإله: ابنُ الراوندي، أبو العلاءِ المعري، ابنُ سينا، أبو بكر الرازي[٦] .
إنما ظهرَ الإلحادُ بمفهومهِ الغربي –وهو السائد الآن- في العصرِ الحديثِ –القرن التاسع عشر والعشرين – بعدَ الاحتكاكِ الحضاريِّ بالغربِ وتجربةِ الاستدمار في البلدان العربية والإسلامية.
كيف يكونُ الخطاب الديني الإسلامي ممهدًا للإلحاد:
كما ذكرنا فإن الخطابَ الدينيَّ الإسلاميَّ هوَ مجموعُ الأساليبِ والطرقِ التي يقدمُها الدعاةُ والخطباءُ في طرحهم الإسلامَ كحلٍّ بديلٍ للنماذجِ الفكريةِ والثقافيةِ الأخرى. وبعد استقراءٍ لهذهِ الأساليبِ والطرقِ اتضحَ لنا أنَّ كثيرًا منها واقعٌ في إشكالاتٍ حقيقيةٍ تحتاجُ للمعالجةِ الجادةِ، وأنَّ النذرَ القليلَ هوَ من يتفادَى هذه الإشكالاتِ أو أكثرَها، وسنحاولُ في بيانِ سماتِ الخطابِ الديني المشكلِ أن نلتزمَ العدلَ والحياديةَ
وأن نقدمَ بعض النصائحِ التي قد تساهم في رفع ِكفاءةِ الدعوةِ بشكلٍ عام .
مشكلة البعد عن الواقع:
قد يقالُ بكلِّ ثقةٍ أن مشكلةَ كثيرٍ من الوعاظِ والخطباءِ والدعاةِ هو البعدُ عن الواقعِ والفتورُ الشديد في الوعيِ بمشكلاتِ العصرِ وبالأخصِّ المعرفةُ الدقيقةُ بتياراتِ الأفكارِ المؤثرةِ في الحاضرِ.
ومن الأمثلة على هذا الضعفِ هو ندرةُ الدخولِ والكلامِ فيما يخصُّ ملفاتٍ مهمةٍ كملفِ الإلحادِ والإنسانيةِ والردِّ عليها في العقدينِ الماضيينِ معَ وجودِ الحاجةِ الماسَّةِ إلى التعرضِ لهَا.
فإن َّالإلحادَ كمصطلحٍ آخرَ للادينيةِ ليسَ طارئًا جديدًا في الثقافاتِ الغربيةِ، بل له جذورهُ منذ عصرِ النهضةِ مرورا بالماركسيةِ ووصولًا إلى ما يُعرفُ بالإلحادِ الجديدِ منذُ حادثةِ ١١ سبتمبر ٢٠٠١، ومعَ ذلك لم يكن هناكَ الاهتمامُ الكافي من جهةالدعاةِ للتصدي لهذه الأفكارِ وطرحها في المجالِ العام، بل كان التركيزُ الأكبرُ على مساحاتٍ قليلةِ الأثرِ والأهمية، كالنقدِ المتمركزِ حول الدينِ النصراني أو الفرقِ الشيعية.
مشكلة التنازلات:
ينشأُ عن مشكلةِ البعدِ عن الواقعِ وقلةِ الوعي والاطلاعِ على أفكارِ العدوِّ الحقيقيِّ مشكلةٌ أكبرُ، ألا وهي الكسلُ بالاهتمامِ الجادِ للبحثِ النقديِّ لهذه الأفكارِ من منظورٍ شرعيٍّ محكمٍ، فإنَّ عمليةَ نقدِ الأفكارِالمخالفةِ للإسلامِ تنبني على ثلاثِ أعمدةٍ، الخللُ في إحداها يحدثُ معضلاتٍ لا يحمدُ عقباها.
العمودُ الأولُ: هو المعرفةُ المتينةُ بالدين الإسلامي نفسِه كالاطلاعِ على العلومِ الشرعية والفكرِ الإسلامي،ومعرفة المُحكَمِ من المُتشابهِ (خاصةً في مسائلِ علمِ العقيدةِ).
العمودُ الثاني: هوَ معرفةُ دينِ العدوِّ (ولو كان لا دينياً بالمعنى الاصطلاحيِّ) وأفكارِه والاطلاعِ الجيدِ عليها لمعرفةِ مكامِنِ ضعفِها والخللِ الناشئِ بها وقولِ أئمتِها التي يستندُ عليها أصحابها.
والعمود الثالث: هو ملكةُ العقلِ الناقدِ الذي يستفصلُ عن مفاهيمِ المخالفِ ويوزنُها بمعيارِ الشرعِ وينقي الأفكارَ ويصفيها ثم يأخذُ ما صفى منها ويدع ما كدرَ حتى يقبلَ منها الحقَّ ويردَّ الباطلَ بعلمٍ وعدلٍ.
وكما هو واضحٌ فإن هذه العمليةَ التي تنبني على الثلاثِ أعمدةٍ والرسوخِ فيها ليستْ بالعمليةِ السهلة، ولهذا يستصعبُهَا كثيرٌ من الدعاةِ وينتقلون إلى عمليةٍ أسهلَ منها بكثيرٍ ألا وهي التنازلُ عن المُحكَمِ لدرءِ التعارضِ بين النصِّ الشرعيِّ والنصِّ الغربيِّ. فإن التمسكَ بالمُحكمِ والاستفصالَ عن ما يصادمها من دينِ المخالفِ يحتاجُ إلى وقتٍ وتريث. أسهلُ من ذلك كلِّهِ هو أن تُغيِّرَ المحكمَ الذي عندَكَ عبرَ آلةِ التأويلِ الفاسدِ وتزحزحهُ إلى مجالِ المتشابِه والمشكوكِ فيه، كي تهّوِّنَ من حرارةِ احتكاكِ المذهبينِ والتصادمِ الواضحِ بينهما.
الأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ منها: قبولُ نظرية التطور بكلِّ جوانبها وتأويل ما قد يصادمها منالنصوص الشرعية أو الحكم على الأحاديث الصحيحة بما أسمِّيه “التضعيف الفوري” التي يوهم ظاهرُهاالمخالفةَ لمذهبِ المُخَالف.
ولو تأملنا في هذه الطرق لوجدنا أنَّها تنازلاتٌ لا تحلُّ المشكلة بل تزيدها تعقيدًا مع مرور الوقت.
فمن الأسئلة البديهية التي تخطر على بال أيِّ متابعٍ لهذه التأويلات: ما هو معيار التأويل الذي يُعد داخل دائرة التأويل المقبول، وإن كانت دائرةُ التأويل لا حدود لها، بل تتَّسع إلى احتضان كلِّ المذاهب والأفكار المخالفة أو أكثرها، فما أهمية الدين أصلًا وماذا يقدم لنا غير المطروح؟
فهؤلاء المؤولة بتعبير ابن تيمية -رحمه الله – لا للإسلام نصروا ولا للملاحدة كسروا ..
مشكلة الكلام في غير الفن:
وهي مشكلةٌ كبيرةٌ على مستوى الخطاب الديني ألا وهي تطرُّق الداعيةِ إلى ما لا يحسن أو الإجابة على أسئلةٍ في مجالاتٍ هو قليل التطلُّع عليها، والإشكال في هذا الفعل أنه يكفي أن يحدث مرةً واحدةً كي تسقط الثقةُ عن هذا الداعية بالكلية، فإنَّ من تكلم في غير فنِّه أتى بالعجائب ومن تكلم في غير فنه مرةً لايمنعه أن يتكلم في غير فنِّه مرات. كان السلف يقولون كلمة “لا أدري ” هي نصف العلم، وهذا حق، فإن ّالعلم بجهل النفس عن موضوعٍ ما، أفضلُ بكثيرٍ من عدم العلم بجهل النفس والكلام في مسألة بعيدة عن التخصص بجزمٍ وثقةٍ = وهو ما يُعرف بالجهل المركب. فليس الداعية مُطالبًا بأن يجيب على كل سؤالٍ يُطرح عليه، والصحيح أن يقول “لا أدري” وأن يدلَّ السائلَ على من هو أعلم منه بهذه المسألة .
فهذا أقرب للحق ويقلل من فُرَص أعداء الإسلام في الانتهازية وجمع مادتهم للنقد والسخرية .
مشكلة التركيز على الوعيد:
إن الوعيد (كالوعد) من سمات الخطاب الشرعي المؤثر، لكنَّه وحده لا يكفي في إنشاء خطابٍ متكاملِ الأركان، لاسيما عندما يكون هو محور الخطاب ويُعاد ويُكَرَّر فيه نفسُ الأقوالِ كالحديث عن عذاب القبر. قليلٌ من الخُطَّابِ والدعاة من يمزج بين تمرير المفاهيم العلمية مع المفاهيم الإيمانية، وإن كان هذا هو الأقرب للخطاب القرآني، فإن القرآن لم يقتصر على آيات التخويف من عذاب الآخرة والحثِّ على ترك المعاصي، بل إنَّ الخطاب العقلي والجدلي جزءٌ مركزي فيه، {أَمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْء أَمْ هُم الْخَالِقُونَ}، {لَوْ كَان فِيهِمَا آلِهَة إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا}، {مَا اتَّخَذ اللهَّ مِن وَلَد وَمَا كَان مَعَه مِن إِلَٰه إِذا لَّذَهَب كُل إِلَٰه بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُم عَلَىَٰ بَعْض سُبْحَان اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُون الْقُرْآن وَلَوْ كَان مِن عِند غَيْر اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافا كَثِيرا}، {وَلَقَد نَعْلَم أَنَّهُم يَقُولُون إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُون إِلَيْه أَعْجَمِي وَهَٰذَا لِسَان عَرَبِي مبِين}، وكثيرٌ من الآيات الأخرى التي تُعتبر آيات جدلية من الدرجة الأولى.
فالتركيز على أدلة صحة الإسلام وبيان مميزات النموذج الإسلامي وهيمنته على النماذج الأخرى من أهم ما يحتاج إليه الداعيةُ في خطابه العام والخاص، بل إن النقد ولو على سبيل الإجمال للتيارات والمذاهب المخالفة لابدَّ أن يكون ركنًا أساسًا من أركان الخطاب الديني، وكذلك الحديث عن العلوم الشرعية وإعطاء نبذات مختصرة عن موضوعاتها وعن أهميتها في حياة المسلم، كعلم الحديث ومنهجية المحدثين في التصحيح والتضعيف وعلم أصول الفقه وأصول التفسير وعلم العقيدة .
وقد يُعترض هنا باعتراضٍ نصه: أن العوام ليسوا مهتمين بتفاصيل هذه العلوم ولن يتذكروا هذه المعلومات بعد انتهاء الخطبة. وهذا الاعتراضُ غير صحيح؛ لأنَّ الهدفَ من ذكر هذه المعلومات ليس إخراج المتخصصين في هذه العلوم وإنَّما الهدفُ هو تمريرُ جِدية الدين، وأنَّ الدينَ علمٌ، ينبني على علومٍ لا يصح أن يُستهانَ بها ولا يليق أن يتكلم فيه كلُّ من هبَّ ودبَّ.
وأنْ يعلم العوامُ مَظانَّ العلم، فإن أُشكِل عليهم أمرٌ ما في دينهم يعلمون في أي مجالٍ يبحثون عن مبتغاهم وأي علماء يسألون. فلا ينبغي أن يكون الشاب المسلم العاقل طالبًا جامعيًا ولم يمر عليه مصطلحُ المتنِ والسندِ ولا يفقه الفرقَ بينهما، ولو تم تحقيقُ هذين الهدفين فقط لكفى بها منفعة للأمة.
مشكلة الأسلوب والألفاظ:
الخطابُ الوعظي المُستَهلَك أحدُ سمات الخطاب ضعيف التأثير، فإنَّ مثالَ الحلوى المكشوفة الشهير الذي يتم فيه تمثيلُ المرأة المحجبة بالحلوى المغطاة، مثالٌ قد أكل عليه الدهرُ وشرب، بل أصبح مادةَ سخريةٍ عند شبابِ وسائلِ التواصلِ، وكذلك بعض الألفاظ والعبارات “الملغمة”، التي حالما تُذكر تنفجر أبوابُ السخرية والتهكم من كل حَدبٍ وصَوبٍ. فلا داعي للجوء إلى عباراتٍ وأمثلةٍ مُستهلكة ولو كانت صحيحةً فلا شكَّ أنَّ في غيرها الكفاية.
في عالم السرعة أصبحت بعضُ أساليبِ الخطابِ أضعفَ تأثيرًا ، كالتحدث باللغة العربية الفصيحة ببطءٍ على مدار ساعة أو أكثر، ولا بأس في رأيي أن يلجأ الداعيةُ إلى أساليبٍ أخرى مادامت لا تخالف محكمَ الشريعة أو تتخلى عن الثوابت، كالكلام بالعامية لتوصيل الرسالة، خاصةً إلى طبقة الشباب، وأنتُستخدم المصطلحاتُ المنتشرةُ بين الشباب، وذلك لا شكَّ أنه يُشعر المخاطَب بقربٍ وعنايةٍ خاصةٍ وواقعية للخطاب. ومن الطرق التي تساعد على الوصول لشريحةٍ أكبر من الناس هو نشر بعض المقاطع
قصورُ المنهجِ العلميِّ التجريبيِّ
الكاتب: أحمد عصام
تنتشرُ الآنَ بينَ الناسِ حالةٌ من الافتتانِ بالعلومِ الطبيعيةِ وعلمائها؛وذلك لِما ينعمُ فيه البشرُ حديثًا من رفاهيةٍ بسببِ المخترعاتِ العلميةِ التي طوَّرتْ وغيرتْ وجهَ الحياةِ على الأرضِ خلالَ عقودٍ من الزمن، ونجدُ هذه الحالةَ بشكلٍ بارزٍ في كثيرٍ من طلابِ العلومِ الطبيعيةِ والتقنيةِ الحديثةِ والمشتغلينَ بها، حتى باتت قدسيةُ هذه العلومِ من المسلَّمات بين الناس، ونلحظُ بينهم كثيرًا من التشدُّد والتعظيم، بل وقد تصل المغالاةُ إلى محاولاتِ الاقتصارِ على العلم التجريبي كمصدرٍ للحقائقِ وحلِ جميعِ مشكلاتِ الحياة، والاكتفاءِ به كمعيارٍ للحكمِ على كلِّ ما يعرضُ للإنسانِ من ظواهرٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ وأخلاقيةٍ ودينيةٍ وفلسفيةٍ، حتى صارَ ما لا يقعُ داخلَ إطارِ التجريبِ في مقامِ العدمِ.
ولا شكَّ أنَّ النظرياتِ العلميةَ التجريبيةَ لها أثرٌ كبيرٌ على اتجاهاتِ الفكرِ البشري في شتى المجالاتِ منذُ بدايةِ عصرِ ازدهارِ العلمِ التجريبي والثورةِ الصناعية، فمثلًا حين اشتهرتِ النظريةُ النسبيةُ وجدنا الأفكارَ البشريةَ تحذو حذوَها وتسعى أنْ تجعلَ كلَّ شيءٍ نسبيًا، حتى فهْمُ النصوصِ الدينيةِ مثلًا يصير نسبيًّا، وحين اشتهرت نظرياتُ الكمِّ ومبدأِ عدمِ التأكدِ، انتشرت الأطروحاتُ الفكريةُ في كلِّ المجالاتِ تزعمُ عدمَ وجودِ حقائقٍ يقينيةٍ مطلقةٍ، ولم يسْلَم أيُّ مجالٍ فكريٍّ إنسانيٍّ من محاولاتِ التطويعِ للخضوعِ لقواعدِ المناهجِ العلميةِ التجريبيةِ، وإعادةِ صياغةِ كلِّ المجالاتِ الفكريةِ لتوافقَ نظرياتِها.
ونبدأُ بالتعريفِ بالمنهجِ العلميِّ التجريبيِّ، فنجدُ بعدَ المرورِ بالعديدِ من التعريفاتِ المختلفةِ أنَّها جميعًا تدور في إطارٍ تصفه بأنَّه العمليةُ التي يمارسُها الإنسانُ في العلومِ الطبيعيةِ للوصولِ إلى نظرياتٍ تفسِّرُ العلاقاتِ بينَ أجزاءِ الكونِ المتنوعةِ، وتتضمنُ هذه العمليةُ خطواتٍ تبدأُ بالرصدِ والملاحظةِ وجمعِ المعلوماتِ ثمَّ الاستقراءِ وصياغةِ الفرضياتِ وطرحِ الأسئلةِ ووضعِ تخميناتٍ قابلةٍ للتجريبِ، ثمَّ تأتي مرحلةُ التجريبِ ثمَّ مرحلةُ تحليلِ النتائجِ ومقارنتِها معَ الفرضياتِ والتوقعاتِ قبلَ التجريبِ ومقارنتِها بنتائجِ التجاربِ المشابهةِ.
وننوِّهُ هنا إلى الخلطِ الحادثِ بينَ تعريفِ العلمِ التجريبيّ وبينَ المعرفةِ الإنسانيةِ، فلا بدَّ من التأكيدِ على أنَّ المعرفةَ الإنسانيةَ أشملُ وأعمُّ، وأنَّ العلمَ التجريبيَّ هو أحدُ المدخلاتِ والمصادرِ المعرفيةِ التي تشملُ أيضًا مصادرَ أخرى مثلَ الحسِّ والمشاهدةِ وما يتبعُها من تجربةٍ ثمَّ العقلُ والحدسُ والخبرُ، وهذه المصادرُ تتكاملُ فيما بينها ويعتمدُ عليها كلُّ إنسانٍ في بناءِ معرفتِه وإنْ لم يدركْ ذلك، فكلُّ مصدرٍ وله مدخلاتُه وطرقُه وله النطاقُ الخاصُ به.
وقد روَّجَ الكثيرُ من روادِ هذه “النزعة العلموية” للعديدِ من الأدلةِ التي تقطعُ – بزعمهم – بكفايةِ العلمِ التجريبيّ و الاقتصارِ عليه في كلِّ نواحي الحياةِ، منها أنَّه قد فسَّرَ الكثيرَ من ظواهرِ الكونِ وأسرارِه العظيمةِ، فلمْ تعدْ معَه الحاجةُ إلى مصدرٍ آخرٍ، وبمثلِ ذلكَ يقولُ أوجست كونت : “كلُّ المتعلمينَ من أبناءِ المدينةِ الحديثةِ يعتقدونَ بأنَّ الحوادثَ العالميةَ والظواهرَ الطبيعيةَ لا بدَّ لها من أنْ تعودَ لسببٍ طبيعيّ.” [١] ونردُّ على ذلك بأنَّها دعوى غيرُ صحيحةٍ ولا دليلَ عليها، ولا يمكنُ الاستدلالُ عليها لا بالعلمِ الطبيعيّ نفسهِ – ففي ذلك خطأٌ منهجيٌّ بالاستدلالِ على صحةِ الشيءِ بنفسِه – ولا بغيرِ العلمِ الطبيعيّ؛ لأنَّهم إنْ فعلوا، ناقضوا أصلَهم المزعومَ بالاقتصارِ على التجريبِ.
ويزعمُ أيضًا المغالونَ أنَّ العلمَ التجريبيَّ وحدَه يملكُ المعاييرَ الموحدةَ، وأنَّه وحدَه الذي لا ينحازُ ولا يحيدُ، وهو ادعاءٌ ظاهرُ البطلانِ ولا يحتاجُ لكثيرِ أدلةٍ لنقدِه، فأولًا: لا نكادُ نجدُ معيارًا لتحديدِ مجالاتِ العلمِ التجريبيّ سوى أهواءَ العلماءِ، فنجدُهم يقرُّون أحيانًا بمكوناتٍ لا تخضعُ للتجريب، وحينَ يستخدمُ آخرونَ نفسَ الوسائلِ والقوانينِ لإثباتِ فرضيةٍ فلسفيةٍ أو دينيةٍ – كإثباتِ وجودِ الخالقِ مثلًا – نجدُ الاعتراضاتِ بأنَّ هذه المجالاتِ لا تدخلُ في إطارِ العلمِ التجريبيّ، وحتى في داخلِ الإطارِ التجريبيّ نفسِه تظهرُ بوضوحٍ سيطرةُ الأهواءِ والتحيزِ المسبقِ والانتماءِ العرقيّ والفكريّ، وعنْ ذلكَ قالَ دومينيك فينك: “في كثيرٍ من الأحيانِ لا يتمُ تقييمُ الإثباتاتِ العلميةِ بعيدًا عن المقاييسِ الشخصيةِ والانحيازِ.”[٢]
ومنْ منطلقٍ آخرَ يصرِّحُ برتراند راسل: “إنَّ الذي يعجزُ العلمُ الطبيعيُّ عن اكتشافِه لا يستطيعُ البشرُ معرفتَه.”[٣] ويقول جي مورلاند: ” العلمُ وحدُه يحققُ الحقَ، وكلُّ شيءٍ آخرَ مجردُ عقيدةٍ ورأيٍ.”[٤] وبهذا المنطلقِ تُقَوَّضُ الفلسفةُ والأديانُ بدعوى أنَّها لا تخضعُ للتجريبِ، وهى أيضًا دعوى خاطئةٌ؛ لاستحالةِ توحيدِ منهجٍ محددٍ لاستيعابِ كلِّ الظواهرِ الكونيةِ والإنسانيةِ وغيرِها، فضلًا عن أنَّ المنهجَ التجريبيَّ ذاتَه يستخدمُ مدخلاتٍ معرفيةٍ متنوعةٍ وعملياتٍ عقليةٍ مختلفةٍ، وإنْ كانَ للحسِّ المُشَاهَدِ دورٌ محوريٌّ فيها.
لذلك نردّ على هذه الدعوى بأنَّ العلمَ التجريبيّ ما هو إلا إحدى الوسائلِ المعرفيةِ، وأنَّ له دورَه الهامَّ في نطاقِه الخاصِّ به والذي لا يتعدَّاه لغيرِه، ولكنَّه قاصرٌ في أنْ يحتكرَ وحدَه المعرفةَ الإنسانيةَ كلَها، فليسَ كلُّ ما في حياتِنا يُدرَكُ بالحواسِ المباشرةِ أو يخضعُ للتجربةِ، بل إنَّ المنهجَ التجريبيَّ في ذاتِه قائمٌ على باقي المصادرِ المعرفيةِ الأخرى، فيبدأُ كثيرًا من الأحيانِ بافتراضاتٍ عقليةٍ محضةٍ وأفكارٍ حدسيةٍ ثم يأتي الاستدلالُ عليها، ويعتمدُ في كثيرٍ من أحيانِه على المسلماتِ العقليةِ التي لا تحتاجُ لبرهانٍ وعلى المبادئِ العقليةِ الضروريةِ مثلِ الاستدلالِ على الشيءِ غيرِ المحسوسِ بأثرِه (دلالة الأثر على المؤثر)، بل إنّ العلماءَ التجريبيينَ أنفسَهم يتناقلونَ ما توصلوا إليه عن طريقِ الخبرِ وإلا لزمَ على كلِّ أحدٍ أنْ يجربَ بنفسِه كلَّ شيءٍ وأنْ يبرهنَ على كلِّ افتراضٍ وحقيقةٍ، وحتى على البدهياتِ، فيفضي ذلك إلى التسلسلِ والدورِ القبلي ويستحيلُ معه بناءُ أيّ معرفةٍ صلبةٍ.
وأيضًا لا يكادُ يخلو مجالٌ علميٌّ تجريبيٌّ من أوجهِ قصورٍ، فلا نجدُ مثلًا في مجالاتِ الفيزياءِ الحديثةِ نظريةً ثابتةً ثبوتًا مطلقًا، ولا تخلو الافتراضاتُ والأطروحاتُ من أوجهِ عجزٍ أو نقصٍ، وكلما أجابتِ الفيزياءُ عن سؤالٍ ظهرتْ أمامَه عشراتُ الأسئلةِ، ونجدُ المنصفينَ من روادِ المنهجِ العلميّ التجريبيّ يشهدوا بذلك، فيقولُ إسحاق نيوتن: ” أنا لا أعرفُ كيفَ أبدو للعالمِ، ولكنْ أمامَ نفسي أبدو كطفلٍ يلهو على شاطئِ البحرِ، ألهي نفسي بين الحينِ والآخرِ في البحثِ عن حصاةٍ ملساءٍ أو صدفةٍ جميلةٍ أكثرَ من المعتادِ، بينما يمتدُ أمامي محيطُ الحقيقةِ مجهولًا.”[٥] ويقولُ أينشتاين: “كلمَّا اقتربتِ القوانينُ من الواقعِ أصبحتْ غيرَ ثابتةٍ، وكلما اقتربتْ من الثباتِ أصبحتْ غيرَ واقعيةٍ.”[٦]وقالَ برتراند راسل: “العلماءُ يعترفونَ في تواضعٍ بوجودِ مناطقٍ يجدُ العلمُ نفسَه عاجزًا عنِ الوصولِ إليها.”[٧]
وجديرٌ بالذكرِ أيضًا أنَّ التعاملَ معَ المنهجِ العلميّ التجريبيّ بنظرةِ التقديسِ ومبدأِ “لا مِساسَ” يقوِّضُ الفكرةَ المركزيةَ في المنهجِ ذاتِه، والتي تقومُ على النقدِ البناءِ المستمرِ والبحثِ الدائمِ عنْ مواطنِ الخطأِ والخللِ، ولا يغيبُ عن أحدٍ كيفَ تأتي النظرياتُ الجديدةُ تصححُ القديمَ وتبينُ خطأَه وتهدمُ المعتقداتِ التي ظلتْ راسخةً كالمسلَّماتِ لقرونٍ من الزمنِ، فنحنُ في هذا المقامِ لسنَا بصددِ التقليلِ من أثرِ العلمِ التجريبيّ أو التحقيرِ من شأنِه، فنحنُ نعتمدُ عليه في جُلِّ أمورِ الحياةِ ونسلكُ منهجَه في علمِنا وعملِنا ونستخدمُ مخترعاتِه ومكتشفاتِه في كلِّ حينٍ وننتفعُ بها، ولكننا ندعو إلى التعقلِ وعدمِ المغالاةِ والبعدِ عن الأوهامِ في تقديسِ العلمِ التجريبيّ وتأليهِه، وإدراكِ أنَّه أداةٌ لها منافعُها ومساوئها، ولها مجالاتٌ خاصةٌ بها تجوزُ فيها ولا تجوزً في غيرِها، وأنَّه يتكاملُ مع باقي مصادرِ المعرفةِ ومع ما تيقَّنَ منه البشرُ من أنظمةٍ أخلاقيةٍ ودينيةٍ، ومن دونِ ذلكَ التكاملِ يصيرُ العلمُ التجريبيّ وسيلةً في أيدي البعضِ ينشرُ بها الماديةَ والطبقيةَ، ويسبِّبُ الدمارَ والتلوثَ ويهدِّدُ التوازنَ البيئيَّ، وهذا مِمَّا يشهدُ به أربابُ المنهجِ ذاتِه، ونذكرُ قولَ أينشتاين: “العلمُ بلا دينٍ هو العرجُ، والدينُ بلا علمٍ هو العمى.”[٨]
وفي الختامِ نؤكدُ على تقديرِ العلمِ التجريبيّ والطبيعيّ بشكلٍ خاصٍ في الشريعةِ الإسلاميةِ، فقد حثَّ الإسلامُ على طلبِ العلمِ وعلى إعمارِ الأرضِ كما لم يحثْ دينٌ آخرٌ، والإنسانُ لا قيمةَ له من دونِ منهجٍ يسيرُ عليه ومن دونِ عملٍ نافعٍ مبنيٍّ على علمٍ وقصدٍ، وقد برعَ علماءُ الإسلامِ وسلفُنا الصالحُ في وضعِ مناهجٍ بارعةٍ؛ لنقلِ كافةِ علومِ الدينِ الحنيفِ، فظهرتْ للدنيا عبقريةُ علومِ اللغةِ العربيةِ والنحوِ وما خدمتْ به القرآنَ الكريمَ نقلًا وتلاوةً، ولمعتْ علومُ الحديثِ؛ لتمحيصِ السنَّةِ الصحيحةِ وحمايتِها من الكذبِ والوضعِ والخطأِ، وبرزتْ نباهةُ علماءِ الفقهِ في استخراجِ الأحكامِ ومهارةِ الاستدلالِ، ولا يخفى على أحدٍ ما قدَّمَتْه الحضارةُ الإسلاميةُ للعالمِ كلِّه في عصورِ النهضةِ الإسلاميةِ من علومٍ في كافةِ المجالاتِ البشريةِ والطبيعيةِ كانتْ نواةً للنهضةِ الحديثةِ في أوروبا بشهادةِ المُنْصفينَ من روادِ العلومِ الطبيعيةِ.
فيكفيكَ دليلًا أنْ تقرأَ عن الخوارزميّ والرازيّ وغيرِهم الكثيرِ، وأُحيلُ إلى كتابِ “شمسُ العربِ تسطعُ على الغربِ” للكاتبةِ الألمانيةِ سيغريد هونكه، لِمن أرادَ أنْ يستزيدَ في هذا الصددِ.
الحكمة من إخفاء الحكمة في بعض أحكام الله تعالى
الكاتب: إبراهيم بن محمد خليل الغزالي
بسم الله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وبعد:
من أوضح الأمراض التي انتشرت في الآونة الأخيرة؛ هي النّسبية في كل شيء، والاعتراض على أحكام الله لمجرد جهل الحكمة منها، أو حتى اعتقاد أن حكمًا آخر أفضل وأنسب لزماننا من حكم الله تعالى -والعياذ بالله-، لذلك كان من المهمّ أن أتناول هذه المرة موضوع حكمة الجهل بحكم بعض الأحكام الشرعية، لكن قبل ذلك لا بدّ من تصحيح مفهوم العلاقة بيننا وبين ربِّ العزة جلّ علاه، فهي ليست علاقة موظف بمديره أو مواطن بحاكمه؛ وإنّما هي علاقة عبد -وأكرر عبد- بربِّه و مالكه، مع العلم أنّ البعض -والعياذ بالله- يتعاملون مع مدرائهم وحكّامهم بطريقة أكثر احترامًا من طريقتهم مع الله تعالى!، فتراهم يناقشون أحكام الله تعالى القطعية والتي لا خلاف عليها بين العلماء، كما لو كانوا يتناقشون أي طعام أفضل أو أي بلد أنسب للسياحة!، ومن ثمّ يقررون من غير علم ولا فهم أن حكمًا ما من أحكام الله تعالى لا يناسب عصرنا، أو حتى يتجرأ بعضهم بنعت أحكام الله تعالى بالظّالمة أو الوحشية؛ كقطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن، أو كفر النصارى واليهود، أو جواز تعدد الزوجات، وغيرها من أحكام الله التي لا خلاف عليها، ذلك فقط لأنّهم جهِلوا الحكمة من هذه الأحكام!، وقد وصلت الوقاحة ببعضهم أن يقرّ و يقول: (نعم هي أحكام الله، ولكن أرى العدل في غيرها)، تعالى الله عما يفترون علوًّا كبيرًا، ومما أدى إلى ذلك: هو تشوه مفهومِ العبوديّةِ عندهم، فنحن عباد لله هو خلقنا وأطعمنا وسقانا وآوانا وحفظنا، وأجاب دعاءنا، ونجانا في الكثير من الأحيان، ولم يعجلنا بعقوبة رغم ذنوبنا ليلًا و نهارًا، ورغم أنَّا عبيد لا فضل لأي مخلوق على ربِّه، والفضل كله منه جل علاه، فمهما فعل ربُّ العزّة بنا فلا حق لنا بالاعتراض، فحكمه فينا ماض وقضاؤه فينا عادل، وما فرضه علينا من أحكام هو الحقُّ والكمال والعدل، فما نحن إلا عباد أذلّاء فقراء ضعفاء محتاجون، ولم و لن تنتج عقولُنا و لو اجتمعت حكمًا واحدًا أفضل من حكم الله تعالى؛ لأن ربَّ العزة هو ربنا، وهو خالقنا، وهو أعلم بما يصلح أمورَ دنيانا وأخرانا، حيث قال جل علاه: ﴿أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وما خالف حكمه ما هو إلا النقص والجهل حيث قال تعالى:﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، قال العلّامة ابن القيم في “الصواعق المرسلة” (٣ / ١٠٤٦): “أخبر سبحانه أنّ كلّ حكم خالفَ حكمَه الذي أنزله على رسوله؛ فهو من أحكام الهوى لا من أحكام العقل، وهو من أحكام الجاهلية لا من حكم العلم والهدى”.
فكيف بعد هذا كلِّه يتجرّأ عبد من عباد الله على الاعتراض على حكم من أحكام الله تعالى فقط لأنَّه جهل الحكمة منه؟!، و لكن هو الجهل والهوى والكبر الذي يعمي البصيرة حتى لا ترى الحقَّ الأبلج و العياذ بالله. وهنا أقول للمعترض: ألم تقرّ بوجود الله تعالى؟، إن قلت: نعم؛ فإنك عند إقراراك بوجوده تعالى، أقررت له لزامًا بالكمال التّامّ من كل وجه، والتنزيه الكامل من كل عيب أو نقص، سواء في أفعاله أو صفاته تعالى، فهذا الإقرار بالكمال من مستلزمات الإقرار بوجوده تعالى، وإن قلتَ: لا؛ فلم تعترِض على حكمة رب لا تقر بوجوده ؟!.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّه من لطف الله بنا لم يجعل حكم كلِّ أحكامه مبهمة؛ بل حكم الكثير منها معروفة رحمةً بنا كي ندرك بذلك حكمة الله تعالى الكاملة، وكي نستدل بما علِمنا على ما جهلنا، فنستدلّ لبعض الحِكم التي تظهر لنا في أوامر الله عز وجل على ما جهلنا ممّا لم يظهر، حيث لا يلزم من الجهل بالحكمة أن هذه الحكمة معدومة، فمثلًا في الميراث: للذَّكر مثل حظ الأنثيين، لأن الذكَر في الإسلام مكلف بالإنفاق على كلّ من يعوله من نساء وأطفال، بينما المرأة ولو كانت أغنى الناس فهي ليست مجبرة أن تنفق على زوجها، بل وزوجُها لا بد له أن ينفق عليها، وبالنسبة لتعدّد الزوجات؛ فمن المعروف أنّ أغلب من يقتل في الحروب هم الرجال، وأغلب من يموت بحوادث العمل هم الرِّجال، وفي معظم بلدان العالم نسبة الإناث أكبر من نسبة الذكور، ولذلك لو لم يشرع التعدّد لبقي مئات آلاف النساء بلا أزواج، ولَانتشر الزنا وبيوت البغاءِ في كل مكان، وهذا هو حال بلاد الكفار الآن، كما لزادت نسبة العنوسة والأرامل والمطلقات، وهذا هو الحال في بلاد المسلمين التي لا ينتشر فيها التعدد بكثرة، أمّا اذا جئت لحكم العبيد والجواري في الإسلام؛ والذي كثُر فيه اللغط لترين في هذا الحكم عين الحكمة، حيث يعترض كثر على عدم إلزام الإسلام المسلمين بتحرير العبيد والإماء دفعة واحدة وفي لحظة واحدة، ولقصر نظرهم يرون أن اقتصار فك الرقاب على حالات معيَّنة مثل القتل الخطأ، والظهار، ونقض الأيمان ظلم. ويرون الكمال في فكِّ كل العبيد والإماء دفعة واحدة، ولو حصل ما يرونه حكمة لحصلت كوارث في المجتمع المسلم؛ حيث سيكون في يوم واحد آلاف العبيد والجواري بلا سكن أو طعام وفي الشارع، وعندها سيتّجه غالب الجواري للبغاء، وغالب العبيد لقطع الطريق والسرقة ولفسد المجتمع، أمّا حكم الله تعالى فقد ضمن للعبيد والجواري المسكن والمطعم والمعاملة الحسنة، وحضّ على فكاك رقابهم حتى لم يبقَ عبد ولا أمَة في المجتمع المسلم الآن، ولو يتَّسع المقام لذكرت لكم العديد من الأحاديث في هذا المجال، والتي تظهر أنّ الحكمة كلها والكمال كلَّه في حكم الله تعالى، لا في سواه، ولذلك وجب على كل ذي لبٍّ أن يسلم لحكم الله تعالى، حتّى و لو لم يعلم الحكمة؛ لأنّ الأصل في أحكامه هي الحكمة، والتي ندركها في الكثير منها، وبالتالي: فما خفيت علينا حكمته وجب علينا التسليم له مع اليقين بأنه الأفضل، أمّا لماذا تخفى علينا بعض الحكم؛ فهذا حتى يختبر الله تعالى إيمان عبده، أيستسلم لحكم ربِّه، أم يعترض على الله تعالى ويستكبر؟، فما كلُّ من ادعى الإيمان مؤمن حيث قال تعالى : ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُترَكوا أَن يَقولوا آمَنّا وَهُم لا يُفتَنونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، كما أنّ العقل البشري له حدود في إدراك الأمور مثله مثل باقي الحواس، فمثلًا لا نستطيع أن نسمع إلَّا الموجاتِ الصوتية التي يقع تردُّدها في مجال معين، ولا نستطيع أن نرى إلا الأجسام التي تبعد عنا مسافة تقع في مجال معين، وكذا إدراكنا؛ فله مجال معين لا يمكن تجاوزه، حيث قال ابن رشد: “أصدق ما قال القوم [يعني: الفلاسفة]: أن للعقول حدّا تقف عنده، ولا تتعداه”، ولكن في نفس الوقت لا بدَّ من التنبيه بأنَّ الشرع لا يأتي بمحالات العقول؛ وإنَّما يأتي بمحارات العقول، وهذا ما فصل به شيخ الإسلام حيث قال: “ولا ريب أنّ الرُّسل صلوات الله عليهم يخبرون الخلق بما تعجز عقولهم عن معرفته، ولا يخبرونهم بما يعلمون امتناعَه، فهم يخبرونهم بمَحارات العقول، لا بمُحالاتها، فمن أراد أن يعرف ما أخبرت به الرُّسل بعقله؛ كان شبيهًا بمن قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِذا جاءَتهُم آيَةٌ قالوا لَن نُؤمِنَ حَتّى نُؤتى مِثلَ ما أوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال: ﴿بَل يُريدُ كُلُّ امرِئٍ مِنهُم أَن يُؤتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]. “درء تعارض العقل والنقل ٧/٣٢٧”.
ولعلمه سبحانه بأنَّ العباد قاصرون عن أن يحيطوا علمًا بحكمته، وقدرته، وتدبيره لأمر خلقه؛ قطع سبحانه أطماعَهم عن منازعتِه في سلطانه، أو مُساءلته في شأنه، فإنّ الرّبَّ هو الذي يسأل عباده، ويحاكمُهم، وأما العبيد؛ فهم عبيد، قال تعالى : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [القصص: ٦٨]، و قال جلَّ علاه : ﴿لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، و قد قال شيخ الإسلام عن هذه الآية: “وهو لا يُسأل عما يفعل؛ لكمال حكمته ورحمته وعدله، لا لمجرَّد قهره وقدرته”.
انتهى، من: مجموع الفتاوى (٨/٥١١).
فمن خلال إخفاء الحكم في بعض الأحكام تتمايز الصفوفُ بين من آمن باسم الله الحكيمِ العليم اللطيف العدل الرَّحمٰن الرحيم الودود، قلبًا وعملًا ويقينًا، وبين من لم يكن له نصيبٌ من هذه الأسماء الحسنى إلا التّلفظ بها دونما يقينٍ أو إيمان فعليّ. و لا بدَّ أن نعلم خطورةَ هذا المرض وعواقبه، حيث لن يثبت لعبدٍ من الإسلام شيء دون أن يستسلم في الأمرِ كله، جليله وحقيره، لربِّ العالمين، ويرضى بشرعه ودينه، سواء وافق هواه أو خالفَه.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فلا تثبت قدم الإسلام إلَّا على ظهر التَّسليم والاستسلام، كما قال الطحاوي رحمه الله:
“ومن أراد أن يتعلَّم التَّسليم والرِّضا بحكم الله؛ فعليه بسِير الصحابة رضوان الله عليهم، الذين ضربوا أروعَ الأمثلة في التسليم لحكم الله، سواء علموا الحكمة من أمر الله أم لم يعلموا، ففي لحظة نزول تحريم الخمرِ غرقت شوارع المدينة بالخمر، ولم نسمع عن صحابي كلَّم رسول الله ﷺيقولُ له ما الحكمة من فعل ذلك؟، و لماذا لا نبيعها كي نستفيد من ثمنها؟ [١].
و كذلك في قصَّة الصحابي الذي كان يرتدي خاتمًا من ذهب، فرآه رسول الله ﷺ ونهاه عن ذلك، ورمى خاتمه أرضًا، وعندما قال له : خذ الخاتم و بِعه؛ رفض ذلك وقال: أنَّه ما كان أن يأخذ شيئًا رماه الرسول ﷺ [٢].
و كذا عندما نزلَ أمر الاحتجاب؛ سارعتِ النساء وهنّ في الأسواق وأخذن يحتجبن!، سبحان الله لم ينتظرن حتَّى يفهمْن الحكمة، أو حتّى يصلْن البيت، بل مباشرةً عمِدْن إلى اتباع أمر الله برضا وتسليم عجيب [٣].
وغيرها من صور التسليم البديعة، والتي تعلِّمنا كيف يكون التسليم لحكم الله تعالى، حتَّى ولو لم تُعرف الحكمة من ذلك.
بالفعل أتعب الصحابةُ مَن بعدَهم!.
ولذلك؛ أوصي نفسي وإيَّاكم بمجاهدةِ الهوى والكبر والجهل، كي نسلم من هذه الآفّة، فالحكمة كلُّ الحكمة في أمر الله، والجهلُ كلُّ الجهل فيما خالفه، والآن أتترككم مع هذه الآية الكريمة تتفكَّرون فيها، ومن ثم تختارون أي الفريقين تريدون أن تتَّبعوا: فريق الظَّالمين أم فريق المفلحين؟!،
قال الله تعالى : ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
إلماحةَ حول نشأةِ دعوى تعارض العلم الطبيعي والدِّين
الكاتب: أسماء العواودة
المراجعة: عائشة المحمدي
لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول وجود تعارض بين الدين والعلم، ولعلَّ بعض الشباب في مجتمعاتنا قد أغراهم تقدم الغرب التقني مع ما يصاحبه من رفع لافتات التحرر من كل شيء، وعلى رأس ذلك الدين، وعزو كل ذلك التحضر والتقدم العلمي لعدم الإيمان بالله؛ بإظهار أن الدين سخفٌ وجهالة وحجر على العقول، وأن السبيل الوحيد للرقي هو العلم التجريبي فقط.
وترى في الطرف المقابل فئة تتخذ من مهاجمة العلم الطبيعي وتحقيره وسيلة للدفاع عن الدين، وفئة أخرى سلكت منهج التأويل طريقاً للتقريب بين العلم والدين، فأوَّلت الآيات والأحاديث لتوافق النظريات العلمية.
