البوح بكلمات الحب والعطف وما يعلج في النفوس من صدق المودة تكون عسيرة شاقة على بعض النفوس، فأهون لديه أن يكتم وده من مرارة إعلان حبه، فقد ظن أنه لو كشف ما يختلج في نفسه من ود أن ذاك ضعف وفتور وذهاب لقيمته وكرامته. وما هذا التوهم السيء إلا جهالة وغواية من نفسه وشيطانه، ولو أخرج ما يضمره قلبه من حب وجمال لامتلأت القلوب من حوله حبا له ومودة.
كم أحرق صمت القلوب وكتمان ما بها بيوتا كانت تضيء نورا وتشرق سعادة، وكم صدت أنفسا مولعة ورحلت وقد كانت متعلقة تتيم حبا وجوى، وما جفاف القلوب عنا إلا لصمت القلوب عنهم، لندع قلوبنا تبتسم، فالعيون أشد رؤية لابتسامة القلب وبشاشته من رؤية ابتسامة الوجه وطلاقته، فاجعل خفاقات قلبك تذيب قسوته، ودقاته تعلن عن مكنوناته من حب ومودة، وما لان القلب وأبان عما فيه من صدق المودة إلا طابت نفس صاحبه وهنأ باله.
الكاتب أحيانا لا تميل نفسه للكتابة، يرى الورق والقلم بين يديه ولكن يجد شيئا من التمنع أن يمسك قلمه وينثر أفكاره، في هذه اللحظة ليس القلم والورق ما يحتاجه؛ بل أشد ما يحتاج هو الشعور والرغبة للكتابة، فمزاج الكاتب هو المحرك الذي يهمزه ويحثه أو يكبته ويسكته، ولهذا الكاتب حين يكتب وهو مجبرا لنفسه كارها لرغباته تجد أن كلماته خاملة ذابلة لا يجد القارئ لحروفه حرارة تلهب أفكاره.
الكتابة ليست عبارات ترصف وكلمات تبنى، بل هي انسكاب روح وتدفق مشاعر، هي احاسيس يخيل للقارئ أنها أحاسيسه، يقرأ القارئ فيرى أنه في نزهة واسترخاء لا تفارقه المتعة. وإن كتب الكاتب وهو خالي الحس فإنه كلماته تكون على القارئ هما مثقلا لا يقرأها إلا بتكلف، فهو لا يكاد يصل لمبتغى الكاتب فالترهل في حروف الكاتب وعباراته تجعلها متصلبة في مكانها، تتنافر الأفكار حتى لا تعرف وجهتها ولا مسارها.
لعل هناك من يريد أن يكتب وينثر شيئا من أفكاره ولكنه يفاجأ أن أفكاره تختلط في ذهنه، ويعجز أن يجعلها كلمات منسابة تظهر على الورق، يجد أن كل ما في ذهنه يختفي تدريجيا، يقف القلم قلقا محتارا كيف يبدأ وبماذا يبدأ، كأنه في قارب لا مجداف له ولا يستطيع يقود قاربه، ولا يرى ضفاف النهر ليتجه نحوه، يفقد طاقته وتركيزه فيلقي قلمه ويترك مراده، إنها لحظة قاسية أن تترك ما تريد، ولو وقف المرء هادئا، تاركا عقله حرا لا يمارس عليه أي رقابة لتفجرت الأفكار في ذهنه ولوجد بابا تخرج هذه الأفكار منه متدفقة يدعو بعضها بعضا.
