حين تتكدر عليك اللحظات ويعكر صفو روحك طيف من شجى الحياة وبؤسها، فلا مناص من محاولة الخروج من هذا الضيق ولو بتكلف كي تبقى النفس على نشاطها وقوتها، ولكل شخص طريقته في التخلص والتفلت من كدر اللحظة وسقمها.
وربما قراءة شيئا من الأدب يروح النفس ويذهب ما ألم بها. كنت أظن هذا، والظن أكذب الحديث، فما أن قلبت الصفحات واسترسلت في القراءة وإذا بي أرى أهل الهوى والأدب أشد ضيقا وأكثر معاناة، وهل يقوى من أترحت نفسه وغمت أن يرسم بهجة في وجوه الآخرين، أو يسكب مرحا في كؤوس البائسين؟
كيف لقائل هذا البيت أن يبهجنا:
الحب أسقمني، والحب أضناني، … والحب أنحلني، والحب أبلاني
كيف له أن يطربنا ويزيل غمنا وهمنا وهو في سقم وضنى؟
والآخر يقول:
لا فرج الله عني إن مددت يدي … إليه أسأله من حبه الفرجا
لا يريد الفرج فسعادة الشعراء في شقائهم، فهم يرون الضيق فرجا، ويرون الشجا مسرة وهناء، وأقرأ لآخر فأجده أشد وجعا إذ يقول:
قتل الحب قيس لبنى ومجنو … ن بني عامر وأمرض خلقا
وتحدى كثيرا وجميلا، … ولقي منه عروة كل ملقى
قلت: عندي على هواك شهود: … أدمع مستهلة، ليس ترقا
وسلي عن أضالعي زفرات، … ما تلاقي من حرهن وألقى
أنت ضيعت جل قلبي بالهج … ر، فصوني بالوصل ما قد تبقى
ما الذي يجري في عالم الأدباء؟ تجدهم أسارى للحزن والضيق، فلا تسمع في قصائدهم إلا عويلا وبكاء وتأوه وتوجعا ونحيبا ونواحا لا ينقطع، ومن بؤسهم أنهم يرون في ذلك حياة لقلوبهم، فاسمع ما يقول صاحبهم:
وما زال يشكو الحب حتى سمعته … تنفس في أحشائه وتكلما
ويبكي فأبكي رحمة لبكائه، … إذا ما بكى دمعا بكيت له دما
يا الله، ما هذه المعاناة وما هذه الحياة!! عجباً لهؤلاء الندماء .. يعيشون في عالم خلاف عالمنا، لهم قلوب غير قلوبنا، الحياة عندهم في لقاء حبيب وترنيم عشيق وزفرات خدين .. صبباتهم سر بلاهم وتعلقهم باطنة آلامهم ..
حين قرأت معاناتهم أغلقت الكتاب .. وأدركت أن المعاناة في هذا الزمن ضربت لازب ولكن الألمعي الحاذق من جعل من معاناته إلهاماً ودروساً .. فمن جوف المعاناة تصنع الحياة.