فأيهم على صواب؟
وما حقيقة هذه العلاقة الشائكة -كما تبدو-؟
فلنتتبَّع باختصار أهم المحطات التاريخية التي أثَّرت في هذه العلاقة، والتي أحصرها بما يتعلق بالعلم الطبيعي التجريبي دون غيره من العلوم، فمصطلح العلم أوسع من أن يضيَّق ويحصر في الظواهر الطبيعية والتجربة؛ فالعلم يشمل جميع المعارف باختلاف مصادرها من وحي ونقل، أو عقل أو حس وتجريب.
- أصل الخلاف
إن التاريخ يذكر لنا أن علم الفلك قد شكَّل ساحة المعركة بين سلطة الكنيسة الكاثوليكية والعلماء في العصور الوسطى في أوروبا، حيث أقحم القس توما الإكويني نظرية بطليموس على طريقة أرسطو القائلة بمركزية الأرض في اللاهوت الكنسي، وقد لاقى ذلك قبولًا عند القساوسة، لدرجة أن اعتبروا ذلك جزءاً من الإيمان، وأن من يخالف هذا القول هو كافر مرتد، إلا أن ذلك لم يثنِ كوبرنيكوس الذي أفاض بحثاً في هذا الشأن؛ ليخلص إلى معارضة نظرية بطليموس بالقول بكروية الأرض ومركزية الشمس ودوران الأرض حولها، بيد أن كوبرنيكوس وهو من رجال الدين المعتبرين قد علم بخطورة ما توصل إليه من علم، فتردد كثيراً في إظهار فرضيته، فلم يتصادم مع الكنيسة إذ لم يصدر كتابه إلا وهو في مرض الموت، وذاع خبر نظريته بعد وفاته.
لقد كان كتاب كوبرنيكوس بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة والصراع مع السلطة الكنسية، فلقد تبنى نظريته كثيرون، مما جعل الكنيسة تحرِّم كتابه وتنذر أتباعه بوجوب التوبة أو العقاب؛ ليتصدر المشهد حينذاك الإيطالي برونو فيعلن بقوة الصدام مع الكنيسة بصفته أشد المناصرين لنظرية كوبر و ألد أعداء أفكار أرسطو التي اكتست بالقداسة، ورَفْضُ برونو التراجعَ عن معتقده أجج الصراع مع الكنيسة وقادها لخطوة لا رجعة عنها، فتم إعدام برونو حرقاً، ولم تعلم الكنيسة وقتئذٍ أنها كانت تحرق ما بقي لها من سلطة، فلقد تم استغلال هذا الحدث في تأجيج العداوة مع الكنيسة من قبل أعدائها في الأوساط الأوروبية من غير الفلكيين أولاً كتيارات الإصلاح الديني و جماعة الإنسانيين، ثم من الفلكيين الذين ازدادوا بحثاً في إثبات نظرية أستاذهم.
- معارضة وارتباك
ثم كان استخدام التلسكوب من قبل جاليليو في إبطال معتقد الكنيسة بمركزية الأرض صفعة قوية أربكت الكنيسة، فلا هي قادرة على معارضته علمياً ولا يمكنها التراجع عما أضفت عليه صفة القداسة، ولم يسلم جاليليو كذلك من الارتباك، فلقد أراد المقاربة مع الكنيسة بمحاولة تأويل بعض النصوص المقدسة لتدعم ما توصَّل إليه، سعياً منه لرأب الصدع، ومنهجية التأويل التي اتبعها جاليليو لم تؤتِ أكلها؛ بل زادت الطين بلة، إذ أظهرت ثغرات الكنيسة وهشاشة ما أدخلوه على الدين من تحريف، وينتهي الصراع مع جاليليو بالحكم عليه بالإقامة الجبرية، أما الكنيسة فأخذت تنأى بنفسها عن كل ما هو متعلق بالعلم مخافة أن تفقد ما تبقى لها من ماء وجه.
- علماء أوروبا يزدادون يقيناً بالخالق
لا غرو أن سطوع نجم إسحاق نيوتن بعد ذلك في أواخر القرن السابع عشر كان له التأثير الأكبر والصفعة الأعتى للسلطة الكنسية، فلقد قدم تفسيراً للكون بصورة رياضية من خلال ما توصل إليه من قوانين الحركة و الجاذبية، مما أزاح لغة الكهنوت من أذهان الكثيرين لتحل مكانها لغة الرياضيات و الأرقام في تفسير الظواهر الكونية، ولا بد من الإشارة هنا أن نيوتن نفسه كان مؤمناً؛ بل شديد التدين رافضاً لمبدأ الثالوث مهاجماً لمن يسوغ الإلحاد بالعلم فلقد قال: (الإلحاد قمَّة اللامنطقية، عندما أنظر إلى المجموعة الشمسية، أرى الأرض في البعد الصحيح عن الشمس لتستقبل الكمية الصحيحة من الضوء و الدفء، هذا لم يحدث بالصدفة)[1]. ولقد كان يشير دوماً إلى أن هذا الكون محكم الصنع والإتقان وأنه بتفاصيله يدل على الإله الخالق فيقول (إن الحركة المنتظمة للكواكب تجعل من المنطقي الاعتقاد بوجود دائم للإله)[2] وهو ما عرف بعد ذلك بحجة صانع الساعة الذكي.
- الفلاسفة يعتلون صهوة العلم ويحمِّلونه ما لا يحتمل
تلقَّف الفلاسفة أطروحات نيوتن بكل قوة وأسقطوها على كل ما لا يخضع للعلم، فاتخذوا من قوانينه في الحركة استغناءً عن الخالق، فنجد أنهم في أواخر القرن الثامن عشر قد أمعنوا في تعظيم المذهب التجريبي الحسي باعتبار أن لديه إجابات عن كل شيء، واضمحل دور الكنيسة في نفس الوقت، لكن من المهم معرفة أن رواد هذا التوجه أمثال فولتير وكانط وهيوم كانوا من الفلاسفة، ولا تكاد تجد بينهم من هو متخصص بالعلم.
إن المبالغة في تقديس العلم بتفسيراته ومنهجيته التجريبية بلغت أوجها في القرن التاسع عشر، واستشرس أصحاب التيارات المعادية للدين في اسقاطه باسم العلم، ووضع العلم بديلاً للإله، ليعرف هذا العصر بعصر عبادة العلم _وما عرف بعد ذلك بالعلموية_ مع ما صاحبه من تطور نتيجة الثورة الصناعية، فيعلن الإلحاد جهارة لأول مرة في أوروبا على يد التيار الماركسي، وازداد الهوس بالتجريب و اخضاع كل المفاهيم له و نبذ كل ما لا يخضع للحس و التجربة، وهنا تم تسييس العلم و إخراجه عن طبيعته التي تبحث في تفسير كيفية حدوث الأشياء الطبيعية إلى الإجابة على ما لا يخضع للقياس بأدوات العلم التجريبية كالغاية و الوجود و الخير و الشر لتدور الدائرة؛ فيتقمص العلمويون نفس الدور الذي لعبته الكنيسة في العصور الوسطى في أوروبا في تبني منهجية واحدة بإخضاع كل شيء لها، و إقصاء المخالفين و وسمهم بالجهل و الرجعية.
وهكذا تدرَّج إقصاء الدين عن الحياة والفكر حتى تم طرحه كعدوٍ للعلم، فإما أن تكون حياة رغيدة مضيئة بالعلم وتنبذ الدين، أو أن تكون عودة للدين ولظلمات القرون الوسطى وتسلط الكنيسة، لكن الوعود بحياة رغيدة تنتهي فيها الأمراض والأوبئة ويسيطر فيها الإنسان على الطبيعة لصالح الشعوب لم يتم الوفاء بها؛ فما وجد الناس إلا زيادة في الأوبئة والدمار الذي عم البلاد في حربين عالميتين ما زالت تعاني من ويلاتها الشعوب.
- خيبة أمل وفراغٌ روحيٌّ
ويبدأ الانبهار بالعلم و تقديسه بالتقهقر قليلاً في القرن العشرين مع ظهور النظرية النسبية واكتشاف الذرة والالكترون، فما كان حتميَّاً في نظر الفلاسفة الذين بنوا مفاهيمهم على أطروحات نيوتن غدا الآن نسبيَّا، وتلاشت المطلقات الفلسفية مع ما طرحه آينشتاين ، فأصبح العلماء أكثر تواضعاً على حد وصف سترومبرغ، وانتشرت في تلك الفترة المذاهب الروحية و المثالية و الوجودية سعياً لإرواء الحاجة الروحيَّة للإنسان بعد ما عاناه من جفاف بسبب تقديس كل ما هو ماديّ محسوس، وبدا واضحاً أن العلم ما هو إلا مجهود بشري خاضع للصواب و الخطأ، فما يظهر اليوم صوابه قد يكتشف غدا خطؤه؛ بل أصبح جليَّاً للعيان أن العلم وسيلة قد توظف للشر، فلا بد من سلطة علويَّة و قيمة أعلى تضبطه و توجهه.
- عن أي دين يتحدثون؟
لعلَّك تساءلت: وأين كان المسلمون من كل تلك الأحداث؟
لو سلَّطنا الضوء على الشرارة الأولى في الثورة العلمية وهي نظرية كوبرنيكوس لوجدنا أن علماء المسلمين كانوا قد كتبوا فيها من قبل، في الوقت الذي كان فيه مرصد مراغة الإسلامي يعجُّ بالعلماء المسلمين و يقصده كل من يصبو للفهم في هذا المجال من غير المسلمين خاصة من أوروبا؛ بل إن كثيراً من المؤرخين يؤكدون أن كوبرنيكوس ما كان إلا ناقلاً لعلم الفلك من مراغة، فيقول الفلكي الفرنسي ريجي مورلون:” ينبغي المرور عبر علم الفلك العربي كي نفهم كيف وصل كوبرنيكوس لنظريته، كل الأشكال الهندسية التي تشرح حركة الأجرام كتبها علماء باللغة العربية في القرن الرابع عشر؛ لقد اطلع كوبرنيكوس على نظرية الفلكيين المسلمين بمرصد مراغة كالشيرازي و الأزدي و الطوسي و ابن الشاطر.”[3]
لسنا هنا في صدد الحديث عن فضل العلماء المسلمين على العلم الحديث، إلا أن هذه الحقيقة التي لا ينكرها عاقل تردنا إلى مكانة العلم في الإسلام الذي كان أول ما تنزَّل من كتابه ” اقرأ “. ولا ريب أن العلم والعلماء كان لهم المكانة العالية في الخلافة الإسلامية، وذلك لعمق ارتباط المسلمين بدينهم الذي يحثهم على العلم ويعلمهم أن الزيادة في العلم زيادة في خشية الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) فاطر٢٨. ولقد شهد غير المسلمين للإسلام بذلك، يقول ستانلي لين بول: ” لم يحدث في تاريخ المدنية حركة أكثر روعة من ذلك الشغف بالعلم كما حدث في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فكان كل مسلم من الخليفة للصانع يبدو كأنما اعتراه شوق إلى العلم، وكان ذلك خير ما قدمه الإسلام.”[4]
فالدين الحق لا يتعارض مع العلم أبداً، بل إنه يعطيه المعنى الذي يزيده منفعة للبشرية ويحد من طغيان الإنسان باستخدامه، فكم استلهم علماء المسلمين من المنهج القرآني دعوته للنظر وإعمال العقل؛ فبنوا على ذلك أسساً منهجية تطبيقية، وغلَّفوها بالأخلاق التي دعا لها دينهم، في حين أن معضلة الأخلاق في المجامع العلمية لم تجد حلاً يتفق عليه الجميع حتى الآن.
إن رافعي لواء التعارض يضعون الدين في كفة والعلم في كفة أخرى، وكأن الدين هو فقط تلك الكنيسة حرَّفت نصوصها المقدسة وألَّهت نظريات بشرية، إنه لمن السذاجة الحديث عن الأديان في زماننا وكأنها نسيج واحد، فكيف يستوي دين يأمر بالعزوف عن الدنيا ويدَّعي أن المرض مسٌّ من الشيطان، ودين اختلط فيه كلام البشر بما هو مقدس فزاد الناس شكاً وضياعاً، ودين حقٌّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تالله لا يستوون.
- حميَّة لا بُدَّ لها من علمٍ وفقه
لقد أخذت الحميَّة بعض المسلمين في زماننا للدفاع عن الدين باستغراقهم في البحث في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم – وهو مبحث عظيم- فقاموا بتأويل بعض الآيات لتوافق نظريات علمية مطروحة، لكنهم غفلوا أن ما بين يديهم من نظريات ما هي إلا مجهود بشري من بعد نظر، فقد يعتريه الخطأ أو عدم الدقة؛ بل قد يثبت بطلانه تماماً في المستقبل، ولا شك أن القرآن معجز، ولكن لا بد من الحذر من المفاسد العظيمة المترتبة على تطبيق نتاج العلم التجريبي على نصوص الوحي.
لقد يسَّر الله لي أن أجتمعَ في أعمال بحثية علمية في الولايات المتحدة مع علماء من شتى المعتقدات الدينية، ورأيت عن قرب كيف يتلقف كل منهم النتائج المخبرية بما يتوافق مع معتقده، وكان مما يلفت نظري ندرة من قابلتهم من ملحدين باسم العلم؛ بل إن أكثرهم ممن لا يدين بدين يقر في نفسه بوجود خالق.
العلم أداة يسيِّرها صاحبها كيف يشاء؛ فحركة الأفلاك السماوية التي عمَّقت إيمان نيوتن هي نفسها التي أعلن بسببها لابلاس (أن العالم يمكنه الآن العيش دون الإله).[5]
إن العلم الصحيح يتناغم مع الدين الحق فيكون بذلك منفعة البشرية وخيرها في الدنيا والآخرة، وإن العالِم الربَّاني ليرتقي في إيمانه كلما ازداد علماً وعملاً بما يعلم.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً
سَلْوَةُ العُقَلاءِ
الكاتب: زينب عطية -الاء الصباغ -فاطمة محمد
كعادته يجلس إلى جانب الشرفة يراقب الأطفال يلعبون ويمرحون بلا ملل، لا يزعجه صخبهم ولا حتى عراكهم إن هم فعلوا؛ بل يتمنى لو انفك من أسر كرسيّه المتحرك وشاركهم..
لكنه لم يعد يبكي كالسابق، لم يعد ينكسر قلبه بنفس القدر الذي اعتاده صغيرًا، نعم لقد تعلم الرضا، وها هو يراقب بسعادة..
لعلّك تتساءل عن سر سعادته! إنه مع تلك الأم التي ترمقه بنظراتها الحانية من بعيد، التي قد سألت ربها يومًا أن يلهمها حسن الجواب على أسئلته، والتي تكررت كثيرًا، فلطالما سألها منتحبًا:
أماه لماذا أنا فقط بهذا الحال؟
لماذا جميعكم تروحون وتذهبون كما تشاؤون وأنا لا أفعل؟!
لماذا خلقني الله هكذا؟ ولِمَ لا يستجيب دعائي؟!
هل الله لا يحبني، وما الذي ارتكبته؟
أريد الذهاب للمسجد فقط، أريد أن أشتري لك حاجياتك مع أبي.. أريد أن أشارك أخي الذهاب للمدرسة كل صباح!
لَكَم تمزق فؤاد أمّه بسماع أنينه، وبثه شكواه، وكأن كلماته أسواط ملتهبة تنزل على قلبها الضعيف فتمزقه بلا رأفة أو رحمة، بينما ترى قرة عينها منكسراً حزينًاً.. مطأطئ الجبين
لكنها اهتدت أخيرًا إلى مصارحته بحقيقة هذه الحياة.. وبأن تلك هي مشيئة الله، وإرادته.
قد علّمته بأن له ربًا عظيمًا، وهو سبحانه على كل شيء قدير، أفعاله تتعلق بحكمته المطلقة، وهو الذي تنزه عن كل نقص وعيب، وحاشاه حاشاه أن يظلم أحدًا، لذا عليه أن يثق بأن ربه الرحمن الرحيم الرؤوف لم يرد به إلا خيرًا، وسيعوضه على صبره ورضاه خيرًا.. فربنا شكور
لا تتعجب.. فهي أم مؤمنة ولقد زرعت في قلب ابنها الإيمان، والإيمان بأن هناك دارًا يعوضه الله فيها ما حُرِم، ويَجبُر منه ما كُسِر، دارًا فيها ما يسُره ويرضيه إن هو صبر ورضي واحتسب..
ولا تزال تجلس إليه تحكي له عن نعيم الجنة وعظيم الأجر فيها، حتى لكأنك به يتعجل السفر إليها شوقًا وحبًا وأملًا ويقينًا..
لذا حُقَّ لي أن أقول: “إن الإيمان بالدار الآخرة وبالجزاء هو منتهى السعادة لكل حزين، والجبر لكل كسير، والعوض لكل فاقد، هو الدافع لكي نبقى صابرين ثابتين، فيه السلوى على ما يقع علينا من بلايا.. فيه الدواء والعافية لكل ما يصيب أمتنا من جراح..
فالحمد لله بكرة وأصيلا.
وبعد:
فإن الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة، كما أنه من الغيبيات.
وهو مع هذا حقيقة وواقع لا مفر منه كما قال الله تعالى:{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات:٥-٦]
وقد وردت آيات كثيرة في القرآن تدل عليه، وتشير لحقيقة أنه أمر ممكن عقلا؛ فلا العقل السويّ ينكره، ولا الفطرة السليمة ترفضه.
في هذا المقال -إن شاء الله- سنورد لكم من الأدلة على اليوم الآخر.. ما يهدي الله به الحيارى، وتَبطُل معه حُجة المنكرين.
- أولًا / [ الحياة بعد الموت أمر ممكن عقلًا]
جاء في كتاب [المعرفة] لمحمد القرني الذي يقول فيه:
يقوم الإيمان باليوم الآخر على أصلين، هما:
-البعث بعد الموت.
-إثبات الجزاء والحساب.
أما الأصل الأول: وهو إثبات المعاد والبعث بعد الموت، فهو مقتضى الإيمان بقدرة الله عز وجلّ.
يقول الإمام (ابن تيمية -رحمه الله-): فإن “الإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي؛ بل يبقِي الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع، ولا معلوم الإمكان الخارجي”.
وعلى هذا فلا بد لإثبات الإمكان الخارجي لشيء من الاستناد إلى الواقع الخارجي المشهود، وذلك إنما يكون بأحد ثلاثة أوجه، ملخصها:
- إثبات إمكان البعث بدلالة وقوعه فعلاً، وهذا دليل عدم امتناعه.
- إثبات إمكان البعث بدلالة وقوع نظيره، بحيث لا يمكن الحكم بامتناع ذلك الشيء إلا مع الحكم بانتفاء وجود نظيره، والذي قد تحقق وجوده استناداً إلى قياس الشيء على نظيره.
- إثباته بدلالة وقوع ما يكون البعث أولى بالوقوع منه (استناداً إلى قياس الأوْلى).
لذا، فالاستدلال على البعث قد شمل هذه الأوجه الثلاثة..
- ومثال الأول: أن الله قد بعث بعض من مات في هذه الحياة الدنيا، وما طير إبراهيم، وصاعقة قوم موسى منكم ببعيد.
- مثال الثاني: إيجاد الحياة في بذور النباتات بعد أن كانت في حكم الأموات.
- مثال الثالث: الاستدلال على البعث بالخلق الأول.
وفي هذا المقال سوف نسوق لكم بعض أدلة القرآن على ذلك.
- ثانيًا/ [ عرض لأدلة القرآن على ثبوت اليوم الآخر]
قد أشرنا منذ قليل _في العنصر الأول_ إلى إمكانية البعث بعد الموت عقلاً، وها نحن على نفس المسار نثبتها نقلاً
- في قياس الإعادة على البدء:
يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الرُّومِ: ٢٧]، وقوله تعالى:{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف:٢٩]. - في قياس الإعادة على ما هو أبلغ منها:
يقول الله تعالى:{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر:٥٧]
ويقول تعالى:{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس:٨١]، فهنا استدل الله (عزّ وجل) بالقدرة على خلق السماوات والأرض، على القدرة على ما هو دونهما. - وفي قياس الإعادة على وقوعها:
قوله تعالى:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:٢٨]، وقوله تعالى:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:٥٥-٥٦]
والآيات الدالة على إمكان البعث بعد الموت كثيرة جدا لا يتسع المقام لذكرها..
وأخيراً.. إذا ثبت أن الإحياء بعد الموت واقع فعلًا ولو لمرة واحدة؛ فإن هذا كافٍ في الدلالة القاطعة على إمكانه وقدرة الربّ -الخالق القادر- عليه.
وبعد أن عرضنا هذه الأدلة فإن العقل السليم يأبى إلا أن يرضخ لهذا الحق ويوقن به.
وسنوضح ذلك في المحور الثالث.
- ثالثًا/ [ لابد من الجزم بالثبوت أو النفي، وإلا فالحيرة]
خلق الله الإنسان ونفخ فيه من روحه وكرمه، فهل يليق بربٍّ خالقٍ حكيم أن يترك هذا الإنسان جاهلاً لمصيره متخبطاً في الأرض، يمضى في حياته بلا دليل ولا قبس يهديه؟ كلا وحاشاه سبحانه؛ بل إن حكمة الله تأبى إلا أن نهتديَ إلى أن هذا الكون لم يُخلَق عبثًا، وأن خلق الله للإنسان بصفاته التي هو عليها ليس باطلًا، ويستحيل أن تكون نهاية قصة خلق الإنسان محدودة بظروف هذه الحياة!
يستحيل أن تكون هذه هي نهاية ما نشاهده فيها من أعمال خير وشر!
وهذا هو الذي يوجه فكرنا إلى باب الإيمان بالجزاء، ويهدي عقولنا للاعتقاد بوجود حياة أخرى بعد الموت، يتم فيها الجزاء الأمثل وفق ما تقتضيه حكمة الخالق العظيم.
هكذا يظهر لنا -بتسلسل البناء الفكري المنطقي- ركن الإيمان باليوم الآخر، والدار الآخرة، وهو أحد أركان الإيمان الأساسية التي تألفت منها القاعدة الإيمانية في الإسلام، وفي كل الشرائع الربانية الحقّة التي لم يدخل إليها التحريف والتغيير والتشويه.
أما احتمال العبث من وراء هذا الخلق، فاحتمال مرفوض عقلا.
إذن، لا بد من وجود حياة أخرى تتحقق فيها الغاية من الحياة الأولى.
ينقل [تيلر] عن عالم الأحياء البريطاني [ميداور] وهو ملحد مثله، قوله: (إن الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالبدايات والنهايات، أمر خارج منطقيًّا عن مقدرة العلم الطبيعي).
لكن يعلق على هذا بقوله: (إن هذا مسلك يصعب قبوله، فما زالت هناك فجوة في حياة أناس كثيرين بسبب انعدام الغاية هذه)
حتى أنه قد نقل تساؤل لصحفي معاصر _يقال أنه: ابن لأحد الفيزيائيين_ وهو: (أي نوع من الحياة تلك التي يقدمها العلم الطبيعي لأهله؟ ماذا يقول لنا عن أنفسنا؟ وكيف نحيا؟ ثم يقول: ليس هناك من جواب جاهز على هذا السؤال!).
لذا من لا يؤمن باليوم الآخر وبإمكانية البعث بعد الموت وبحقيقة الجزاء؛ فيا للحيرة التي رمى نفسه فيها، ويا للتعاسة التي طغت على حياته فكَسَتها ظلمة وضياعاً..
فها هو هائم على وجهه؛ لا يدري لماذا هذا الذي سلبه حقوقه يعيش متنعماً، وذاك الذي مد له يد العون يعيش وحيداً فقيراً، لا يزال يتساءل كيف لفلان أن ينتصر عليه دائماً وبلا جهد؛ بل قل: لماذا هذا غني وغيره فقير، ولمَ ذاك قوي وغيره ضعيف، وهكذا تدور به الدوائر، ولا يعلم لِمَ يعيش وما الهدف إن استقام أو حتى طغى وتتعدَّى؟!
وهذا يسوقنا للعنصر التالي، ويؤكده العنصر الرابع والأخير معنا: [توقف الإلزام الخلقي عليه]
- رابعًا/ [توقف الإلزام الخلقي عليه]
فمما يتنافى مع المبادئ الخلقية العقلية الفطرية:
ألا تعتقد بالدار الآخرة وبالجزاء، وأن تستنكر أن يكون مصير المحسن كالمسيء.
{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}! [القلم: ٣٥]
لذا فالإيمان بالدار الآخرة وبالجزاء ضرورة خلقية، وإن شئت فقل ضرورة عقلية؛ لأن المبادئ الخلقية هي من بين الموازين التي فطر الله العقول لقياس الأمور وتقويمها، فما يتنافى مع الأخلاق يتنافى مع العقل الفطري.
فتلك الحياة التي نعيشها قد تسمح للمجرم بعيش رغيد، وقد تسمح للمسلم بذلك أو ربما بخلافه، وقد يقتُل فيها الفاجرُ التقيَّ، أو يظلم القويُّ الضعيفَ ويعذبه.. ومع هذا لا يلقى جزاءً معجّلًا على طغيانه!
وإن احتمالية عدم وجود الجزاء الأخروي تساوي بين المسلمين والمجرمين، والمظلومين وظالميهم
وهذا مستحيل! ويتنافى مع أصول العدل والحكمة الإلاهية؛ لذا هو مرفوض عقلًا
فالحقيقة أن الإيمان باليوم الآخر:
-ضرورة أخلاقية.
-مبدأ ضروري لسعادة الجماعة الإنسانية.
فالحمد لله الذي أمرنا بما فيه سعادتنا، الحمد لله الذي لم يتركنا حيارى، الحمد لله الذي جعل لنا يومًا تطيب فيه جراحنا، وتسكن فيه آلامنا، ونلقى فيه ربنا بأعمالنا، فللمحسن الإحسان وزيادة، وللمسيء الذل والهوان، والخيبة والخسران.
الحمد لله أن جعل لنا في الإيمان بالبعث والجزاء ينبوع أمل وتفاؤل لا يجف ولا ينضب.. ننادي في العالمين: «بأنَّا سَعدنا يا قومي؛ لأنَّا أُناسٌ ذوي أهدافٍ خَالدات..»
الرِّقُّ في الإسلامِ: هلِ الإسلامُ ضدُّ الحريةِ؟!
الكاتب: أ.د عنتر صلحي عبد اللاه
المراجعة: كرم شامية – مها السفياني
التدقيق اللغوي: إسراء عبدالرحمن
التصميم: معاني بنت فهد
تُثارُ إشكالاتٌ عديدةٌ حولَ تاريخِ الرقِّ في الإسلامِ خصوصًا في العصرِ الحاليِّ؛ حيثُ بلغتِ الثقافةُ الغربيةُ الغالبةُ أوجًا عظيمًا، وصارتِ الغلبةُ للمزاجِ الليبراليِّ فيمَا يُشكِّلُ الأحكامَ والتصوراتِ، وهذهِ الثقافةُ الغربيةُ تضعُ الإنسانَ في موقع الذروة؛ فحريَّتُهُ هيَ الهدفُ الأسمى، وتلبيةُ رغباتِه هيَ المقصودُ بكلِّ اختراعٍ أو تطورٍ أو تقدمٍ علميٍّ. وفي الثقافةِ الليبراليةِ لا شيءَ ينبغي لَهُ أنْ يعوقَ أو يحدَّ من هذهِ الحريةِ البشريةِ، ولا أنْ يرشّدَها ولا أنْ يهديَها سبُلَها ولَوْ كانتِ التعاليمُ السماويةُ.
ومصدرُ المشكلةِ هوَ تباينُ الرؤيةِ الإسلاميةِ عنِ الرؤيةِ الغربيةِ، فالرؤيةُ الإسلاميةُ تجعلُ ذروتَها رضا الرحمنِ سبحانَه وتعالى، وتجعلُ حياةَ الإنسانِ ورغباتِه في سياجٍ حصينٍ من تعاليمِ الرحمنِ ليسْعَدَ الإنسانُ. والإسلامُ يرى الإنسانَ مفضَّلًا ومكرَّمًا على غيرِه من المخلوقاتِ، ولهُ العقلُ الذي يجبُ أنْ يجيدَ استخدامَه ولهُ حريةُ الإدارةِ فيمَا يختارُ، غيرُ أنَّ الإنسانَ -في الإسلام- لوْ تُركَ بغيرِ الشرعِ لفسدتِ الأرضُ، ولاتَّبَعَ كلُّ شخصٍ هواه، ولاتَّخَذَ كلُّ واحدٍ إلهَهُ هواه. لذا كانتْ حريةُ الإنسانِ -في الإسلام – تنتهي عندَ حدودِ اللهِ، أمَّا في التصورِ الغربيِّ فحريةُ الإنسانِ تتوقفُ عندَ حدودِ حريةِ غيرِه من الإنسانِ، وهي حريةٌ تتَّبِعُ هوى الإنسانِ ولا تقيمُ وزنًا للوازعِ ولا الضميرِ ولا الأخلاقِ طالما لمْ تحققْ منفعةً للإنسانِ.
وموضوعُ الرقِّ في الإسلامِ موضوعٌ قديمٌ تناولَه المستشرقونَ في العصرِ الحديثِ، ولمْ يكنْ مثارَ جدلٍ قديمًا؛ لأنَّ كلَّ أممِ أهلِ الأرض كانتْ تمارسُ الرقَّ بصورةٍ من الصورِ، وكانتْ أعلاها وأنقاها وأفضلَها إنسانيةً الصورةُ الإسلاميةُ التي جعلتْ للعبيدِحقوقًا، ووسَّعتْ مجالاتِ العتقِ، وضيَّقتْ أبوابَ الرقِّ، حتى كادَ يختفي لولا بقاءُ الأسبابِ الموجِبَةِ لهُ عبرَ العصورِ، حتى بداياتِ العصرِ الحديثِ الذي تكوَّنتْ فيه الدولُ القطريةُ الحديثةُ، وظهرتْ فيه المواثيقُ والأعرافُ الدوليةُ.
وفي هذا المقالِ سنتناولُ بعضَ الشبهاتِ حولَ الرقِّ في الإسلامِ عبرَ محورينِ: حريةِ الإنسانِ، وانتهاءِ الرقِّ.
- أولًا : الأصل في الإنسان الحرية:
الحريةُ النفسيةُ في نظرِ الإسلامِ هي الأصلُ في كلِّ بني الإنسانِ، وهي ثابتةٌ منْ حيثِ الأصلِ لكلِّ البشرِ، وهذا ما تدلُّ عليه مقولةُ عمرَ بنِ الخطابِ الشهيرةُ التي قالَها مخاطِبًا فيها عمرًا بنَ العاصِ: “متى استعبدْتُمُ الناسَ وقدْ ولدَتْهُمْ أمهاتُهُمْ أحرارًا”[1]، وهي تدلُّ على الأصلِ اليقينيِّ الذي يثبتُ لكلِّ إنسانٍ يُوجدُ على وجهِ الأرضِ أنَّه حرٌ طليقُ الإرادةِ في تصرفاتِه واختياراتِه من غيرِ خضوعٍ لإرادةِ أحدٍ منَ البشرِ، ولا تكونُ تصرفاتُه مملوكةً لأحدٍ من الناسِ. قالَ الإمامُ الشافعيُّ: “أنّّ أصل الناسِ الحريةُ”[2]، ويقولُ ابنُ قدامةَ: “الأصلُ في الآدميينَ الحريةُ، فإنَّ اللهَ تعالى خلقَ آدمَ وذريتَه أحرارًا، وإنَّما الرقُ لعارضٍ، فإذا لمْ يُعلمِ العارضُ، فلَهُ حكمُ الأصلِ”[3] وبهذهِ المساواةِ بينَ جميعِ الأجناسِ والألوانِ والأعراقِ يتمايزُ الإسلامُ عنْ غيرِه منَ الدياناتِ والفلسفاتِ؛ ففي الفلسفةِ اليونانيةِ يرى أفلاطونُ أنَّ معيارَ الحريةِ هوَ العقلُ، فمنْ وهبتْهُ الطبيعةُ عقلًا مُفَكِّرًا فهوَ حرٌ، وبسطاءُ العقولِ همْ رقيقٌ بطبعِهم[4]، واليهوديةُ تقومُ على التمييزِ بينَ اليهوديِّ وغيرِ اليهوديِّ؛ فالجنسُ اليهوديُّ -عندَهم- لا يُسترقُّ لأنَّه عنصرٌ مقدسٌ مختارٌ منَ اللهِ بعكسِ غيرِهم من الأمَمِيين، وبعضُ الكنائسِ ترى الرقَّ اختيارًا منَ اللهِ لبعضِ الأجناسِ ليكونوا متصفينَ بالرقِّ خُدَّامًا لغيرِهم منَ الأشرافِ[5].
- إذا كانَ الأمرُ كذلكَ، فلمَاذا وُجِد الرقيقُ في المجتمعِ الإسلاميِّ؟
جاءَ الإسلامُ والرقُّ والاستعبادُ للبشرِ شائعٌ في الإنسانيةِ ومتجذرٌ في أعماقِها، لذا قامَ الإسلامُ بعمليةٍ إصلاحيةٍ ضخمةٍ للفسادِ في نظامِ الرقِّ، وارتقى بِهِ إلى مراحلَ متطورةٍ جدًا في تاريخِ الإنسانيةِ. فحَفِظَ للرقيقِ إنسانيَّتَه وحقوقَه، وعاقبَ من اعتدى عليه وظلمَه، وصحَّحَ العلاقةَ بينَ الرقيقِ وسيدِهِ وجعلَ له حقوقًا مُلْزِمةً، وسدَّ كلَّ منابعِه الظالمةِ وفتحَ السُّبُلَ لتقليصه في المجتمعِ. فألغى الإسلامُ كلَّ مصادرِ الرقِّ ولمْ يُبقِ إلَّا على مصدرٍ واحدٍ وهوَ الاسترقاقُ في الحربِ للمُحارِبِ فقط، ومنْ كانَ منَ الأعداءِ في بيتِه لمْ يباشرِ الحربَ ولمْ يحضرْ أرضَ المعركةِ فلا يصحُّ استرقاقُه[6].
ومعَ كونِ الاسترقاقِ في الحربِ للمحاربِ هوَ المصدرُ الوحيدُ للرقِّ، لمْ يجعلْهُ الإسلامُ الخيارَ الوحيدَ، بلْ جعلَ معَه خياراتٍ أخرى كالمنِّ والفداءِ، والقتلِ في بعضِ الأحيان: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}(محمد: ٤).
كما وسَّعَ الإسلامُ منافذَ العتقِ ورغَّبَ فيه، ومنْ هذهِ المنافذِ:
الصدقةُ: روى أبو هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: “منْ أعتقَ رقبةً مسلمةً، أعتقَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منه عضوًا من النارِ حتى فرْجَه بفرجِه”[7].
ومنها الكفارةُ: عنِ القتلِ الخطأِ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ }(النساء:٩٢)، وكفارةُ الظِّهارِ{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ}[سورة المجادلة ٣]، والحنثُ باليمينِ:{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ}(المائدة: ٨٩)، والجِماعُ في نهارِ رمضانَ كما جاءَ في السنة.
ومنها مصارفُ الزكاةِ: “وفي الرقاب” (التوبة: ٦٠)، ومنها العتقُ عن طريقِ المكاتبةِ:{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ}(النور: ٣٣)، وللعبدِ المُكَاتِبِ بذلكَ حقٌ مفروضٌ في الزكاةِ، ومنها العتقُ بسببِ الاعتداءِ على الرقيقِ، ففي الحديثِ: “منْضَرَبَ غلامًا لهُ حدًا لم يأتِهِ أو لطمَه فإنَّ كفارتَه أنْ يعتقَه”[8].
- وماذا عنِ الجواري والإكثارِ منهنَّ والتمتعِ بهنَّ كما شاعَ في الإعلامِ؟
- أولًا: كثيرٌ من الصورِ الإعلاميةِ في الأفلامِ والمسلسلاتِ مغلوطةٌ، تعملُ على تشويهِ صورةِ الإسلامِ من رؤيةٍ استشراقيةٍ.
- وثانيًا: ليستْ سلوكياتُ المسلمينَ تعبيرًا عنِ الإسلامِ دائمًا، فمنَ المسلمينَ الكثيرُ الذين لا يتَّبِعونَ تعاليمَ الدينِ الصحيحةِ، ولا ينبغي أنْ يُحاكمَ الإسلامُ إلى سلوكياتِهم الشخصيةِ.
- وثالثًا: بالنسبةِ إلى الجواري، تذَكَّرْ أنَّها اُسترقَّتْ عنْ طريقٍ واحدٍ فقط، وهوَ طريقُ المشاركةِ في القتالِ.
إذنْ هذهِ الجاريةُ هي في الأصلِ محاربةٌ معتديةٌ على المسلمينَ، ولوْ كانتِ الغلبةُ لجيشِها لكانوا استرقَّوا المسلمينَ كذلكَ، بلْ لمْ يكونوا ليلتزموا بشعائرِ الدينِ في التعاملِ معهم. وكمَا أنَّ هذهِ المحاربةَ كانتْ حريصةً على قتلِ المسلمينَ وتدميرِهم، فكانَ عقابُها الاسترقاقَ– إنْ لمْ ينلْها المنُّ أو الفداءُ- في حينِ أنَّ أختَها التي لمْ تحاربْ وبقيتْ في بيتِها لا تُسترقُّ وتبقى على حريتِها الأصليةِ، وتختارُ إمَّا الإسلامَ أو البقاءَ على دينِها.
بالإضافةِ إلى ذلكَ، فإنَّ المحاربةَ المُسترقةَ لا تُستكرهُ على الزواجِ، فهي إنْ أرادتْ ألَّا تكونَ فراشًا لمالكِها، فلا تُجبرُ على ذلكَ، ولكنْ تتَّجهُ إلى المكاتبةِ وتبقى عندَ مالكِها تخدمُه دونَ أنْ يمسَّها حتى تنتهيَ من سدادِ المبلغِ المتفقِ عليه فتحررَ نفسَها. وإنْ وجدت أنَّها مغلوبةً على أمرِها فقومُها همْ منْ أكرهوها على المحاربةِ، ولا مالَ عندَها، فإنَّها إنْ تزوَّجْها سيدُها من المسلمينَ حرَّرَها ولدُها الذي تلدُه فتصبحُ أمَّ ولدٍ محررةً.
والمسلمونَ لا يسترقونَ البلادَ التي يدخلونَها بالأمانِ، ولا بالنزولِ على الجزيةِ، فلا يكونُ الرقُّ إلا لامرأةٍ محاربةٍ مقاتلةٍ معَ الكفارِ أوْ وُجدتْ معَ المقاتلينَ لِتشدَّ من أزْرِهم على القتالِ. ولا يجوزُ لمسلمٍ أنْ يجامعَ أسيرةً قبلَ إقرارِ الحاكمِ المسلمِ برقِّها وعبوديتِها، وهذا أمرٌ تسبقُه أمورٌ، فربَّما رأى الحاكمُ العفوَ العامَّ عنِ الأسرى لمصلحةٍ للمسلمينَ، وربَّما رأى قبولَ الفديةِ، وغيرُ ذلكَ ممَّا هو معروفٌ، وربَّمَا عرضَ عليهنَّ الإسلامَ فيخلِّي سبيلَ منْ دخلتْ في الإسلامِ. فالأسيرُ مرحلةٌ قبلَ الرقِّ، ولا يكونُ رقيقًا حتى يحكمَ الحاكمُ المسلمُ عليه بهذا.
- حقوقُ الأرقاءِ في الإسلامِ[9]:
لم تكتفِ الشريعةُ الغرَّاءُ بتقليلِ عددِ العبيدِ والإماءِ فحسبُ، بلْ شرعتْ لهم حقوقًا و حفظتْ لهم كرامتَهم لكونهم بشرًا، معَ أنَّهم همْ منْ جنَوا على أنفسِهم بحربِهم الإسلامَ والمسلمينَ ومِن هذه الحقوقِ:
- التأكيدُ على المساواةِ في أصلِ الانسانيةِ،فقد قالَ النبيُّ ﷺ :” يا أيَّها الناسُ ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ ولا لأَحمرَ على أسودَ ولا لِأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتقوى”
- المساواة في الَأجرِ الَأخروي {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل: ٩٧) والآيةُ عامةٌ تشملُ كلَّ منْ عملَ صالحًا سواءً كانَ حرًا أو رقيقًا.
- إثباتُ الأخوة الإيمانيةِ ومقتضياتها بينَ السيدِ والعبدِ أو الأمةِ؛ لقولِه ﷺ: ” إنَّ إخْوانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ”متفق عليه.يعني مطعمَ ومشربَ وملبسَ العبدِ من حقوقِه على سيدِه و ليسَ أيَّ مطعمٍ أو ملبسٍ، وإنَّما ممَّا يأكلُ ويلبسُ السيدُ نفسُه، وإذا ما كُلِّفوا ما يشقُّ عليهم فالسيدُ يساعدُهم، يعني صارتْ علاقةَ أخوةٍ وأسرةٍ واحدةٍ، كما نهى النبيُّ ﷺ أنْ يناديَ السيدُ عبدَه يا عبدي أو أمتَه يا أمتي: “لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي” أخرجَه مسلمُ.
- الَأمرُ بالإحسانِ إليهم و إكرامهم”: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}(النساء: ٣٦) وعنْ أمِّ سلمةَ قالتْ: “كانَ مِنْ آخرِ وصيةِ رسولِ اللهِ ﷺ الصلاةَ الصلاةَ ومَا ملَكَتْ أيمانُكُمْ”.
- التأكيدُ على المساواةِ بينهما في القصاص كما جاءَ مُصرَّحًا بِهِ في قوله ﷺ: “منْ قتلَ عبدَه قتلْنَاه ومَنْ جدعَ عبدَه جدعْنَاه” حسنٌ غريبٌ وأخرجَه أبو داوودَ وابنُ ماجةَ.
- إيجابُ المهرِ للأمةِ المتزوجةِ {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النساء: ٢٥). وكانَ من نتيجةِ معاملةِ المسلمينَ للأرقاءِ هذهِ المعاملةِ، اندماجُ الأرقاءِ في الأُسرِ الإسلاميةِ إخوةً متحابينَ، حتى كأنَّهم بعضُ أفرادِها.
يقولُ جوستاف لوبون في (حضارةِ العربِ): “الذي أراه صادقًا هو أنَّ الرقَّ عندَ المسلمينَ خيرٌ منه عندَ غيرِهم، وأنَّ حال الأرقاءِ في الشرقِ أفضلُ من حالِ الخدمِ في أوروبا، وأنَّ الأرقاءِ في الشرقِ يكونونَ جزءًا من الأسرة… وأنَّ المواليَ الذينَ يرغبون في التحررِ ينالونَه بإبداءِ رغبتِهم.. ومعَ هذا لا يلجئونَ إلى استعمالِ هذا الحقِ” انتهى.