انتهيت الان من قراءة كتاب .. والله اشعر بحزن أنه انتهى وإني انتهيت .. اخذت اقلبه لعلي اجد ورقات أخرى خرجت من الفهرس .. تألمت أنه سيرحل عني ولم اشعر بعد بالامتلاء منه، فأفكاره وعبارته تجعلك في حالة استزاده لمزيد من الأفكار والعبارات لجمال أسلوبه وحسن بيانه، انتهيت ولست مصدقا كيف انقضت تلك الصفحات دون وعي مني، شعرت بصدمة هزتني آلمتني على هذا الرحيل وعلى هذا الوداع المرير، اعلم أنني سأبحث عن كتاب آخر ولكن لن أجد كتابا ينسيني ذاك الجمال وذاك البيان وذاك الاندماج والتعلق، رحل عني ولكن سيبقى دوما في ذاكرتي، سأرى عباراته وأحرفه في كتب غيره، سيظهر لي حين تتعبني الكتب فقد كان لطيفا معي، وسيبدو لي حين تضيع عبارات الكتب فقد كان حاضرا بين جوانح فكري، سيكون رفيقي مع كل كتاب اقرأه، ليخفف عني وطأة ما اقرأ، فليس كل كتاب قادر أن يحرك مشاعرك ويوقظ فكرك. اعلم أنني لن أقوى على البعد، فسأعود إليه ولكن حين تضعف ذاكرتي عن رؤية حروفه، سأعود إليه حين تتراخى همتي عن ملامسة الكتب فأجد لديه ما يدفعني للقراءة.
أشد النزاع أن تنازع نفسك وتخاصمها، فخصام الذات يدوم لأنك لا تقدر أن تنفك عن ذاتك وتنتزع عن نفسك وتذهب بعيدا، ولك أن تقول: النفس حين تقترب مع نفس أخرى حتى يمتزجا فإن خصامهما مرير ومؤلم فهو لا يقدر أن ينتزع نفسه ويذهب بعيدا، والنفوس البعيدة حين خصامها لا يؤلم النفس فهي منفصلة عن الذات بعيدة عن الروح.
على القلوب الممتزجة أن تتعلم كيف تتماسك أكثر وكيف تتخلص من نزاعها وجدالها، رفيق الروح يخاصم برفق ويجادل بحنو ويلوم بلطف، فكلمات القلوب لا يذهب معناها إلى العقل فقط؛ بل تسري إلى روح رفيقها، والعقل لا يؤول شيئا بل الروح هي التي تؤول الكلمات، وتفسر نغمات الأحرف فتخرج بمعنى غير معنى اللغة، فهي تذهب إلى روح الكلمات وليس معناها، فالتلطف بين القلوب الممتزجة حياة لها.
القلوب الممتزجة وجهتها واحدة، فحين تتمرد لا تعرف الرحيل، فهي تتمرد وتبقى ساكنة، تغضب ولكن غضبها يختفي كوميض البرق، يختفي حين يظهر، فحين يلوح الغضب ينساب شيء من العطف والشفقة والمحبة فتسكن النفس وتخف شدة غضبها.
القلوب الممتزجة لا تعرف التكلف، تكون بسيطة في كل شيء، وهذه البساطة هو سر جمالها وارتياحها، لا تتكلف في تعبيراتها وفي صمتها، وهذا ما لا تدركه القلوب المتباعدة ولا تقوى عليه، فلتبقى البساطة والسماحة لتبقى القلوب في امتزاجها وتألفها.
قال الشاطبي في الموافقات: “ومن هنا لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد؛ حتى يكون ريان من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب، فإنه إن كان هكذا؛ خيف عليه أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض”.
وكأن هذه العبارة جواب لسؤال من يقرأ هذا الكتاب؟ فكان الجواب أن هذا الكتاب لا يناسب أي شخص؛ بل هو كتاب نخبوي لفئة معينة قد علا كعبها في علم الشريعة، وكم هو جميل أن يكون هناك تنبيه للقارئ عن مستوى الكتاب ودرجته، فكثير ما يقتني شخص كتابا لا يتناسب مع مستواه العلمي، فلا يفهم الكتاب أو يفهمه على غير مراد مؤلفه.