و في ظلِّ دينِ اللهِ الإسلامِ، سنحتِ الفرصةُ للعبيدِ والإماءِ أنْ يدخلوا ميزانَ التفاضلِ عندَ اللهِ
تعالى حتى ذابتِ الطبقاتُ المجتمعيةُ التي كانتْ في الجاهليةِ بينَ الَأحرارِ أنفسِهم وبينَ الَأحرارِ والعبيدِ، حيثُ لمْ يتركِ الإسلامُ أيَّ معيارٍ للتفاضلِ عندَ ربِّ العبادِ إلَّا التقوى، لا لونَ ولا جنسَ ولا رقَّ ولا مهنةَ ولا نسبَ ولا شكلَ بلِ الدينَ والإيمانَ فقط، فلا مانعَ أنْ يتقدمَ العبدُ على الحرِّ في بعضِ الأشياءِ فيما يفضِّلُه فيه من شئونِ الدينِ والدنيا، وقد صحَّتْ إمامتُه في الصلاةِ، وكانَ لعائشةَ أمِّ المؤمنينَ عبدٌ يؤمُّها في الصلاةِ، بلْ لقدْ أمرَ الإسلامُ المسلمينَ بالسمعِ والطاعةِ وإذا ملكَ أمورَهم عبدٌ!
- ثانيًا: هل قصد الإسلام إلى إلغاء الرق تمامًا؟
لم يأتِ نصٌ صريحٌ في القرآنِ أو السنةِ يدلُّ على ضرورةِ إنهاءِ نظامِ الرقيقِ، لذا اختلفَ العلماءُ في مقاصدِ الإسلامِ وهلْ قصدَ إلى إلغاءِ الرقِّ بالكليةِ أمْ لا؛ فمنهم منْ قالَ إنَّ مِنْ مقاصدِ الإسلامِ الكليةِ إبطالُ العبوديةِ وتعميمُ الحريةِ، منهم الطاهرُ بن عاشور، ومحمد رشيد رضا الذي قالَ: “ولمَّا كنَّا مخيرينَ فيهم – الأسرى – بينَ إطلاقِهم بغيرِ مقابلٍ والفداءِ بهم، جازَ أنْيُعدَّ هذا أصلًا شرعيًّا لإبطالِ استئنافِ الاسترقاقِ في الإسلامِ، فإنَّ ظاهرَ التخييرِ بينَ هذينِ الأمرينِ أنَّ الأمرَ الثالثَ الذي هو الاسترقاقُ غيرُ جائزٍ وإنْ كانَ هو الأصلُ المتَّبعُ -قديمًا- عندَ جميعِ الأممِ فمِنْ أكبرِ المفاسدِ والضررِ أنْ يسترقوا أسرانا ونطلقَ أسراهم.[10]
والفريقُ الثاني من العلماءِ يرى أنَّ الشريعةَ لمْ تصرِّحْ بضرورةِ إنهاءِ الرقِ، وأنَّه عقوبةٌ شرعيةٌ مثلَه مثلَ باقي الحدودِ، ورغمَ تضييق الشريعةِ في تطبيقِ الحدودِ فإنَّها لمْ تقصدْ إلى إلغائِها بالكليةِ.
ومِن أصحابِ هذا الرأي الدكتورُ محمدُ البهي الذي قال: “إذا لم يبقِ الإسلامُ استرقاقَ الأسيرِ كمبدأٍ، لا يكونُ منهجًا سليمًا لحياةٍ إنسانيةٍ كريمةٍ؛ لأنَّه عندئذٍ لمْ يشرْ بالأسلوبِ الذي ينطوي على الردعِ للمعتدي الأثيمِ الذي لا ينجحُ معَه اللينُ أو حسنُ الخلقِ… ومبدأُ الاسترقاقِ قائمٌ وباقٍ، لكنْ لا يجبُ الأخذُ به دائمًا، كمَا لا يجبُ التغاضي عنه لمصلحةٍ لا تعودُ على المسلمينَ بالخيرِ”[11].
ويتبقَّى سؤالٌ آخرُ: هلْ يمانعُ الإسلامُ من إلغاءِ الرقِّ بالكليةِ؟
والفارقُ بينَ السؤالينِ عظيمٌ، فالأولُ يسألُ عن حقيقةِ ما يدعو إليه الإسلامُ ومرادِ شريعتِه، أمَّا الثاني فهو يبحثُ في موقفِ الإسلامِ من الدعواتِ القادمةِ من خارجِه، والتي تدعو إلى إلغاءِ الرقَّ. والإجابةُ على هذا السؤالِ واضحةٌ وصريحةٌ ومجمعٌ عليها بينَ العلماءِ، وهي أنَّه يجوزُ التعاقدُ معَ غيرِ المسلمينَ على عدمِ الاسترقاقِ، وإذا دخلتِ الدولةُ الإسلاميةُ في هذا العقدِ فإنه يحرمُ نكثُه أو عدمُ الالتزامِ بِه[12].
وهو ما حدثَ فعلًا بتوقيعِ الدولِ الإسلاميةِ والعربيةِ على اتفاقيةِ الأممِ المتحدةِ لإبطالِ الرقَّ عام ١٩٥٦. وفي المقابلِ، فإنَّ رقًّا من نوعٍ جديدٍ ينتشرُ في العالمِ الغربيِّ بالذاتِ، وهو رقٌّ يتمثلُ في الاستعمارِ للشعوبِ ونهبِ خيراتِها وقتلِ رجالِها وفرضِ الأجنداتِ عليها بالقوةِ والتميزِ العنصريِّ بِناءً على اللونِ والرقِّ الجنسيِّ الخفيِّتحتَ ستارِ البغاءِ.
وبهذا نرى أنَّ الإسلامَ لمْ يستعبدِ الإنسانَ ابتداءً، بلْ أقرَّ الحريةَ الأصليةَ لكلِّ ذريةِ آدمَ، وأنَّه عالجَ مشكلاتِ المجتمع الإسلاميِّ الأولِ بتضييقِ مصادرِ الرقِّ وتوسيعِ منافذِ العتقِ، وكرَّمَ الرقيقَ وجعلَ لهم حقوقًا، ثمَّ إذا دُعيَ إلى عقدِ ميثاقٍ لعدمِ الاسترقاقِ كانَ من أسرعِ الملبِّينَ له، وصدقَ رسولُ اللهِ ﷺ:” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا”.
الإلحاد والخرافة
التصميم: معاني بنت فهد
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين، سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
- الخرافة:
هي الكلام الذي لا يصدِّقه العقل، ولا يستطيع قائلُه أن يُقيم عليه دليلًا، وهي في لغة العرب: من الخَرَفِ، بالتحريك وهو: فَسادُ العَقْلِ من الكِبَرِ، وقد خَرِفَ الرجُل، بالكسر، يَخْرَفُ خَرَفًا، فهو خَرِفٌ: فَسَدَ عَقْلُه من الكِبَرِ، وقيل: إن أصلَها أن رجلًا من العرب اسمه “خُرافة” أَسَرَتهُ بعض قبائل الجنِّ، فبقي فيهم حينًا، فرأى أعاجيبَ لا يصدّقها العقل، فكان يقصُّ على الناس ما رأى.
وفي القواميس الإنجليزية: “Delusion” الوهم أو الانخداع، ويرادُ به الاعتقادُ، أو الانطباع الخاصُّ الذي يعتنقُه شخصٌ ما بقوّة، على الرغم من تناقضِه مع ما هو مقبولٌ عمومًا؛ كحقيقةٍ أو حُجَّة عقلانية، وعادة ما يكون أحدَ أعراض الاضطرابِ العقلي.
ومن المصطلحات المرادفة له: Fiction” “، وهو: بناء منطقيٌّ لا يُعرف له شيءٌ يقابله في الواقع[1].
ومنها أيضًا: ”Myth” بمعنى الأسطورة أو الخرافة، وتُطلق على القصص التقليديةِ التي تتعلَّق بالتاريخ المبكر لشعبٍ ما، أو بشرح بعضِ الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية، وعادةً ما تنطوي على كائناتٍ أو أحداث خارقة للطبيعة، وبخاصةٍ تلك التي تنتمي إلى تقاليدَ دينيةٍ أو ثقافية معيّنة، وهذا الذي يُعرَف بعلم الأساطير “Mythology”، وهو مختصٌّ بالأساطير الدينية، والبعضُ يتصالحُ مع “الأساطير”؛ حتى يجعلها من التراث الشعبي، ويعاملها معاملةَ الفنون تحت اسم: الفولكلور [2]Folklore
وعلى أيّةِ حال؛ فإن الخرافاتِ أو الأساطيرَ تنتج عن جهلٍ وفساد في العقل، ولِكون الخرافات والأساطير خارقة لما ألِفه الناس، فقد خلط كثيرٌ من الجهلاء بينَها وبين الإيمانِ بالغيب، أو ما وراءَ الطبيعة (الميتافيزيقا)، فالعقلُ -بعيدًا عن الإيمان- لا يمكنه إدراكها أو معرفتها، لذلك فقد سطَّرَ القرآنُ موقف المكذبين للأنبياءِ أوِ الناصحين حين حدَّثوهم عن الله تعالى، وعنِ اليوم الآخر، والجنَّةِ والنارِ والملائكة والجنِّ والشياطين، حيثُ وصفَ المكذِّبون ما جاءت به الرسلُ بالخرافاتِ والأساطير، {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} (الأنعام: ٢٥)، قال تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} (الأحقاف: ١٧)، كما درجَ الملحدون من بعدُ -خاصةً المنظِّرين منهم- على اتِّهامِ الأديان بأنها أساطير وخرافات، ينخدعُ بها البسطاء الجهلاء، وأن المؤمنين بها هم “أتباع الخرافة” ، كما يفعل دائمًا “ريتشارد دوكينز”[3] صاحب كتاب: “وهم الإله [4] The God Delusion” ، وكما يفعلُ “العِلمويون” الذين لا يؤمنون إلا بما يدلُّ عليه العلم ويحكُمون على كلِّ ما لم يدركْه العلم بالخرافة والعدم، يقول الملحد ستيڤن هوكينچ -الفيزيائي المعروف- في حوارٍ له مع صحيفةِ الجارديان؛ حين سُئل عن الجنة: “هي حكايةٌ خرافيّة لهؤلاء الذين يخافون من الظلام”، وهذا لكونِ العلمِ لا يمكنُه رصد الجنّة، يقول البروفيسور جون لينكس تعقيبًا على هوكينج: “والإلحادُ حكاية خرافيةٌ لأولئك الذين يخافون من النُّور”[5].
وهكذا قد وقعَ التراشقُ بالاتِّهام بالتخريف بين أهلِ الإيمان وأهلِ الإلحاد، وأقصدُ بأهل الإيمان؛ كلَّ من يؤمن بوجودِ الله وبالغيب واليوم الآخر، فهل -حقًّا- هناك علاقة بين الدِّين والخرافة؟، أم أنَّ الخرافة أليق بالإلحاد؟.
على أنَّنا لا نستطيع أن ننكرَ انتشارَ الخرافاتِ في أوساط المؤمنين، وأنَّ عواملَ انتشارِها متوفرة لدى الكثير منهم، ومِن هذه العوامل: الجهل؛ فكثيرٌ من المؤمنين يرتضون لأنفسِهم أن يبقَوا مقلِّدين، ولا يشغلون أنفسَهم بالتَّفقه في الدين فضلًا عن الدفاع عنه، وربّما كان ذلك اكتفاءً منهم باعتناقِ الدين، والقناعةِ به، وهذا لا يعصِمُهم من رواجِ الأساطيرِ بين أمثالهم، لا سيّما إذا توافرَ العامل الثاني، وهو: قوة العاطفة؛ التي إذا لم يكنْ معها التحصُّنُ بالعلم؛ كانت مدخلًا لقَبول كُلِّ ما يُقال، وهذا الأمر -ولا شك- يوجدُ لدى كلِّ طوائفِ البشر، وثمّة عاملٌ ثالث؛ وهو كثرةُ أعداء الدين الذين يختَلقون الأساطير وينسِبونها إلى الدين، حيث لا أجد غضاضةً في أن أزعم أنَّ هناك محاولاتٍ حثيثةً لإلصاق تهمة الخرافة بالدين، خاصّةً دين الإسلام. ولكنّ الأمر من جانب الملحدين لم يسلَم من مخالفةِ المنهج العلمي الذي يقتضي النظرَ في المصادر الدينية، لا إلى الأتباع، فنجد مَن يحكمُ على الأديان بالخرافات يُعمِّم، ولا يفرِّق بين الدِّين وبين المؤمنين به، بل لا يُفرِّق بين دينٍ وآخر، ولربَّما سلَّم لهم الأمر مع اليهودية والنصرانية -بسبب ما وقع فيهما من تحريف-، فالعقل مثلًا؛ لا يقبلُ ما جاء من مصارعةِ الإله ليعقوب، بل وأن يهزمه يعقوب، أضِف إلى ذلك عقيدةَ الخلاص وأمثالها.
ولا يخفى أن كلًّا من العهدين القديم والجديد قد خضع لحركاتٍ نقديّة، سواء ممَّن يقدسهما، أو ممن يوقِن بتحريفِهما، فأمّا الأول: فينقد النصَّ ليحفظ قداسته، ويُثبِّتَ المؤمنين به، وأما الآخر: فلِيثبِت تحريفه، وينزِّه الوحي الإلٰهي عن الخرافة والأباطيل.
لكن مع الإسلامِ فالأمر يختلف؛ فالقرآن الكريم -وهو المعجزة الخالدة في دين الإسلام- لا يزالُ محفوظًا من التحريف، وهو خالٍ تمامًا من الخرافاتِ والأساطير، وأمَّا عن ما يخبرُ اللهُ تعالى به عبادَه المؤمنين بما يجب عليهم الإيمان به، من الغيبيات التي لا تدركُها عقولُهم، فهو أمرٌ مقبولٌ ومعقول لدى من يؤمن بوجود إلٰه خالقٍ للكون، مستحِقٍّ للعبادة، بل على العكس: وهو في ذات الوقت يعصِمهم من الزَّلل الفكري، والانزلاقِ نحو الخرافاتِ والأساطير، فيدعو إلى النظرِ والتأمّل والتفكر، وإلى التَّثبُّت من الأخبار، وذم الخَرص والظن والقولِ على الله بغير علم، قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (الأعراف ٢٨)، وينهى عن تلقُّف الأخبار بالألسنةِ دون تمريرها على العقول، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات ٦) ويُطَالِبُ من يدَّعى قَولًا أن يأتيَ عليه ببرهان، قال تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: ١١١)، وهذا يبيِّن أن المسلم مأمورٌ بالتثبت، وبالجملة فقد حاربَ الإسلامُ الدجلَ والتنجيم والسِّحر والكهانة والعرافة، وأما ما قد يقع من ترويجِ بعض المسلمين للخُرافاتِ أو الأباطيل الواردة عليه عن جهل، فإنهُ لا يقدح في الإسلام بحال.
في الوقتِ الذي نجدُ فيه الترويجَ لأوهام الإلحاد -وهي الخرافة الحقيقة- يمضي بطريقةٍ ممنهجة، وعلى أوسعِ نطاق، وفي مختلِف وسائلِ الإعلام والتواصل، مستهدِفًا الناشئة والشباب، ومن الشواهد على ذلك: إغراقُ الأفلام الكرتونيةِ للأطفال بالحديث عن الديناصورات المجنَّحة منها وغير المجنَّحة، ومناقشةِ مسائلهم الخلافية: هل يمكن للديناصور المجنَّح أن يطير؟، وهل يمكن إنكار ذلك؟، والكائنات الفضائية ذات الوجوه الطويلة، بأصواتها المربعة، والأطباق الطائرة، والفقاعاتِ المسافرة…
جاء في أحدِ المسلسلاتِ الكرتونية المدبلجة إلى العربية: “مَن الذي نفى العالمَ الفلانيَّ إلى الكون المتوازي في القرن الماضي؟”، فهذه عبارة فيها ترسيخ لفَرَضيةِ الأكوان المتعددة، وفي حلقات “فتيات القوة”: أن “بروفسورًا” -أستاذًا- كان يقوم بإحدى التجارِب في معمله فانفجرَ، فخرجت منه فتياتٌ ذوات قوة خارقة…، وهذا ممِّا يحسَبه الأطفال مسليًّا، ويحسبه الآباء لهوًا ولعبًا، ولكن لا يخفى على المهتم أن لكل ذلك دلالاتٍ مقصودة، من شأنها أن ترسِّخ في أذهان الأطفال أطروحاتٍ خاصَّة، كوجود فقاعات كونية لها علاقةٌ بالبشر، ويمكن السّفَر عن طريقها، ليصدق الفرضية القائلة: إن الكون كان ملتصقًا بمثلها قبل الانفجار ونشوء الزمان والمكان -كما زعم ستيڤن هوكينچ-، أو على أقل تقدير الاعتقاد في إمكانية حدوثِ ذلك دونَ الحاجة إلى التأصيل العلمي لتلك الفرضِيات، حيث ستكون تلك الأوهامُ مستقرةً في أذهان الأجيال المُولعة بالخيال العلمي على أنّها حقائق، وهذا أمرٌ يوازي -مع الفارق- الإيمانَ الذي يحاربونه ويُجَهِّلون أهلَه، وبالفعل يتم التعويلُ الآن على أفلام خيالية، ففي حلقة بعنوان : “نظرية الأوتار”؛ يتحدث الدكتور/ ميتشو كاكو[6] عن السفر من كون إلى آخر، فيقول: “إذا كان هناك أكوانٌ أخرى، فهل يمكن أن نسافرَ بين هذه الأكوان؟، حسنًا، ذلك بالطبع صعبٌ جدًّا، ومع ذلك، “ألِيس في بلاد العجائب Alice Wonderland” تعطينا الطريقة، وأمَّا عن وسيلة السفر؛ فقد أحال إلى فيلم: “العودة إلى المستقبل” والسيارة التي تعمل بالبولينيوم!.
فهل هذا نشرٌ للعلم؟، أم استخدامٌ للمنهج الخرافي ليترسّخ في العقول ما يصعب إثباته علميًّا؟، ولنا أن نسأل: هل العلمُ الثابت بالتجارِب والبحوث المستفيضة بحاجة إلى الترويج لمقدماتِه وفروضه، وإشراك عامَّة الناس في إرساءِ قواعدِ البحث عنه؟، للأسف الشديد، هذا ما يحدث حاليًّا بفعل الملحدين!، يقول الفيزيائي الشهير راسل ستانارد في مقاله في الجارديان:
“نظريةُ الأوتارِ تحتاج لمصادم هيدروني بحجم مجرة لاختبارها وهذا غير ممكن، حسنًا لو قلنا -طبقًا للنظرية M- إن الكونَ خَلق نفسَه؛ فمَن أوجد النظرية M؟، ومَن أوجدَ القوانين الفيزيائية الخاصة بها؟، ورغم ذلك؛ فلا توجد لها معادلةٌ فيزيائية حتى الآن!، اطلب منهم أن يكتبوا معادلةً فيزيائية، لن يفعلوا لأنهم ببساطة لا يمتلكونها!”.[7]
وكما قال القائل: “رمتني بدائها وانسلَّت”، فهذه الداروينية -مثلًا- يرفضُ معتقدوها التفسيرَ الدينيّ في أي حقل معرفي؛ بحجةِ أنها “تفسيرات خُرافية”، وفي الوقت نفسه يفرضون “نظريةَ التطور” على كل الحقولِ المعرفية بحجة أنها: “نظرية علمية”[8]، ففي الوقت الذي يرفضون فيه الإقرارَ بوجود خالقٍ للكون قديرٍ مريد، يثبتون للطبيعة الصَّمّاء صفة الخَلق والقدرة على الانتخاب، وإرادةَ البقاء للأصلح، ألم يكن الأجدر بهم أن يؤمنوا بالله تعالى؟، أو أن يكفوا عن وصمِ غيرهم بالخرافة!، أم أنهم ارتضوا الخضوع للخرافة الكبرى، والتحنّث في معابدها، سعيًا للبرهنة على صدق أساطيرهم المتوهمة!.
وختامًا أقول: إن الاستغناءَ بالعلم التجريبي عن الإلٰه الخالق لهذا الكونِ المنزَّه عن النقائص؛ أودى بعقول الملاحدة والعلمويين، وأوقعَهم في التَّناقض الفجّ، وفي براثِن الخرافة، فهم يرفضون إرجاعَ نشأة الكون أو الحياة إلى خالقٍ واحدٍ عالم قدير مريد، لإيمانهم بأنَّ العلم سيكشِف ما غاب عنهم علمه، ويتهمون أهلَ الإيمان بأنهم ما اعتقدوا في الخالق إلا لأنَّهم عجزوا عن معرفةِ أسرار الكون، ويُسمُّونه بـ “إله الفراغات”، أي: الإلٰه الذي يملأ المؤمنون به الفراغ الذي أحدثه جهلُهم بالعلمِ التجريبي، وهذا يدعو للعجب؛ أليس هذا ما تفعلونه -أيها التجريبيون- حين تؤمنون بغيبِ العلم التجريبي، وتتّخذون من العلم إلٰهًا تملؤون به فراغَكم الإيماني، وتجيبون به على دافع الفطرة داخلكم بضرورة الإله لإيجاد وتسيير الحياة والنظام في ذلك الكون الهائل الفسيح المُعقَّد!.
ومن جهةٍ أخرى: فعلى الرغم من أنّ (إمكانيّة التّحقق والتجريب) هو من شروطِ العلم التجريبي للتّصديق بوجودِ الشيء؛ إلا أنَّ هذا الشرط يصيبهم بمفهومِهم المادي الإلحادي في مقتل؛ فالعلم التجريبي قائمٌ على ركن هامٍّ في مراحلِه، وهو ركن (الفَرَضية)!، ذلك الركن الذي لو تمّ حذفه لانهار العلم كلّه، وأول ما يُهدَم: أشهرُ فرضياتهم التي يلوكُها المتعالمون منهم دومًا، مثل: (الأكوان المتعددة) و (التطور) و (الأوتار الفائقة) إلخ..!، إذ كلها (فرضيات) لم تقم على شيٍء مادي يمكن التحققُ منه!، فكيف ينكرون بعدَ ذلك على أصحابِ الإيمان بالخالق إيمانَهم بالغيبيات؟![9]، فإن لم يكنْ هذا هو الكيل بمكيالين عند الملاحدة والماديين؛ فماذا يكون؟!، فالحمد لله على نعمةِ الإسلام.
اتِّباعُ السلفِ موقفٌ عقلانيٌّ
التصميم: ندى الأشرم
في الطريقِ إلى اللهِ يحاولُ المسلمونَ التمسكَ بدينِهم في زمنٍ كَثُرَ فيهِ الباطلُ والشبهاتُ، فتتحلَّقُ كلُّ مجموعةٍ منهمْ حولَ واحد ممَّنْ يتكلمُ في الدينِ ويستمعونَ إلى كلامِهِ ويمشونَ على نهجِهِ ويتأثَّرونَ بالإعلامِ؛ الذي يرفعُ بعضَ الرموزِ التي اتبعوها؛ لِيدلُّوهم على الدينِ الحقِّ، ويحطُّ قدرَ آخرينَ. وفي وسَطِ هذهِ الحيْرةِ والتخبُّطِ، يسألُ البعضُ ما مقياسُ الصواب؟ وما المرجعُ الذي نعودُ إليهِ؟ ومَنِ القدوةُ التي تنجو من الفتنةِ؟
ويغفلُ أنَّ الإجابةَ البسيطةَ هيَ العودةُ إلى القرآنِ العظيمِ وإلى هدي رسولِنا الكريمِ ﷺ، واتباعُ منهجِ السلفِ الصالحِ،فباتِّباعِهمُ النجاةُ.
- فمَنْ همُ السَّلفُ؟
السَّلفُ لغةً همُ الجماعةُ المتقدمونَ سواءٌ في السيرِ أوِ العمرِ أوِ الرحيلِ عنِ الدنيا.
أمَّا في الاصطلاحِ، فإنَّ السلفَ همْ صحابةُ رسولِ اللهِ ﷺ وأئمةُ الهدى منَ القرونِ الثلاثةِ الأولى، الذينَ شَهِدَ لهمْ رسولُ اللهِﷺ بالخيرِ، بلْ شهِدَ لهمْ أنَّهمْ خيرُ هذهِ الأُمَّة.ِ فعَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه، عنِ النبيِّ ﷺ قال: (خَيْرُ الناس قَرْني، ثمَّ الذين يَلُونَهُم، ثمَّ يجيءُ أقوامٌ تَسْبِقُ شَهَادةُ أَحَدِهم يَمينَه، وَيَمينُه شَهَادتَه) رواه البخاريّ ومسلمُ وهمُ الذينَ قالَعنهمْ ربُّ العزةِ تباركَ وتعالى:{لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا }[سورة الفتح ١٨]
فهؤلاءِ الذينَ شهدَ لهمْ ربُّهم بالإيمانِ، وشهدَ لهمْ نبيُّهم ﷺ بالخيرِ، همْ أولى الناسِ بالوصولِ إلى الحقِّ والهدايةِ. فمَنْ كان يطلب الحقَّ والهدايةَ، فلنْ يسلكَ غيرَ مسلَكِهم، ولنْ يتبعَ غيرَ طريقِهم. فمَنْ منَّا لا يرغبُ بالمشي في أقصرِ الطرق وأفضلها لبلوغِ المقامِ الأرفعِ، والهدفِ الأعظمِ دونَ ضياعٍ أوْ تيهٍ. لذلكَ كانتْ طريقةُ السلفِ والصحابةِ الفيصلَ الوسطَ في بابِ الإيمانِ، تحكمُ منْ حادَ عنْها يمينًا حكمًا يساوي حكمَ الذي حادَ عنْها يسارًا. والوسطُ الذي اتبعُوهُ هوَ الوسطُ الذيجعلَ اللهُ في الأمةِ الإسلاميةِ والتي تفرَّدتْ بهِ عنِ الأممِ قالَ تعالى:{وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة ١٤٣]
والوسطُ في كلامِ العربِ الخيارُ وقيلَ: العدلُ. فقدْ وصفَ اللهُ تباركَ وتعالى الأمةَ المسلمةَ في كلِّ زمانٍ بالخيرِ والعدلِ فكيف باجتماع هذهِ الأمةِ على أمرٍ، وكيفَ باجتماعِ خيرِ هذهِ الأمةِ وخيرِ المسلمينَ وهمُ السلفُ الصالحُ على أمرٍ؟ فاجتماعُهم أعلى الحقِّ وأفضلُه، وهمُ الجماعةُ التي لا تجتمعُ على ضلالةٍ. فاجتماعُ الأمةِ لهُ أهميةٌ كبرى حيثُ جعلَ العلماءُ الإجماعَ المصدر الثالثَ منْ مصادرِ التشريعِ بعدَ كتابِ اللهِ تعالى وسنةِ رسولِهِ محمدٍ ﷺ.
- فما هوَ الإجماعُ؟ وهلْ تجتمعُ الأمةُ على ضلالةٍ؟
الإجماعُ لغةً: العزمُ والاتفاقُ.
اصطلاحًا: “اتفاقُ مجتهدي هذهِ الأمةِ بعدَ النبيِّ ﷺ على حكمٍ شرعيٍّ.” إذْ لا يشملُ هذا الإجماعُ إجماعَ عوامِّ هذهِ الأمةِ ولا يدخلُ فيهمْ غيرُ المسلمينَ.
وقدْ ذكرَ تباركَ وتعالى إجماعَ الأمةِ المسلمةِ في قرآنِهِ الكريمِ، حيثُ قالَ تعالى:{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[سورة النساء ١١٥]
فوضَّحَ تباركَ وتعالى أنَّ مَنْ تركَ سبيلَ المؤمنينَ ونهجَهم كمَنْ تركَ أوامرَ نبيِّ الإسلامِ محمٍد ﷺ، بلْ جعلَ المصيرَ ذاتَه في الحالتيْنِ وهوَ جهنَّمَ وساءتْ مصيرًا. لذلكَ وجبَ على المسلمِ اتباعُ طريقِ المؤمنينَ؛ فلا تشتتَ في الإسلامِ؛ فإنْ أجمعتِ الأمة على أمرٍ فهوَ حقٌ؛ لأنَّ مِنَ الأمةِ جماعةُ المؤمنينَ الذينَ أمرَ اللهُ تعالى باتباعِهِم.
ولِتتضحَ فكرةُ الإجماعِ أكثرَ، سنوردُ المثالَ التالي:
يقولُ اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [سورة النساء ٥٩] فبعدَ أنْ أمرَ جلَّ وعلا الذينَ آمنوا بطاعتِه وطاعةِ رسولِهِ، أمرَ بطاعةِ أولي الأمرِ أيِ العلماءَ العالمين بالأمر، وقولُه تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} أيْ إنْ تنازعْتُم في أمرٍ فعودُوا إلى الكتابِ والسنةِ. وإنْ لمْ تتنازعوا أيُّها المؤمنونَ، وأجمعتُمْ على أمرٍ فهوُ الحقُّ الواجبُ اتباعُه، وأنَّ الأمةَ المسلمةَ لا تجتمعُ إلا على حقٍ ولا تتفقُ على ضلالةٍ في أيِّ زمنٍ مِنَ الأزمانِ؛ لأنَّ القرآنَ العظيمَ صالحٌ لكلِّ مكانٍ وزمانٍ.
وإنْ كانَ لاتباعِ منهجِ المؤمنينَ وإجماعِهم حكمٌ علينا التزامُه، فالأولى بِنا اتباعُ إجماعِ ومنهجِ خيرِ المؤمنينَ وهمُ الصحابةُ الأطهارُ الذينَ همْ أعلمُ الناسِ بالقرآنِ وأفقهُهُم بِهِ. فهمْ جهابذةُ اللغةِ العربيةِ وفيهمْ نزلَ القرآنُ، ولمواقِفِهم أُنزِلَ وأخذوه مِن النبي ﷺ الذي كانَ قرآنًا يمشي على الأرضِ، يُعلّمُهم الكتابَ ويزكِّيهم وكانَ معهم يسألونَه عنِ الخيرِ والشرِ والأحكامِ وإليه يتخاصمونَ ويشتكونَ، فيبينُ لهم شريعتَهم ومنهاجَ ربِّهم الذي وصفَهم في هذهِ الآيةِ بأنَّهم الصادقونَ المفلحونَ، قالَ تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ* وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[سورة الحشر ٨، ٩]
فهلْ مِنْ عاقلٍ لا يتبعُ نهجَهم ونهجَ مَنْ خَطَا خُطَاهم وسارَ على نورِهم مِنَ التابعينَ الذينَ لزِمُوا الصحابةَ رضوانُ اللهِ عليهم. يتعلمونَ منهم أمورَ دينِهم يتفقَّهونَ بالقرآنِ ويذودونَ عنْ سنةِ نبيِّهم ﷺ كتابةً وتحقيقًا. فهمْ خيرُ خلفٍ لخيرِ سلفٍ،وكانوا على عقيدةٍ واحدةٍ وقلبٍ واحدٍ وقالَ فيهم اللهُ تعالى:
{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[سورة الحشر 10]
وإنْ قالَ قائلٌ: لِمَ نتَّبِعُهُم؟ هلْ همْ معصومونَ عنِ الخطأِ؟ ألا يوجدُ علماءُ صالحونَ في زمنِنا؟
نقولُ لهُ: نتبعُهم؛ لأنَّ اللهَ ورسولَه ﷺ أمرانا بذلك وشَهِدَا لهمْ بالخيرِ والإيمانِ. ولمْ يَرِدْ مدحٌ إلا للسَّلفِ في النصوصِ الشرعية، فحينَ تكلَّمَ اللهُ تعالى عنِ السابقينَ الذينَ قرَّبَهم اللهُ سبحانَه في سورةِ الواقعةِ قالَ عنِ الأولينَ ثلةً وعنِ الآخرين قلة، قالَ تعالى:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون* أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} فأكثرُ الخير كان في السلفِ الأوائلِ وأكثرُ الشرِّ في الخلفِ، فهمْ سبقوا بالخيريةِ والقربِ، ونحنُ كَثُرَ في عهدِنا الفتنُ والانحرافاتُ العقديةُ. فإنْ رأى عاقلٌ جادَّتَنا وجادَّتَهم، وفرَّقَ بينَ خيرِنا وخيرِهم لاتَّبعَ طريقَهم رغمَ معرفتِه بأنَّهم ليسوا معصومينَ عنِ الخطأِ.
وفي المقابلِ يوجدُ علماءُ صالحونَ في زمانِنا بلا شكٍّ.
لكنْ كمْ مِنْ عالِمٍ ظنَنَّا بهِ الخيرَ واتَّبعْنَا فتواه وقرأنا كُتُبَه ثمَّ ضلَّ في آخرِ عمرِه، فعكفْنَا على ما تعلَّمْنَاه منه نمِيزُ حسنه وخبيثَه وسألْنَا أنفسَنا هلْ أضلَّنا أمْ لا؟ ولستُ أقولُ هذا الكلامَ تشكيكًا بعلمائِنا أوْ لأنَّنا أمِنَّا على أنفسِنا الفتنةَ بلْ أقولُ: لماذا نتركُ المنبعَ الصافي ومنهجَ السلفِ الأخيارِ الذينَ توفَّاهمُ اللهُ على الإيمانِ ورأيْنَا حسنَ خاتمتِهم ونتَّبِعُ مَنْ قدْ يحيدُ عنْ جادةِ الصوابِ؟ لماذا نتبعُ مَنْ وافقَ عقلَنا كلامُهُ وأحسنَّا الظنَّ بهِ، ونتركُ الذي شهِدَ له ربُّه بالصلاحِ وأمرنا رسولُنا ﷺ باتباعِ منهجِهم؟ فمَا ظنُّنَا أمامَ شهادةِ رسولِ اللهِ ﷺ حيثُ وَصَّانا في الحديثِ الشريفِ عنْ أبي نجيحٍ العرباضِ بنِ ساريةَ رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ: وعظَنا رسولُ اللهِ ﷺ موعظةً وجلَتْ منْها القلوبُ، وذرفتْ منها العيونُ، فقلْنَا: يا رسولَ اللهِ، كأنَّها موعظةُ مودعٍ فأوْصِنَا، قالَ: {أوصِيكُم بتقوى اللهِ، والسمعِ والطاعةِ، وإنْ تأمَّرَ عليكُمْ عبدٌ؛ فإنَّهُ مَنْيعشْ مِنْكُمْ فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكُمْ بسنَّتِي وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ، عضُّوا عليْهَا بالنواجذِ، وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٍ} رواه أبو داود والترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فها نحنُ قدْ وجدَنا الاختلافَ ووجدْنَا الفِرَقَ والفِتَنَ ووجدْنَا فتاوى ما أنزلَ اللهُ بِها مِنْ سلطانٍ. فهلْ نأخذُ بهذهِ الفتاوى لأنَّ اسمَ “فتوى” قدْ أُطلقَ مِنْ قِبَلِ صاحبِ منبرٍ، ونحنُ ندركُ مخالفتَها للدينِ والعقلِ، أمْ نرجعُ إلى ما أُمرْنا باتباعِه من نهجِ الصحابةِ والتابعينَ فنأخذُ بكلامِهم ونمشي على خُطَاهم؛ لأنَّهم أهلٌ لذلكَ، ولأنَّهم أهلُ الحقِّ ما زاغوا عنْه ولا خالفوه خوفًا من سلطانٍ أوْ طمعًا بدنيا، بلْ خافوا ربَّهم ورغِبوا فيِما عندَهُ، فألْهَمَهم كلمةَ التقوى وكانوا أحقَّ بِها وأهلَها.
وإنْ اعترضَ معترضٌ بأنَّ القولَ باتباعِ السلفِ ونهجِهِم يضيّقُ رحابةَ الدينِ ويحصرُ الفتوى في زمانِهم، ونحنُ في زمنِ التطور والحداثةِ والتجريبِ فبمَاذا نجيبُهُ؟
أولًا: اتباعُ منهجِ الصحابةِ والتابعينَ بعدَ اتباعِ سنةِ النبيِّ ﷺ ونهجِه في أمرِ الدينِ والدنيا لمْ يضيقْ رحابةَ الدينِ، بلْ على العكسِ مِنْ ذلكَ، فإنَّ كثيرًا منَ المواقفِ والفتنِ مرَّتْ على عهدِ الصحابةِ لمْ نسمعْ عنها قط في زمنِ الرسولِ ﷺ. وتعلَّمْنا منهم كيفَ تعاملوا معَها وكيفَ أعلَوْا كلمةَ اللهِ في كلِّ موقفٍ. فانفتحَ لنا أفقٌ لمْ نكنْ لنراه لولا هديُهم وأمرُ نبيِّنا الكريمِ لنا باتباعِ سنتِهم. ورأيْنَا كيفَ ناسبتْ فتواهم أحوالَ الأقطارِ والأمصارِ وكيفَ تلائموا معَ طبيعتِها واستطاعوا في كلِّ ظرفٍ التزام منهجِ نبيِّهم؛ لأنَّهم وضعوا القرآنَ والسنةَ أمامَ أعينِهم ولم يحيدوا عنها، ولمْ تدخلْ فتواهم كتبُ الفلسفةِ ولا أساطيرُالأديانِ ولا تشريعاتُ البلدانِ فكانَ تشريعُهم هو حقًا كالشمسِ يراه المبصرونَ حقًّا إلا مَنْ كانَ في قلبِه عمى.
ثانيًا: اتباعُ منهجِ السلفِ لا يعني عدمَ الاجتهادِ والتجريبِ وعدمَ الإفتاءِ بما يناسبُ عصرَنا، بلْ يعني اتباعَ طريقِهم للوصولِ إلى الحقِّ واعتبارَ مصادرِ تشريعِهم مصادرًا لنا، والأخذَ بمنهجِهم في تفسيرِ القرآنِ وشرحِ الأحاديثِ، وعدمَ تقديمِ النظرياتِ والفلسفاتِ المشكوكِ بها على النصِّ الصحيحِ الصريحِ، وعدمَ اختيارِ ما يميلُ لَه الهوى في المتشابهاتِ، وعدمَ أخذِ العلمِ إلا من الرجالِ الثقاتِ كما أخذوا، والتحقُّقَ من النصوصِ كما تحققوا، فهم شقُّوا لنا الطريقَ القويمَ، وبيَّنوا لنا زلَّاتِ من حادوا عنه، وأُمرْنَا باتباعِهم وسَلْكِ جادَّتِهم، فلماذا نكابرُ ونتبعُ أهواءَنا فنجدُ أنفسَنا في كلِّ طريقٍ إلا طريقَهم المؤدِّي إلى الجنةِ؟
فاتباعُ السلفِ ومنهجِهم هو اتباعٌ لأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه محمدٍ ﷺ. وتحديدُ طريقِهم بأنَّه الطريقُ الحقُّ الموافقُ للكتابِ والسنةِ هو منعٌ لتشتيتِ المسلمِ في زمنِ الفتنِ. فبإمكانِ كلِّ باحثٍ عن الحقِّ أنْ يقارنَ أقوالَ رموزِ اليومِ مِمَّنْ يزعمونَ الانقياد للكتاب والسنةِ بما كانَ عليه السلفُ الصالحُ فيميزُ الباطلَ فيجتنِبُه ويميزُ الحقَّ فيتبعُه، ويسلكُ طريقَ الرشادِ الذي وصَّانا رسولُنا الكريمُ بأنْ نصبرَ عليه ونسلُكُه وأنْ نعضَّ عليه بالنواجذِ.
علَّنا إنْ سلكْنَاه تكنْ عاقبتُنا خيرًا كعاقبتِهم في دنيانا ونجتمعْ معَ نبيِّنا ﷺ في عليينَ.
دليل الخلق والإيجاد
- حقيقة هذا الدليل:
تتحصل حقيقة هذا الدليل في الاستدلال على ضرورة وجود الله بحدوث الكون بجميع مكوناته وأحداثه، فالكون حَدَث من الأحداث وفعل من الأفعال، وكل شيء يحدث بعد أن لم يكن فإنه يجب أن يكون له سبب وفاعل.
- مايستند إليه هذا الدليل:
وهذا الدليل دليل عقلي يقيني، يستعمله عامة العقلاء في حياتهم، لا يحتاج الإنسان فيه إلى تعلم ولا دراسة؛ ولأجل هذا كان هذا الدليل من أكثر الأدلة وأوسعها انتشاراً بين المؤمنين.
- مقدمات دليل الخلق والإيجاد ومكوناته:
ومن خلال عرض حقيقة دليل الخلق والإيجاد يتبين أنه يقوم على مقدمتين أساسيتين، هما: الأولى: أن الكون حادث من العدم وليس قديما، والثانية: أن الحادث لا بد له من محدث.
أما المقدمة الأولى من مقدمات دليل الخلق والإيجاد: وهي: أن الكون حادث غير قديم، فالمراد بها: أن الكون الذي نشهده ونعلمه له بداية في وجوده، فقد كان معدوما ثم انتقل من العدم إلى الوجود، والاستدلال بدليل الحدوث على وجود الله تعالى لا يتوقف على إثبات حدوث أصل الكون بل يكفي فيه إثبات بعض الحوادث المشهودة بالأعين كحدوث الإنسان والنبات وغيرهما، وهذه طريقة القرآن: {أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون}[الطور: ٣٥]
وإثبات حدوث الكون له مسالك عقلية وأخرى من النظريات العلمية، فأما المسالك العقلية فيُراجَع فيها أصل هذا المختصر وهو كتاب ” ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث ” للدكتور سلطان العميري مع التنبيه إلى أن بعض الطوائف الإسلامية قد تكلفوا في طريقة إثبات حدوث الكون ما جعلهم ينكرون بعض الحقائق الشرعية.
- الأدلة العلمية على حدوث العالم:
مع أن العقل المبني على دلالة الحس الضرورية يدل على حدوث العالم، ويشهد بأن له بداية محتومة، فإن العلم التجريبي في تطوراته الحديثة يؤكد في عدد من اكتشافاته المتأخرة منأن العالم حادث يزيد من قوة تلك الحقيقة وتعمقها.
وقد تضافرت مقالات عدد كبير من العلماء التجريبيين مع اختلاف اختصاصاتهم واهتماماتهم العلمية على تأكيد هذه الحقيقة، وأضحت قضية حدوث العالم من القضايا المستقرة في كتابات كثير منهم.
وفي بيان ذلك يقول العالم الفيزيائي المعاصر بول ديفيز ( Paul Davies ):”أهم اكتشاف علمي في عصرنا هذا هو أن الكون المادي لم يكن موجودا أبدا”[1]، ويقول عالم الكيمياء جون كليفلاند كوثران ( John Cleveland Cothran ): “تدلنا الكيمياء، على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة، وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية، ومعنى ذلك أيضا أنها ليست أزلية، إذ أن لها بداية، وتدل الشواهد من الكيمياء، وغيرها من العلوم، على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية، بل أوجدت بصورة فجائية، وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد، وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقا، وهو منذ أن خلق يخضع لقوانين، وسنن كونية محددة ليس لعنصر المصادفة بينها مكان”. [2]
والإقرار بحدوث الكون، وقوة دلالة العلم الحديث على ذلك، ليس خاصا بالعلماء المؤمنين، بل أقر بذلك عدد كبير من العلماء الملحدين، ومن أشهرهم: ستيفن هوكنج (Stephen Hawking)، فإنه يقول: “ومع تراكم الدليل التجريبي والنظري، أصبح من الواضح أكثر وأكثر أن الكون لا بد له بداية في الزمان، حتى تمت البرهنة على ذلك نهائيا في 1970م”،[3]
وكرر المعنى نفسه في عدد من كتبه، بل ذكر أن الاعتقاد بأزلية الكون يؤدي إلى استنتاجات سخيفة.[4]
- أهم الشواهد العلمية التي يعتمد عليها العلماء في إثبات حدوث الكون
ومن أهم الشواهد العلمية التي يعتمد عليها العلماء في إثبات حدوث الكون: قانون الديناميك الثاني، الذي يعني: أن الطاقة الحرارية لا تنتقل إلا من الأجسام الحارة إلى الأجسام الأقل منها حرارة، ولا يمكن أن يحدث العكس ( نظر: أساسيات الفيزياء، بوش (٣٢٧-٣٤٤) .)، وهذا يدل على أن الطاقة في الكون لا تسير إلا في اتجاه واحد فقط، وهو الانتقال من الأعلى حرارة إلى الأقل حرارة.
وفي الاستدلال بهذا القانون على حدوث الكون، وبيان وجه دلالته، يقول عالم الطبيعة البيولوجي فرانك ألين ( Frank Allen ): “قوانين الديناميكا الحرارية تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيا، وأنها سائرة حتما إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض، هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة، ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت، أما الشمس المستعرة، والنجوم المتوهجة، والأرض الغنية بأنواع الحياة، فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أساسه يرتبط بزمان، بدأ من لحظة معينة، فهو إذن حدث من الأحـداث، ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي، ليس له بداية، عليم محـيط بكل شيء، قوي ليس لقـدرته حدود، ولا بد أن يكون هذا من صنع يديه” [5]
وأقر برتراند راسل (Bertrand Russell) – وهو من أعمدة الملحدين الكبرى – بأن قانون الديناميك الحراري يدل على حدوث الكون، ولكنه سعى إلى التقليل من أهمية دلالته على ضرورة وجود الخالق وحاول تنفير القارئ من الاعتماد عليه.[6]
وحين ذكر العالم الفيزيائي المعاصر بول ديفيز (Paul Davies ) القول بقدم الكون، أشار إلى أن هذا القول يواجه صعوبات بالغة التعقيد والقوة، وذكر منها دلالة القانون الثاني من قوانين الديناميك الحرارية، وشرح وجه كونه مشكلًا جدًا على القول بأزلية الكون . [7]
ومن الشواهد العلمية التي اعتمد عليها العلماء في إثبات حدوث الكون: قضية الانفجار العظيم بكل مكوناتها، وهي نظرية ضخمة، واسعة الأرجاء، كثيرة التفاصيل، ولكن حاصلها الذي يهمنا في هذا الموضع: أن العالم خرج إلى الوجود نتيجة انفجار عظيم حدث قبل أكثر من خمسة عشر ألف مليون سنة، تشكلت من خلالها جميع أجزاء الكون المكونة لهيكله [8]
وقد أضحت نظرية الانفجار العظيم– مع أنها ما زالت نظرية ظنية- من أوسع الشواهد العلمية التي يعتمد عليها العلماء في إثبات حدوث الكون، يقول العالم الفيزيائي المعاصر بول ديفيز (Paul Davies): “يتفق الفلكيون حاليا على أن الكون قد جاء إلى الوجود من انفجار عظيم ‘’ [9]، وجعلها من أقوى الأدلة عنده على إثبات وجود الخالق المدبر للكون، ووصفها بأنها هبة الله، وبين ذلك بأن ما نتج أثناءها وبعدها من الدقة الباهرة في قوانين الكون ومقاييسه يستحيل إلا أن يكون بفعل مدبر حكيم عليم. [10]
وتعد هذه النظرية الدليل الأقوى الذي اعتمد عليه العالم الفيزيائي المعاصر الملحد ستيفن هوكنج في إثبات حدوث الكون، فإنه شرح تفاصيل تلك النظرية ورصد الأدلة الدالة عليها وأكد ثبوتها وأقر بموجبها في إثبات حدوث الكون صراحة. [11]
وأما ستيفن واينبرج (Steven Weinberg) فقد أقام كتابه الشهير “الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون” على نظرية الانفجار العظيم، ومع تصريحه بأن تلك النظرية ليست يقينية في ثبوتها إلا أنه ذكر “أن نظرية عن أصل الكون شاعت جدا، حتى أن الفلكيين يدعونها غالبا النموذج القياسي، وهذه النظرية هي تقريبا النظرية المسـماة الانفجار العظيم”[12]ثم توغـل في شـرح تفاصيلها، وذكر شواهدها العلمية في سائر الكتاب.
ويكشف أنتوني فلو (Antony Flew) عن أثر هذه النظرية عليه، فيقول: “عندما التقيت لأول مرة – كفيلسوف ملحد- بنظرية الانفجار الكوني التي تصدت لتفسير وجود الكون، أدركت أنني أواجه نظرية مختلفة، نظرية تتماشى ما يطرحه سفر التكوين، وإذا كان الأمر كذلك، فلم يعد هناك مفر من البحث عمن أحدث هذه البداية”[13]
وتعد نظرية الانفجار العظيم من أعظم الكوارث العلمية التي نزلت كالصاعقة على عقول الناقدين للأديان؛ ولأجل هذا استماتوا في التنكر لها، وفي الاعتراض عليها، ووَصفَها أحدهم بأنها نظرية كريهة، ونعتها آخر، فذكر أنها نظرية بغيضة للعقل العلمي [14]
وقد ساق المتبنون لهذه النظرية في الاستدلال على ثبوتها أدلة علمية كثيرة جدا، وكل دليل منها يصلح أن يكون دليلا مفردا على حدوث الكون، ولكن تفصيل ذلك مما يطول به الكلام جدا [15]
وأما المقدمة الثانية من مقدمات دليل الخلق والإيجاد، وهي: أن الحادث لا بد له من محدث، فالمراد بها: أن أي فعل يحدث في الوجود فإن لا بد له من فاعل يقوم به ويؤثر في وجوده، لأنه يستحيل في المعدوم أن يحدث نفسه أو أن يقع بغير فاعل.
وهذه المقدمة من أوضح المبادئ العقلية الضرورية، لا يمكن للعقل الإنساني أن يستمر في التنكر له، وهو من أجلى القوانين التي يخضع لها البشر في تعاملاتهم الحياتية، ويسيرون على وفقها في فهم ما يدور حولهم من أحداث الكون، وفي بيانه هذه الحقيقة يقول ابن تيمية:” من المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لابد له من محدث، وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة، حتى للصبيان؛ فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال: من ضربني؟ فلو قيل له: لم يضربك أحد، لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدث، بل يعلم أنه لابد للحادث من محدث. فإذا قيل: فلان ضربك، بكي حتى يضرب ضاربه”
فظهر من التقرير السابق أنه لم يبق إلا أن حدوث الممكن وانتقاله من العدم إلى الوجود لا يمكن إلا أن يكون بفاعل لا فاعل قبله.
ومن خلال هاتين المقدمين يتنبه العقل الإنساني إلى النتيجة الضرورية الملازمة لهما، وهي: أن الكون لا بد أن يكون له خالقٌ حيٌ قادرٌ مختارٌ مريدٌ.
- حقيقة استدلال المؤمن بدليل الحدوث:
فالمؤمن لا يقول في استدلاله بدليل الحدوث: إنه لا يعلم من أحدث الكون، ويفترض وجود الله لحل ذلك، وإنما يقول: إن الاستدلال العقلي الضروري يدل على أن الكون لا بد له من خالق.
والمؤمن لا يقول: إن اعتمادي على دليل الخلق والإيجاد ناتج عن عجز المخالفين لي عن إثبات النقيض لقولي – من خلال العلم التجريبي ، وإنما يثبت دعواه بما يتضمنه دليل الخلق والإيجاد من معاني ثبوتية قطعية، فسواء وُجد المخالف أو لم يوجد، فإن دليل الخلق يدل على ضرورة وجود الخالق.
- التنبيه على دليل الخلق والإيجاد في القرآن الكريم:
مع أن دليل الخلق والإيجاد دليل عقلي في أصله، إلا أن النصوص الشرعية في الإسلام اهتمت به كثيرا، وكررت التنبيه عليه مرارا، وأشارت إلى مسلماته التي يقوم عليها، وإلى مقتضياته التي ينتهي إليها في مواطن متعددة.
ومن المواطن التي جاء التنبيه فيها على دليل الخلق والإيجاد : قوله تعالى : {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون} فهذه الآية تنبه على المسلمات الضرورية التي يعتمد عليها الاستدلال بخلق الإنسان على وجود الله ؛ وذلك أن الأمر “لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح، الأولى: أن يكونوا خلقوا من غير شيء أي: بدون خالق أصلا، الثانية: أن يكونوا خلقوا أنفسهم، الثالثة: أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم، ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه، والثالث هو الحق الذي لا شك فيه، أنه هو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا” وذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار، ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس، لا يمكن [لصحيح] الفطرة إنكارها.
ومن أوضح النصوص الشرعية التي تضمن الإشارة إلى مكون من أهم المكونات التي يعتمد عليها دليل الخلق والإيجاد: قول النبي ﷺ:” يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله، ولينته” فقد أرشد ﷺ في هذا الحديث إلى أفضل الطرق البرهانية وأجمعها، فهو لم يأمر بالاستعاذة بالله وحدها – مع أهمية ذلك وضرورته – وإنما أمر العبد أن ينتهي عن الخوض في ذلك السؤال مع الاستعاذة بالله؛ إعلاما منه بأن ذلك السؤال متضمن لخطأ منطقي، وغلط عقلي ظاهر، “فإن النفس تطلب سبب كل حادث، وأول كل شيء حتى تنتهي إلى الغاية والمنتهى…
فإذا وصل العبد إلى غاية الغايات، ونهاية النهايات، وجب وقوفه، فإذا طلب بعد ذلك شيئاً آخر وجب أن ينتهي، فأمر النبي ﷺ العبد أن ينتهي مع استجارته بالله من وسواس التسلسل، وإنما وجب انتهاؤه لأنه يمتنع أن يكون لخالق كل مخلوق خالق، فإنه لو كان له خالق لكان مخلوقاً. ولم يكن خالقاً لكل مخلوق، بل كان يكون من جملة المخلوقات، والمخلوقات كلها لا بد لها من خالق، وهذا معلوم بالضرورة والفطرة.
امتناع التسلسل في الفاعلين
يمكن أن يقال في بيان وجه ضرورة مبدأ السببية عن طريق التقسيم العقلي الحاصر: إن حدوث الشيء بعد أن لم يكن موجودا:
- دليل على أنه ليس قديما؛ إذ لو كان قديما لما كان معدوما في لحظة من اللحظات.
- ودليل على أنه ليس ممتنعاً؛ إذ لو كان ممتنعا لما تحقق وجوده في الخارج.
ثم إن انتقاله من العدم إلى الوجود لا يخلو من حالين:
- إما أن يكون ذلك حادثا بغير فاعل.
- وإما أن يكون بفاعل.
وحدوثه بغير فاعل مناقض للضرورة العقلية والنفسية التي يجدها الإنسان في داخله؛ لأنه لا يوجد أحد من العقلاء الأسوياء يتعامل مع أحداث الواقع بأن لا فاعل لها ولا أحد منهم يعتقد بأن سرقة ماله كان بغير فاعل ولا أحد منهم يعتقد أن حدوث الشج في رأسه كان بغير فاعل، بل كل عاقل يعتقد أنه ما من حدث إلا لو من فعله.
فلم يبق إلا أن يكون لكل حادث فاعل، وحدوثه بالفاعل لا يخلو:
- إما أن يكون الفاعل هو الشيء الحادث نفسه.
- وإما أن يكون غيره.
ولكن كون الشيء المعدوم يحدث نفسه ويعطيها صفة الوجود مستحيل لثلاثة أمور :
- الأول: أنه يلزم منه تقدم الشيء على نفسه، لاستحالة وجود الفعل قبل الفاعل.
- الثاني: لأن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه لنفسه ولا لغيره.
- الثالث: لأن الشيء الممكن في حال عدمه يتساوى في حقه الوجود والعدم، وترجيح أحد الاحتمالين لا بد له من مرجح ؛ لاستحالة ترجح أحد الاحتمالين بلا مرجح، ويستحيل أن يكون المرجح الشيء المعدوم ذاته؛ إذ لو كان كذلك لكان قديما ، ولكنه ليس كذلك
فلم يبق إلا أن يكون الفاعل المؤثر في انتقال الشيء من العدم إلى الوجود خارجا عن ذات الشيء، وإذا كان خارجا، فإنه لا يخلو من حالين :
- إما أن يكون وجود ذلك الفاعل مسبوقا بالعدم.
- وإما ألا يكون وجوده مسبوقا بالعدم.
فإن كان مسبوقا بالعدم، فيَرِد عليه ما يرد على الموجود السابق، ويلزم منه التسلسل في الفاعلين المؤثرين، بحيث يكون لكل فاعل فاعل، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا أمر ممتنع في بدائه العقول، ويؤدي بالضرورة إلى عدم حدوث شيء في الواقع؛ لأنه إذا كان الفاعل لا يفعل إلا بعد فعل فاعل قبله، وافترضنا أنه لا يوجد فاعل ليس قبله فاعل، فإنه لا يمكن أن يقع شيء في الوجود، فإذا وجدنا أحداثا في الوجود علمنا استحالة التسلسل في الفاعلين .
ومما يوضح أن التسلسل في الفاعلين يؤدي بالضرورة إلى عدم وقوع الأفعال: أننا لو افترضنا أن مجرما حكم عليه بالقتل، فقال الجندي لا يمكن أن أضرب عنقه حتى يأمرني من هو أعلى مني رتبة، وقال من هو أعلى منه لا يمكن أن آمر بذلك حتى يأمرني من هو أعلى مني رتبة، وقال من هو أعلى منه مثل قوله، فإننا إذا افترضنا أن السلسة لا تنتهي إلى قائد لا ينتظر الأمر ممن هو أعلى منه فإنه لا يمكن أن يقتل ذلك المجرم، وإذا وجدناه مقتولا فإننا نعلم بالضرورة أن السلسة منتهية إلى حد معين بالضرورة.
إمكان الاستدلال العقلي على وجود الله
إن الإيمان بالله وكماله قضية حياتية مركبة من مكونات كثيرة متضافرة فيما بينها، يقوم منهج الاستدلال والإثبات فيها على أسس عقلية ضرورية، ويستند إلى مبادئ وجودية واجتماعية متنوعة.
فالمؤمنون ينطلقون من أن كل ما يتعلق بوجود الله وكماله لا يمكن إثباته عن طريق الإدراك الحسي المباشر؛ لأن الله -تعالى وجل – لم يره أحد في الدنيا، وإنما الاعتماد الكلي في إثبات وجوده سبحانه وإثبات أصول الكمالات له على العقل السليم والفطرة المستقيمة، ثم ما جاء به الخبر الصادق عن طريق الأنبياء في توسيع البيان عن كمالاته سبحانه.
والاقتصار في إثبات وجود الله على الدليل العقلي، والاستناد إلى الدليل الخبري في معرفة التفاصيل المتعلقة بالذات الإلهية، لا يعد خارجًا عن نسق المعرفة الإنسانية، بل هو جار على المنهج الصحيح في تحصيلها وبنائها، فمن المعلوم أن الإنسان لا يمكنه أن يدرك كل الموجودات بالحس المباشر، وإنما يدرك بعضها فقط، فالموجودات بالنسبة للإنسان نوعان: موجودات محسوسة، وموجودات غائبة عن حسه، وهي التي تسمى: الغيبيات، والموجودات الغيبية متفرعة إلى قسمين:
- الأول: غيب لا يمكن للإنسان أن يصل إليه بقدراته العقلية؛ لانقطاع كل السبل الموصلة إليه، فهذا النوع من الغيبيات إن لم يوجد خبر يدل عليه، فإنه لا يصح إثباته، ومن أمثلة هذا النوع: ما في الجنة من نعيم، وما في النار من عذاب، وما في يوم القيامة من أهوال، وغيرها، فهذه الغيبيات لو لم يرد فيها الخبر الصادق عن الرسول ﷺ فإنه لا يمكننا العلم بها.
- الثاني: غيب يمكن للإنسان أن يصل إليه بقدراته العقلية، وهو يشمل كل الأمور الغائبة عن الحس التي لها آثار في الوجود، فيـستدل العقل بالآثار على وجود أصل تلك الموجودات، وقد يتعرف على كثير من تفاصيلها.
وهذه المنهجية في تحصيل العلم بالموجودات ليست خاصة بالقضايا الدينية، بل هي منهجية شاملة لكل أصناف المعرفة الإنسانية، وهو طريق شامل لجميع المعارف التي يتعامل بها البشر في حياتهم، يقول البروفيسور أ.ي. مانديز في بيان أهمية الاستدلال العقلي المعتمد على الحواس وضرورته في بناء المعرفة الإنسانية: “إن حقائق الكون لا يدرك بالحواس منها غير القليل، فكيف يمكن أن نعرف شيئا عن الكثير الآخر… هناك وسيلة، وهي الاستنباط أو التعليل، وكلاهما طريق فكري، نبتدئ به بواسطة حقائق معلومة، حتى ننتهي بنظرية: إن الشيء الفلاني يوجد هنا، ولم نشاهده مطلقا” .
وفي بيان حقيقة هذا المنهج والإشارة إلى أهميته يذكر الغزالي أن الموجودات “منقسمة إلى محسوسة، وإلى معلومة بالاستدلال لا تباشر ذاته بشيء من الحواس، فالمحسوسات هي المدركات بالحواس الخمس كالألوان، ويتبعها معرفة الأشكال والمقادير، وذلك بحاسة البصر، وكالأصوات بالسمع، وكالطعوم بالذوق، والروائح بالشم، والخشونة والملاسة، واللين والصلابة، والبرودة والحرارة، والرطوبة واليبوسة بحاسة اللمس، فـهذه الأمور ولواحـقها تباشر بالحـس، أي: تتعلق بها القوة المدركة من الحواس في ذاتها.
ومنها: ما يعلم وجوده ويستدل عليه بآثاره ولا تدركه الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ولا تناله، ومثاله هذه الحواس نفسها، فإن معنى أي واحدة منها هي القوة المدركة، والقوة المدركة لا تحس بحاسة من الحواس، ولا يدركها الخيال أيضا.
وكذلك القدرة والعلم والإرادة، بل الخوف والخجل والعشق والغضب، وسائر هذه الصفات نعرفها من غيرنا معرفة يقينية بنوع من الاستدلال لا بتعلق شيء من حواسنا بها”.
وبناء على التقرير السابق فإن الأمور الموجودة في الخارج ثلاثة أنواع:
- الأول: أمور يمكن العلم بها عن طريق الحس المباشر، وتسمى: المحسوسات.
- الثاني: أمور لا يمكن العلم بها بالحس المباشر، ولكن يمكن العلم بها بالقياس إلى المحسوسات عن طريق العقل، وتسمى: المعقولات.
- الثالث: أمور لا يمكن العلم بها بالحس المباشر، ولا يمكن العلم بها بالقياس إلى المحسوسات، وليس من سبيل للعلم بها إلا الخبر الصادق، وتسمى: المسموعات.
وكل ما يتعلق في علمنا بالوجود الإلهي من ثبوت الكمالات له يندرج ضمن النوع الثاني والثالث، فتحصل مما سبق أن الإيمان بوجود الله وكماله قائم على الدلالات العقلية الإثباتية، التي تنطلق في إثبات نتائجها على المقدمات اليقينية الثابتة بالضرورة الحسية أو غيرها من الضرورات.
فالمؤمنون بالله تعالى وكماله ينطلقون من العلم الإثباتي، وليس من العلم المنفي، فهم لا يقولون: إنا لم نجد دليلا يعارض وجود الله فآمنا به، ولا يقولون: إن المخالفين لنا لم يثبتوا بطلان ما نؤمن به فلهذا نتمسك به، ولا يتوسلون إلى إثبات صحة إيمانهم بالاعتماد على المجهول، وإنما ينطلقون في بناء إيمانهم على الأدلة الإثباتية التقريرية الوجودية، فسواء وجد المخالف أو لم يوجد، وسواء اعترض المخالف أو لم يعترض، فكل ذلك لا علاقة له بدلالة الأدلة العـقلية التي يقيمها المؤمـنون على صحة إيمانهم بالوجود الإلهي وكماله.
والتقرير السابق يؤكد أن أدلة وجود الله ليست أدلة عقلية محضة، وإنما هي أدلة مركبة من مواد مختلفة، بعضها مواد مأخوذة من الحس، وبعضها مواد مأخوذ من العقل، فهي أدلة عقلية حسية معا.
وبهذا يتأكد أن الإيمان بالله تعالى ليس مجرد قضية عاطفية نفسية، وإنما هو من حيث الأصل قضية عقلية برهانية، تقوم على العقل وتنطلق من المبادئ الفطرية الضرورية.
فالإيمان بالله تعالى ليس قسيما للاستدلال العقلي، وليس مقابلا له، وإنما هما حقيقتان متلازمتان، فالعقل الضروري يدل على الإيمان بوجود الله، والإيمان بوجوده تعالى قائم على الدليل العقلي ومتداخل معه.
دليل الإحكام والإتقان
تتحصل حقيقة هذا الدليل في الاستدلال على ضرورة وجود الله تعالى بما في العالم من الإتقان في الخلقة والإحكام في تفاصيله الدقيقة المذهلة، إلى درجة تبلغ بالعقول حـالة من الانبهار والذهول، وتحقق ذلك لا بد فيه من فاعل يتصف بالقدرة والحكمة وسعة العلم.
- ما يستند إليه هذا الدليل:
وهذا الدليل دليل يقيني، ومسلكه الاستدلالي يستعمله عامة العقلاء في تعاملاتهم الحياتية، لا يحتاج إلى دراسة ولا مراجعة.
- الفرق بين دليل الخلق والإيجاد ودليل الإحكام والإتقان:
والفرق بين هذا الدليل ودليل الخلق الإيجاد أن هذا الدليل يستند إلى حالة الكون بعد وجوده، ودليل الخلق يستند إلى نشأة الكون في أول حدوثه، فكما أن المخلوقات يدل حدوثها من العدم على ضرورة وجود الخالق، فإن الحالة التي هي عليها بعد حدوثها من الدقة في الخلقة والبراعة في الإتقان والإبهار في التصميم والإحكام تدل على ضرورة وجود الخالق سبحانه أيضا.
- ألقاب دليل الإحكام والإتقان ومناسبة كل لقب:
- يسمى: دليل التخصيص، باعتبار أن الكون خصص فيه كل جزء بصورة وتقدير مناسب لطبيعته ووظيفته المتعلقة به.
- ويسمى دليل التسوية، باعتبار أن الخلق سويت صورته في أحسن شكل وأكملت صنعته بحيث لا يكون فيه خلل ولا اضطراب.
- ويسمى دليل الهداية ، باعتبار أن كل جزء في الكون هدي إلى ما خلق لأجله، ويسر له الطريق لبلوغها.
- ويسمى دليل النظام ، باعتبار أن المخلوقات أحكمت بنظام دقيق تسير وفقه لا ينخرم ولا يتغير .
- ويسمى دليل الغاية، باعتبار أن كل مخلوق من المخلوقات وضعت له غاية يسير إليها ويتوجه نحوها.
- ويسمى دليل التصميم، باعتبار أن كل الكون مصمم مبني بصورة دقيقة مذهلة مبهرة، كل جزء فيه يؤدي وظيفة دقيقة أحيطت به، ولو حصل أي تغيير في المقدار أو المكان لوقعت آثار عظيمة، وهذا الاسم مشتهر كثيرا عن العلماء المشتغلين بالعلوم التجريبية الحديثة.
وفي بيان قوة حضور [هذا الدليل] وتأثيره يقول [الملحد السابق] انتوني فلو (Antony Flew) :”لا شك أن ما كشفه العلم الحديث من معلومات هائلة في مجال قوانين الطبيعة ونشأة الكون، وكذلك نشأة الحياة وتنوع الكائنات الحية قد أمد هذا البرهان- دليل الإتقان- بالكثير من الأدلة التي أعانتني كثيرا في الوصول إلى هذا الاستنتاج”،[1] يعني الإقرار بأن هناك إله.
- مقدمات دليل الإحكام والإتقان ومكوناته:
ودليل الإتقان والإحكام قائم على مقدمين أساسيتين، هما: الأولى: أن الكون متقن ومحكم في خلقته، والثانية: أن الإتقان والإحكام لا بد له من فاعل حكيم عليم.
أما المقدمة الأولى من مقدمات دليل الإحكام والإتقان، وهي: أن الكون متقن ومحكم في خلقته، فالمراد بها أن الكون:
رُكب بصورة معقدة جدا، لا يمكن اختزالها في أسباب راجعة إلى الكون نفسه أو إلى الصدفة.
وشكلت أحداثه وأجزاءه في مسارات دقيقة صارمة، بحيث أن كل جزء منه يؤدي وظيفة دقيقة خاصة به.
وقدرت مكوناته بمقادير دقيقة، بحـيث أن أي زيادة فيها أو نقصان يؤدي إلى اختلافات كبيرة ربما تؤول إلى فساد الكون كله.
وقد تنوعت الأدلة والشواهد الدالة على صحة هذه المقدمة، وهي منقسمة إلى نوعين أساسيين:
أما النوع الأول : فهو الدليل الحسي المباشر، فكل عاقل يشاهد أصنافًا منوعة من الإتقان في الوجود، وقد كان هذا النوع من الاستدلال منتشراً عند الأقدمين قبل ظهور العلم التجريبي، وفي بيانه والاعتماد عليه يقول الخطابي: ” أنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك ، واعتبرتها بفكرك، وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد:
- فالسماء مرفوعة كالسقف
- والأرض ممدودة كالبساط،
- والنجوم منضودة كالمصابيح
- والجواهر مخزونة كالذخائر،
- النبات مهيأ للمطاعم والملابس والمشارب،
- وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملة في المرافق.
- والإنسان كالمُمَلّك البيت المخول ما فيه ، وفي هذا كله دلالة واضـحة على أن العالم مخلوق، بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعًا حكيمًا، تام القدرة بالغ الحكمة”.
وأما النوع الثاني: فهو الدليل العلمي التجريبي، فقد كشف العلماء مع التطورات العلمية الحديثة أصنافا وأشكالا مبهرة من الإتقان والدقة والتقدير في الكون، ودبجوا مقطوعات مطولة في وصف ذلك الإتقان، وتفننوا في توضيح الإحكام وتناغمه ودهشته.
والإقرار بإتقان صنعة الكون وإحكامه ليس خاصا بالعلماء المؤمنين، بل أقر به أكثر العلماء الملاحدة، يقول العالم الفيزيائي المعاصر بول ديفيز (Paul Davies ):”حتى العلماء الملحدون الذين يشكلون جزءً صغيرا جدا وهشا من الكون يدبجون قصائد المديح في ضخامته وعظمته وتناغمه وأناقته وعبقريته”[2]
ومن الملاحدة الذين توسعوا في شرح الإتقان والإحكام في الكون: العالم الفيزيائي المعاصر: ستيفن هوكنج (Stephen Hawking)، فإنه أولى هذه القضية اهتمامًا بالغًا، وكرر مرارًا بأن الكون متصف بالضبط الدقيق المبهر، ويقول:”معظم الثوابت الأساسية في نظرياتنا تبدو مضبوطة بدقة، بمعنى أنها لو عدلت بمقادير بسيطة، فإن الكون سيختلف كيفيا، سيكون في حالات عديدة غير ملائم لتطورات الحياة”[3]، ثم يقول:” يبدوا أن كوننا وقوانينه كليهما مصممان على يد خياط ماهر لدعم وجودنا”[4].
وقد أكثر العلماء التجريبيون من الحديث عن أشكال الدقة والإحكام في الوجود، وقدموا أدلة وبراهين متعددة على ذلك، ومظاهر الضبط الدقيق في الوجود ومشاهده شاملة لمجالات وجودية كثيرة:
- المجال الفلكي
- والمجال الفيزيائي
- والمجال الحيوي المتعلق بالحياة ومجرياتها ومعلوماته
- وغير ذلك من المجالات.
وقد تحدث أصحاب كل اختصاص عما اكتشفوه من ذلك التصميم المبهر والإتقان المذهل، سنقتصر هنا على مظاهر الإحكام في مجال القضايا الكونية الفيزيائية.
فمن أهم القضايا التي أبهرت العلماء بإتقانها العجيب : قضية الثوابت الكونية ، فالكون ضبط بقوانين دقيقة ثابتة صارمة تشترك فيما بينها في تسيير مجريات الكون كلها ليكون مناسبا للعيش والحياة فيه، ولو وقع أي تغير في تلك الثوابت ولو قليلا فإنه من المستحيل أن يكون على صورته التي هو عليها الآن ، وقد بدأ حديث العلماء عن دلالة العلم التجريبي على دقة الكون وروعة قوانينه منذ عقود ، فكتب العالم الأمريكي الشهير كريسي موريسون (Cressy Morrison) كتابه “الإنسان لا يقوم وحده” الذي ترجم إلى العربية بعنوان” العلم يدعو للإيمان” ، وانطلق منه في إثبات وجود الله من أن عالمنا الذي نعيش فيه عالم فذ محكم البناء ومتقن التصميم بدرجة مدهشة جدا ، ثم توسع كثيرا في شرح مشاهد الإتقان في العالم ، فذكر أن “دوران الأرض حول محورها قد حدد بالضبط لدرجة أن اختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن أن يقلب التقديرات الفلكية”[5]، وتحدث عن الثوابت الكونية المتعلقة بالكواكب الأخرى، كالزهرة والمريخ وعطارد وغيرها، وعن النسب الدقيقة في ضبط الهواء في الكون والغازات المنتشرة فيه[6].
وأما فرانك ألين ( Frank Allen ) – عالم الطبيعة البيولوجية – فإنه يتوسع في الكشف عن مظاهر الإتقان في الكون فيقول :” أن ملاءمة الأرض للحياة تتخذ صورا عديدة ، لا يمكن تفسيرها على أساس المصادفة أو العشوائية ، فالأرض كرة معلقة في الفضاء تدور حول نفسها، فيكون في ذلك تتابع الليل والنهار ، وهي تسبح حول الشمس مرة في كل عام، فيكون في ذلك تتابع الفصول الذي يؤدي بدوره إلى زيادة مساحة الجزيء الصالح للسكنى من سطح كوكبنا، ويزيد من اختلاف الأنواع النباتية أكثر مما لو كانت الأرض ساكنة، ويحيط بالأرض غلاف غازي يشتمل على الغازات اللازمة للحياة، ويمتد حولها إلى ارتفاع كبير يزيد على ٥٠٠ ميل ويبلغ هذا الغلاف الغازي من الكثافة درجة تحول دون وصول ملايين الشهب القاتلة يومياً إلينا، منقضة بسرعة ثلاثين ميلا في الثانية، والغلاف الذي يحيط بالأرض يحفظ درجة حرارتها في الحدود المناسبة للحياة، ويحمل بخار الماء من المحيطات إلى مسافات بعيدة داخل القارات ، حيث يمكن أن يتكاثف مطرا يحيي الأرض بعد موتها، والمطر مصدر الماء العذب، ولولاه لأصبحت الأرض صحراء جرداء خالية من كل أثر للحياة، ومن هنا نرى أن الجو والمحيطات الموجودة على سطح الأرض تمثل عجلة التوازن في الطبيعة“[7]، ثم طفق يتحدث عن الشروط الضرورية لوجود الحياة في الأرض ، وكيف أنه شرط ضبط بصورة دقيقة جدا .
وما زالت مظاهر التصميم العظيم المبهر في الكون تتجلى يوما بعد يوم ، وما زال العلماء التجريبيون يؤكدون مرة بعد مرة البرهنة العلمية الصادقة على دقة الكون ودهشته وروعته، يقول العالم الفيزيائي المعاصر بول ديفيز ( Paul Davies ) بعد أن شرح شروط إمكان الحياة في الكون وامتلاك كوننا لها :”ولو أن أية خاصية أساسية للكون من خصائص الذرات اختلفت لكان من المحتمل جدا أن تصبح الحياة مستحيلة… لقد بدا لهويل- ملحد وعالم بريطاني شهير – عقلا فائقا كان يلعب بقوانين الفيزياء، وكان محقا في انطباعه، ففي الظاهر يبدو الكون كأنه صمم من قبل خالق عاقل بوضوح لنشر مخلوقات عاقلة”[8].
ويقول الملحد الفيزيائي ستيفن هوكنج (Stephen Hawking) مؤكدا المعاني السابقة :”إن نظامنا الشمسي لديه خصائص أخرى محفوظة ، لم يكن من الممكن أن تتطور أشكال الحياة المعقدة من دونها”[9]، ثم طفق في شرح ذلك بكلام مطول وذكر “أنه لو كان التفاوت المركزي لمدار الأرض قريبا من الواحد الصحيح فإن محيطاتنا ستغلي عندما تصل لأقرب نقطة من الشمس، وستتجمد تماما عندما تصل لأبعد نقطة ، الأمر الذي يجعل إجازات الشتاء والصيف غير ممتعة، إن التفاوتات المركزية المدارية الكبيرة لن تفضي للحياة ، ولهذا فنحن محظوظون بأن يكون لدينا كوكب تفاوته المركزي أقرب من الصفر.
ونحن محظوظون بالعلاقة بين كتلة شمسنا وبين المسافة التي تبعدنا عنها … فإن كانت كتلة شمسنا أقل أو أكثر من عشرين في المائة، فإن الأرض ستكون أبرد من المريخ أو أسخن من الزهرة اليوم”[10].
وأما أنتوني فلو (Antony Flew) – الفيلسوف الإنجليزي المشهور – فإنه ذكر أن أحد أهم أسباب رجوعه عن الإلحاد ما اكتشفه العلم التجريبي من إتقان هائل في مجال الطبيعة ونشأة الكون والحياة، وتنوع الكائنات الحية ، وذكر أن الكـون أعد وصـمم لاستقبال الحياة عليه بدقة باهرة، ثم بين ذلك بمثال طريف، فقال :”تصور أنك نزلت في إحدى رحلاتك بأحد الفنادق، وعندما دخلت غرفتك وجدت أن الصورة المعلقة فوق السرير نسخة مطابقة للصورة التي علقتها منذ سنوات فوق فراشك في بيتك ، كذلك السجادة التي تغطي أرضية الغرفة ، بل إنهم يضعون في المزهرية نوع الزهور نفسه التي تفضله ، وعلى المنضدة في ركن الغرفة وجدت الطبعة الأخيرة من ديوان الشعر الذي تفضل القراءة فيه من حين لآخر ، كما وجدت الصحيفة التي اعتدت قراءتها يوميا وداخل الثلاجة وجدت أنواع المشروبات والشيكولاته التي تحبها ، كما أن زجاجة المياه المعدنية من نفس النوع الذي تستخدمه في وطنك ، وعندما شغلت جهاز التليفزيون وجدت ان الإرسال الداخل للفندق يعرض باستمرار الأفلام المفضلة عندك ، كما تذيع الإذاعة الداخلية المقطوعات الموسيقية التي تحبها ، وفي الحمام وجدت الحوائط قد غطت بالقيشاني من نفس درجة اللون الفيروزي التي تفضله ، كما وجدت على أحد الأرفف نفس الشامبو والصابون اللذين اعتدت على استخدامهما .
وكلما جلت ببصرك وجدت حولك تطابقا بين ما تحبه واعتدت عليه وبين ما وفّرته لك إدارة الفندق، لا شك أن احتمال المصادفة يتناقض تدريجيا حتى يثبت في يقينك أن أحدا قد أطلع إدارة الفندق على تفاصيل حياتك ودقائق رغباتك” [11].
وأما المقدمة الثانية من مقدمات دليل الإحكام والإتقان، فهي أن الإتقان والإحكام لا بد له من فاعل، فالمراد بها: أن مشاهد الإحكام التي في الوجود يتعذر أن تقع بغير فاعل عالم مختار مريد حكيم قادر يقوم بتصميمها وتقديرها؛ لكونها تفاصيل معقدة ومتداخلة جدا، وتصاميم مبهرة مذهلة.
وهذه المقدمة من أجلى المقدمات وأظهرها في العقول، ويدل على صحتها وضرورتها أمران:
- الأمر الأول: الضرورة العقلية؛ وذلك أن الإحكام والإتقان في حقيقته فعل من الأفعال، والعقل الضروري يدل على أن الفعل لا بد له من فاعل يقوم به؛ إذ يستحيل أن يوجد فعل في الوجود من غير فاعل، كما سبق الاستدلال عليه في الدليل السابق، بل الإتقان والإحكام ليس مجرد فعل، وإنما هو فعل مخصوص بحالة تركيبية خاصة، وهذه الخصوصية تتطلب أن يكون فاعله متصف بصفات كمالية عالية متناسبة مع حالة ذلك الفعل.
- وأما الأمر الثاني: فهو الضرورة الرياضية، ففضلا عن أن الضرورة العقلية تدل على استحالة وجود الإتقان بغير فاعل حكيم عليم قادر مريد، فإن الحسابات الرياضية تدل على ذلك أيضا وتؤكده.
وقد طبق نديم الجسر هذا المثال على الإبر المنظمة في حوار شيق بينه وبين شاب متشكك مصدق بالصدفة أسماه في الحوار حيران بن الأضعف ، وسننقله هنا مع طوله النسبي لما فيه من الدلالة البليغة على بيان قوة العملية الحسابية في الكشف ضرورة وجود الخالق الحكيم العليم المريد القادر ، فيقول الشيخ نديم :”الآن جاء دور الإبر، خذ هذا اللوح واغرز فيه إبرة ، وضع في ثقبها إبرة أخرى ، وقل لي يا حيران : إذا رأى إنسان عاقل هاتين الإبرتين ، وسأل كيف أدخلت الثانية في ثقب الأولى ، فأخبره إنسان معروف بالصدق أن الذي أدخلها رجل ماهر قذف بها من بعد عشرة أمتار، فاستطاع أن يدخلها في شق الإبرة الأولى، ثم أخبره إنسان آخر معروف بالصدق أيضا أن الذي ألقاها صبي صغير ولد من بطن أمه أعمى فوقعت في الشق بطريق المصادفة فأي الخبرين يصدق؟!
حيران: إنه ولا ريب يميل إلى تصديق الخبر الأول، ولكنه أمام صدق المخبرين يرى أن المصادفة ممكنة، فلا يجزم بترجيح أحد الخبرين على الآخر.
الشيخ: ولكن إذا رأى هذا الرجـل إبرة ثالثة مغـروزة في شق الثانية أيضا، فهل يبقى عدم الترجيح على حاله؟!
حيران: كلا، بل يتقوى ترجيح القصد على المصادفة، ولكنه على كل حال يبقى ترجيحا ضعيفا.
الشيخ: ولكن إذا رأي الرجل أن هناك عشر إبر، كل واحد منها مغروزة في ثقب الأخرى التي تليها، فهل يبقى ترجيح فكرة القصد على ضعفه؟!
حيران: كلا، بل يتقوى عنده ترجيح القصد حتى تكاد فكرة المصادفة أن تتلاشى.
الشيخ: ولكن لو جاء إنسان من أولئك يصدق فيهم القرآن :(وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) وأخذ يجادله في معنى الاستحالة العقلية والاستحالة العادية، ويبرهن له على أن الصدفة ليست مستحيلة لا عقلا ولا عادة، ولكنها تكون أحيانا مستبعدة، فإن صاحبنا العاقل لا بد أن يذعن.
حيران: إن العقل يذعن، ولكن القلب يميل إلى ترجيح القصد.
الشيخ : ولكن إذا ترقينا في تعقيد الأحجية ، وقلنا : إن الإبر العشر مرقمة بخطوط لكل واحدة منها رقم ، من الواحد إلى العشرة ، قيل لنا في الخبر : إن الصبي الأعمى أعطي كيسا فيه هذه الإبر العشر مخلوطة مشوشة ، وأنه كان يضع يده في الكيس ويستخرج الإبر تباع على ترتيب أرقامها بطريق المصادفة ، ويلقيها فتقع الأولى في شق المغروزة في اللوح ، وتقع الثانية في الأولى، والثالثة في الثانية ، والرابعة في الثالثة ، وهكذا حتى أتم الإبر العشر بعضها في بعض ، على ترتيب أرقامها ، وأن ذلك قد حصل بطريق المصادفة ، وجاء ذلك الإنسان المجادل يحاول أن يبرهن على أن إمكان المصادفة لم يزل موجودا وغير مستحيل عقلا ، فماذا يكون موقف صاحبنا العاقل مع هذا المجادل؟
حيران: لا ريب في أنه لا يصـدقه؛ لأن المصـادفة بهذا التتابع والتعاقب بعيدة جدا جدا وإن لم تكن مستحيلة.
الشيخ: بل إنها في مجال الأعداد الكبرى تصبح مستحيلة بداهة يا حيران.
حيران: أعتقد أن هذه البداهة تأتينا مما جربناه في الحياة من ندرة تكرر المصادفات وتعاقبها.
الشيخ: كلا، ولكن هذه البداهة تعتـمد في أعـماق العقل الباطن على قانون عقلي رياضي لا يمكن الخروج عنه.
حيران: ما هو هذا القانون يا مولاي؟
الشيخ: إنه قانون المصادفة الذي يقول:”إن حظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الإمكانات المتكافئة المتزاحمة”، فكلما قل عدد الأشياء المتزاحمة، ازداد حظ المصادفة من النجاح، وكلما كثر عددها قل حظ المصادفة، فإذا كان المتزاحم بين شيئين اثنين متكافئين، يكون حظ المصادقة واحد ضد اثنين، وإذا كان التزاحم بين عشرة يكون حظ المصادفة بنسبة واحد ضد عشرة؛ لأن كل واحد له فرصة للنجاح مماثلة لفرصة الآخر، بدون أقل تفاصل طبعا.