والكتب ليست على مستوى واحد؛ بل هناك من الكتب لا يمكن فهمها إلا بعد قراءة كتب قبلها ومعرفة مقدمات وفهم المقاصد والمعاني لهذا الفن، لذا من يشتكي من صعوبة كتاب ما هو في الغالب بسبب عدم الإلمام بمقدمات الكتاب العلمية وعدم التأهيل العلمي المناسب للقارئ، فهي مسؤولية القارئ في اختيار الكتاب المناسب، فقبل انتقاء الكتاب لا بد من معرفة مضمونه وإمكانية فهمه وإلا يؤخر الكتاب حتى يتهيأ علميا لقراءة الكتاب.
مما يتعجب له القارئ في “مقاصد الشريعة” هو غياب التعريف لهذا المفهوم في كتب الأقدمين، فالمدققون من علماء الشريعة كالباقلاني والجويني والغزالي والآمدي والعز بن عبد السلام وغيرهم كالقرافي وابن تيمية وابن قيم والسبكي والشاطبي لم يذكروا تعريفا لهذا العلم الذي يذكرون تطبيقاته في كتبهم ولكنهم لم يشيروا له كعلم مستقل.
وهنا يحضر سؤال: هل هذا العلم حديث؟ الجواب: لا، ولكن تعريفه وتحديده حدا منطقيا، وتأليف الكتب المستقلة التي تتناول هذا الفن تأصيلا وتفريعا هو الجديد في الأمر، أما مضمون العلم وتفصيلاته فهي قديمة تدخل ضمن علم أصول الفقه، ولكن مع زيادة العلم وكثرة التأليف استقل هذا الفن وأصبح علما مستقلا بذاته.
كم أود أن ارتشف في هذه اللحظات الشاي وفي أحضاني كتاب يحدثني عن كل شيء .. عن العالم لماذا صغر؟ .. عن الناس لماذا ذابوا ورحلوا؟ .. يحدثني عن الموجود وغير الموجود .. يحدثني أحاديث السامر التي تحمل حينا معنى وأحيانا لا معنى لها .. فالكتاب إن لم يتحدث عن المجهول فهو لا كتاب .. الكتاب كالنفق لا تبصر ما فيه حتى تنتهي منه وتخرج منه .. فيبقى في ذهنك شيء من ذاك النفق .. قد تبقى العتمة .. أو يبقى النور الذي ابصرته قبل أن تخرج من النفق .. ولكن ما عسى الكتاب أن يقول إذا كان معزولا عن الوجود .. لن يقول شيئا سوى بقايا من كلمات يعيدها ليُبقي شيئا بين جوانحه ..
الكتاب له قوله ولي أنا التأويل .. الكتاب له زمنه ولي أنا تحديد ميلاده .. الكتاب له بريقه ولي أنا اشعاله .. الكتاب لا يحيى إلا بمشاكستي ومخاصمتي ومنازعتي .. هو يقول وأنا أفسر .. هو يصمت وأنا أعلق .. فأنا روح الكتاب وحياته .. فمعنى حروفه بيدي .. هو أوراق منثورة وأنا حبره ومداده .. ولكني بدون أوراقه سيجف حبري وتختفي منازعتي ويصمت فكري.
كل شخص تحادثه وتجالسه وراءه شيء لا تراه عيناك، قد تنبسط لك ملامحه وأفكاره سابحة في عالم آخر، فكل إنسان فيه سر يخفيه ويبديه، فهو كشجرة قد تكاثرت أغصانها، تارة تسقط شيئا من أوراقها وتارة تمسكها، كل إنسان رواية نسجتها الحياة، وأنت إحدى أحداثها، وفصول تلك الرواية لا تنتهي، فما أن ينتهي من فصل إلا ويتجدد له فصل آخر، فهو حكايات متوالية لا انقطاع فيها. وكم تعجز أفكارنا وتقف حائرة مرتابة حين تريد أن تفهم هذا الإنسان الذي يتموج بين العواطف والفكر وبين الوعي وغيابه.