وإلى هناك يكون الحظ في النجاح قريبا من المتزاحمين ، حتى لو كانوا مائة أو ألفا ، ولكن متى تضخمت النسبة العددية تضخما هائلا ، يصبح حظ المصادفة في حكم العدم ، بل المستحيل؛ ذلك لأنه إذا اتفق للصبي الأعمى أن سحب أول مرة الرقم (١) ، قلنا إن حظ المصادفة للرقم (١) تغلب على الأعداد الأخرى المتزاحمة معه بنسبة واحد ضد عشرة ، وأما إذا اتفق له أن سحب العددين (١و٢) بالتتابع قلنا : إن حظ المصادفة للعدد الثاني هو بنسبة واحد ضد مائة؛ لأن كلا من العشرة يزاحم للرتبة الثانية ضد عشرة ، فيصح التزاحم بين مائة وإذا اتفق أن سحب الصبي الأعمى الثلاث (١و٢و٣) على التوالي ، قلنا : إن حظ المصادفة بنسبة واحد ضد ألف ؛ لأن كلا من العشرة يزاحم ضد مائة ، وهكذا .
فإذا افترضنا أن الصبي سحب الإبر العشر على ترتيب أرقمها، فإن حظ المصادفة يصبح بنسبة واحد ضد عشرة مليارات”.
ومن الأمثلة على ذلك:
- مثال البروتين ، فقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز بوجين بحساب العوامل التي يمكن من خلالها تكون بروتين واحد بالصدفة ، فوجد أن ذلك يتطلب نسبة ١: ١٠ ١٦٠ ، أي بنسبة واحد إلى رقم عشرة مضروب في نفسه مائة وستين مرة، وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه، وهو عند علماء الرياضيات يساوي صفر ، لأن أعلى نسبة للاحتمال عندهم ١: ١٠ ١٥٠، واكتشف أن كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة أكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات، واكتشف أيضا أن تكـوين هذا الجزئي على سطـح الأرض بالمصـادفة يتطـلب بلايين لا تحصى من السنوات ، قدّرها بأنها عـشرة مضـروبة في نفـسها ٢٤٣ مرة من السنين ، وهذا شيء لا يمكن أن يتصور[12].
- مثال القردة، فقد قام الدكتور شرويدر بحساب الاحتمالات التي يمكن من خلالها كتابة قصيدة سوناتا لشكسبير عن طريق ضرب القردة على مفاتيح الكتابة بطريقة عشوائية، وأحصى عدد حروف القصيدة، فإذا هي ٤٨٨ حرفًا، وعدد أزرار لوحة المفاتيح فإذا هي ٢٦ زرا، فالاحتمال إذن يساوي واحد مقسوم على ٢٦ مضروبا في نفسها ٤٨٨ مرة، والنتيجة: ٢٦-٤٨٨، وهو ما يعادل: ١٠-٦٩٠، أي: واحد بعده ستمائة وتسعين صفر!!
وهذا عدد كبيرًا جدًا، فقد أحصى العلماء عدد الجسيمات في الكون – الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات- فوجودها: ١٠ ٨، أي: واحد بعده ثمانون صفرًا، ومعنى هذا أنه ليس هناك جسيمات تكفي لأجراء المحاولات لكتابة قصيدة سوناتا بالصدفة فقط، فكيف بأحداث العالم الأخرى، فإن حدوثها بالصدفة ممتنع؛ لأن المدة التي تحتاجها تفوق عمر العالم وحجمه بملايين المرات[13].
فـ[الضرورة العقلية] وهذه الحسابات وغيرها تدل على أن الإتقان والإحكام في الوجود لا بد له من فاعل عالم قادر مختار.
فإذا ثبت أن الكون متقن ومحكم، وثبت أن الإتقان والإحكام لا بد له من فاعل، فإن الذهن الإنساني ينتقل مباشرة إلى النتيجة من غير توقف أو تردد.
ودليل الإتقان لا يدل على ضرورة وجود الخالق فقط، وإنما يدل على ضرورة أن يكون الخالق متصفا بصفات عديدة ،
- كصفة العلم
- والقدرة
- والحكمة
- والإرادة
- والمشيئة
- والحياة
وذلك لأن الإتقان والإحكام فعل متصف بالدقة والتركيب المعقد، ووضع كل شيء في موضعه المناسب له، وهذه الصنائع تتطلب أن يكون الفاعل للإتقان متصفاً بالعلم حتى يمكنه إدراك كل ما يتعلق بصفات الأجزاء وطبائعها، وأن يكون متصفا بالقدرة حتى يمكنه التأثير على كل مكون، ومتصفا بالإرادة حتى يمكنه رسم صورة الإتقان وترجيحها، وكل ذلك يتطلب أن يكون متصفا بالحياة؛ لاستحالة الاتصاف بذلك الصفات بدون الحياة .
والنصوص الشرعية في الإسلام اهتمت به كثيرا، وجاءت إشارات كثيرة في القرآن الكريم في الدلالة إلى مقدماته ومشاهده، فانتهى أمره إلى أن يكون دليل عقلي شرعي في آن واحد.
الأدلة الفطرية على وجود الله
- فطرية معرفة الله تعالى.
مع أن الاتفاق حاصل بين المسلمين أن الإقرار بوجود الله هو أصل الأصول العقدية، إلا أنهم اختلفوا، هل الإقرار بوجود الله تعالى مسألة حاضرة في النفس ابتداء، أم أنها تفتقر إلى النظر والاستدلال.
والوحي والمنقول عن السلف، وطبيعة النفس البشرية تصحح القول بفطرية معرفة الخالق.
- تشوه المعرفة، ووجوب النظر، وطرق النظر.
ومع أن معرفة الله تعالى فطرية ضرورية إلا أنه قد يعرض لهذه الفطرة أحيانا ما يشوهها، فيلزم حينها النظر والاستدلال. أما إن حصل الإيمان بدونهما لم يكونا واجبين، وإدعاء وجوب النظر والاستدلال مطلقا، أو أن النظر والاستدلال أول واجب على المكلف، أو أن أول واجب هو قصد النظر أو الشك كل هذه ادعاءات غير صحيحة.
لكن مما لا شك فيه أن النظر والاستدلال إن وقعا بالطريقة الشرعية فإنهما يقويان الإيمان، {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى..}
وحصر طرق النظر في طريق واحد أو طرق معينة غير صحيح، فكل دليل صحيح أفضى إلى معرفة الخالق فهو مشروع لمن احتج به.
دليل الفطرة يهدي إلى معرفة الخالق وتوحيده، لكنه لا يدل على تفاصيل الشريعة، بل هي متوقفة على الوحي.
- دلالة الوحي على وجود المكون الفطري
أشارت نصوص الشرع إلى هذا المكون، مع إجمال فيما يقتضيه هذا المكون، وما يشتمل عليه من المعاني، فمن ذلك:
- قوله تعالى:{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}، وقد فطر الله تعالى خلقه على معرفته وتوحيده.
- ومنها قوله: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}
- ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء». ثم قال أبو هريرة: (فطرت الله التي فطر…..) متفق عليه.
- وعن عياض المجاشعي أن النبي ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا…» مسلم.
- قوله تعالى:{قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض}.
في قوله: {أفي الله شك} قولان: أي: في وجوده أو ألوهيته. والثاني يؤيده السياق، لكن اللفظ عام يشمل القولين، وفي الآية حجتان على من أنكر وجود الله، حجة فطرية (أفي الله شك)، وحجة نظرية (فاطر السنوات والأرض).
- مفهوم فطرية المعرفة.
ليس المراد بفطرية المعرفة أنها حاصلة في النفس منذ الولادة، فإن الإنسان يولد وهو لا يعلم شيئا {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا}
بل المعنى أن هناك قوة مودعة في النفس تقتضي معنى التوحيد متى ما توفرت شروط هذا المقتضى وانتفت موانعه.
- شواهد واقعية على فطرية المعرفة الإلهية.
- اللجوء إلى الله عند الشدائد {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه} {حتى إذا كنتم في الفلك…}
- كون الدين مكونا مركزيا في سائر الحضارات.
- ظهور بعض العلوم والأبحاث التي تفتش عن سبب نزعة التدين في الإنسان، من أمثلة ذلك:
- علم (النيروثولوجي)، وهو مجال بحثي يسعى للكشف عن طبيعة الصلة والعلاقة بين الجهاز العصبي في الإنسان، وظاهرة التدين.
- تفتيش بعض علماء الجينات عن (جين التدين).
- بحث بعض العلماء عن مكون عضوي في الدماغ مسؤول عن ذلك.
وليس المراد هنا الإقرار بصحة هذه الدراسات من عدمها، بل المراد التأكيد على عمق مبدأ التدين في الجنس البشري.
- محاولة الداروينيين “درونة” التدين.
لم يستطع الملاحدة إنكار نزعة التدين في البشر، لأنها واقع لا يمكن إنكاره، لكنهم عمدوا إلى إنكار كون هذه النزعة فطرية، ففسروا نزعة التدين بتفسير تطوري، مفاده أن الإنسان بحث عن شيء يسد فراغه الروحي فلجأ إلى التدين.
وبعضهم عزاه إلى التربية الدينية من الأبوين.
وبعضهم عزاه إلى وجود نزعة الخوف من المغيب، وأن الذي يخاف من المغيب يكون أصلح للبقاء، من ذاك الذي لا يخاف.
- سعي الملاحدة إلى سد الفراغ الروحي بأمور اصطنعوها!
سعى كثير من الملحدين إلى ملء ذلك الفراغ الروحي الذي يجدونه في نفوسهم، عن طريق إقامة بعض الطقوس “الدينية” لكن بلا تدين.
- ومن ذلك إنشاؤهم ما بات يعرف بـ (كنائس الإلحاد) والتي بدأت بالانتشار في دول ككندا وبريطانيا وأمريكا وغيرها.
- ومن ذلك إقامة الاحتفالات والأعياد لمناسبات إلحادية، (كعيد ميلاد دارون). و(يوم الإلحاد العالمي)، (يوم الزندقة والكفر والتجديف)، وهذا الأخير تم الإعلان عنه عام (٢٠٠٩) ويصادف (٣٠ سبتمبر) وسبب هذا الاختيار هو أن هذا اليوم هو الذي نشرت فيه الصحف الدنماركية الرسوم المسيئة.
- مستويات الدلالة الفطرية على وجود الله تعالى:
يمكن للفطرة أن تكشف عن حقيقة وجود الله من خلال مستويات:
- المستوى الأول: دلالة المبادئ العقلية الأولية.
الاستدلال على الضروريات أمر في غاية الصعوبة، وقد يكون غير مقدور عليه، وما قد يقع من الاستدلال لها عند الضرورة إنما هو مجرد كشف وبيان عن حقيقتها، لا تدليل على ثبوتها.
لذا فإن من أنكر الضروريات لا سبيل إلى مناظرته، بل إنه يعالج بما يوجب له العلم، فإن عجز عن ذلك ترك.
عرض شبهة الملاحدة حول المبادئ العقلية الأولية:
لم يجد الملاحدة سبيلا للخروج من مأزق ما تدل عليه الضروريات العقلية، إلا بإنكار هذه الضروريات.
فبعضهم جعل هذه الضروريات ناشئا من خلال التعلم الحسي والتجربة عبر أداة (الاستقراء).
وبعضهم ذهب إلى أن العقل يتكيف حسب الواقع ليحقق البقاء للبشرية، لا ليصل إلى الحقيقة.
وعليه فقد تساءل بعضهم وتشكك بعضهم عن إمكانية الوثوق بالعقل، البشري أصلا، لأنه قد يكون مضللا.
واعترف بعضهم بالضروريات عمليا دون التأسيس لوجودها نظريا وفلسفيا.
فالمعول عند الملاحدة في تحصيل المعرفة على القضايا الحسية، لا العقلية، ولا حتى الضرورية منها، ويعتمدون في ذلك -أي: إنكار المبادئ العقلية – على بعض العلوم والنظريات، كفيزياء الكم، ولا يصح طرح المعارف الضرورية تحت سطوة المعارف الطبيعية، بل الواجب محاكمة المعارف الطبيعية إلى الضروريات.
الرد على ما ذهبوا إليه:
اطراح الضروريات العقلية يفضي إلى اطراح الثقة في أدوات الرصد والملاحظة، بل إلى إسقاط الثقة في مناهج البحث العلمي لكل العلوم.
القول بأن المعرفة لا يمكن تأسيسها إلا على المعارف الطبيعية قول متناقض لا يمكن أن يكون مقبولا عند العقلاء، ومتى صدق الإنسان بهذا فكيف يمكن له أن يثبت صحة المنهج العلمي، إلا بالمنهج العلمي ذاته!
قد يحكم الإنسان خطأً على أمر بأنه مستحيل ثم يتبين له خلاف ذلك، لكن ثمة مجموعة من المبادئ الضرورية، التي تبدو متعالية على وجود الإنسان ذاته، وهي غير مستفادة من مجرد التجربة، فمن تنكر (للمستحيلات العقلية) آل به الأمر للإقرار باجتماع النقيضين، كأن يقر بوجود جسم ساكن متحرك، وأي شيء لا معلوم ولا موجود.
الجزم بإيقاع الاستقراء التام غير مستطاع، فما الذي يدرينا أن ثمة أمراً حادثاً في بقعة من الكون قد خرج عن هذ الاستقراء، وعليه فقد يزعم زاعم أن هناك حادثا في مكان معين ولا محدث له.
مثل هذا التقرير هو الذي أفرز الدعوى الباطلة بأن المعارف كلها نسبية، وأن الحقيقة المطلقة لا يملكها أحد.
التواصل البشري لأجل الإقناع قائم على أرضية معرفية مشتركة، فإلغاء الضروريات يلغي إمكانية الحوار بين البشر.
وعليه فكل فكرة بشرية إنما هي فكرة نسبية متوافقة مع محيطها، وهذا يفقد البشر الثقة في تحصيل اليقين في أي شيء.
يقع الملحدون في جملة من التناقضات نتيجة إنكارهم للضروريات:
- فهم ينطلقون من جملة من المسلمات التي لا يمكن إثباتها بالعلوم التجريبية، كانطلاقهم: من رؤية تجعل للكون وجودا حقيقيا مستقلا عن إدراكنا، وأنه كون قابل للتعلم، وجعله محكوما بإطار سنني معين.
- مجرد السعي في الممارسة الاستدلالية يعبر عن تسليم بمبدأ السببية، ووجود تلازم بين الدليل والمدلول، إذ الدليل في حقيقته (سبب) للعلم بالمدلول.
خلاصة: وجود مثل هذه المعارف الضرورية دال على وجوده سبحانه، فإن سلم المقابل بوجودها كحقائق موضوعية لزمه الإقرار بوجود الله، لعدم إمكانية إثباتها دونه، وإن تنكر فإن ضريبة هذا التنكر باهظة جدا.
- المستوى الثاني: النزعة الأخلاقية.
الفطرة الإنسانية فيها نزعة أخلاقية متجذرة، يدرك الإنسان من خلالها أن للأخلاق قيمة مطلقة لا نسبية، ويدرك من خلالها كذلك حسن الأخلاق من رديئها.
دلالة هذه النزعة على وجود الله تعالى.
- من الذي أودع هذه النزعة؟ وما الذي يفسر شعور الإنسان الضروري بأن العدل قيمة حسنة في مقابل الظلم؟
- الإنسان لا يمكن له أن يصل إلى القيم المطلقة لقصور علمه، وعدم تجرده كليا من الهوى، فالقيم المطلقة متعالية عن وجود الإنسان أصلا، فلا وجود للقيم المطلقة بدون وجود الله تعالى.
- الإيمان بالله يمكِّن المؤمن من استيعاب وجود القيم المتجاوزة لوجوده، واستيعاب وجود رؤية معيارية مطلقة تحاكم الأخلاق والممارسات إليها، وإلا لكانت محاكمة الأخلاق عنده نسبية.
هناك مستويان مهمان عند الحديث عن الفلسفة الأخلاقية:
الأول: هل للقيم الأخلاقية المطلقة، وجود أم لا؟
الثاني: كيف نتعرف عليها، ونميز بينها وبين الأخلاق الرديئة؟
ملاحدة الأمس وملاحدة اليوم:
التزم الملحدون عبر التاريخ استحالة وجود الأخلاق المطلقة مع الإلحاد، أما ملاحدة اليوم فإنهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم إنسانيين، ويتحمسون لذلك في كثير من الأحيان، وهذا الحماس لا معنى له في ظل النظرة الإلحادية للأخلاق.
فإنهم لا يوضحون القاعدة التي تتأسس عليها الأخلاق التي يزعمون.
وإذا أرادوا التوضيح، فإما أن يقعوا في إشكالية التبرير النفعي التطوري البراغماتي للأخلاق وهذا يفقد الأخلاق قيمتها، وإما أن يقعوا في تقرير نسبية الأخلاق.
وإذا كان هذا هو الحال فإنه يظهر تناقض ملاحدة اليوم في استخدامهم للأخلاق في نشر إلحادهم عن طريق بعض المسائل التي يذكرونها، كسؤال الشر والعدل الإلهي، أو تشويه الإيمان لشرور مورست باسمه.
ولعل سبب بحث الملحد عن العامل الخلقي، هو ما يجده في نفسه من فراغ خلقي، بل ولبحث نفسه غير الواعي عن المقدَّس.
يقع ملاحدة اليوم في حرج عند طرح سؤال (وجود الأخلاق المطلقة أو عدمها) عليهم، فيتهربون إلى الإجابة عن كيفية التعرف على القيم الأخلاقية.
وبعضهم لا يجد مفرا من القول بنسبية الأخلاق، والقول بأن تعذيب الأطفال وأكلهم مثلا ليس بخطأ مطلقا، بل هو ما نراه نحن، وما تعودنا عليه، فيفسرون الأخلاق داروينياً.
قضية تحديد الأخلاق الحسنة، والأخلاق السيئة.
في ظل النظرة الإلحادية التي لا تعترف بالضروريات العقلية أو الفطرية، والتي لا تعترف إلا بالحس والتجريب طريقا لتحصيل المعرفة، في ظل هذه النظرة يقع الملحدون في اضطراب فيما يتعلق بكيفية تحديد الأخلاق الحسنة، من الأخلاق الرديئة.
فبعضهم كـ(سام هارس – Sam Harris) يرد الأمر إلى العلم، ويقول: “بما أن العلم قادر على إخبارنا بما يحقق العافية، فهو إذا قادر على تحديد الأخلاق الحسنة والرديئة”، وهذا الأمر لا يخرج عن كونه تقريرا عقليا يرده الإلحاد، والواقع أن العلم التجريبي نفسه عاجز عن إثبات صحة هذا الزعم.
أما دوكنز (Richard Dawkins) فإنه يرى أن تحديد الأخلاق الحسنة والسيئة يكون عن طريق المجتمع، ثم يعود إلى التفسير الدارويني للأخلاق.
ولذا فلا يجد الملحد مفرا عن الإلزام من القول بأن أمورا كزنا المحارم، وممارسة الجنس مع الحيوانات، بل وحتى تعذيب الأطفال، هي ليست من الأخلاق السيئة بإطلاق، بل هي سيئة بالنسبة لنا، وبالنسبة لما تطورت عقولنا عليه.
- المستوى الثالث: الجانب الغريزي
معناه: تلك النزعات الغريزية التي تحمل المخلوقات على القيام بأفعال معينة، تصب في مصلحتها، دون أن تكون ناشئة عن تعليم أو دراسة أو تربية.
كالتقام الطفل لثدي أمه، وكغريزة الأمومة، وكهجرة الطيور من مكان لآخر، وكغريزة حب البقاء، وحب الجمال.
ولا إجابة تفسر ذلك إلا أن يكون الله تعالى هو الذي وضعها.
يفسر الملحدون تلك الغرائز تفسيرُا تطويريًا ويزعمون أن الكائنات تطورت لأجل مصلحة البقاء.
لكن يبقى السؤال قائمًا: كيف حدثت هذه الغريزة بعد أن لم تكن موجودة؟ كيف تشكلت؟
وعندها يقعون في الحيرة، أو أنهم يردون الأمر إلى (الجين الأناني) الذي يريد أن يستبقى وجوده بكل وسيلة.
فليس ثم محبة حقيقية في قلب الأم لولدها، إنما هي حركة ميكانيكية خاضعة للجين الأناني، فالأم تريد أن تحفظ وجودها في استبقاء ذلك الولد.
وقد أشار القرآن إلى العامل الغريزي، بقوله: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ويقول كذلك: {وأوحى ربك إلى النحل}.
- المستوى الرابع: الشعور بالغائية
الإرادة والقصد من أهم ما يميز الإنسان، وهما لا يتصوران إلا مع وجود مراد ومقصود، وهذا المراد والمقصود إما أن يكون مرادا لغيره أو لنفسه، وكونه مرادا لغيره دائما ممتنع، إذ لا يمكن أن تكون جميع المرادات مرادات لغيرها لأن هذا تسلسل في العلل الغائية. فتعين أن يكون مرادا لنفسه، وأن يكون قديما قائما بنفسه.
لذا فإن الإنسان دائما ما يتساءل: ما الغاية التي خلق من أجلها؟ إلى أين مصيره؟
هذه هي طبيعة الإنسان لذا فإن النبي ﷺ قال: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام».
وفي ظل النظرة الإلحادية، القائلة بأن الوجود كان نتيجة صدفة عمياء، وعبارة عن منتج المادة والزمن والصدفة، فإن هذه التساؤلات لا قيمة لها، بل يصفها الملاحدة بالسخيفة، لأنه لا فرق عندهم أصلا بين وجود الإنسان أو عدم وجوده.
فكلامهم قريب من قول المشركين الأوائل {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيي وما يهلكنا إلا الدهر}.
والملاحدة يحاولون الخروج من هذا الأشكال بقولهم: إن الإنسان له أن يرسم لنفسه هدفه الخاص. نعم، لا هدف من الحياة، ولا غاية ولا معنى على الحقيقة، لكن لك أن تتخيل لك هدفا وتسعى لتحقيقه!!
- المستوى الخامس: الشعور بالإرادة الحرة
يجد الإنسان من نفسه ضرورة أنه يفرق بين أفعاله الاختيارية وبين ما يصدر عنه اضطرارا، فهو يعلم أن حاله عندما يرفع كأسا من الماء لفمه، ليس كحالة عند الإحساس بنبضات قلبه، وهذا الشعور بالإرادة الحرة يحتاج إلى تفسير..
يعجز الخطاب الإلحادي عن تقديم تفسير لهذه الإرادة الحرة، في ظل اعتقادهم بأن الأفعال الاختيارية هي مجرد تفاعلات جيوكيميائية، وهي محكومة بقوانين صارمة فكيف تكون الإرادة حرة.
بعضهم كـ(مايكل شرمر) يقر بأنه لا إرادة حرة على الحقيقة. لكنا نحس بأننا نتسبب في أفعالنا، بسبب كثرة تعقيد العوامل التي تؤدي إلى الأفعال، لكننا على الحقيقة ليس لنا حرية، هو مجرد شعور.
وبعضهم كـ(دانيال دينيت – Daniel Dennett) توسط وحاول أن يجمع بين الإرادة الحرة، وبين الجبرية المحضة، لكن حاصلها لا يخرج عن الجبر، لكنها تعطي صورة أكثر نعومة.
وإن من تناقض الملحدين وصفهم لأنفسهم (بالمفكرين الأحرار)، في الوقت الذي يكون الإنسان – في ظل رؤيتهم – لا يمكن أن يكون حرا، ولا مفكرا أصلا.
كمال الله المطلق
إن المؤمن كما أنه يؤمن بأن الله موجود، وأنه الخالق للكون، فإنه يؤمن مع ذلك بأن الله متصف بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فالمؤمن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له أقصى ما يمكن من الكمال.
- فحياة الله كاملة من كل وجه، وكمالها يستلزم نفي الموت عنه والنوم والسنة.
- وعلم الله كامل من كل وجه، وكماله يستلزم نفي الجهل عنه والنسيان والغفلة.
- وقدرة الله كاملة من كل وجه، وكمالها يستلزم نفي العجز والضعف عنه.
وهكذا الحال في كل صفات الكمال الإلهي. ومن مجموع هذه الكمالات يتحقق الكمال المطلق لله تعالى، فالكمال المطلق عبارة عن اجتماع صفات الكمال كلها في ذات واحدة، وانتفاء صفات النقص عنها، فهو إذن نتيجة اجتماع أنواع الكمالات وانتفاء جنس النقص.
وهناك تلازم ضروري بين الإيمان بوجود الله وبين الإيمان بثبوت الكمال المطلق له، فكل من آمن بوجود الله، فإنه يلزمه أن يؤمن بالكمال المطلق له، وشعور المؤمن بثبوت الكمال المطلق لله لا يختلف عن شعوره بوجود الله وربوبيته للكون، فهما متلازمان في عقله وفطرته، يقول ابن تيمية: “هذا المعنى -ثبوت الكمال لله- مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شيء”، وكل من آمن بالله وبربوبيته للكون ثم لم يؤمن بثبوت الكمال له، فإنه سيكون متناقضا لا محالة؛ لكونه فصل بين متلازمات ضرورية.
وأما الأصول التي تدل على ثبوت الكمال المطلق لله، فهي متعددة الجوانب والاتجاهات، تتضافر فيما بينها في الدلالة والبيان.
- منها: أن كمال الله تعالى من ذاته لا من أحد سواه، فإنه سبحانه مستغن عن كل شيء، وكل شيء مفتقر إليه، فما له من الكمال لا يمكن إذن أن يكون من غيره، وإنما هو من ذاته فقط، وما كان من ذاته فهو ملازم له، فذاته قديمة الوجود، فكماله لا بد أن يكون قديم الوجود لا ينفك عن ذاته.
- ومنها: أن الله تعالى خالق الوجود كله بضخامته وتنوعه واتساعه، والخلق:
- يستلزم كمال الحياة؛ إذ يستحيل وجود الخلق العظيم بدون الحياة.
- ويستلزم أيضا كمال العلم؛ إذ يستحيل وجود هذا الخلق العظيم المتقن الجاري على سنن مستقيمة مع الجهل أو نقص العلم.
- ويستلزم أيضا كمال الإرادة؛ إذ يستحيل وجود هذا الكون العظيم في وقت محدد وصفة محددة ونظام محدد مع عدم الإرادة والقصد.
- ويستلزم أيضا كمال القدرة؛ إذ يستحيل انتقال الكون العظيم من العدم إلى الوجود بغير قدرة وقوة توجب ذلك.
- ويستلزم كمال الحكمة؛ إذ يستحيل أن يكون ما نشهده في الكون من خير وجمال ودقة وانتظام ووضع لكل شيء في موضعه من غير أن يكون ذلك ناتجا عن حكمة بالغة.
واجتماع هذه الصفات في ذات يستلزم ثبوت سائر الكمالات؛ لأنها أصول الكمال وأساسه وفي بيان هذا المعنى يقول ابن القيم: “وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته، وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله”.
وقد دل القرآن في نصوص كثيرة على ثبوت الكمال المطلق لله تعالى بطرق متعددة، ومن ذلك:
- إثبات المثل الأعلى لله تعالى، كما في قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}[النحل: ٦٠]، والمراد بالمثل الأعلى: الصـفات العليا، والكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
- ومن ذلك إثبات الحمد لله تعالى في آيات كثيرة جدا، ومن أعظم أسباب استحقاق الله الحمد ثبوت الكمال له، فالله تعالى يحمد على ما اتصف به سبحانه من الكمال والجلال والجمال، كما يحمد على ما أنعم به من النعم والخيرات.
ومع إيمان المؤمنين بثبوت الكمال المطلق لله تعالى، فإنهم يؤمنون أيضا بأن الكمال الذي يجب لله تعالى هو الكمال الممكن الوجود، وأما الممتنع فليس من الكمال الاتصاف به؛ لأنه في الحقيقة ليس بشيء، ولا يمكن تحققه في الواقع، فعدم وجوده ليس نقصا، فلا يكون انتفاؤه منافيا للكمال.
وكذلك يؤمنون بأن كمال أفعال الله متعلق بحكمته البالغة التي لا يعلمها إلا هو، فانتفاء بعض الأفعال في وقت من الأوقات، أو في حال من الأحوال، لعدم تعلق الحكمة بها ليس نقصا، بل هو الكمال عينه، فمعلوم في العقل أن مجرد فعل من الأفعال لا يكون محققا للكمال، وإنما لا بد من توافقه مع طبيعة الحال والواقع وانسجامه مع الحكمة، وفي توضيح هذه الحقيقة يقول ابن القيم: “القدرة إن لم يكن معها حكمة، بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر في العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته، ويقصدها بفعله، كان فعله فسادًا، كصاحب شهوات الغي والظلم، الذي يفعل بقوته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإن هذا وإن كان له قوة وعزة، لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده.
وكذلك العلم كماله أن يقترن به الحكمة، وإلا فالعالم الذي لا يريد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه، سيفه غاوٍ، وعلمه عون له على الشر والفساد، هذا إذا كان عالِمًا قادرًا مريدًا له إِرادة من غير حكمة، وإِن قدر أنه لا إرادة له فهذا أولًا ممتنع من الحي، فإن وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إِرادة ممتنع، كوجود إرادة بدون الشعور…
والمقصود أَن العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح، وإنما يحصل ذلك بالحكمة معها، واسمه سبحانه (الحكيم) يتضمن حكمته في خلقه وأَمره في إِرادته الدينية الكونية، وهو حكيم في كل ما خلقه وأَمر به”.
ومقتضى هذا التقرير أن المؤمن لا ينظر إلى الكمال الإلهي إلا بمنظار التضافر بين صفات الكمال كلها، بخلاف غيره من الناقدين للأديان، فإنهم لم يدركوا هذه الحقيقة، فأخذوا ينظرون إلى الكمال الإلهي بنظرة التفرقة والانفصال بين صفات الكمال، فوقعوا في مشكلات معرفية كبيرة.
الكمال الإلهي لا يمكن الإحاطة به
إن المؤمنين مع إيمانهم بثبوت الكمال المطلق لله، فإنهم في الوقت نفسه يؤمنون بأنه يتعذر عليهم الإحاطة بما ثبت لخالقهم من كمال وجلال.
وإيمانهم بهذه الحقيقة ليس قضية عاطفية أو تسليمية مجردة، وإنما هو قائم على أصول وجودية وعقلية يقينية، توجب عليهم الإقرار بالعجز عن العلم بكمال الله وقدرته، ومن تلك الأصول:
- الأول: أن الناس لم يدركوا ذات الله تعالى، ولم يعرفوا حقيقتها، فكيف يمكنهم أن يعرفوا ما يتعلق بها من الكمال والجلال؟! فمن المعلوم في العقل أن العلم بالصفات تابع للعلم بالذات، فإذا كنا لا نعلم حقيقة ذات الله، فإننا بالضرورة لا نستطيع أن نعلم حقيقة صفات الله وكنهها.
- الثاني: أن الناس لم يستطيعوا إدراك تفاصيل الكون، وعجزوا عن الإحاطة بمكوناته المتسعة، وقد تواترت مقالات العلماء التجريبيين وغيرهم في الإقرار بأن الكون ما زال مليئا بالأسرار والألغاز، وأن الإنسان مع تطوره الكبير لم يدرك إلا قدرا ضئيلا جدا منه. فإذا عجز الناس عن الإحاطة بالكون الذي هو فعل من أفعال الله، فكيف يمكنهم أن يحيطوا علما بالخالق وبكماله وجلاله؟! فعجزهم عن البلوغ إلى ذلك أشد وأبعد وأظهر في بدائه العقول.
- الثالث: أن الشخص لا يستطيع أن يحيط بكل العلوم الإنسانية، ولا يقدر على إدراكها، وإنما يعتمد في كثير من تفاصيل حياته على التسليم لأقوال الخبراء والعلماء، ويأخذ بذلك وهو مطمئن النفس ساكـن القلب، ويعد العقلاء سلوكـه هذا متـوافقا مع العـقل، ومتسقا مع الفطرة والواقع الإنساني.
ولو أن شخصا قصد إلى الخروج عن هذا النهج، وقرر أن لا يأخذ بشيء في حياته إلا إذا علم بنفسه تفاصيل كل ما يتعلق به، لكان خارجا عن نهج العقلاء، داخلا في مسالك الجنون والسفسطة.
فإذا كان هذا هو حال المخلوق مع علم المخلوقين أمثاله، فكيف يمكن أن يكون حاله مع علم الله وكماله وحكمته؟! فإنه لا محالة سيكون أكثر عجزا عن إدراك تفاصيله، وأبعد عن الإحاطة بحكمته، وسيكون تطلبه لذلك أكثر جنونا، وأعمق في أودية السفسطة السحيقة.
إن مثل من يعترض على علم الله وحكمته في الكون ويتطلب العلم بها كمثل رجل قرر أن لا يسلم بأخذ شيء في حياته إلا بعد أن يعلم بكل تفاصيله المتعلقة به، فمرض، فلما ذهب به أبناؤه إلى الطبيب قال له: لن آخذ بأي وصفة طبية تذكرها لي حتى أعلم بكل التفاصيل التي انطلقت منها في وصفك لها، فذكر له الطبيب أن طلبه هذا غير مقبول في العقل ومناف لطبيعة العلم الإنساني الخاضع للتخصصات، فرفض الانصياع لقوله وخرج من عنده، فلما قرب أبناؤه له السيارة، رفض أن يركبها حتى يعلم بكل التفاصيل التي شكلت على وفقها، فذكر له أبناؤه أن هذا غير معقول؛ لكون ذلك يتطلب وقتا وجهدا لا يمكن توفره في ساعتهم، فرفض قبول تبريرهم وذهب إلى بيته ماشيا، فلما أراد الدخول توقف، وقال: لا يمكن أن أدخل البيت حتى أعلم بكل التفاصيل التي بني على وفقها، فذكر لها أبناؤه أن ذلك متعذر في حالتهم التي هم عليها، فرفض قبول قولهم وجلس تحت الشجرة، فلما قدم له أبناؤه الطعام والشراب، رفض أن يأكل منه شيئا حتى يعلم بكل التفاصيل المتعلقة بذلك الطعام والشراب، فذكر له أبناؤه أن تحصيل ذلك متعذر في حالتهم، فرفض قبول تبريرهم وبقي جائعا!
لا جرم أن هذا الرجل خارج عن مسالك العقلاء، وغارق في متاهات الجنون والغباء، ولن تكون نهاية حياته إلا إلى الفساد والفناء.
ومقتضى هذا التقرير أنه لا يصح في العقل ولا في المنطق أن يعترض الإنسان على أفعال الله وتدبيره للكون، ولا يحق له أن يجعل نفسه مضادا لله تعالى، وإنما غاية ما يمكن له فعله أن يتساءل عن أفعال الله، فإن عجز عن فهمها أو إدراك حكمتها فإنه يجب عليه التسليم والإذعان لخالقه سبحانه.
وقد تفنن علماء الإسلام في مناقشة هذه القضية وتجليتها للعقل، ومن أولئك: ابن القيم، حيث يقول: “لعلك أن تقول: ما حكمة هذا النبات المبثوث في الصحاري والقفار والجبال التي لا أنيس بها ولا ساكن، وتظن أنه فضلة لا حاجة إليه ولا فائدة في خلقه؟!
وهذا مقدار عقلك ونهاية علمك، فكم لباريه وخالقه فيه من حكمة وآية، من طعم وحش وطير ودواب، مساكنها حيث لا تراها، تحت الأرض وفوقها، فذلك بمنزلة مائدة نصبها الله لهذه الطيور والدواب، تتناول منها كفايتها ويبقى الباقي، كما يبقى الرزق الواسع الفاضل عن الضيف لسعة رب الطعام وغناه التام وكثرة إنعامه”.
هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟
التصميم: ندى الأشرم
بسمِ الله، والحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على المبعوث بالحكمةِ والبُرهان، وعلى آله وصحبه ومن اتَّبعهُ بإحسان، أمَّا بعد:
فمنَ الأسئلة كثيرةِ الورودِ على أذهان النَّاس؛ مسألة: هل الإنسان مسيَّرٌ أم مخيَّر؟، إذا كان الله قد كتب علينا كل شيءٍ كتابةً مُسبقة، أليس من الظلم أن يحاسبَنا بعد ذلك عليها؟، أليس الإنسان وفق هذا مجبورٌ على ما يفعل؟.
وحتَّى نُحسّن تصوُّر المسألة وإجابتها، سنناقشها -بإذن الله- وفق ٣ عناصر:
- معنى التَّخيير والتَّسيير.
- هل يُنفى “التخيير والتسيير” مطلقًا؟.
- ذكر أسسٍ مهمَّة في دفع التعارض بين الشَّرع والقدر.
ما معنى التخيير والتسيير؟
يُقصد (بالتَّخيير والتَّسيير) ما يتعلَّق بعموم أفعال الإنسان وسلوكه في حياته “خيرِها وشرّها، هيِّنها وعظيمِها”، هل يفعلها بإيعازٍ ذاتيٍّ منه يشعرُ فيها بإرادته التامَّة؟، أم هو فيه مُجبر؟.
فالتخيير -مثلًا-، يُقصد به: الأفعال المحكومة بالإرادة الحرَّة، كأكل الإنسانِ وشربه وبيعه وشرائه، وما شابه ذلك، ممَّا الأصل فيه أن الإنسان يختارُ مسبقًا هل يُريد أن يفعله أم لا؟، ولا تكون النتيجة حينئذٍ بالرفضِ أوِ القَبول إلَّا مبنيةً على إرادةٍ منه، يعلمُ حقيقتَها وحقيقة إدراكِه لها، وأما التَّسيير: فهو على النَّقيضِ من ذلك ممَّا خرج عن قصدهِ وإرادته من الأفعالِ والأقوال، كولادةِ الإنسان وموته، وما شابه ذلك.
يقول ابنُ القيِّم -رحمه الله-: (فإنَّ الله فطر عبادَه على التفريقِ بين حركة مَن رُمي به مِن شاهق، فهو يتحرك إلى أسفلَ، وبين حركةِ من يرقى الجبلَ إلى عُلُوِّه، وبين حركة المرتعِش وبين حركة المُصَفِّق، وبين حركة الزاني والسارقِ والمجاهد والمصلي، وحركة المكتوف الذي أُوثِقَ رِباطًا وجُرَّ على الأرض، فمن سوَّى بين الحركتين فقد خَلع رِبقة العقلِ والفطرة والشِّرعة من عنقه)[1].
هل يُنفى التخيير والتسيير مُطلقًا؟
حتى نُحسن فَهم المسألة، ينبغي أن نعيَ الأصل الذي خُلِق عليه الإنسان، وهو حاكميَّة الإلٰهِ عليه، وعدم خروجهِ عن سُلطانه، فإن أقرَّ هذا الإلهُ للإنسان إرادةً يستشعرها الأخيرُ في نفسه واختياراته فإنَّهُ يقرُّها بحدودها، دونَ أن تخرجَ هذه الإرادة عن مشيئة هذا الخالق وإرادته.
إذا فَقِه الإنسانَ ذلك، أدركَ حينئذٍ أنّه لا يُشترط (عدمُ التلازم) بين التخييرِ والتسيير في حياته، بمعنى: أنه لا يُنفى التسييرُ بإطلاق، ولا التخيير بإطلاق، بل هناك جوانبُ تجمع بينهما، ستتَّضح حين يُدرك حقيقةَ علمِ الله بأقدار الخلق وكتابته -عز شأنه- لذلك، لماذا؟ لأن الإنسان الفَطِن سيعلم -بداهةً وضرورةً- استحالةَ أن يكون الإنسان مُخيَّرًا بإطلاق، بحيث لا تتدخل الإرادة الإلهيَّة في شؤونه مُطلقًا؛ لعلمهِ أن ذلك خارمٌ لسُلطان الإله -عزَّ شأنه- ولحكمته في تدبير خلقه: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ}[البقرة: ٢٥١]، {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}[سبأ: ٣]، كذلك سيَستبعدُ تلقائيًّا أن يكون الإلهُ ظالمًا بإجباره الخلقَ على أفعالهم: علمًا منه بكمالِه وكمال صفاتِه، فما هي النقطة المفصليَّة التي أحدثت سوءَ الفهم هذا؟.
تكمنُ النقطة بإيجازٍ في خلطهم بين عِلمه -عز شأنه- وكتابتِه المُسبقة للأقدار، بأنَّ ذلك يعني إجبارَهم على أفعالهم، فهل هذا صحيح؟، يُجيب الإمام النووي في شرحه على صحيح مُسلم، فيما نقله عن الإمام الخطَّابي -رحمهما الله-، إذ قال: (يحسَب كثيرٌ من الناس أن معنى القضاء والقدرِ إجبار الله سبحانه وتعالى العبدَ وقهره على ما قدَّر وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون، وإنما معناه الإخبار عن تقدُّم علمِ الله سبحانه وتعالى بما يكون من أكسابِ العبد وصدورها عن تقديرٍ منه)،[2] وذكر ابن حجر الهيثَميّ في شرحه على حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (والقضاءُ علم الله أولًا بالأشياءِ على ما هي عليه، والقدَر إيجاده على ما يطابقُ العلم)[3]، وخُلاصة هذه الفقرة، تتَّضح في:
أولًا: أنَّ الله “يعلمُ ما كان وما يكون وما لم يكنْ لو كانَ كيف يكون”، علمًا سابقًا لا سائقًا.
ثانيًا: أنَّه -عز شأنه- من خلالِ عِلمه هذا (كتَبَ) أفعال الخلائق وأقدارهم منذ خلقهم إلى قيام السَّاعة، بناءً على علمه السَّابق فقط بما ستؤول إليه أفعالُ العباد مما هو داخلٌ في صُلب اختيارهم، لا إجبارًا وسَوقًا؛ لكونِ هذا المعنى الأخير مما يطعنُ في العدالةِ الإلهية المعلوم بالعقل والفطرة نزاهتُها.
ثالثًا: “المشيئة”، وتدلُّ على أن ما يقعُ من المعاصي والطاعاتِ يقع بمشيئة الله -عزَّ شأنه- لحكمةٍ يعلمها هو؛ لأن الخَلق مهما كانت لهم مشيئةٌ؛ إلاَّ أنها لا تخرج في حقيقتِها عن مشيئة الله -عز شأنه-، وبالإمكاِن الرجوع إلى هذه المقالة لتفصيل الفرق بين المشيئتين وحدودهما: [كيف نجمع بين إرادة الله الشاملة وإرادة المخلوق].
أسسٌ مهِمّة في دفع التعارض بين الشرع والقدر:
أولًا،ثبوت العدل الإلهي: وذلك بأن يُدرك الإنسان أنَّ صفات الكمال التي يُنزِّه نفسَه عن نقيضها، فخالقهُ أولى بها، استنادًا على القاعدة العقليَّة المسمَّاة بـ: قاعدة قياس الأولى، وملخَّصها: أنَّ ما ثبت للموهوبِ من صفات الكمالِ فالواهبُ أولى بأن يتَّصِفَ بها، إذ لا يُنزَّهُ المخلوقُ التَّابع بصفةٍ معيَّنة، ويوصَم خالقهُ بها، كما أنَّ اعتقادَ كمالِ الإله المُطلقة في كل صفاته، هي أساسٌ تُدرك الفِطَر السليمة حقيقتها، علمًا منها بأنَّ أيَّ نقصٍ في هذا الإله؛ سيُنزع بها عنه صفة الألوهيَّة [4]، كما أثبتت الشريعة في نصوصها المقدَّسة كمال عدلهِ سُبحانه بما لا يُناقض علمَه السَّابق بأفعال العباد، إذ قال: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ} [آل عمران: ١٨٢]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:٤٠]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:٩٠].
ثانيًا: حين علمنا أن الله لا يُساوي الأخيار بالأشرار في المآل، كما قال في كتابه:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَالَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ}[القلم:٣٥-٣٦]، فمِن تمام عدلهِ كذلك؛ أن يمنع عقاب أيِّ مخلوقٍ على شيءٍ ليس فيه قدرة ولا اختيار،{بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}[القيامة: ١٤]، {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: ١٤]، فهل من العدلِ أو “العقلِ” أن يجعل الله الحاكميَّة يوم القيامة بعد إذنه إلى الإنسان وهو مُجبر؟، كيف سيحاسِب الإنسان نفسهِ على أفعالهِ إن اعتقدَ إجبارَ الإله عليه فيها؟، علاوةً على إدراك هذا الإنسانِ في ذاتهِ حقيقةَ أنَّ كُلَّ فعلٍ قد فعلهُ في الدُّنيا إنَّما فعلهُ على علمٍ وإدراكِ واختيارٍ حُرّ، إدراك لا يُمكن أن يأتي في ذهن “العقلاء” خلافها أبدًا.
ثالثًا، الضرورة الفطرية بالشعور بالاختيار: لن يتساءل -عاقلٌ- غالبًا عن حقيقة تسييره وتخييره في أفعاله وسكناته وحركاته، لعِلمه بأنَّ الدليل الأبرز في هذه المسألة هو “التجربة، والمشاهدة، والشُّعور”، فلا أحد سينكر حقيقة أنَّهُ إذا أراد أن يفعلَ فعلًا مما هو داخلٌ ضمن إرادته الحُرَّة بأنَّ ذلك قد تمَّ إجبارًا لا اختيارًا منه، كما أنَّ شعور الإنسان بالفرقِ بين فعلهِ الشيء عن اختيارٍ أو اضطرار ممَّا لا يُتكلَّف عناء التدليل عليه؛ لدخوله في صميم ما يشعر الإنسان به في ذاته، ويُدركه عقله المُميِّز للأفعال الاختيارية والاضطراريَّة:
– الاختياريَّة: كأكله وشربه، ووقوفه وقعودِه، وتأمُّله وتفكُّره، وقراءتِه وكتابته، وقراراتهِ وتنفيذهِ لها… الخ ذلك.
– الاضطراريَّة: كالشعور بارتعاش اليد -مثلًا-، وولادته ووفاته، وما شابه ذلك، مما هو خارجٌ عن إرادة الإنسان وإنِ ابتغى غيرها.
رابعًا، أهميَّة رد المتشابه إلى المحكم: ومعنى ذلك -في مسألتنا هذه-: أن يسترجع الإنسان الأصلَ الرَّكيز فيه؛ وهو جهالته بكثيرٍ من أمور حياته، مما لا ينبغي أن يُقحِمَ عواطفَهُ فيها دونَ علمٍ مُحكم، علمًا منه -فطرةً وضرورةً- وجوبَ أن يرجع في كل ما قد يُشكل عليه إلى الأصل الأوَّل المتين عنده –كما في مسألتنا هذه-، وهي: كمال صفاته -عز شأنه- في قضائه وقدره وكمال عدله، وأنَّ عدمَ علمه بشيءٍ ما لا يعني افتقارَ ذلك الشيء إلى الحكمةِ فيه، أو إلى العدالة كذلك، رجوعًا إلى حقيقة جهالتهِ وقلَّة بصيرته.
هذا، وأختمُ بأنَّ الحصيفَ هو من أدركَ أصولَ عقيدتِه فبنى عليها، وكمالَ خالقهِ فأرهقَ عقلهُ وبدنهُ في سبيلِ بلوغِ ما يُمكنهُ بلوغه من العلمِ به، دونَ أن يركنَ إلى شُبهةٍ وإن أقضَّت “جهالتهُ” إلاَّ أنّ عَوْدُهَا إلى مُحكمُ عَدلِ اللهِ أولى؛ إنزالًا لنفسهِ منزلتَها الحقيقيَّة أمامَ كمالِ خالقه -سُبحانه-؛ إنزالًا يُحرِّضه على مزيد التعلُّم واستمرار الطَّلب، استغلالًا لقُدرةٍ يجدُها في نفسه، وافتقارٍ يسعى لسدِّهِ بمن كان هو الغاية، وإليه المصير.
مقال (2) – الدليل الأول من أدلة وجود الله عزوجل: دليل الخلق والإيجاد
3 مايو, 2020
1152 8 دقائق
- مبدأ السبيية !
• طفل صغير ينظر في لعبته المضيئة.. يقلبها، يتفحصها إلى أن يجد زر تشغيل ذلك الضوء…
• عالم طبيب يلاحظ مرضا ينتشر بين الناس، فيبحث ويتفحص المرضى المصابين، يحمل همّا عظيما لذلك، لا ينام ليله…
• مزارع يزرع أرضه فيجني محصولا أكثر من المعتاد، فينظر في الأرض، في السماد، في البذور، يتأمل في كل خطوة خطاها في هذا الموسم…
⇐ ما تقدم هو صور من الحياة اليومية، نعيشها جميعا أو يعيشها بعضنا، كلنا يطلب فيها أسباب ما يراه أو يسمعه..
• ذلك الطفل يريد أن يعرف ما سبب إضاءة لعبته ليستمتع بها.. لم يخبره أحد أن يبحث عن هذا السبب، بل إنه لم يتواصل بعدُ مع محيطه بشكل كامل.
• وذلك العالم الذي لن تسكن نفسه حتى يعلم ما سبب ذلك المرض.
• وذلك المزارع الذي جنى محصولا وفيرا، يريد أن يعرف السبب في ذلك، ليعيد الكرّة وينعم برزق وفير.
? إذا كانت هذه الأحداث البسيطة التي نعشيها تدفعنا دفعا نحو طلب الأسباب، فإن عقولنا لن ترضى أبدا بأن يقول لنا شخص ما: ما ترونه لا يوجد له سبب، هو هكذا وانتهى الأمر!
- فطرية السببية !
في عقولنا وفطرنا مبدأ يسمى بمبدأ السببية، ويعني أن كل شيء وُجد بعد أن لم يكن موجودا – وهو ما يسمى بالحادث – فإنه لا بد من سبب قد أدى إلى وجوده.
لقد غُرس هذا المبدأ في فطرتنا كبشر، لا مناص منه لأحد، ولا يستطيع الإنسان الاقتناع بخلافه، ولا يحتاج إلى إقامة الحجج والبينات على صحته.. كما تعلم أنك موجود، كما تحس بذاتك، كما تأكل وتتنفس.. فأنت تعلم أن لكل شيء سببا، ولم يعلمك أحد هذا بل هو فطري وتجده ضرورة من نفسك، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله: « لو ضُرِبَ الصبي ضربة، فقال : من ضربني ؟ فقيل: ما ضربك أحد لم يصدِّق عقله أن الضربة حدثت من غير فاعل» .
⇐ ولكونه فطريا..
• أنت لا تحاول إقناع شخص يسير في صحراء فيرى في وسطها ساعة ملقاة على الأرض، جميلة متقنة الصنع، لا تحاول إقناعه بأنه لا سبب لوجودها هنا!
• وإذا رأيت تمثالا لطفل صغير فلن يخطر ببالك إلا أن لهذا التمثال صانعا ماهرا، مع أن هذا التمثال مجرد صورة خارجية، ليس فيه حياة ولا عقل ولا أعصاب ولا أعضاء، ولا أي تعقيد، فما بالك بالطفل الآدمي الصغير الذي يروح ويجيء أمامك بكل حيوية وسرور.. لا بد له من خالق مبدع!
• وإذا رأيت قصرا منيفا، مشيد البنيان، مزخرف الأبواب والجدران، في تلك الصحراء الموحشة القاحلة، فلن يخالجك شك في أن هذا القصر قد بناه بنّاء متقن.. ولن تفكر -ولو للحظة- أن عاصفة قوية هبت على مجموعة من الأحجار والأخشاب والإسمنت وأدوات البناء، فنتج عنها ذلك القصر!فكيف إذا قيل أنه حدث بدون سبب أصلا!
- حقيقة لايستطيع عاقل مكابرتها !
– نعم لا يستطيع عاقل المكابرة في مبدأ السببية، ولا يختلف على ضرورة وجود الصانع أحد من البشر البتّة، حتى الأطفال !
– يقول المتخصص في دراسة الأصول النفسية والأنثروبولوجية للأديان جيمسلوبيا:
« تنتاب الدهشة كثيرًا من الناس وهم يشاهدون استيلاء سؤال الخلق على خواطر الأطفال، يشاهد الطفل حجرًا في تشكّل على نحو غريب، ثم يسأل: مَن صنعه؟ فيأتي الجواب: لقد تشكل بفعل انسياب تيار الماء. ولكنه وعلى نحو مفاجئ لا يلبث أن يقذف بسلسلة من الأسئلة المتعاقبة، المعبرة عن ذهوله بقدر تعبيرها عن تساؤله: مَن صنع النهر؟ مَن صنع الجبل؟ مَن صنع الأرض؟ مِن دون شك، ضرورة الصانع مغروزة في الإنسان البدائي منذ وقت مبكر»
– بل حتى الخصوم، لايمكنهم المكابرة في ذلك وإن تظاهروا بخلافه، لهذا أفحم أبو حنيفة -رحمه الله- خصومه بمجرد تجلية هذه الحقيقة أمامهم، فقد روي أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى. فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أُخبرت عنه: ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر [فيها بضائع كثيرة]، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها؛ وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!!.. فما كان منهم إلا أن رجعوا إلى الحق.
- كوننا وما فيه من مخلوقات دليل على وجود الخالق ﷻ !
إذا علمنا شدة رسوخ هذا المبدأ فينا بحيث لا تقبل عقولنا وجود تلك الأمثلة البسيطة بدون سبب، فلننظر في أمرين :
• في هذا الكون الذي نعيش فيه، كيف يدلنا على وجود الخالق؟
• وفي المخلوقات التي نراها حولنا، كيف نستفيد من علمنا بأنها لم تكن موجودة ثم وُجدت؟
⇐ أما كوننا هذا ..
• ففيه دلالة باهرة على وجود الخالق ﷻ، فإذا كنا لم نستوعب أن يوجد تمثال لطفل صغير بلا سبب، فكيف سيكون هذا الكون قد وُجد بلا سبب؟! بل لا بد أن يكون قد أوجده خالق عليم قدير حكيم..
• فأصل وجود الكون فيه دليل على أن له موجِدا، فكيف إذا أضفنا إلى ذلك ما في الكون من إتقان وإبداع، وقوانين دقيقة يسير عليها؟ فلكل نجم مسار، ولكل كوكب وجهة هو موليها، ولكل مجرة مكانها الفسيح.
• الليل يتعاقب مع النهار بشكل دائم، تقل ساعات النهار أو الليل بحسب الفصول، زيادة ونقصان دائم مستمر ومضبوط بضبط لا يتغير، بحيث صرنا نرتب حياتنا على هذا الأساس، ذلك لأن حركة الأرض حول الشمس منتظمة، ليس فيها عشوائية ولا فوضى.
{ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}
? لا شك سيزداد عمل مبدأ السببية في عقولنا؟ ولن نقبل وجود الكون بلا سبب؟ فنحن لا نتقبل فكرة سماع صوت قوي في البيت بلا سبب, فكيف بهذا الكون؟!…
⇐ والمخلوقات التي نراها حولنا فإنها تفرض السؤال ذاته ..
• مخلوقات لم تكن موجودة فوجدت.. بشر وأنهار وبحار وحيوانات.. كيف حدثت هذه المخلوقات؟ وكيف وجدت بعد أن لم تكن موجودة بصورتها الحالية؟
لا بد لذلك من سبب أخرجها من عدم الوجود إلى الوجود في عالمنا هذا..
إنه معنى عظيم… إن تأمُّلَ مسألة خلق المخلوقات المحدثة التي نراها كفيل بأن يهدي العقل والقلب إلى الخالق العظيم …
إن انقلاب المواد وتحولها إلى مواد أخرى مختلفة تماما عن المادة الأولى هو من الأمور التي تثير تساؤلا عميقا.. كيف تنقلب تلك المواد إلى أشياء أخرى جديدة، وتذهب المادة الأولى فلا نعود نراها؟! تأمل هذا التحول العجيب الذي نراه حولنا، في الإنسان والحيوان والنبات…
من منا يظن أن ماء مهينا سيتحول يوما ما إلى إنسان فيه عجائب من الإتقان… إلى إنسان له كيان وفطرة وغرائز..
إنه لم يكن شيئا يذكر، كان ماء مهينا، ثم تحول إلى بقعة من دم.. ثم صار الدم قطعة لحم صغيرة، ثم صار الإنسان لحما وعظما، صار له قلب وكبد وأعصاب، صار له عقل وكيان، فسبحان من {خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} {الَّذِيْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَاْنِ مِنْ طِيْنٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاْءٍ مَهِين}.
{أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَاْنُ أَنَّاْ خَلَقْنَاْهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئا}…
تذكر أيها الإنسان أنك لم تكن شيئا مذكورا، كنت ماء مهينا، فخلق الله ﷻ منه ذلك الخلق العجيب!
وهذه الحبة اليابسة الجافة، تخرج منها الشجرة التي تنبض بالحياة… أين ذهبت تلك الحبة؟ وكيف صارت شجرة؟
- كل هذا لا بد له من خالق هيأ الظروف والأسباب.
هذا إذا نظرنا إلى كل مخلوق بمفرده، فكيف إذا نظرنا نظرة عامة شاملة إلى المخلوقات، بما فيها من تنوع شديد، وتكامل عجيب… ماء ونار، وحر وبرد، ومرض وشفاء.
كل هذا لا بد له من فاعل قدير ذي صفات كاملة، أوجد هذا التكامل الذي لولاه لما استمرت الحياة.
إنها حقيقة عظيمة تأسر العقول والقلوب.. هذا ونحن لم نتأمل إلا مجرد مسألة الخلق، فكيف إذا علمنا ما في المخلوقات من إبداع ودقة وإتقان، قد لا تستوعبه عقول بعضنا مجرد استيعاب؟!
? ولذلك… إذا علمنا أن عقولنا وفطرتنا تفرض علينا أن لكل محدَث سببا، وعلمنا أن الكون والمخلوقات محدثة أي أنها لم تكن موجودة ثم وجدت، فهذا يعني: أنه لا بد لها من سبب أوجدها.
- إنه الله ﷻ
لقد كانت المخلوقات التي نراها معدومة ثم وجدت..
– فهل أوجدها العدم؟ لا فالعدم لا يوجد شيئا، وفاقد الشيء لا يعطيه.
هل أوجدت نفسها؟ كلا، كيف توجد نفسها وهي غير موجودة أصلا؟ أيتقدم الشيء على نفسه؟!
– إذاً فقد أوجدها غيرها،
ولا يمكن أن يكون هذا الغير مخلوقا، لأنه لو كان مخلوقا لسألنا: من الذي خلقه؟ فإذا أُجبنا سألنا مرة أخرى: من الذي خلقه؟ فيتسلسل الأمر بلا بداية ويستحيل وجود أي شيء, كما يستحيل تحرك القطار ذي العربات المترابطة بدون العربة الأولى، ولا يمكن أن يكون هذا الموجد هو المادة الجامدة الصماء.. كيف تعطي هذه المادة الحياةَ وهي غير حية؟ وكيف تعطي العلم وهي لا تتصف به؟ وهل لها حكمة وإرادة لتوجد هذا التنوع في المخلوقات؟
– ولا يمكن أن يكون فعلا عشوائيا، فالفعل العشوائي في النهاية فعل، ولا بد له من فاعل! والعشوائية لا تأتي بفعل متقن محكم كما هو الحال في الكون.
? لا بد لها من مُوجِد خالق يختلف عن طبيعة الخلق التي تتسم بالحدوث بعد العدم، لا بد أن يكون الخالق غير مسبوق بعدم ولا متأثرا بخالق آخر, ويوضّح ذلك مثال القطار ذي العربات الكثير المترابطة الذي ذكرناه, فلا يمكن أن تسير العربات بدون العربة الأولى, فبدونها لن يبدأ التأثير فيما بعدها, ولن يتحرك ما بعدها, وهكذا الوجود المفتقر لمن يوجده, لا يوجد إلا بموجد مستغن لا يحتاج لمن يوجده, فإذا لم يوجد الخالق الذي لم يُخلق، فلن نكون هنا !
- {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ }
هذه الآية لا تدل فقط على لزوم وجود خالق، بل إنها تشير إلى كماله… إنه ليس مثلكم أيها البشر، إنه خالق عظيم, إنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
لقد هزت عظمة هذه الآية قلب جبير بن مطعم قبل أن يسلم، وذلك لما ذهب إلى النبي ﷺ في فداء أسرى بدر، دخل المسجد والنبي ﷺ يصلي المغرب بالناس، ويقرأ سورة الطور.. يقول جبير: سمعْتُ النبِي ﷺ يقرَأ في الْمغرب بالطورِ، فلما بلغ هذه الْآيَة (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصيْطِرُونَ)، قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.
نعم، ولِمَ لا يطير -يا جبير-، فأنت أمام المعنى العظيم الذي صيغ في أحسن صياغة.
- طريق الهداية
– لقد سلك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- هذه الطريقة في مجادلة من حجد ربوبية الله تعالى، وادعاها لنفسه.. لقد سلكوا الطريقة العقلية في التدليل على ربوبية الله تعالى، وبالتالي استحقاقه للعبادة وحده.
– ففرعون لما أنكر ربوبية الله تعالى أخبره موسى عليه الصلاة والسلام بدلائل عدة على الربوبية، فذكره بأن الله ﷻ أعرف من أن يعرف، وأنه الغني الذي تفتقر إليه كل المخلوقات:{ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِين}، فإن كان لهم يقين بشيء فأول اليقين هو اليقين بهذا الرب، لأن تلك الآيات الكونية التي ذكرها لا يمكن معها جحد الخالق ﷻ، ولا يمكن للإنسان أن ينكر وجود الخالق إذا رجع إلى معارف العقل الضرورية: {قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } .
– وكذك النمرود لما اغتر بطول فترته في الملك ظن أنه لا إله غيره، وكأنه طلب الدليل على وجود إله غيره، قال له إبراهيم:{ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ }
أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها موجد أوجدها.
– ولقد أشار القرآن إلى هذا الدليل، وحثنا على التفكر في المخلوقات طلبا لليقين وزيادة الإيمان، وإقامة للحجة على وجوب عبادته وحده في مواضع كثيرة من كتابه، ولنتأمل هذه الآيات :
{ أَمَّن خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنبَتنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهجَةٍ ما كانَ لَكُم أَن تُنبِتوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَل هُم قَومٌ يَعدِلونَ. أَمَّن جَعَلَ الأَرضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَينَ البَحرَينِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمونَ. أَمَّن يُجيبُ المُضطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السّوءَ وَيَجعَلُكُم خُلَفاءَ الأَرضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ. أَمَّن يَهديكُم في ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحرِ وَمَن يُرسِلُ الرِّياحَ بُشرًا بَينَ يَدَي رَحمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمّا يُشرِكونَ. أَمَّن يَبدَأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرزُقُكُم مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُل هاتوا بُرهانَكُم إِن كُنتُم صادِقينَ} .
مقال (3) الدليل الثاني من أدلة وجود الله عزوجل [دليل الإتقان والإحكام]
تمهيد
تبين لنا أن مجرد وجود الشيء بعد أن لم يكن موجودا، تبين أنه دليل حتمي على وجود الخالق؛ وفي هذا الدليل سنتناول دليلاً آخر يزيد يقيننا بذلك؛ وهو التعقيد والإتقان الموجودان في المخلوقات، كما أن هذا الإتقان الموجود في المخلوقات يحمل معه شيئا عظيما آخر لإيماننا.. وهو الدلالة على كمال الخالق..
فتعال معنا !
•لو كنت أمام طفل صغير جدا .. لا يغلب على ظنك أنه يُحسن الرسم، لو رأيته قد أتاك بصورة قد رسم فيها أحلامه البريئة .. رسم سهلا أخضر جميلا، يلعب فيه الأطفال بألعاب مختلفة ..
ماذا سوف تستنتج من هذا الموقف؟
من البدهي أن لهذه الصورة رساما..
وسوف تعلم يقينا كذلك أن هذا الطفل قد تعلّم الرسم، وأنه قصد رسم هذه اللوحة بما فيها من تفاصيل، لن يخطر ببالك أن هذه اللوحة كانت نتيجة لتمريره القلم على الورقة بشكل عشوائي، وبدون قصد ليرسم ما رسمه([1]) .
• وكذلك إذا رأينا محركا معقدا، يحرق الوقود، ثم يحول الطاقة من شكل إلى آخر، فإننا سوف نكون على يقين قوي جدا من وجود صانع لهذا المحرك..
لكن هل يمكن أن يكون صانعه جاهلا بهذه الصناعة!؟
لا، إن مجرد رؤيتك للمحرك تعني لك أن صانعه عنده علم بالميكانيكا، والكهرباء، والتصميم، وكل ما يلزم لصناعة هذا المحرك.. وإلا لما استطاع صناعته، أو لصَنعه على نحو غير متقن.
مثل هذه الأمثلة البسيطة القريبة تجلي لنا نتيجة بدهية، وهي أن كل عاقل سليم الفطرة إذا تأمل ما في المخلوقات من إتقان وإبداع فإنه لا يجد مفرا من زيادة يقينه بوجود خالق لها؛ كما أنه سوف يعلم أن هذا الخالق لا بد أن يتصف بصفات الكمال، كالعلم والحكمة والإرادة.
إن هذا الدليل يجمع بشكل رائع بين البساطة والقوة، حتى أن كثيرا من الناس قد اهتدوا بعد التأمل فيه، ولا شك أن ما كشفه العلم الحديث من معلومات هائلة توضح كيفية عمل القوانين الطبيعية، وتكشف عن الإعجاز في جسم الإنسان والإعجاز في كيفية عمل الأجهزة والأعضاء بداخله، وتُظهر خصائص الكائنات الحية وتنوعها وتكشف الحجاب عن الكثير من مظاهر الإتقان والضبط الدقيق في هذا الكون، قد أمد هذا البرهان بالكثير من الشواهد والأمثلة عليه .
لمحة
إذا كان يقيننا قويا جدا بوجود رسام للصورة وصانع ماهر للمحرك، فإننا إذا تأملنا في بعض المخلوقات، وتأملنا ما فيها من تعقيد وإتقان شديد جدا، فإن عقولنا سوف تضطر اضطرارا لإثبات خالق عليم حكيم ذي إرادة.
فتعال الآن لنقف على جزء صغير من شاطئ بحر لا ينتهي من الإتقان والإبداع،تعال لتعلم أن ما تراه من محركات وآلالات مدهشة معقدة ليست إلا دمية ساذجة أمام أصغر مخلوقات الله ﷻ… فقبل أن نطير معا إلى تأمل الأفلاك والنجوم والكواكب.. قبل أن نغوص في البحار.. وقبل أن تتأمل الجبال والتلال والأشجار… :
ارفع اصبعك الصغير أمام عينك، إن فيه مئات الملايين من الخلايا، في كل خلية منها عجائب وأسرار.. لن يتسع المقام للوقوف إلا على طرف يسير من ذلك.. لكن لك أن تتأمل في قول لينوس باولنج -الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء-: “إن خلية حية واحدة من بدن الإنسان هي أشد تعقيدا من مدينة نيويورك”([2]) ! .
⋅ حسنًا، فلننتقل إلى داخل خلية واحدة من خلايا جسمك البالغ عددها ٣٧.٢ تريلون خلية تقريبًا … هناك تقريبا ([3])١٠ تريليون منها تحمل نواة (جزء صغير داخل الخلية).
⋅ في داخل نواة هذه الخلايا الجسميّة، يوجد ٢٣ زوجًا من الكروموسومات.
⋅ بداخل هذه الكروموسومات خيط رفيع جدًا يسمّى DNA – شفرتك الوراثية، يحمل هذا الخيط معلومات عن صفاتك ووظائف أعضائك بشكل كامل.
⋅ طول هذا الخيط: إذا فردنا الكروموسومات الموجودة في خلية واحدة ووصلناها ببعضها، سيبلغ طولها تقريبًا ٢ متر في المتوسط([4]) … تخيّل! خيط طوله ٢ متر يوجد في كل خلية من خلايا جسمك، ترى كيف سيكون ملفوفًا ومرتبًا لكي تَسَعَه خليةٌ لا تستطيع حتّى أن تراها بعينك المجردة؟!
⋅ إذا وصلنا خيوط المادة الوراثية – DNA في خلايا جسمك كلّها، (أي: ٢ متر *١٠ تريليون خلية)، سيكون الطول تقريبًا٢٠ مليار كيلومتر، وهذا الرقم يساوي مسافة الرحلة التي تقطعها سفينة فضاء في رحلتها من الأرض إلى الشمس٧٠ مرّة ذهابًا وإيابًا على أقل التقديرات([5]) … تخيّل أن طول المادة الوراثية في جسمك كافية لتلفّ حول الشمس٤٥٧٧ مرّة ([6])([7]) !
⋅ هذا ما يتعلق بطولها فقط، أما طريقة عملها، وكيفية قراءتها واستخراج المعلومات منها فعالم آخر!
هذه الـ ٣٧.٢ ترليون خلية، بعضها مسؤول عن العظام، وبعضها مسؤول عن الأعصاب، أخرى مسؤولة عن الدم … وهكذا، وكل واحدة منها تهتدي لما ينبغي أن تفعله !
{ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }
الزرافة !
⋅الزرافة تحمل دماغها فوق عنق طويلة، وقد تصل المسافة بين قلبها وبين دماغها إلى ٣ أمتار، وحتى يتمكن قلبها من إيصال الدم إلى دماغها فإنه لا بد أن يكون قويا، ولذلك فقد يصل وزنه إلى ١١ كغم، بطول ٦٠ سم، وطول جدرانه ٧.٥ سم([8]) ، إذاً فهو يضخ الدم بقوة شديدة بعكس الجاذبية نحو الدماغ ..
⋅ولكن ماذا سيحدث لو خفضت الزرافة رأسها لتشرب مثلا، هل ستنفجر عروقها ودماغها بسبب هذه القوة؟!
لا، فإن الشرايين التي توصل الدم إلى الدماغ تحتوي على صمامات تخفف من الضغط عند انحناء رأس الزرافة.
⋅كما أن هناك شبكة من الأوعية الدموية أسفل الدماغ تعمل كالإسفنج، فتمتص تلك القوة ثم تغذي الدم.
⋅ كما أن الشريان الذي ينزل الدم من الدماغ إلى القلب فيه صمامات تمنع الدم من الرجوع إلى الدماغ عندما تخفض الزرافة رأسها([9]) .
فسبحان من {أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ}.
(بكتيريا الفلجلم)!
⋅بكتيريا الفلجم لها ذيل يدور كمحرك، وهذا المحرك مؤلف من أجزاء متعددة كالمجداف والدوار والبطانات والحلقة ومحور الدفع وغيرها، وهي متداخلة بشكل متناسق، ولو فقد منها جزء لما عمل هذا المحرك .([10])
⋅في عمل كل عضو من هذه الأعضاء إبداع مذهل.. وما يذهل أكثر هو وجود هذا التناسق والترتيب والترابط في عمل هذه الأعضاء.
⋅إن هذا التكامل في العمل موجود في الخلية، وفي داخل العضو الواحد، وفي داخل جسم الإنسان، وفي داخل جسم الحيوان كذلك.. إن عمل هذه الأعضاء بهذا الشكل المتكامل يعني أنها وُجدت دفعة واحدة ليحصل بينها الترابط وتعمل، وإلا لما استطاع المخلوق أن يبقى حيا، أو أن يبقى سليما.([11])
⋅ليس هذا في داخل أجسام المخلوقات فحسب بل في الطبيعة عموما، فالله ﷻ جعل لكل مخلوق وظيفة؛ فمفترس وضحية، وحيوانات يكثر عددها، وأخرى يقل عددها، حشرات قد نراها مزعجة فإذا بها ذات أهمية كبيرة لضمان غذائنا.. أمور لا نعلمها، وأمور نتعلمها،
تأمل في هذه الحادثة :
لما نزل المهاجروين الأوروبيون أستراليا، لم يكن فيها من الثدييات المشيمية إلا كلب الدنجو البري، ولما كان هؤلاء المهاجرون قد نزحوا من أوروبا، فقد تذكروا ما كان يهيئه لهم صيد الأرانب من فرصة طيّبة لممارسة الصيد والرّياضة…
في محاولة لتحسين الطبيعة في أستراليا استورد (توماس أوستين) في عام (١٨٥٩م) نحو اثني عشر زوجا من الأرانب وأطلقها. ولم يكن لهذه الأرانب أعداء طبيعيون في أستراليا، ولذلك فقد تكاثرت بصورة مذهلة، وزاد عددها زيادة كبيرة فوق ما كان ينتظر، وكانت النتيجة سيئة للغاية؛ فقد أحدثت الأرانب أضرارًا بالغة بتلك البلاد حيث قضت على الحشائش والمراعي التي ترعاها الأغنام. وقد بُذلت محاولات عديدة للسيطرة على الأرانب، وبُنيت أسوار عبر القارة في كوينزلاند بلغ امتدادها ٧٠٠٠ ميل، ومع ذلك ثبت عدم فائدتها؛ فقد استطاعت الأرانب أن تتخطاها. ثم استخدم نوع من الطعم السام ولكن هذه المحاولة باءت هي الأخرى بالفشل.
⋅ ولم يمكن الوصول إلى حل إلا في السنوات الأخيرة، وكان ذلك باستخدام فيروس خاص يسبب مرضًا قتّالًا لهذه الأرانب هو مرض الحرض المخاطي.
⋅ وقد لا يكون هذا هو الحل الأخير، فقد أخذنا نسمع أخيرًا عن ظهور أرانب حصينة لديها مقاومة كبيرة لهذا المرض في أستراليا… ومع ذلك فقد أدى انخفاض عدد الأرانب هنالك إلى منافع جمّة، وتحوّلت مناطق البراري القاحلة والجبال المقفرة التي بقيت مجدبة عشرات السنين إلى مروج خُضر يافعة. وقد ترتّب على ذلك زيادة في الإيراد من صناعة الأغنام وحدها قدّرت في سنة١٩٥٢- ١٩٥٣ بما يبلغ ٨٤ مليون جنيه! ([12])
وأما الكون وما فيه من أسرار وعجائب فآيات باهرة، ومشاهد آسرة،
ومن أهم المظاهر التي أبهرت العقول بإتقانها العجيب: قضية الثوابت الكونية، فالكون ضُبط بقوانين دقيقة ثابتة صارمة، تسير وفقها مجريات الكون؛ ليكون مناسبا للعيش والحياة فيه، ولو وقع أي تغير في تلك الثوابت -ولو كان ضئيلا- فإنه من المستحيل أن يكون على صورته التي هو عليها الآن([13])، ومن صور ذلك :
⋅ قوة الجاذبية، فهذا الثابت الكوني لايختلف عن غيره من مخلوقات الله، فهو مضبوط بشكل مذهل، إذ أنه لو كان مختلفا بمقدر جزء من 10^60 لما كان لنا وجود ([14])!!
⋅ موقع الأرض، فتفصل الأرض مسافة دقيقة عن الشمس، بحيث لو حصل تفاوت بسيط في هذا المدار المنتظم، فلن يبقى شيء على الأرض كما هو، لا الماء سيبقى كما هو، ولا المحيطات، ولا النبات، ولا البشر.([15])
⋅ هذه الأرض يحيط بها غلاف غازي فيه الغازات اللازمة للحياة بنسب دقيقة لو تغيرت تغييرا طفيفا لفسدت الحياة، ويمتد هذا الغلاف حولها إلى ارتفاع يزيد عن ٥٠٠ ميل، ليحول دون وصول الشهب القاتلة، ويحفظ درجة حرارة الأرض، ويحمل بخار الماء من المحيطات إلى مسافات بعيدة داخل القارات.([16])
وسبحان مَن قال في كتابه الكريم، وقال جل جلاله: {وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا }..
ومظاهر الإتقان والإحكام والضبط في الخلق كثيرة جدا، والمقصود هنا ذكر بعضها للتمثيل فقط.
هو الله!
والآن، وبعد هذه النماذج التي لا نستطيع وصفها إلا بأنها نزر يسير جدا جدا جدا أمام ما علمه علماء الطبيعة من عجائب الخلق.. لا يمكن لإنسان يحترم عقله وفطرته إلا أن يقر بأمرين :
بوجود خالق لهذه المخلوقات.
وأن هذا الخالق متصف بصفات الكمال المطلق، الذي لا يدخله نقص بوجه من الوجوه.
الله الحي القيوم ..
فمن تأمل في هذا الخلق المتقن، علم يقينا أن خالقه لا بد أن يكون متصفا بالحياة الكاملة؛ فلو لم يكن حيا لما خَلَق،{اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: ٢٥٥]، {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: ٦٥].
الله المتصف بالإرادة جل علاه ..
ولا يمكن أن يتم الخلق بدون إرادة؛ فغير المريد لا يقدر على أن يقوم بشيء له معنى، فضلا على أن يخلق مخلوقات متقنة يجعل لكل منها مهمة ووظيفة.
الله العليم..
ولا بد أن يكون متصفا بكمال العلم؛ فالخلق، والخلق المتقن، لا يمكن أن يتم بدون علم كامل، فالجاهل لا يمكنه أن يصنع أبسط الأشياء.. فإذا لاحظنا دقة خلق الخالق علمنا دقة علمه، وأنه لا تخفى عليه خافية، (وَأَسِرّوا قَولَكُم أَوِ اجهَروا بِهِ إِنَّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدورِ. أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ}.
الله القدير ..
كما أن الخالق لهذا الإتقان لا بد أن يتصف بالقدرة التامة، فهذا الكون يسير على سنن وقوانين دقيقة، غير فوضوية، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} الطلاق: ١٢]، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِير}.
الله الحكيم ..
ولا يمكن للخلق المتقن أن يتم بدون حكمة تامة بالغة، فغير الحكيم لا يمكنه وضع الشيء في موضعه المناسب، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}.
الله الرحيم الكريم الوهاب ..
وإذا تأملت في تسخير الأرض وتذليلها لمعيشتنا، وتأملت كيف أن الرزق والطعام يصل إلى أضعف المخلوقات، وإذا تأملت في إغاثة الله تعالى لعباده بإنزال المطر، علمت أن هذا الخالق رحيم رحمة وسعت كل شيء، كريم عظيم الكرم والجود، {فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: ٥٠]،{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: ٢].
الله السميع البصير ..
ومن لوزام ذلك الخلق المتقن أن يكون الخالق سميعا بصيرا، {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ الشورى: ١١].
الله ذو الكمال والجلال ..
وآثار الكمال الموجودة في الخلق، تدل على كمال الخالق، لأن معطي الكمال أولى به، فخالق الأسماع والأبصار والنطق، ونحو ذلك من الصفات الكاملة، هو أحق بهذا الكمال على وجه لا يماثله فيه أحد من خلقه؛ فالفطرة والبديهة تقتضي أن يكون الخالق المستغني عن الخلق أولى بالكمال من المخلوق المحتاج الفقير إلى خالقه، { وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الروم: ٢٧]، {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: ١٧] . ([17])
وهكذا يدلنا الخلق المتقن على الكمال المطلق للخالق، ثم يدلنا على بعض الصفات التي يمكن لعقولنا إدراك اتصافه سبحانه وتعالى بها من خلال التأمل.
نتيجة واحدة فقط !
هل تذكر ذلك الطفل الرسام؟ لقد كان بعيدا جدا جدا بالنسبة لك أن يكون قد وصل إلى تلك الرسمة عن طريق تحريكه القلم بشكل عشوائي على الورقة..
لو أنك طلبت منه أن يعيد رسم تلك الصورة أمامك ففعل، فهل سيزداد استبعادك للأمر؟ بالتأكيد. ولو رسمها مرة ثالثة؟ سيزداد أكثر وأكثر.
وهكذا كلما تكرر الإبداع وكثر، وكلما اشتد الإتقان وعظم، كلما ازداد العقل والقلب يقينا بالإيمان بأن لهذا الكون خالقا عالما حكيما مريدا، كامل الصفات..
عقولنا لا تقضي إلا بهذه النتيجة.
⋅ فإذا تأملت ما سبق علمت يقينا أن الإيمان بالخالق المتصف بالكمال المطلق هو ما يحصل به قناعة العقل، واطمئنان القلب، واستقرار النفس.
يقول ابن تيمية -رحمه الله-:([18])
«إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك، واعتبرتها بفكرك، وجدته كالبيت المبني المُعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض مبسوطة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وضروب النبات مهيأة للمطاعم والملابس والمآرب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملة في المرافق، والإنسان كالمُمَلّك البيت، المخول ما فيه. وفي هذا كله دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام وأن له صانعًا حكيمًا تام القدرة بالغ الحكمة» .
أيقظ قلبك!
إن هذه المخلوقات تدلنا وتهدينا إلى العلم بخالقنا وبكماله، فتبارك الله الذي جعل سبيل الوصول إليه سهلا ميسورا.. هي أمور بين يديك وفي داخلك وفي نفسك، لا يغفل عنها إلا عقل عليه غشاوة، أو قلب علَته القسوة، أو نفس استولى عليها الهوى، ولذلك فقد وجه الله ﷻ عباده إلى إعمال الفكر في هذه المخلوقات، فإن كان هذا العبد حائرا زالت حيرته، وإن كان قلبه قاسيا زالت قسوته، وإن كان كافرا هُدي قلبه، وإن كان مؤمنا زاد إيمانه.
قال تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون * وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون. وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون)،
وقال ﷻ : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّار).
وفي القرآن آيات كثيرة تستعمل الظواهر الكونية كدليل على عظمة الرب تعالى وكماله واستحقاقه وحده للروبية والألوهية، وهي تتضمن استثارة المكون الفطري في الإنسان، والذي يدعوه إلى نسبة مظاهر الإتقان إلى رب حكيم عليم، فعّال لما يريد، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وإلى أن يتوجه بالعبادة لهذا الخالق العظيم وحده لاشريك.
ومن ذلك قوله تعالى: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون * أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون }
فانظر كيف لفت النظر إلى بعض الظواهر التي نراها بكثرة، ولكن غفلت قلوبنا عما فيها من إبداع كما قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }.
إن مجرد التأمل في خلق السماوات والأرض، وإنزال المطر، وإنبات النباتات وتنوعها= كفيل بعمارة قلبك بالإيمان.
فكيف إذا وجهت النظر، وتأملت في الظواهر الكونية بالغة الإتقان، والتي قد يغفل عنها كثير منا!
(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) [الرعد: ٢].
وقال تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) [الأعراف: ١٨٥]،
وقال: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج) [ق: ٦]، وقال: (الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور) [الملك: ٣].
?وكم في القرآن من ذكر لهذه المخلوقات التي نراها حولنا، وهي من أعظم الأدلة على وجوده وكماله سبحانه واستحقاقه للألوهية وحده لاشريك له، فذكر الشمس والقمر، والليل والنهار، وإنزال المطر وإخراج النبات بسببه، وذكر الرعد والبرق، والسحاب والنجوم، وتسخير الرياح لذلك، وتسخيرها لسير السفن في البحر، وذكر خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، وحثنا على التفكر في الزواج، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وجعْلِ الليل سكنا لنا، وذكر المراحل التي يمر الإنسان بها في حياته، وتفضيل بعض الناس على بعضهم في الرزق، وذكر النحل والإبل والجبال، وغير ذلك..
مقال (4) الدليل الثالث من أدلة وجود الله عزوجل [دليل الحياة]
- مدخل
تأمل فيما حولك من مظاهر الحياة، في الأشجار الخضراء اليانعة.. تلك الطيور التي تبسط أجنحتها وتطير في الهواء.. في الحيوانات التي تغدو وتروح تبتغي من رزق الله…
• نحن كبشر نجد من أنفسنا تفريقا واضحاً بين الحياة وضدها, فنبتهج بالحياة ونحزن للموت, ولو شهدنا أي ميت من إنسان أو حيوان, ثم قيل لنا أن هذا الميت مثل الحي لاستنكرنا أعظم الاستنكار, بل لو قيل لنا أن هذه الجثة ستقوم وتتحرك لاستنكرنا ذلك, فضلا عن أن يقال لنا أنّ جماداً ستنبعث فيه الحياة تلقائياً, وصدق تعالى: {وما يستوي الأحياء ولا الأموات..}.
• فنحن نعلم أنه ليس من سنن الحياة أن تعود الحياة في الدنيا لمن مات موتا قطعيا, ومن باب أولى أنّ الحياة لا يمكن أن تأتي ابتداءً من مصدر لا حياة فيه.. ويستحيل أن تكون المادة غير الحية بمجردها مصدراً مُنشئاً للحياة.. فلا بد أن يكون مصدر الحياة متصفا بكمال الحياة والقدرة والعلم والإرادة, وفي هذا يعظ تعالى عباده بما يعلمونه من افتقار حدوث الحياة إلى فِعل الإحياء فيقول: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم..} الآية.
• هكذا نعلم تميّز الحياة وعظمتها بفطرتنا, ونهتدي من ذلك إلى أنّ معطي هذه الحياة عليم خبير عظيم, ولا نحتاج لإطالة الفكر لإدراك الفرق بين ما فيه حياة وما لا حياة فيه, وأنّ الحياة بخصائصها وطبيعتها لا يمكن أن تأتي من مجرد المادة المحسوسة فقط .. ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا يمكن أن يهب العِلمَ جاهلٌ، ولا يمكن أن يُهدي المال مُفلسٌ، ومُحال أن تأتي الحياة مما لا حياة فيه! فكل هذا مدرك جليّ بالفطرة ..
غير أنّنا لو تفكّرنا وتعمّقنا في خصائص الحياة سنجد مزيداً من العجب, وسنرى آيات مبهرة تأخذ بالألباب..
فتعال بنا نزيد الأمر تفصيلاً وتأمّلاً ..
- لنتأمل :
العمل البنائي المحافظ على الوجود للكائن ونوعه
• تتضمّن الكائنات الحية عملاً بنائياً للخلايا ومكونات الجسد, وهو عمل تتكامل فيه مختلف الأجزاء, لتتفاعل مع البيئة الخارجية وتحصّل الغذاء ثمّ تنتج الطاقة وتتخلص من الفضلات, وتنمو وتتحرّك وتتكاثر, وغير ذلك من العمليات الحيوية التكاملية التي تمثّل حركة بنائية مستمرة تقاوم التفكّك, وبمجرد موت الكائن الحي وتوقّف هذا العمل الدؤوب يدبّ الانحلال في الكائن الحيّ, ويبدأ بالتفكّك ومشابهة المواد غير الحيّة!