أحاديثنا هي لاكتشاف بعضنا، ومع إدراكنا أن الكلمات لن تبدي لنا شيئا كثيرا ولكنها هي أقوى ما نملكه كي نعرف هذا الإنسان، فحسن الكلمة وجمالها تشجع الروح أن تقترب، فهي تفتح نوافذ القلب ليدخل ذاك الإنسان كي نقدر على معرفته والأنس به، وما كان العاشقان أشد تعلقا ببعضهما إلا أن كليهما قد فتح قلبيهما لبعضهما فولج كل قلب في قلب الآخر، فتعارفا حتى اتحدا خفق قلبيهما، فاستحالت نفسا واحدة لا ينكر بعضهما بعضا.
أحيانا إذا أعجبني الكتاب .. أتباطأ في قراءته .. لا أريد أن استعجل الفراق.
نجد وائل حلاق في كتابه الجدلي الماتع “الدولة المستحيلة” يرى أن الأخلاق في الإسلام تشكل المحور المركزي، فكل شيء في الإسلام ينطلق منطلق أخلاقي، سواء كان الأمر يتعلق بالعقيدة أو العبادة، فهي لا تنفصل بتاتا عن الأخلاق؛ بل لا يتصور وجود أمر شرعي غير أخلاقي، بخلاف صاحب كتاب “الدين والعلمانية” فهو لا يرى هناك تطابق بين الدين والأخلاق، فلا يرى أن الأوامر والنواهي أخلاقية، فالأخلاق يمكن تبريرها من دون الدين، فلا حاجة إلى الدين لو كان مجرد أخلاق؛ بل وذهب إلى أشد من ذهب فهو يرى أنه قد يوجد تعارض وتناقض بين الواجب الديني والواجب الأخلاقي في الظرف التاريخي.
وهذه رؤية علمانية متطرفة، لا تجدها إلا عند من ينكر الدين بالكلية، فالدين والأخلاق بينهما تلازم ذاتي، فلا يتصور دين بدون أخلاق، ولا يتصور أن يكون هناك تناقض بين الدين والأخلاق، فالرؤية العلمانية حين تفقد الاتزان تذهب بعيدا فتنكر الحقائق لكي تجعل رؤيتها متسقة، وقد أحسن حلاق في كتابه حيث اثبت أن فصل الأخلاق عن الدين أمر لا يتصور.
يخشى أن يجرفه التيار ويلقيه في مكان يجهله .. هرب للوحدة ظانا أنه سينجو ولن يدنو منه شيء .. اكتشف أن وحدته ضعف .. وأن ثمار شجرته تتساقط تباعا .. أصبح كاسا فارغة وخشي أن يمتلئ بشيء لا يهواه .. يرى الآخرين يسكبون ما يشاؤون في كؤوس غيرهم ولا أحد يمانع ولا أحد يرتوي .. ترك وحدته وعاد ليجالس أترابه .. فازداد شعوره بالوحدة .. توهم أن القرب يقويه ولكنه أوهنه .. تمنى في لحظة ضعفه أن يمزق قلوب الناس وعقولهم ليعرف مكنوناتهم وطريقة تفكيرهم .. يريد الاقتراب ولكن يخشى الذوبان .. ويجد في البعد الكآبة .. ونفسه تكره القنوط ويراه شيئا من الجنون .. أشد ما يسعى له هو راحة قلبه وسلامة روحه .. ولكن كيف يجتمع التوتر والراحة؟ كيف تسكن النفس وكل ما يحيط بها يشوش عليها ويزعجها .. لا يريد أن تكون نفسه مثقلة بالألم والسخط .. ولا يريدها تكون خالية من الهمة والنشاط .. لم يعد يبحث عن المساحات الفارغة ليسير فيها؛ لأنه لم تعد هناك مساحات فارغة .. حتى السبل المألوفة لديه لم تعد مألوفة .. دومًا تسكنه الدهشة والجهالة والغربة ولكنه يدافع نفسه ليبقى يسير تحت ضوء الشمس .. فلن يخرج من متاهاته إلا بالمضي في مسيره في ضوء يرى فيه الاتجاهات .. فربما أزمته ليست في الذي يجرفه ولكن في توقفه وهلعه.