•إنّ ثمّة اختلاف واضح بين بيئة الحياة وغيرها, فعند حضور أبسط صور الحياة نجد أنّها ذات تنظيم عال للمواد الكيميائية وتخزين للمعلومات اللازمة لبناء الكائن الحيّ ([1]), وهو اختلاف عجيب في واقعه المشهود, عجيب أيضاً في بدايته حين نتفكّر في ظهور الحياة بنظامها البنائي المعقّد في محيط يفتقر لهذه السمة!([2]).
.
فما الذي يجعل الكائنات الحيّة مغايرة لما حولها من وجود مادي محسوس؟ بل ما الذي يجعل بعض الكائنات الحيّة تنتقل من نظام إلى نظام أعلى كتحوّل النطفة الأمشاج إلى إنسان؟
? إنّ فيها شيئاً فريداً لا ينتمي لعالم المادة المقابل لها, شيئاً يوجّه نظامها ونموّها ويحوّل الطاقة إلى أداة إيجابية للبناء([3]), وهذا الشيء نرى آثاره أمامنا بل في أنفسنا, ونرى آثار افتقاده في الجمادات أو فقده بعد وجوده في الكائنات التي تموت.
- لنتأمل :
الحمض النووي
أعجوبة المعلومات ونظامها ..
•باكتشافات علم الوراثة واكتشاف الـ DNA (الدي إن أيه أو الدنا) الذي يحتوي على المعلومات الخاصة بالكائن الحي وصفاته، ثبت أنّ الحياة ليست مجرد مادة وطاقة, بل هي أيضاً مكونة من معلومات .
ولتقريب الصورة للأذهان…
• يُمكن تشبيه الدنا بمكتبة تحوي كتباً فيها كافة المعلومات والتفاصيل التي تخص الكائن الحي، سواء كانت صفاته الوراثية كلون العين والبشرة والشعر، أو كانت التعليمات الخاصة ببناء جزيئات البروتين وإنجاز الوظائف الحيوية في الخليّة.
• هذه المعلومات تم تخزينها ضمن الدنا الملفوف على شكل سلسلة حلزونية مزدوجة، تم ضغطها في حجم صغير جدا جدا لا يُرى بالعين المجردة، وتشفيرها بأبجدية كيميائية خاصة, فكما نرى أن اللغات تتشكل من أحرف محدودة العدد، تترتب بشكل مُعين لتؤلف آلاف الكلمات، وتتشكل من الكلمات جمل كثيرة متنوعة، فإن أساس لغة الحامض النووي أربع جزيئات كيميائية تُسمى (النوكليوتيدات)، تترتب على طول الدنا بتسلسلات معينة لتخزّن المعلومات.([4])
نظام لمعالجة المعلومات ونقلها وترجمتها ..
الجسم يحتاج للبروتينات لتستمر عملياته الحيويّة, وهذه البروتينات تتكون من أحماض أمينيّة.
وهنا نتساءل ! كيف تقرأ الخليّة المعلومات المشفرة على شريط الدنا، ليحصل بناءً على ذلك بناء الأحماض الأمينيّة ؟
?يحصل ذلك عبر عملية التعبير الجيني، وهي عملية في غاية التعقيد، يعتبر الدنا فيها مصدر التعليمات وخطة العمل .
• تصدر التعليمات عن طريق نسخ المعلومات المشفرة على الدنا, حيث تقوم جسيمات قارئة بفكّ خيطي الدنا المتوازيين وكشف تسلسل النوكليوتيدات من أجل قراءتها ونسخها عبر صناعة شريط متناسب يسمى بالرنا المرسال([5])
• يحمل الرنا المرسال المعلومات إلى الريبوسوم, وهو أشبه بآلة ترجمة وتصنيع، حيث يقوم بترجمة المعلومات التي يحملها شربط الرنا المرسال، ويقوم بناء على تلك المعلومات بتوجيه ارتباط الأحماض الأمينية وفق الترتيب المناسب لتصنيع المطلوب, فترتبط الأحماض معا في سلاسل وتوليفات كثيرة متنوعة تكون البروتينات المناسبة التي تنجز معظم الوظائف الحيوية في الخليّة .
إنّ الذي أمامنا إذاً عملية عجيبة تتضمن أجزاءً تقرأ الأحرف وتفك الشيفرات, ثم يقع التنسيق والتعاون بينها بدقّة لتنجز المطلوب بالضبط. وصدق تعالى: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}.
وهي إذاً ليست معلومات مشفّرة فحسب, بل هناك نظام بديع لمعالجة المعلومات, يقول د. ستيفن ماير في كتابه “توقيع في الخلية”: “.. تماماً كما تكون المعلومات الرقمية المحفوظة على قرص عديمة النفع دون أداة تقرؤ القرص, كذلك أيضا تكون المعلومات على الدنا عديمة النفع دون النظام الخلوي لمعالجة المعلومات “.([6])
والآن بعد هذا الشرح المبسط جداً ، ترى ما الدلالات التي رفع الستار عنها اكتشاف الحمض النووي وطريقة عمله !؟
- لنقف مع بعض منها ..
الدلالة الأولى :
” الفارق المذهل ! “
• إنّ نظام نقل وتشفير المعلومات هذا ليس من سمات المادة غير الحية, بل هو من خواص الأنظمة الحيّة ويعدّ مركزياً فيها, بل حتى في الكائنات الحيّة وحيدة الخليّة, فأبسط بناء للحياة يتطلب في المقام الأول وجود تعليمات التجميع([7]), ولا يوجد في أي مكان من عالم الطبيعة غير الحيّة تسلسلات كهذه تحمل معلومات نوعية .
وهذا يدل على أنّ الحياة شيء متميّز فريد لا يمكن أن يأتي من مجرد المادة فقط، ولذلك ذكره القرآن من الآيات, كما قال سبحانه :{ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون}, فخلق الحياة يستلزم خالقا يتصف بالعلم والقدرة, أبدع الكائنات الحيّة وميّزها وجاء بهذه المعلومات ونظامها المتكامل إلى عالمنا بعد أن لم تكن .
الدلالة الثانية: طبيعة المعلومات تثير العجب !
“المعلومة لا توجد إلا من فاعل يتصف بالعلم والإرادة ..”
• إنّ طبيعة المعلومات نفسها تثير العجب! فالمادة المكتوبة على شكل أحرف كيميائية في المادة الوراثية ترمز لمعلومات, كما أن الأحرف المكتوبة بالحبر أو الرموز الرقمية في الحاسب ترمز لمعلومات, لكن المعلومة ذاتها ليست الشيء المادي الذي رمز لها, بل هي معنى يُدرك, ليس له كتلة ولا طول ولا عرض, وفهمنا لها يعتمد على طبيعة حيوية غير مادية وهي الإدراك والفكر والوعي, وما نميزه كمعلومات يعكس دائماً نشاطاً مسبقاً لوعي الأشخاص وذكائهم([8]), ويستحيل أن توجد معلومات نوعية ولا أنظمة معالجة للمعلومات المعقدة المتكاملة إلاّ بوعي, وهذه حقيقة بدهية تظهر في تفوّق عقولنا على المادة, وضرورة وجود العلم والقدرة والإرادة لكي يتم ترتيب المادة في بنى مفيدة للحياة.([9])
واسأل نفسك هنا ليتضح لك عظم هذا الدليل:
هل إذا وجدت كتابا تحمل صفحاته كل المعلومات عنك بما في ذلك جميع صفاتك! كلونك وطولك وعينك وتقبلك لبعض الأمراض الوراثية.. وغير ذلك.. هل ستشك لحظة أنّه كُتب بلا علم وإرادة وقدرة! أو أن جمادا كتب ما فيه من معلومات!
هذا بالطبع مُحال!
بل ستتيقن أن وراءه حيّاً عالماً بك!
فكيف بما هو أعظم من ذلك!؟
فإذاً هذا يبرهن أيضاً حتمية وجود خالق عظيم يتصف بالعلم والقدرة والإرادة, منه جاءت هذه المعلومات، فمجرد وجود معلومات تخص كل كائن حي في قلب كل خلية من خلايا جسده دلالة مبهرة عليه سبحانه. وصدق الله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}.
الدلالة الثالثة :
” ترتيب مسبق مقصود ! “
• لنتأمّل بعمق في بعض الموجودات التي ألفناها مثل الهاتف الجوّال، سنجد أنّ الكهرباء المتدفقة فيه تتبع قوانين الكهرومغناطيسية, ومع ذلك لا تنتج بنية الهاتف النوعية عن هذه القوانين أو غيرها من القوانين الفيزيائية والكيميائية, فالقانون لا يصنع الآلة ولا يحدد كيفية ترتيب أجزائها وتجميعها, فذلك الترتيب هو عمل المصمم, فهو ما يحدد مكان تدفق الكهرباء في أي آلة .
• وهذا ما ينطبق على أنظمة الاتصالات الموجودة في الكائنات الحيّة, فقوانين الصوتيات لا تحدد أي الأصوات المنقولة سيتكلم بها صاحب اللغة, كما لا تحدّد خصائص الحبر الكيميائية ترتيب الأحرف في ورقة مطبوعة, وإنما تسمح هذه القوانين بمجال واسع من التسلسلات الممكنة, ويأتي دور التصميم والفعل الواعي في تحديدها.
• ووفق المبدأ نفسه نجد الحال في الدنا, إذ لا توجد خصائص كيميائية أو فيزيائية تحدد تسلسل وارتباط وحدات بناء الدنا الأربعة (النوكليوتيدات) وتجعلها ذاتية التنظيم([10]), بل تسمح كيمياء الدنا بارتباط أيٍّ من وحدات بناء الدنا الأربعة بأي موضع أو آخر من هيكل الدنا بنفس القدر من السهولة, كما تسمح خصائص الحبر الكيميائية بأي ترتيب للأحرف في الورقة, وفي الحالتين يحدّد الترتيب الفعل الواعي الناتج عن إرادة وعلم, ليحمل المعلومات والمعاني المطلوبة, وفي حالة الدنا يدلّ غنى التسلسلات بالمعلومات النوعية المشفرة أنّها حتماً من خالق حكيم عليم خبير . ([11])
الدلالة الرابعة :
” دلالة ضرورة التكامل “
• ما يصفه علماء البيولوجيا هنا هو نظام محكم متكامل يوظّف أجزاء متعددة ضرورية معا، فهناك احتياج متزامن لكل الأجزاء معاً, فالبروتينات – على سبيل المثال – تعتمد في تشكُّلها على معلومات الـدنا, ولكنَّ الـدنا لا يمكن أن يتشكَّل دون بروتين موجود قبله([12])، مما يؤكد أن هذا النظام لا يمكن أن يبدأ إلا بكليته وتكامل أجزائه, فهو نظام وجد بكليّته وتعقيده وإحكامه من البداية ([13]),{فتبارك الله أحسن الخالقين}.
يقول ميلر وزميله لفين :
” كل الخلايا الحية محكومة بالمعلومات المختزنة في الدنا الذي يتحول إلى رنا ثم يتحول إلى بروتين، وهو نظام في غاية التعقيد, وكل من هذه الجزيئات الثلاثة يحتاج الاثنين الآخرين، إما ليحفظ له تماسكه أو ليساعده على العمل, فالدنا مثلا يحمل المعلومات ولكنه لا يستطيع أن يفعل استخدامها، ولا حتى أن يستنسخ نفسه دون مساعدة الرنا والبروتين ” .([14])
• وهذا كلّه إذا أردنا أن نركّز على داخل الخليّة, أمّا إذا أردنا أن نفكّر في نشأة بناء الخلية ذاتها, فكما يقول ماير: ” ..بناء خلية وظيفية.. سيحتاج أكثر من مجرد المعلومات الجينية التي توجه الاصطناع البروتيني؛ إذ سيحتاج أيضاً -على الأقل- إلى مجموعة بروتينات وجزيئات RNA موجودة مسبقاً.. ” ([15]), وسيحتاج هذا أيضاً إلى طاقة ليمكن بناء النظام الخلوي، وهذه الطاقة تنتج عن الميتوكندريا والتي هي بدورها بروتينات تحتاج في بنائها إلى الدنا، ويضاف لذلك غشاء من نوع خاص لحماية الخلية والتفاعلات الكيميائية التي تحصل فيها, وهو يعتمد على بروتينات وأنزيمات وجزيئات خلوية, وكل ذلك يعيدنا لنفس النقطة, وهي الحاجة لوجود نظام متكامل توجد أجزاؤه معا في تكامل منظّم هادف([16]). وقد قدّر بعض العلماء أنّ الحد الأدنى من الجينات المطلوبة لحياة خليّة مستقلة عن غيرها وقادرة على النمو السليم هو 473 جين, أي أكثر من نصف مليون حرف نيكلوتيدي بترتيب مخصوص! وهناك تقديرات أعلى.([17]) فسبحان الذي {أحسن كل شيء خلقه}.
الدلالة الخامسة:
” ما تحمله الخلية من عمل غائي منسّق دقيق “
• والعجب يزداد كذلك إذا تأمّلنا في طريقة تفاعل مكونات الخلية مع بعضها في أعمالها التكامليّة الغائية الدقيقةّ ..
فإذا أخذنا مثلاً عمليات مراجعة النَسخ في الحمض النووي الصبغي, نجد أنّها تتحرك نحو غاية محدّدة, تقوم على رصد الخطأ وإصلاحه وطلب الصورة النموذجية للبناء العضوي.
• ويزداد العجب عندما ندرك أنّ بنيان الحمض النووي الصبغيّ عرضة للفساد السريع بما يصيبه من أعطاب مهلكة, ولكن ثمّة آليات كثيرة متنوعة وذكيّة تقوم بالإصلاح, وتتضمّن آليات تدقيق متعددة المستويات, تتعرّف على الأعطاب التي تحدث خلال تضاعف الحمض النووي وتُلغيها بدقّة بالغة, ويتضمّن ذلك أنزيمات تقوم بقطع جزءٍ من شريط الحمض النووي الصبغي المعطوب, وإزالته وتبديله بآخر صحيح.([18])
• بل إنّ الأبحاث تكشف عن عمليات عجيبة للاستدراك والتوجيه, فالبروتين إذا أصيب بعطب ينحلّ ليظهر حمضه الأميني من داخله, ثمّ يتعرّف أحد الأنزيمات على هذا الحمض, فيضع في البروتين جزيئاً بروتينيّاً صغيراً كعلامة تبيّن حاله للخليّة ليتمّ التخلّص منه بعد ذلك !.([19])
إنّ هذا العمل الغائي وما فيه من مظاهر تكامل وتنسيق دقيق يظهر فارقاً عظيماً تختصّ به الكائنات الحيّة في أدقّ مكوناتها الخلوية, عن تلك الموجودات الماديّة المحسوسة التي تفتقد لهذه الخواص, فلا يمكن أن تنشأ عن مجردّها، وهو ما يحتّم كذلك خالقاً حكيماً متصفاً بالحياة والعلم والإرادة والقدرة أبدع وأتقن، وأخضع كل شيء لعظمته وقدرته .
- وليس هذا كلّ شيء !
• بدأ علماء البيولوجيا مؤخراً في استيعاب أنّ المعلومات الحيويّة متعددة الأبعاد بشكل عميق جداً وتتحرك في جميع الاتجاهات من خلال شبكة اتصالات واسعة النطاق, وأنّ الطبقات المختلفة للمعلومات لا تتجاوب فقط مع المحيط الخلوي, بل تتداخل بقوة مع البيئة الخارجية كذلك, وأنّ المعلومات الحيويّة ليست مقصورة على الدنا وتسلسلاته وشيفرته فقط, بل هناك شبكة اتصالات وتبادل معلومات واسعة بين أجزاء متنوعة في الخلية, إضافة للاتصالات بين الخلايا والأنسجة والأعضاء المختلفة, هذا وإدراكنا لأعجوبة المعلومات لا يزال يتسع! وصدق تعالى: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }.
• ثم إنّ لنا حديثاً متصلاً أيضاً بخصائص أخرى لا تنتمي لعالم المادة غير الحية, مثل الوعي والإرادة الحرة والقيم ونحو ذلك مما تتميز به حياتنا وذواتنا, ولا شك أنّ هذه الخصائص ممّا يدخل في الاستدلال بالحياة, ولكنّها تستدعي وقفات خاصّة نتأمّل فيها عجيب صنع الله تعالى, وذلك في مقالات قادمة إن شاء الله.
- وفي الختام :
والخلاصة مما سبق أنّ الحياة دليل مبهر على الخالق وكماله سبحانه, فالإنسان يدرك بفطرته أنّ الحياة لا يمكن أن تأتي من مصدر لا حياة فيه, ويدرك بالتفكّر وجوهاً عديدة لدلالة الحياة على الخالق سبحانه, كما قال تعالى:{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}، ويمكن أن نلخّص بعض ذلك كما يلي:
أنّ الحياة تتضمّن نظاماً بنائياً تكاملياً لغاية الحفاظ على النفس والنوع, وهذا العمل البنائي التكاملي المقاوم للتفكّك لا يوجد عند غياب الحياة, ويكشف عن تميّز الحياة واستحالة مجيئها من مجرد المادة المحسوسة فقط.
أنّ المكونات المادية غير الحيّة تفتقد المعلومات التي تنظّم العمل البنائي الداخلي للكائنات الحية, وتفتقد نظام معالجتها, فلا يمكن أن تكون مصدراً لها, ولا يمكن أن يكون مصدر المعلومات إلاّ من يعلم معناها ويريد إيصال مضامينها من خلال تسلسلات رموزها، ومن المستحيل وجود المعلومة بدون ترتيب واعٍ لتسلسل ما يرمز لها, والرموز الكيميائية كذلك لا يمكن أن تفيد المعلومة إلاّ إذا اختير لها بقصد وعلم تسلسلات معينة من بين احتمالات التسلسل الكثيرة الممكنة وفق القوانين الطبيعية.
لا يمكن أن تنشأ الحياة إلاّ كنظام متكامل مع بعضه من البداية, وهذا ظاهر من افتقار كل مكون إلى غيره بطريقة تجعل من المستحيل وجود البعض وبقائه دون البعض الذي يتكامل معه, مع وجود الشيفرة وعمليات الترجمة التي تحقق التواصل وتنسّق العمل البنائي المتواصل.
في عمل مكونات الخلية غائيّةً وتكامل وتنسيق دقيق, وتجاوب مع الأحداث وتواصل وتفاعل مع المحيط الداخلي والبيئة, وذلك لا يمتّ بصلة لغير الأحياء, ويقال مثل ذلك في الوعي والإرادة الحرّة وغيرها من سمات غير مادية يأتي الكلام فيها في مقالات قادمة إن شاء الله.
وهذا كلّه يحتّم أنّ وجود الحياة وسط البيئة المادية غير الحيّة كان بفاعل خارج عنها يتصف بكمال العلم والحكمة والقدرة والإرادة, فهي تفتقر للخالق الحيّ الذي أنشأها وأعطاها حياتها وهداها لقوامها وميّزها بقدرته وعلمه وحكمته, وأمدّها بهذه القدرات والمعلومات والنظم الدقيقة المتكاملة, فهي لا شكّ من صنع العليم الحكيم العظيم القدير سبحانه, وهذا كلّه يدفع العاقل للسعي لتحقيق الغاية التي خلق بهذه القدرات من أجلها, كما قال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19)} [الإسراء : 18-19].
مقال (5) الدليل الرابع من أدلة وجود الله عزوجل [دليل الوعي ]
- مدخل
وأنت تقرأ هذه الأسطر تعيش تجربة وعي بذاتك وبما تقرأ, تنتقل بين الكلمات والجمل فترتسم في وعيك المعاني وتثور لديك الأحاسيس, في مشهد يتكرر في كل أنشطتك اليومية دون أن تفكّر في دلالاته، ربّما لأنّك تعوّدت ذلك, وحتّى لو مررت بتجربة تقرّب لك التأمّل في معنى امتلاك هذه التجربة وفقدانها, مثل الإغماء العميق أثناء تخدير لعملية مثلاً, فإنّ هذا الموقف قد يمرّ عليك دون أن تفكّر في دلالاته, رغم أنّنا نعيش حالة يومية قد تقرّب لنا ذلك, حين ينام أحدنا… وفجأة يستيقظ ويزيد إحساسه بذاته.. يستجمع مشاعره.. يعود لوعيه الكامل..
هذه الحالة من اليقظة التي نعود لها بعد الإغماء أو النوم يمكن أن تقرب لنا المراد بـ”الوعي”، إنها مجموعة كبيرة من المدركات المتداخلة والمشاعر، تحسّ بها أنّك أنت أنت ! وتعيش بها عالمك الخاص المتميّز عن الآخرين, بذاتك المتميّزة به عنهم.. مشاعر كثيرة نشعر بها..
منها شعورك بعدما عدت من سفر طويل، فرأيت أبناءك يطيرون نحوك كالعصافير…
ومنها شعورك عند تعرضك لخطر مفاجئ، فتتقي بيدك أو تبتعد بجسمك بشكل سريع..
فرح وحزن، وراحة ومشقة، وأحلام وخيالات تتعلق بالمستقبل.. بل فرح بطعام مفضل أو نوم مؤجل !
كل هذه مشاعر وتجارب داخلية، قد تظهر آثارها على وجوهنا ضحكا وبكاء، وعلى أطرافنا حركة أو سكونا.. ولكن حقيقة هذه المشاعر تبقى أمرا داخليا، تحس به أنت وحدك، ولا يمكن للآخرين أن يشعروا بنفس إحساسك..
ولن تستطيع إخبار الناس بكيف هو حال تلك المشاعر في داخلك، مهما كنت فصيحا بليغا!
بل إنّك لا تستطيع أن تعيش تجربة الوعي تلك بمجرد نقل خبر لك عن شيء لم تعايشه, فلو أنّ إنسانا عاش في غرفة ليس فيها إلا لونان: الأسود والأبيض، وقد امتلك كل العلوم الفيزيائية وتعلمها تعلما تاما، وتعلم أن هناك لونا اسمه اللون الأحمر، فإنه لن يعرف كيف يكون شعوره باللون الأحمر إلا بعد أن يراه.
- الوعي آية !
دعنا نسمي كل هذا بـ(ظاهرة الوعي)،
تلك الظاهرة التي يقصد بها أن لدينا تجارب ذاتية داخلية، وأن عندنا إدراكا داخليا ذاتيا لكيف يكون حال تجربتنا لحالة واعية محددة.
قد يبدو هذا الأمر سهلا يسيرا، مشاعر داخلية نشعر بها مئات أو آلاف المرات في اليوم، بل إننا لا ننفك عن حالة شعورية في لحظة من اللحظات، لا ننفك عن وعي داخلي، نعي به: من نحن ؟ ماذا نفعل؟ بم نفكر؟ إلام نطمح ؟
لكن دعنا نلتفت إلى جانب آخر من هذا الوعي، جانب غير هذا الذي نعتاده يوميا، جانب قد نكون غافلين عنه.. جانب يزيد الإيمان ويقوي اليقين..
- أولاً :
إنّ هذه الخصوصية التي تلفّ التجربة الذاتية لوعي إنسان تستدعي التفكّر, خصوصاً عندما ندرك أنّنا لا نستطيع بأي وسيلة مادية أن نقف على حقيقة وكيفية ما يحصل في تجارب الوعي لشخص ما, فحتّى لو راقبنا من الخارج بكلّ الوسائل المادية, فرصدنا أجزاء الدماغ التشريحية وما يظهر فيه من تفاعلات كيميائية وكهربائية, وبقينا نراقبه ونرى ذبذباته تلمع وتختفي أمامنا، وأخذنا نحاول الربط بين منطقة معينة من الدماغ وبين شعور معين، فإنّنا مع ذلك لن نستطيع أن نعرف كيفية شعوره عندما يأكل تفاحة يحبها! - ثانياً :
إنّ خصوصية تجربة الوعي لكل إنسان تبرز استقلاليته كذات في الإدراك الموحّد لما يمرّ به من تجارب وعي, قد يتعدّد ويتفرّق ما يرتبط بها من أحداث كهربائية وكيميائية مرصودة, ولكنّه يدركها كحالة وعي وشعور واحد, وهذا يدلّ على أنّ فيه شيئاً أعلى من تلك الأجزاء والأحداث الجزئية, شيئاً لا ينتمى لعالم المادة المرصودة بحواسنا! وتأمّل لتقريب الفكرة مثال السيارة والسائق: لن تتحرك السيارة بدون سائق، والسائق لن يستطيع تشغيل السيارة أو أن يستعملها بالشكل الصحيح إذا كانت تالفة أو معطلة، ومع ذلك فكلاهما مختلف عن الآخر, فالوعي يرجع لشيء متميّز عن الأجزاء المادية التشريحية لأجسادنا. - ثالثاً : إنّنا نعلم أن المادة عمياء جامدة، لا إدراك لها ولا وعي، فلا يمكن أن ينشأ الوعي منها . وتأمّل هذا المثال: لو أن عندنا قطعة خشب أضفنا إليها مزيدا من الخشب فلن تتحول إلى ذهب، هذا والخشب والذهب ينتميان إلى عالم المادة.. فكيف للوعي أن ينشأ عن هذه المادة، وهو يختلف في طبيعته عنها.. ينتمي إلى عالم .
كيف وُجدت هذه العلاقة العجيبة بين المادة وبين الوعي فينا بني البشر؟بالتأكيد يستحيل أن تكون المادة مصدرا لذلك الوعي، لأنها لا تملكه، وهي كذلك ليست سببا في وجوده !
وهنا يأتي السؤال المهم:كيف وُجدت العلاقة بين المادة الجامدة وبين الوعي أو الشعور؟ بل كيف وُجد الوعي من أصله؟
إنّ وجود الوعي ابتداءً من مجرد مادة لا وعي فيها أمر مستحيل, ولهذا فإنّ سبب الوعي ابتداءً لا بد أن يكون متصفاً بالعلم مع اتصافه بالقدرة على خلق هذا الوعي وخلق التفاعل بين حصول الوعي وبين الأجزاء الجسدية في الجسم, ولوضوح هذا التلازم بين الأمرين يقول تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. سبحانه.
- دليل الوعي وتقدم العلم
ومهما تقدّم العلم فلن يزيد هذه الحقيقة إلاّ وضوحاً, فإنّنا لو علمنا كل التفاصيل المتعلقة بالدماغ فلا يمكننا معرفة حقيقة شعور شخص معين عندما يحب أو يأكل طعاما يحبه، كيف نشأ هذا الشعور؟ ولماذا؟ وما علاقته بالأحداث الكيمائية؟
فإذا أكلت حبة من الفراولة، سيتمكن علماء الأعصاب من إيجاد علاقات في الدماغ تشير إلى أنك تأكل شيئا، وقد يتوقعون أنك تأكل فاكهة، أو أنك تجدها لذيذة عن طريق سؤالهم لك، وطلبهم منك أن تصف تجربتك الواعية… ولو تجاوزنا أن هذه النتائج تبقى في دائرة الضعف من ناحية التحديد والدقّة، فالإشكال الأكبر أنهم لن يتمكنوا على الإطلاق من معرفة أو معايشة كيف يكون حال أكلك للفراولة، أو ماذا تعني لك اللذة أو الحلاوة؟ وكيف هو شعورك بها؟ ولماذا مررت بتلك التجربة الذاتية المعينة لأكل الفراولة؟
السبب الرئيس خلف هذا الشيء هو أن علم الأعصاب هو علم يختص بالدرجة الأولى بالعلاقات الترابطية، وغاية ما يقوم به علماء الأعصاب أنهم يراقبون نشاط الدماغ، ثم يربطون ذلك النشاط بما يخبرهم به الشخص صاحب التجربة والشعور، فهو الذي يخبرهم عن حالة الوعي التي يعيشها.
ومع أن هذه “الارتباطات” لم تثبت بشكل مستقر إلى الآن، لأن الربط لا يمكن أن يكون صحيحا إلا إذا ثبت أنه كلما وجد ذلك الحدث العصبي الكيميائي وجد ذلك الشعور، والعكس كذلك؛ وقد وجد بالتجربة أنه قد يحدث تخلف أحدهما عن الآخر، فقد يوجد الشعور ولا يوجد الحدث الكيميائي، وقد يوجد الحدث الكيمائي ولا يوجد الشعور! ثم إنه يظهر لنا عدة عوامل مادية متشابهة عند ذلك الشعور، ومهما حاولوا التقليل من هذه الاحتمالات فإنها تبقى متعددة. فالشيء المتيقن عندهم فقط هو متى تحدث تلك المشاعر والتجارب الداخلية.
مع ذلك، فلا يمكن لهذه “الارتباطات” أن تجيب عن سؤال: كيف يكون شعور هؤلاء المشاركين في حالة أو أخرى من حالات الوعي؟ ولا كيف نشأ ذلك الشعور؟ ولا يمكنه أن يفسر لنا كيف ينشأ الشعور عن أحداث مادية معينة؟
ليس المراد هنا إنكار وجود علاقة بين الشعور وبين الأحداث الكيمائية،
بل المراد بيان أن علم الأعصاب لا يمكنه:
- أن يحدد أي موضع هو المسؤول عن ذلك الحدث بدقة.
- ولو حدد فلا يمكنه الادعاء بأن هناك علاقة سببية بين الحدث وبين الشعور.
- ولا يستطيع أن يخبرنا بكيفية ذلك الشعور.
- ولا يستطيع أن يفسر نشأة الوعي، ولا كيف وُجدت العلاقة بينه وبين المادة.
- بين الذات المدركة والذاتية
يدلّ وجود الإدراك الموحد على ذات واحدة تدرك, ولا يمكن أن يحدث الوعي بلا ذات مدركة, فلو نظرت إلى تفاعلات الخلايا العصبية على أنّ كل منها مسؤول جزئياً عن الوعي, فمن أين إذاً يأتي الوعي الموحد, من أين تدرك أنّك ذات تتعرّض لمجموعة تجارب تمرّ بها أنت لا غيرك, فأنت من يمسك الفراولة ويشعر بملمسها ثم يمضغها ويشعر بطعمها ثم يشعر بتأثير ذلك على إحساسه بالشبع والرضا بما نال.
إنّ الوعي الموحّد يدلّ إذاً على ذات لا يمكن أن تختزل في مكونات جسدية مادية محسوسة، ويزيد هذه الحقيقة وضوحا ما يلي :
لو أن فلانا فقد الجزء الأسفل من جسده على إثر حادثة، لبقي فلانا، ولم تنقص ذاته بنقص جسده.
وحين أكبر أنا وأنت وتتبدل صورنا وخلايا أجسامنا .. فذواتنا باقية كما هي .
فنحن نعلم أننا نتغذى لتتجدد مكونات أبداننا، وهذا التغيّر في البدن يفيدنا أن ذواتنا بتجاربها وما تحب وما تكره لا يمكن أعتبرها مجرد أجساد، وإلا كانت تلك الذوات تتبدل مع الزمن، لأن جسد الواحد منا يتغيِّر بمرور الزمن، أما ذواتنا فهي واحدة مُذ كنا أطفالا، كخيطٍ منتظم، تتراكم فيه الخبرات والذكريات، إضافة إلى أنا الواحد منا لو فقد جزءًا من جسده فسيبقى هو هو، ينادى باسمه، ولن تنقص (ذاته)، فذاته ليست مجرد جسده، ولا يمكن أن تختزل في بُعده الجسدي المادي.
ويزيد هذه الحقيقة وضوحا كذلك.. أننا لو نظرنا بنظرة مادية للأشياء لوجدنا أنّه تجمعات من الذرات ليس لها ذوات مستقلة, وستكون أنت وغيرك سواء, وبل لن توجد تعبيرات أصلا مثل أنا وأنت, وستغيب بناء على ذلك مسؤوليتك كذات عن أفعالك, إلى غير ذلك من الآثار الضخمة التي تبرز وضوح هذه الحقيقة, وهي أنّنا ميّزنا بالذاتيّة التي تدرك بالوعي.
- سبحان الله الذي خلقنا وخلق أرواحنا
يقودنا دليل الوعي إلى يقين بأنّ الله تعالى بقدرته خلق ذواتنا الواعية، وخلق الوعي الذي يحصل بتفاعلها مع أجزاء الجسد, ليضفي علينا معنى الذات وتميّزها عن غيرها
وهذا القدر الذي دلّ عليه العقل جاء به النقل أيضاً عندما أمرنا بالتفكّر في أنفسنا, وأرشدنا للعلم باسم ما يؤثّر في وجود الوعي وأنّها مخلوق اسمه الروح, فقد أثبتت النصوص الشرعية وجود الروح، وأنها شيء آخر غير الجسد، ولكنها تتفاعل مع الجسد تفاعلاً نشهد آثاره, كما ظهر من دليل الحياة السابق ومن هذا الدليل وغيره, وإن كنا لا نعلم تفصيلاً كيفيات هذا التفاعل، كما قال تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}.
وسبحان من خلق وأبدع، ووضع بين جنبينا ما يذكرنا بفقرنا له، ويفتح لنا آفاق التفكر والتطلع لتلبية حاجات هذه الروح المعنوية، لنسعى في تزكية أنفسنا فنفلح {قد أفلح من زكاها} …
لقد أقسم الله ﷻ بهذه النفس، وأخبرنا أنه سواها: {ونفس وما سواها}، وأرشدنا إلى التفكر في هذه النفس فقال: {أولم يتفكروا في أنفسهم} والتفكر في وعيها من أعظم التفكر.. نعم أنت تحس بذاتك في كل لحظة ومع كل نفَس تتنفسه.. مع كل خطوة تقدِم عليها أو تحجِم عنها, تستشعر في ذلك ذاتك وحريتك… ولكن هل أعطيت تجربة الوعي هذه حقّها من التفكّر؟
وأخيراً..
لا يقف العجب عند أصل ظاهرة الوعي, بل يمتد الأمر إلى ما يتعلّق به الوعي مما سنقف معه بالتفصيل في مقالات لاحقة, فالوعي نافذة على عالم آخر غير ماديّ, من المبادئ العقلية التي يقوم عليها التفكير العقلاني والقيم والأخلاق وغير ذلك.. وكل ما في هذا العالم الذي نراه من هذه النافذة.. لا يمكن أن يفسّر بمادة عمياء أو أحداث كهربائية وكيميائية لا معنى فيها ولا غاية لها.. إنّه وجود مصدره من له العلم والحكمة والإرادة والقدرة.. إنّه الله سبحانه .
مقال (6) الدليل الخامس من أدلة وجود الله عزوجل: دليل القدرات العقلية .
دليل القدرات العقلية
وأنت تفحص الأدلة حول قضية ما, تستعمل قدرتك على التعقّل, وتسعى للتفريق بين ما هو حقيقي وغير حقيقي, وبين ما هو صواب وخطأ, وتستعمل لذلك أدوات متعددة للاستدلال, وتستعمل مفردات مثل (واقع) و (حقيقة) و (إثبات)..
← والعجيب أن يفعل الواحد منّا ذلك وهو يبحث في أدلّة وجود الله, وفعله ذلك في الحقيقة من أعظم الأدلة على وجوده وكماله سبحانه!
• كيف ذلك؟
• لنرى من خلال بقية المقال ..
من أين أتت لنا قدرة التفكير بعقلانية؟
لا يمكن أن يكون ذلك من مجرد المادة غير العاقلة ! هذا مستحيل, وادّعاء ذلك هو بمثابة القول أن شيئاً أتى من مجرد لا شيء, أو أنّ أعمى سيقود حافلة مليئة بطلاب المدارس فيوصلهم دون مساعدة إلى بيوتهم بيتاً بيتاً بالترتيب, ولذا فلا بد أن هذا القدرات العقلانية ابتدأت من خالق عليم حكيم قدير على إنشائها, فمن يفقد الشيء ولا يمتلك القدرة على خلقه لا يمكن أن يكون مصدراً له.
إنّ مفهوم العقل لا يتفق مع النظرة التي تختزل الوجود في الطبيعة المادية, ولا يمكن أن تكون قدرتنا على التعقّل قد أتت من عمليات مادية عشوائية عمياء لا إرادة فيها ولا تبصّر ولا إدراك لغايات ولا غيرها, فلا يمكن أن تنشأ تلك القدرات بدون علم وحكمة وقدرة.
بل إنّ القدرات العقلانية لا تدلّنا فقط على كمال حكمة الله وعلمه وقدرته,وإنما تدلنا كذلك على رحمته, والتي لولاها لما كان ثمّة ضمان لكون قدراتنا العقلية يمكن أن توصلنا إلى الحقائق, فليس ثمّة صلة بين المادة المجرّدة وبين المعاني والغايات, فمن يتنكّر لوجود الله أو كماله -والعياذ بالله- سيهوي إلى هذا العالم الوهمي الذي تغيب فيه شمس المعاني والغايات والحقائق, ويستوي فيه حقّ وباطل, وصواب وخطأ, وجميل وقبيح, وواقع وزيف, فتنهار كل العلوم والمعارف!
◊ ومع أنّ ما سبق كاف في بيان هذا الأمر الذي لا يحتاج لتدليل, إلاّ أنّ من المفيد أنّ نعمّقه بالتأمّل في بعض خصائص العقل التي تبرز مفارقته للعالم المادي المجرّد, لتكون الصورة أمامنا أكثر اكتمالا، وتزداد بصيرة الإنسان بعمق قضية وجود الله تعالى, فمن ذلك هذه الخصائص :
• أولاً: الرغبة في الاستكشاف والسعي للعلم, وتجاوز قدرات العقل لما يحتاجه الإنسان ليعيش, كالقدرات التي تمكننا من فهم سنن الكون وقوانين الرياضيات والفيزياء.
• وهذا يدلّ على أنّنا خلقنا لندرك الآيات ونتطلّع للغايات, حتى نصل للعلم النافع الذي يقود لسعادتنا الأبدية في الآخرة.
• ثانياً: خاصيّة التبصّر العقلي التي تظهر في الاستدلال والاستنباط والاستقراء.
• كلّ جزء أصغر من الكلّ, ربع البرتقالة جزء منها, فإذا ربع البرتقالة أصغر من البرتقالة الكاملة.
• هذا الاستدلال يبدو واضحاً وبديهياً, ويتّفق مع ما نراه حسياً, ولكن فكّر في التالي: هل إذا غيّرنا البرتقالة إلى أي شيء محسوس سواء كان مما رأيناه كالتفاح أو لم نره سابقاً كأي شيء مصنوع سيخترع في المستقبل, هل ستختلف النتيجة؟ الجواب لا قطعاً, لأنّ العقل يقضي بتلك النتيجة ولو لم يجرّبها, وذلك وفق خاصية التلازم التي يمتلك القدرة على إدراكها دون أن يتوقّف ذلك على تجربة حسيّة لكل ما يندرج ضمن الاستدلال.
• ثالثاً: وجود مبادئ عقلية فطرية وضرورية للتفكير العقلاني.
⇓⇓مثل:
• مبدأ السببية, الذي يقود تفكيرنا نحو الأسباب للحوادث.
• ومبدأ عدم التناقض, والذي يصحّح تفكيرنا فيستبعد منه ما يحمل التناقض، مثل: أن يجتمع ما يستحيل اجتماعه كالموت والحياة، والحركة والسكون.
• ومبدأ كون الكل أكبر من الجزء.
• وغير ذلك من مبادئ لا تنتمي لعالم المادة المجردة, وليس لها وجود حسّي, بل هي مبادئ معنوية, تتمتّع بالإطلاق بحيث لا تختلف من شخص لآخر أو ظرف لآخر, فهي ضرورية مطلقة, ولذلك يبني عليها الإنسان تفكيره العقلاني ويستخدمها في الوصول للحقائق وتمييزها.
• رابعاً: قدرة تعقّل الغيب الخبري, والاستعانة لذلك بالمقايسة والتجريد.
• فإذا أخبرت عن وجود بناية تتكون من مئة طابق, وأنت لم تر في حياتك بناية تبلغ أكثر من عشرة طوابق, فإنّك ستتمكّن من تجريد معنى الطوابق وتستخدم معنى الأعداد المجرّد لتدرك معنى البناية المكونة من مئة طابق, بل قد تولّد بهذه القدرة خيالات جديدة ولو لم تكن موجودة فعلياً.
• خامساً: استقلال القدرات العقلية عن التبعية الكاملة للحس؛ فالعقل وإن كان يستفيد من التجارب الحسية في أمور كثيرة، إلاّ أنّه يستقل بمعرفة بعض الأمور بدون تجارب حسيّة، فلا يكون تابعا للحس فيها..
• فإذا كانت هذه المفاهيم أو القدرات غير مكتسبة من الحس أو التجربة فمن أين أتى بها الإنسان..؟! نعم لقد رُكبت فيه من لدن الخالق القدير.
⇓⇓ ولنضرب لذلك مثلا في تفريق العقل بين الأمور التي يَستغرِب وجودها، ولكنه لا يجعل وجودها مستحيلا، وبين الأمور التي يحكم العقل باستحالتها مباشرة.
• فلو كنا موجودين قبل مئات السنين من الآن وقال قائل: أنا أتكلم مع شخص آخر بشكل مباشر وهو في بلد آخر، لاستغرب الناس ذلك واستبعدوه، ولكنهم لا يجعلونه من المستحيلات العقلية .. وها نحن اليوم نعيش ما كان يستبعدونه.
• وكذلك لو قيل لك: تخيل فيلاً ولكن له أجنحة، فإنك تستبعد ذلك وتستغربه.. ولكنك لا تجعله مستحيلا عقلا ، بل يمكنك تخيله.
• ولكن لو قيل لك: تخيل فيلا وهو كالأسد في كل صفاته.. في لونه وطوله وعرضه ووزنه وجلده، لمنع عقلك ذلك لأن هذه الصورة فيها جمع بين نقيضين، وكذلك لو قيل لك تخيل كرسيا يتحرك وهو ساكن في الوقت ذاته، لمنع عقلك ذلك أيضا، ولو لم تسبق لك تجربة حسية حول هذا الموضوع.
خالق عظيـــم
• إذا تصورت طبيعة كل هذه القدرات التي تتجاوز حدود الطبيعة المادية المحسوسة, ستتيقن أن المادة لا يمكن أن تنتجها، ممّا يدلّنا على أنّ مصدرها خالق عظيم حكيم رحيم, وأنه هو وحده القادر على هذا الخلق, فحتّى الإنسان الذي أُعطي هذه القدرات العقلية لا يستطيع أن يعطيها لغيره, لعدم اتصافه بكمال القدرة والعلم والحكمة, ولأنّه لا يملك أن يتجاوز في مصنوعاته المادة فيهب الحياة والعقل والقدرات الخارجة عن الطبيعة الماديّة, ولكي نزيد هذا الأمر وضوحاً, لنتأمّل في الحواسيب..
• فالإنسان يصنع الحواسيب ويدخل فيها المعلومات والقواعد، ولكنها مع تعقيدها البالغ لا تملك القدرة على التبصر- مثلا -, وغاية ما فيها من قدرات هي قدرات مستعارة من برمجة الإنسان, وهي تتعامل معها دون إدراك وتبصّر وفهم, بل تتعامل معها كرموز يمكن أن تبدّل برموز أخرى, فلو برمجنا الحاسوب على أن يتعامل مع رمز الموجب على أنّه سالب لقبل ذلك, فالحواسيب مصمّمة بناء على قواعد تراكيبية لا على دلالات تتعقّلها! فهي تتعامل مع الرموز كتراكيب تتغير لا كمعانٍ تتعقّل, والأمر كما لو رتّبت أحجاراً لتسقط بترتيب معيّن فتشكّل رمزاً له معنى, فهذا لا يعني أنّ تلك الأحجار عقلت المعنى وتبصّرت فيه.
وبعدُ، فتأمَّل -أخي الكريم- هذه الخصائص التي تتجاوز حدود الطبيعة المادية المحسوسة.. إنها تدلّنا على عظمة خلق الله تعالى وحكمته ورحمته.
وصدق تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}
مقال (7) الدليل السادس من أدلة وجود الله عزوجل[ دليل القيم المطلقة]
تتعدد ثقافات البشر وتختلف مشاربهم، وتتفاوت مراتبهم، وتفترق معتقداتهم على تطاول الأزمان، لكن عقلاءهم لم يختلفوا يومًا على جمال الفضائل، وقبح الرذائل.. على حسن العدل، وقبح الظلم.. على سموّ الأمانة، وسفول الخيانة.. وما برح الناس يمتدحون الصادق، ويذمّون الكاذب.. بل حتى من طغى نجده يحرص على ادعاء الأخلاق واستجلاب من يمدحه بمكارمها، وهذا فرعون الذي بلغ طغيانه ادعاء الربوبية يقول عن موسى عليه السلام: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}.
وهكذا يتوافق الناس في النظر إلى القيم، ولا يحتاج الإنسان إلى كبير علم أو طول نظَر ليدرك هذه النظرة إلى القيم، بل هو أمر ضروري متجذر في النفس الإنسانية، يجد المرء من داخله ما يجذبه إليه ويحثه عليه، مع أنه لا يفكر في البرهنة عليه, تماما كما يعرف العقلاء -صغارهم قبل كبارهم- أن الجزء أصغر من الكل، أو أن ١+١= ٢، فثبات هذه القيم في النفس كثبات هذا القانون في العقل، فكلاهما يتسم بالرسوخ والثبات.
قيم مطلقة:
وهذا يوضح أن نداء القيم في أصله ليس مرتبطا بزمان أو مكان دون آخر، فلا يمكن أن تصير الخيانة معنى جليلًا أو تصير الأمانة معنى مشينًا مهما اختلفت الظروف، ومهما تخيلنا من عوالم أو وقائع ستظل القيم على استقرارها وإطلاقها، لا تنخرم قواعدها. فلا السرقة يمكن أن تُعدَّ فضيلة، ولا الأمانة يمكن أن تصير رذيلة. إنّه إذًا نداء مطلق لا يخضع للتبدل بحسب الظروف, ولذلك تسمّى هذه القيم بالقيم المطلقة.
إنّ هذا الإطلاق في القيم ينفي عنها الخضوعَ للرغبة الذاتية، فهي ليست من تلك المسائل التي يُدلي فيها كل إنسان برأيه، أو تتواضع فئة من الناس على تقريرها، أو تنتجها الثقافات المختلفة وفق ما يلائمها، بل هي معانٍ موضوعية لا تتقيد بالرأي الذاتي، بمعنى أنها لا تنشأ من آراء الناس بل تكون هي الحاكمة على آرائهم.
ووصف القيم عموما بالإطلاق والموضوعية لا يتعارض مع اختلاف المجتمعات في تحديد قواعد السلوك عموما بحسب الثقافة أو المعتقد، فلا أحد ينكر الاختلاف بين الثقافات في تحديد الآداب المتعددة، وأثر ذلك على عادات الفرد وأفعاله، لكن هذا لا يحدث بالنسبة للقيمة العامة؛ فقد تختلف الثقافات والعقائد مثلا حول كون ضوابط تعامل مالي معيّن من لوازم العدل أم لا، لكن العقلاء لا يختلفون حول فضيلة العدل, ولذلك تأتي الرسالات السماوية بتأكيد هذه القيم المطلقة وتفصيل ما يلزم لتحقيقها بالشرائع التفصيلية التي تفصل النزاع بين الخلائق وتهديهم للحقّ تفصيلاً.
ونحن لا نزعم عدم إمكانية وقوع الضعف والخلل في التعاطي مع بعض القيم لدى بعض الثقافات أو المجتمعات، بل إن هذا قد وقع قديما وما زال يقع في دنيا الناس لكنه لم يغير شيئا من حقيقة القيمة وأصالتها، فشيوع الرذائل في مجتمع من المجتمعات مع تنكُّرِه للفضائل يدل على فساد المجتمع لا على أن القيم صارت نسبية أو مقيدة بالثقافة، كما أن وجود شخص ينكر أن الكل أكبر من الجزء يدل على أنه فاقد العقل أو مكابر، ولا يغير هذا من ثبات تلك الحقيقة شيئا.
بل لو تخيّلنا شخصاً يتكلّف ويكابر فينكر أصالة القيم ويقول بنسبيّـتها,
• لما استطاع هذ الشخص التزام قوله هذا في حياته العملية، فلن يرضى أن يعامل بخلاف القيم المطلقة فيظلم ويساء له بأنواع الإساءات بحجة أنّ الظالم والمسيء يبرّر فعله وفق نظرته النسبيّة للقيم!
• كما أن فكرة النسبية عموما متناقضة في حد ذاتها؛ فمن يقول أننا لا يجب أن نحاكم الأشخاص لمعايير قيمية لأن لكل شخص قيمه الخاصة, سيواجه مأزقاً في أنّ قوله هذا مطلق لا نسبي, فهو إذاً يتناقض ولا يستطيع التزام النسبية!
• علاوة على ذلك، فإن القائلين بالنسبية القيمية لا يجترئون على نقد القرارات القيمية للثقافات الأخرى أصلا، لأن هذا سيوقعهم في مآزق كبيرة، فمع القول بالنسبية القيمية لا يحق للمرء الاعتراض على أي رؤية تخالف ما يعتقده، لأنه سيقابل جواباً يضعه في مأزق, وهو: “هذه أمور نسبية”، ولا يستطيع أن يضع أساسًا للأحكام الأخلاقية على الأفعال، مهما كانت هذه الأفعال ظاهرة البطلان، فلا يمكنه أن يجيب عن أسئلة مثل: لماذا كانت مجازر هتلر ظلمًا؟، أو لماذا يعد تعذيب الأطفال أمرا سيئًا على الإطلاق؟ إذا كان أصحاب هذه الأفعال يرون أنّ لها ما يبرّرها وفق نظرتهم النسبية للقيم!فلا مفهوم للعدل أو الصواب المطلق وفق النسبية الأخلاقية.
وبهذا تتجلَّى الطبيعة الأصيلة للقيم ويتهاوى ادعاء نسبيتها، ليلحّ علينا سؤال مثير عن نشأتها.
دلالة القيم المطلقة على وجود الله عز وجل:
فإذا كانت القيم بهذا الرسوخ والثبات، وكانت متجاوزة للرغبات الذاتية وتفاوت الثقافات، فما منشؤها؟ ومن الذي أودعها في الوجود؟
لا نستطيع أن نقدّم جوابا صحيحاً عن هذا السؤال المهم دون الإيمان بالله سبحانه خالقاً فطر الإنسان على هذه القيم, وذلك لما يلي:
أولاً: تصوّر العالم بلا ربّ خالق تصوّر يختزل الوجود في المادة, والمادة لا شأن لها بالمعاني المطلقة والقيم ، فلا معنى للخير والشر أو الحُسن والقُبح أو العدل والظلم في عالم المادة المجردة.
ثانياً: أنّنا نجد أنّ تلك المعاني ضرورية في نفوسنا لا خلاف عليها بين عموم الناس، وبما أننا كائنات حادثة فلابد لهذه المعاني من مُحدِث أودع فينا فطرة إدراكها ضرورة على أنّها قيم مطلقة, ومهما التفتنا بحثاً عن مصدر غير الربّ سبحانه، لن نجد إلاّ النقص والحاجة والمحدودية, وفاقد الشيء لا يعطيه, فلا يمكن أن ننسب الإطلاق إلى المحدودية والنقص والتغير والقابلية للنقض والتعديل والاستدراك, فلا تصلح الظروف الاجتماعية ولا ابتكارات البشر في تفسير هذا الإطلاق ، فهذه المعاني لا تتغير بتغير الظروف الاجتماعية كما وضحنا ، ولا تتعرض للنقد والتعديل والإبطال كما يحصل مع القوانين التي يبتكرها البشر لمعالجة حاجاتهم وظروفهم الاجتماعية.
وإذا كان مودِع هذه القيم في نفوسنا لابد أن يتنزّه عن التقيد بالنسبيات والمحدودية، وذلك باتصافه بالكمال وتنزّهه عن النقص في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله, فليس ثمّة من يتّصف بذلك سوى الله سبحانه. فبلا وجود الربّ الحميد المتعالي عن النقص والتقييد والتغير، تكون هذه القيم مجرد ألفاظ جوفاء لا تعكس أي معنى ذي بال، نفقد المعيار للحكم على الأمور، ويصبح إسداء الحقوق لأصحابها مساويًا للسلب والنهب والطغيان، وتصير الفضائل مثل الرذائل، وهذا لا يقول به عاقل.
ومن هنا ندرك أنّ هذا الدليل –كشأن أدلة وجود الله سبحانه- يستلزم أيضاً كمال الله تعالى وتسبيحه وتحميده ، وبدون ذلك لا يكون الإنسان إلاّ في تخبط وضلال, وصدق الله تعالى:
{فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ }.
الدليل السابع من أدلة وجود الله عز وجل [دليل الجمال]
يصعب على العابر من أي حقلٍ أو بستان تجاهل الراحة النفسية التي تشعره بها خضرة المكان وتوازن الألوان المحيطة به… فإذا توقّف ونظر في أوراق الأشجار رأى الجمال الكثير في تناظر كل منها حول خط الوسط وانتظامها، وفي تطابقها على الأغصان، وفي حوافها الهندسية المتقنة، وعروقها الناعمة الدقيقة وخضرتها الرائقة المثالية. كل هذا يحمل جمالاً لا يمكن إنكاره البتة. بل إن التأمل في جذع شجرة خشبي مكسور يظهر جمالاً وإتقاناً عظيمين. كيف تطابقت خطوط الخشب عبر السنين بهذه الدقة والروعة؟ كيف استدارت طبقات الخشب بهذا الشكل الفراغي المتناظر والمتباين بين عدة درجات من نفس اللون البني؟
ومن ذا الذي لا يأسره جمال السماء الصافية في الليل المظلم وقد امتلأت نجوماً وكواكب لا تحصى… إنه جمال يسطع في كل شيء؛ من الذرة إلى المجرة، وفي زرقة سماء الصيف إلى خضرة الربيع، مرورا بحمرة ورق الخريف، وجمال ندف الثلج.
نعيش في دنيا قد امتلأت جمالًا، وما من مظهر من مظاهر ذلك الجمال إلا ويلفت نظر الإنسان، فإذا تأمله شعر بانجذاب إليه.. كأنه جزء منه قد انفصل عنه، والآن يعود إلى وطنه.. يتمنى كل منا أن يملك ذلك الجمال، أو أن يبقى فيه، فإن عجز عن ذلك احتفظ به في ذاكرته، ثم جعله كالسلاح في وجه الهموم والغموم!
إننا أمام دليل من أدلة وجود الله تعالى، يجمع الاستدلالُ به بين النظر العقلي، ورهافة القلب ورقة الحس…
فما هو الجمال؟ وما دلالة اشتراك البشر في حبه وتقديره؟ وكيف يدل الجمال نفسه على وجود الخالق الذي أبدعه…
ما هو الجمال ؟
قد يصعب تعريف الجمال من خلال الكلمات الجامدة، شأنه في ذلك شأن كثير من المعاني الملازمة للبشر.. فبعض المعاني الواضحة القريبة قد تكون الكلمات مبعدة لها عن النفس، أكثر من كونها مقربة.. ولكن يمكننا أن نقول هنا : إن من أهم معالم الجمال أن تتواجد في الشيء صفات الكمال الخاصة به.. أنماط متآلفة من النظام.. ألوان متناغمة.. أشكال متناظرة.. خطوط متعانقة.. وكلما زادت فيه صفات الكمال؛ ازداد جمالا وحسنا، وترك في النّفس البشریّة إحساساً بالإعجاب والبھجة والسّرور والدّھشة .
وفي هذا يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله:
«كلّ شىءٍ جماله وحسنه في أن یحضر كماله اللّائق به الممكن له، فإذا كان جمیع كمالاته الممكنة حاضرةً فھو في غایة الجمال، وإن كان الحاضر بعضھا فله من الحسن والجمال بقدر ما حضر، فالفرس الحسن هو الذي جمع ما يليق بالفرس من هيئة، وشكلٍ، ولونٍ، وحسن عدْوٍ، وتيسر كر وفرٍّ عليه»، ويضيف الغزالي أن جمال المظهر أنماط متآلفة من النظام، فإن الفوضى قبح، وتناغم الألوان وتناظر الأشكال وتعانق الخطوط وتردد الأصوات وسباحة الأجرام جمال، إذ إن هذه الأمور كلها تثير في النفس بهجة الاستمتاع وتبعث في العقل تقديراً للمرئي.
الجمال حقيقة واقعية تشترك في تقديرها النفوس.
من المسائل التي ينبغي أن تكون واضحة عند الحديث عن دليل الجمال: أن الجمال قيمة تقدّرها النفوس لكونها حقيقة واقعية؛ فالأمور الجميلة هي جميلة حقا في الواقع.
ومن يريد أن تتضح له موضوعية قيمة الجمال، فما عليه إلا أن يتأمل أمورا:
أنّ الجمال ينبعث في النفس على إثر معان موجودة في الخارج، كالانتظام والتناسق والتناظر في الأشكال، ومع ذلك فالإنسان لا يحتاج لتكلّف الوعي بالجمال وفق خطوات معينة, بل إنّه بمجرد رؤية الجميل يداهمه الشعور بالجمال, فهو يندهش لإعجابه بحقيقة واقعية لم يتكلّف صنعها.
جميع البشر يفهمون معنى مشتركا من مصطلحات جمالية كجميل ومبهج وأنيق، ممّا يدل على أنها تستند لشيء يتجاوز التجارب الذاتية الخالصة، وهو الجمال الموضوعي الخارجي.
أنّ ما يتفق الناس على جماله أكثر بكثير مما يختلفون فيه، واختلافهم أحياناً لا يعني انعدام قيمة تقدير الجمال عندهم، لأنهم لن يترددوا في تقدير جمال الشيء متى تبين لهم جماله.
الإنسان الذي كان يعيش في بيئة مدنية عمرانية تأسره الحقول الخضراء وتبهره الجبال الشاهقة.. وذلك أنّه يدرك حقيقة موضوعية خارجية لم تصنعها تنشئته وبيئته.
ولولا أنّ الجمال قيمة موضوعية لما كان هناك فرق بين الزهرة وبين قطعة الفحم، أو الأشكال الهندسية المتناظرة والخطوط العشوائية التي يرسمها طفل.
أنّنا نجادل غيرنا بحرارة لإقناعه بما نعتقده في القيمة الجمالية العالية لمظاهر الطبيعة أو الأعمال الفنيّة، ونتّهم من لا يشاركنا ذلك أنه ضعيف الإحساس بالجمال… وذلك لأنّ الجمال حقيقة قائمة في الشيء.
الجمال في كل مكان
نعم هذه ليست مبالغة.. الجمال مبثوث في كل ما هو حولنا، ولو أحسن الإنسان التأمل فيما حوله لأدرك ذلك، ومظاهر الاتساق والاتزان في الكون أكثر بكثير من أن تحصى أو تعد..
تأمل تغريدات الطيور في تدرجها وتداخلها.. لقد كشف علماء بارزون مهتمون بدراسة تغريد الطيور عن جمال أخاذ في هذه التغريدات.. إنها في كثير من حالاتها منتظمة.
ومن مظاهر هذا الجمال:
أن الطيور قادرة على إعادة التغريد بالنغمات نفسها، بعد مدة طويلة من تغريدتها الأولى.
وقادرة على تعلم تغريدات من طيور أخرى.
وبعضها قادر على إحداث صوتين مختلفين معا، من خلال مجموعتين من الأغشية.
وبعضها قادر على تقديم تغريدات ثنائية أو رباعية بين طيور عدة.
ومن مظاهر تجذّر الجمال أنّ وظائف بعض الأشياء تُؤَدى عن طريق جمالها، فهذه الألوان العجيبة في الأزهار تجذب النحل والفراش مع الرائحة الخاصة التي تفوح، فتقوم بنقل اللقاح لتنشأ الثمار، وهكذا الجمال الذي يجذب الحيوانات لبعضها لتؤدي وظيفة التكاثر.
كما أنّ وجود الجمال وشعور الإنسان به وانجاذبه إليه يساعد على اكتشاف وفهم قوانين الكون! حتّى قرّر بعض علماء العلوم الطبيعية أنّ الجمال مع كونه من دوافع الشغف العلمي يهدي للحقائق العلمية، لكونه جزءاً أصيلاً في بنية الكون في كل مستوياته، حتّى أنّه يلفت انتباه العالم لاكتشاف الحقيقة في المعادلات الرياضية التي يرى المختصون جمالا في صياغتها. ومن أمثلة ما ذكرنا ما قاله مكتشفو شكل الحمض النووي، فقد انجذب الفريق العلمي الذي اكتشف ذلك للشكل الحلزوني وشعروا بأنّ شكلاً بهذا الجمال لا بد أن يوجد لغاية! ثمّ تطابق ما اهتدوا إليه رياضياً مع ما أظهرته الأشعة !
ومن سمات جمال قوانين الكون البساطة والتناسق، ففيها جمال وجاذبية وأناقة وتناغم، ويتجلّى ذلك في ظاهرة التناظر التي تشكّل أهمّ السمات الأساسية للنظرية العلمية، وتواجه الباحث في هذا الكون من أصغر الأشياء في عالم الذرة إلى أبعدها في المجرات، وتثير حين يشهدها في مختلف أجزاء الكون الصغيرة والكبيرة والمتنوعة الدهشة والرهبة والإعجاب، وتدفع العقل لمحاولة فهم العالم البعيد من خلال العالم القريب، فالكون مرآة لبعضه، وهذا من أعظم أدلة وحدة خالقه سبحانه.
ومع هذه الفوائد للجمال في الأحياء والجمادات، إلاّ أنّ قدر الجمال الموجود في هذا الكون كثيرٌ ومتنوّع إلى درجة أنّ الإنسان يدرك أنّه لم يوجد لفوائد وظيفية أو علمية ، بل إنّه وجد ليكون الوجود جميلاً.
وتأمل -مثلا- السماء الزرقاء المزينة بالنجوم، وجمال البدر في ليلة مقمرة، وتداخل الشفق الأحمر مع زرقة السماء وأشعة الشمس الذهبية في مشهد الغروب الذي يبدو وكأنه لوحة فنية تآسر القلوب وتسر الناظرين . تأمل وجود ملايين الأنواع من الزهور والورود.. تتباين ألوانها وعطورها، وكلها بديعة زاهية.. وكثير من مظاهر الجمال الخلابة في الكون مما ليس له فائدة وظيفيّة، وإنما خلقه الله عز وجل للزينة والجمال وإبهاج النفوس، حاملا رسائله لأولي الأبصار، دالا على خالقه وبديع صنعه واتصافه بالجمال جل جلاله، مذكرا بنعم المولى علينا؛ فمَن وضع فينا تقدير الجمال قد خلق الكون كذلك جميلا في كل ما حولنا، وهذا ما أرشدنا إليه القرآن، قال تعالى: {أَفَلَم يَنظُروا إِلَى السَّماءِ فَوقَهُم كَيفَ بَنَيناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِن فُروجٍ . وَالأَرضَ مَدَدناها وَأَلقَينا فيها رَواسِيَ وَأَنبَتنا فيها مِن كُلِّ زَوجٍ بَهيجٍ . تَبصِرَةً وَذِكرى لِكُلِّ عَبدٍ مُنيبٍ} [ق: ٦-٨]، فتبدأ الآيات بالنظر والتفكر، ثم بتقرير الجمال، لتنتهي بالتبصير والذكرى بالحقيقة الواضحة عن الخالق، والتي تستلزم إسلام النفس له بالعبودية والإنابة إليه.
الجمال دليل على الخالق الذي أبدع
عرفنا مما سبق أنّ الجمال شيء زائد على مجرد إتقان وإحكام الشيء؛ فقد يكون الشيء متقنا ولكنه غير جميل، وقد يؤدي الشيء وظيفته بإتقان وعلى الوجه الأكمل وهو غير جميل, فوجود الجمال دليل إضافي على الخالق سبحانه، وهو يقوم على حقيقتين تقدم بيانهما، وهما:
وجود الجمال في الكون.
ووجود قيمة الجمال في النفس كمعنى مشترك لدى البشر جميعاً، مغروس فيهم من طفولتهم دون حاجة لتعليم.
فالحقيقة الأولى تدلّ على الخالق من جهة أنّه لابد من مبدع لهذا الجمال، فهو لا يأتي من كون يتكوّن من مجرد مادة وطاقة عمياء عشوائية لا تعرف الغايات ولا القيم، ففاقد الشيء لا يعطيه، بل يأتي الجمال عن غاية تكشف عن إرادة وحكمة بل وجمال.
والحقيقة الثانية تدلّ عليه من جهة أنّ وجود معنى الجمال في فطرنا يدل على أنّ هناك من أعطانا هذه الهبة، فهي مجدداً أمرٌ أكبر وأعظم مما يملكه عالم ماديّ عشوائي، ولا يمكن للمعنى أن يأتي ممّا لا معنى فيه، فالجمال قيمة شريفة تلاقي الحاجة في نفوسنا لما هو أكمل، تلك النفوس التي لا تزال في تطلّع للأكمل لا يسكّنه إلاّ الإيمان بالله الحميد الذي له كل الحمد والكمال، وهو أعظم كمالاً وجمالاً من باب أولى من كل ما نشهده في أنفسنا وفي الآفاق.
إن الجمال تعبير عن معاني الكمال في الذات الإلهية، والجمال أحد أركان الجلال.. والجلال منتهى الحسن والعظمة؛ وهو قائم على ركنين اثنين: الكمال والجمال؛ فالكمال بلوغ الوصف أعلاه، والجمال بلوغ الحسن منتهاه، يقول الله تعالى: {تَبارَكَ اسمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ وَالإِكرامِ}[الرحمن: ٧٨].
ومن ثم يوجه القرآن النظر إلى جمال السماوات بعد أن وجه النظر الى كمالها ﴿تَبارَكَ الَّذي بِيَدِهِ المُلكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ . الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ طِباقًا…﴾ [الملك: ١، ٢]، ثم قال: {وَلَقَد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصابيحَ } [الملك: ٥]، وما ذلك كله إلا لأن إدراك جمال الوجود، هو أقرب وسيلة وأصدقها لإدراك جمال خالق الوجود؛ فكما دل الخلق على وجوده وقدرته تعالى، فقد دل جمال الخلق على جماله سبحانه وتعالى، فيكون بذلك العلم بالجمال بعض حقيقة الإيمان بالله عز وجل.
قال ابن القيم رحمه الله:
«ومن أسمائه الحسنى: الجميل؛ ومن أحق بالجمال ممن خلق كل جمال في الوجود؟ فهو من آثار صنعه؛ فله جمال الذات، وجمال الأوصاف، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء؛ فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها كمال، وأفعاله كلها جميلة… فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئا من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات».
لماذا تسحرنا الطبيعة الخلابة؟ لماذا يقف الناس طويلاً متأملين سكون البحر؟ لماذا نشعر بفرح غامر حين نتأمل وجه طفل رضيع؟ لماذا تسعدنا الابتسامة؟ ما حاجتنا لهذه القدرات؟ ومن الذي أودعها فينا؟
إن الإحساس الجمالي في الإنسان حركة عاطفية في الروح، وشعور بالفرح والطمأنينة، وهو ينتشر في عمق النفس متصلاً بدواخلها النفس.
إن قدرتنا على استشعار أنواع مخصوصة من المتعة من ألوان وأشكال وأصوات مخصوصة لمن أدل الأمور على وجود الخالق القدير.. لقد خلقنا الله لا لنعيش ونموت فحسب، فقد أعطانا القدرة على استشعار نعمه الدنيوية علينا لتتوق أنفسنا لجنته ونفهم وصفه لها في كتابه الكريم؛ وأعطانا الجمال في الوجود واستشعاره والاستمتاع به بما يزيد عن حاجتنا للبقاء، لأنّ المطلوب منّا هو أكبر من مجرد البقاء على قيد الحياة، واسأل عن ذلك نسائم العطور التي يكفينا عنها مجرد الهواء, وألوان الزهور التي تكفينا عنها حقول الأطعمة الأساسية، وجمال المشاهد المتنوعة وأصوات تغاريد الطيور، كلها تخبرك كيف تفضل الخالق العظيم بإشباع كل حاسةٍ في الإنسان.
قال ابن القيم رحمه الله:
«أما الجمال الظاهر فزينة خص الله بها بعض الصور عن بعض؛ وهي من زيادة الخلق في قوله تعالى{يَزيدُ فِي الخَلقِ ما يَشاءُ} [فاطر: ١]».
القرآن الكريم يحدثنا على الجمال
لقد جاءت في القرآن الكريم آيات عدة ترشدنا إلى التأمل في مظاهر الجمال والعناية بها.. تأمل قوله تعالى: {الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلقِ الرَّحمنِ مِن تَفاوُتٍ فَارجِعِ البَصَرَ هَل تَرى مِن فُطورٍ . ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَينِ يَنقَلِب إِلَيكَ البَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسيرٌ }[الملك: ٣-٤]، فالبصر سيرجع بعد رحلته وقد أصابه الإعياء ولم يجد عيبًا، وقد أكد الله تعالى ذلك في قوله: {أَفَلَم يَنظُروا إِلَى السَّماءِ فَوقَهُم كَيفَ بَنَيناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِن فُروجٍ}[ق: ٦]، فالخلل والتناقض منفي عن صنع الله الذي أتقن كل شيء.
والجمال الذي خلقه الله تعالى في الكون يراه العبد كل لحظة، وفي كل مكان؛ فيرى السماء ونجومها وكواكبها {إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِزينَةٍ الكَواكِبِ} [الصافات: ٦]، ويرى الأرض وما فيها من أنواع الجمال {إِنّا جَعَلنا ما عَلَى الأَرضِ زينَةً لَها} [الكهف: ٧]، ويرى الإنسان جمال صورته {وَصَوَّرَكُم فَأَحسَنَ صُوَرَكُم}[غافر: ٦٤]، ويرى الجمال والزينة فيما سخره الله تعالى له {وَلَكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وَحينَ تَسرَحونَ}[النحل: ٦].
وينتظم جمال الخلق كله في قوله تعالى {صُنعَ اللَّهِ الَّذي أَتقَنَ كُلَّ شَيءٍ}، [النمل: ٨٨]، وقوله تعالى {الَّذي أَحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: ٧].
وبعد ..
فإن أثر تقدير الجمال وإدراك دلالته عظيمٌ على المؤمن، ولذا نجد أنّ القرآن يلفت أبصارنا إليه ليرفع به مستوى الإنسان، ليكون ذواقا لما في آفاق الأرض والسماء من نواحي الجمال، فينظر إلى الكون على أنه هذه الصفحة التي يتجلى فيها الجمال الإلهي.. فالمؤمن إذن يعلم أن الجمال دليل على قدرة الخالق العظيم… دليل على جماله عز وجل .. دليل على رحمته سبحانه.. يستثير وعي الإنسان ليستدل به على الخالق وصفاته..
ومن الآثار المترتبة على تقدير الجمال وإدراك دلالته:
يمتلك المؤمن -من خلال ذلك- نظرة متسقة للكون والحياة؛ فالجمال بما فيه من إبداع داخل في إيمانه بوجود خالق حكيم عليم.. على كل شيء قدير.
يلاحظ المؤمن آثار كمال الخالق من خلال مخلوقاته؛ فيرجو رحمته، ويتعلق قلبه به سبحانه.
يتحصل المؤمن على نظرة متفائلة للحياة؛ من خلال إدراكه أن الجمال هو الغالب على هذا الكون، وأنه هو الأصل، وأن غير ذلك استثناء يكون لحكمة بالغة.. بل إنه يعلم أن هذا الاستثناء القليل دليل على غلبة الأصل الجميل، فبضدها تعرف الأشياء.
المؤمن هو الذي يقدر الجمال حقا؛ فإنه يؤمن بواهب هذا الجمال، فيراه قيمة حقيقة أصيلة.. ويجد في ما يعتقده من الإيمان بالله تعالى وصفاته, وما يشهده في مخلوقاته وتشريعاته الحكيمة اتّساقاً وتعزيزاً لهذه القيمة.
يتفكّر المؤمن بعقله في غاية وجود الجمال وكثرته وعظمته في الخلق، ولا بد له بذلك من شهود حكمة الرب، ثمّ يتفكّر في كثير من صور الجمال -كجمال السماء البعيدة- الذي لا تبدو له فائدة وظيفيّة، وإنما هي آيات ورسائل تهز الوجدان وتأسر الألباب {سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ}[فصلت: ٥٣].
——————————
الدليل الثامن من أدلة وجود الله عز وجل [دليل الإرادة الحرة]
[١] وجود الإرادة الحرة حقيقة لا شك فيها
لنتأمل معًا حال أسير مكبل بالقيود، يحاول القيام فلا يستطيع، ويحاول تحرير يديه فيصطدم بالقيود ملتفة حولها.. كلنا يدرك -كما الأسير- أن تلك القيود تمنعه من ممارسة شيء يتسق مع طبيعته كإنسان عاقل، وتحجزه عن أن يكون إنسانًا طبيعيًا يتحرك كيف شاء.. نعم، إنه يحاول أن ينفذ إرادته، ولكنه مقيد بتلك القيود التي يعلم يقينا أنه لولاها لتحرك وتحرر .. يعلم ذلك يقينا لأنه يدرك أنه إنسان لديه إرادة حرة.
ونحن البشر نتعامل معًا على هذا الأساس:
كل إنسان مسؤول عن تصرفاته لأنه يفعلها بإرادته، ولا يجبره عليها أحد، ولذلك فإننا نكرم المحسن، لعلمنا أنه يحسن بإرادته. وكذلك نعاقب الجاني، ولا نقبل منه ادعاء أن جوارحه تصرفت رغما عنه.. ولولا هذا الأساس الوجودي لاختل نظام الحياة، ولما أُكرم صاحب إحسان، ولا عُوقب مجرم ظالم.
إن الوعي بهذا الإحساس لا يخفى حتى على ذلك الطفل الصغير المعاند، الذي يقطب جبينه، وينكس رأسه، ويصر على ما يريد فعله !
هذه الأمثلة وغيرها تبين أن الإرادة الحرة هي جزء من وعي الإنسان وشعوره بذاته، لأنها تتعلق بذلك الإحساس الفطري، الذي لا يملك عاقل دفعه عن نفسه ولا يمكن له إنكاره .. ذلك هو شعورك أيها الإنسان بأنك حر في تصرفاتك، مختار لأفعالك، تتحرك إذا شئت، وتتكلم إذا أردت، وتأكل وتشرب تبعا لرغبتك..
تحدد أهدافك وفق رؤيتك، وتسعى إلى غاياتك بدافع من نفسك، وتتخذ قراراتك بما يمليه عليك فكرك.. فأنت حي مسؤول ولست بدمية لا إرادة لها ولا اختيار ولا قرار…
ومن هنا كانت الإرادة الحرة ضرورة عزيزة على الإنسان لا يسمح لأحد أن يعتدي عليها.. إنها مكون أساسي من مكونات وجدانه وعاطفته.. وكم مدح الناس -قديما وحديثا- الأبطال، وذموا الجبناء، ورفعوا العظماء.. وليس ما بينهم من التفاوت إلا إرادات وهمم ومقاصد واختيارات.
- حقيقة الإرادة الحرة:
الإرادة هي التي تحرك العزم على إيقاع فعل ما، وهذا يشترك فيه كل الأحياء، ويتميز الإنسان عن الحيوان بقدرته على عدم الانسياق لغرائزه دون بصيرة عقلية، لأنه واعٍ بمخرجات الأمور وملابساتها وعالم بمآلاتها، وله تصورات لما يدفعه إلى الفعل ولما يمنعه عنه، فيختار مما يَعرِض له من البدائل أو الاختيارات الأخرى ما يترجّح لديه حسب غاياته ومقدوراته، فمن يضرب يعلم أن الضرب يؤلم، فلا يُنزله إلا على من أراد تأديبه، كذلك من ينطق بالكلمة يدرك تأثيرها على النفس وأثرها فيها ، فيختار الطيب منها إذا شاء، ويجتنب غيرها.
والإرادة الحرة هي التي يتميز بها حال حضور العقل عن غيابه، ولذا نفرق بين من يمشي واعياً ومن يمشي في نومه.
ومن أهم الشواهد التي توضح حقيقة وجود إرادة حرة لدى الإنسان: أنه يفرق بين الأفعال التي يملك قرارها، وبين الأفعال التي يضطر إليها ولا يملك قرارها؛ فإنه يعلم يقينا الفرق بين نبضات قلبه وتدفق الدم في عروقه دون إرادته، وبين قيامه وقعوده بإرادته، كما يدرك الفرق بين ما يجري عليه قدرا كخلقه ذكرا أو أنثى دون اختيار منه وبين أن يكون إنسانا صالحا أو فاسدا بموجب أفعاله بقصد منه . ومن هنا كان عقد النية على فعل معين من معايير الحكم على هذا الفعل من حيث المدح والذم، ولذلك قال الرسول ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى…»، لأن أفعال الإنسان الاختيارية تعبّر عما انْطَوت عليه نيته وقصده، ولا يكون هذا في الأفعال الاضطرارية .
- لولا الإرادة الحرة!
أول ما يخسره الإنسان إذا تنكر للإرادة الحرة هو ذاته، لأنه بذلك يخالف فطرته، ويغطي عقله، ويتنكر للغاية من وجوده، مما يضع حياته وحياة البشرية في خطر عظيم، بل ويهبط من منزلته العالية التي نالها بتكريم الله عز وجل له وبالاصطفاء بالتكليف والعقل والإرادة الحرة إلى منزلة الجمادات والحيوانات، فالإرادة الحرة لا يتوقف دورها عند حدود الحركة الاختيارية الاعتيادية من سكوت أو كلام أو جلوس أو قيام، وإنما يتعدى ليبلغ مقام التكليف والقدرة على الطاعة والمعصية واتباع الحق أو الباطل. {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم}.
فلو كان الإنسان مجبرا على فعله كالآلة، فلماذا يحاسب؟ وما قيمة وجود ما يضبط أفعال الناس حينئذ؟ بل إن إنزال الثواب والعقاب على الناس حينها يكون من أبطل الباطل، وحينئذ تكون حياة الناس فوضى.. لا أمل في إصلاحها أو تحسينها، والقتل والظلم والنهب متوقعاً ومقبولاً في كل حين.
لكن من ينظر نظرة خاطفة من حوله يعلم أن هذا وهم لا يستطيع البشر تحمل تبعاته، ولذلك فإننا نرى المجتمعات تنضبط ضمن نُظُم، ونرى مديري الشركات يلزمون موظفيهم بالقدوم للعمل في ساعاته، ونرى الناس يمدحون المتفوق ويذمون المهمل، ويستحسنون الإنجاز ويبغضون الكسل، ويثنون على الخلوق ويتجنبون البذيء.. كل ذلك لأن حرية إرادة الإنسان سبب في خروج أفعاله إلى حيز الوجود عن قصد واختيار.
[٢] الإرادة الحرة دليل على وجود الله عز وجل
لا يوجد عاقل يسوغ أفعاله الشنيعة بأنها صدرت رغما عنه كما تصدر حركاته الاضطرارية، وإلا كان الإنسان كالحاسوب أو الرجل الآلي .. ومهما أتقنا هذه الآلات المادية الجامدة، فإننا لا يمكن أن نخلق فيها ما هو خارج عن طبيعتها كحرية الإرادة،بل ولا يمكن أن نتصور وجود علاقة بين أجزاء الحاسوب المادية وبين الإرادة الحرة.. فما بالنا لا نعجب للإنسان ومكوناته الجسدية لا تختلف عن سائر الحيوان ولكنه يسمو عليها بهذا المكون الغريب الذي لا علاقة له باللحم ولا بالدم، ولا بالحديد، ولا بغيره من الجماد!
ومالنا ألا نعجب ونتساءل..
ما مصدر الإرادة الحرة !؟
ولنتأمل ونتفكر..
مَن الذي ميز الإنسان بهذه الخصائص وما الغاية والحكمة من هذا التمييز !؟
لا يمكن أن يهبها الإنسان لنفسه .
الإرادة الحرة متجذرة في النفس البشرية لا يمكن للإنسان أن يتجرد منها؛ فهي ليست خيارا “يفعله” إذا شاء، ويعطله متى شاء.. ولما كان الإنسان عاجزا عن ذلك فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هو مصدرا لها، بل يجب أن يكون مصدرها متصفاً بالقدرة، متعاليا عن عجز البشر.
ولا يمكن أن يكون الإنسان مصدرا للإرادة الحرة؛ لأن إرادةَ إحداث هذه الإرادة في النفس يجب أن تسبقها إرادة قبلها، وهذه الأخرى يجب أن تسبقها إرادة غيرها، وهكذا إلى ما لانهاية.. وهذا التسلسل غير المتناهي مستحيل عقلا! ولا بد أن يبتدئ إنشاء هذه الإرادة من له إرادة تتصف بالكمال، فلا يعتريها نقص ولا يسبقها عدم، ولا يتصوّر أن يتّصف بكمال القدرة والإرادة إلاّ من يتّصف بكمال العلم والحكمة .. كلّ ذلك لا يتّصف به إلاّ الله تعالى، الأوّل الذي لم يلد ولم يولد، فهو القدوس السلام المتنزه عن النقص، الغني الذي لم يفتقر ولا يفتقر لغيره أبداً.
ولا يمكن أن يكون مصدرها الدماغ وحده.
فتصوُّر أنّ العقل مجرّد مكونات تشريحيّة ماديّة لا يمكن أن يتّسق مع معنى الإرادة الحرّة، والخلايا العصبية التي تنقل الإشارات الكهربائية والنواقل الكيميائية العصبية، لا تمثّل الوعي بمجرّدها كما سبق في دليل الوعي ، ولا يمكن أن تُتصوّر الإرادة بلا وعي.
بل إننا إذا تأملنا تحركات الإنسان وراقبنا تلك الخطوات المتسلسلة التي تؤدي إلى اختياره لفعله ازداد عجبنا؛ فهي عملية اختيار معقدة، تدخل فيها عوامل عدة؛ فالإنسان يرجح بين ما تمليه غريزته وما يمليه عقله، وقد يراعي عدم إلحاق الضرر بالآخرين بسبب ما يتخذه من قرارات.. وقد يرجح التزاماً بعوامل خارجية، من عرف سائد أو دين متبع.. وفي هذه الخاصيّة يتجلى نور الإيمان عندما يخالف المؤمن كل إرادة تعارض الشرع، وقد قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}.
ولا يمكن أن يكون مصدرها الجينات الوراثية.
وكذلك لا يمكن أن تكون الجينات والوراثة هي مصدر الإرادة؛ لأن اخترال الإرداة الحرة في معلومات وراثية يجعلها غير موجودة حقيقة، وقد أثبتنا في الجزء الأول من المقال وجودها وإدراكنا لهذا بالضرورة، كما أن الإنسان يمكنه اكتساب عادات وتعديل سلوكيات مما يبطل ربط سلوكه وفعله بجينات لا يمكنه الانفكاك عنها، ثم من ركّب الجينات في الإنسان الأول إذاً؟!
ولا يمكن أن يكون مصدرها المادة .
فالمادة جامدة لا حياة فيها ولا وعي ولا إرادة، وفاقد الشيء لا يعطيه، والوعي والإرادة والإدراك وغيرها من مكونات النفس وخصائصها هي معان متجاوزة للمادة التي نعرفها
الإرادة الحرة تدل على الخالق عز وجل وصفاته .
يلزم ضرورة أنّ هذه الإرادة مصدرها متعالٍ عن كلّ نقص، متّصف بكل كمال، جعل هذه الإرادة في النفوس بمشيئته وعلمه وقدرته وحكمته؛ ليجعل للحياة هدفا ساميا وغاية بالغة أرادها سبحانه، وتتجلى عظمة الباري في إبداع هذه النفس وما حَوت، وصنعة الإتقان فيما ظهر منها وما طوت، وما زالت من الأسرار في العلوم الحديثة وإن حاموا حولها، {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالقِينَ}.
وإذا علمنا أن الإرادة الحرة عامّة لكل نفس إنسانية، وأنها ليست خاصة بزمان دون آخر، ولا بقوم دون قوم، وأنها لا تخضع للتفسير المادي المجرّد؛ لأنها خارج نطاق المادة الصمّاء التي لا إرادة لها.. فلا يكون المُودِع لهذه الإرادة إلا مُتعاليا عن المادة، مريدا وقادرا؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، والناقص أنّى له أن يهب الكمال لغيره؟
وبهذا يكون وجودها دليلا على وجود الخالق القادر البديع القدّوس المنزّه عن قصور المادة سبحانه، الذي يريد ويفعل بإرادة وقدرة مطلقتين.
وكذلك يلزم أن يكون خالق هذه الإرادة عليما بنفس الإنسان، وبما يصلح له في كل زمان ومكان، ومن أعلم ممن برأ النّسمة، وخلق الإنسان {خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}، وهو القائل جلّ مِن قائل: {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}..
وكذلك لا يكون إلا حكيمًا؛ لأن هذه الإرادة إنما جُعِلت في مكنون النفس لأجل غاية، قال الحكيم العليم:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}،فالله قد خلق الخلق لعبادته، وجعل الدنيا قنطرة عبور واختبار، ومقتضى حكمته وعدله سبحانه أن جعل لهم الاختيار، قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيْمَ}، فيثيب من أطاع برحمته، ويعاقب من عصى بعدله، ويتجاوز تعالى عمّن يشاء بفضله.
وهذه الصفات: الإرادة والقدرة والعلم والحكمة والخلق هي من لوازم الحياة، فلا يكون المتصف بها إلا حيّا، ولله كمال الحيّاة، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وَ {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}..
فدّلت الإرادة إذاً على وجود فاطرها المتصف بصفات الكمال والجمال والجلال.. وهكذا نجد أنّ إمعان النظر في النفس ومواردها والتفكر فيها؛ كاف في هداية الناس إلى بارئهم الحق، وصدق عزّ وجلّ:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}