نجد أحيانا أنه ينفتح لذهننا نوافذ من الأفكار المبدعة ما لا نجده لو مكثنا نتأمل قصدا، بل قد نشعر أحيانا مع تأملنا أن فكرنا كصحراء خالية من كل شيء إلا الرمال، فلا تعلم ما سر هذا الجفاف وما سر تلك الخصوبة!
اشراقة الفكر ممكن أن تستمر متدفقة حين يكون هناك شعور بهذا الفكر، فتناسي الفكر وتجاهل قدراته، يضعف ادراكاته، ويسكت نغماته، وتغيب اشراقاته.
وحين يجهد الفكر للبحث عن البعيد والخفي فإنه يسلك مسالك وعرة قاسية قد تحول بينه وبين إدراك ما يريد، فالفكر يمنح قدراته حين يتلطف به ويتدرج معه في الصعود، فالقفزات ترهقه وتسقطه وتوهنه ويصيبه تشوش لا يقوى معه على العطاء فضلا عن الابداع.
توقف عن اجهاد فكرك وأمهله قليلا، أمهله ولا تغفل عنه، امهله حتى يشتاق هو للابداع، فمع التريث والهدوء يعود لتمدده وتزداد رغبته في العطاء بدون توطئة من التأمل.
ما أصعب أن تقول لنفسك: “قد كسرتِ”. هل هناك أقسى من هذا!
ما أمر أن تجعل من يقظتك أحلاما .. وأن يختفي النور الذي ينبعث من أعماقك ..فأي سراج سيضيء لك عتمة الطريق!
العالم يبدو غريبا في كل شيء .. كل شيء يحيط بك أصبح غريبا لا تعرفه .. هل نحن نصنع الغرابة في داخلنا فنرى الأشياء غريبة أم العالم هو الذي يصنع الغرابة فهو متبدل في كل لحظة حتى لم يعد يعرف شيئا ثابتا ولا مستقرا؟ .. لا أدري.
الغربة أن لا تفهم نفسك ..ولا تعرف لغة ذاتك ..تجد أفكارك ترتعش فليس هناك لغة تسكنها وتحملها.. تشعر أن هناك ضبابا يغمرك من كل ناحية .. تحلم أن يعلو هذا الضباب ليكون غيمة تسقي روحك العطشى ..ولكنه أصبح رفيق الدرب فلا يستأنس إلا بك ..فكيف ترجو أن ينقشع!
ليس بدا من أن نمسك الضباب بأيدينا، فلعله يستحيل لقطرات نشعر معها بالسكينة، السكينة التي لم يعد يعرف إلا اسمها، فالوحشة ترفرف بأجنحتها كأسراب القطا يدعو بعضها بعضا، تتعالى حين يأتي الضباب وتهوي علينا حين ينجلي.
علينا أن نخطو للأمام فمع المسير ينجلي شيء من الضباب، ومع السكون تتحجر أفئدتنا وأفكارنا وخواطرنا وتصبح لغتنا هزيلة ركيكة لا نفهما ولا تفهمنا، فالسكون أخو الضباب لا يجعلك ترى شيئا.
في لحظة ندم يكشف المرء عن مكنونات نفسه رغبة في التخلص مما يختلج في نفسه من هم وكدر وضيق، فيظن أن البوح سيجلي شيئا من ذلك، ولكن بعد أن يثرثر من غير شعور ويذهب عنه لوعة الندم، وحرقة اللحظة، وتهدأ نفسه، ويعود لطبيعته، يصاب بندم آخر قد يكون أشد مرارة من قبل، يندم على ثرثرته ويعاتب نفسه على إفشاء ما كان يكتمه، وإبداء ما كان يطويه حتى عن مخيلته، وهذه مأساة الإنسان أنه لا يبقى على حال واحدة، فتارة تتعاظم لديه نفسه، فيجد فيها من الصلابة والشدة ما يجعله يتعالى عن كل شيء حتى عن أفكاره، فيسيطر على فكره ويحكم رأيه، فلا تغلبه نزوات البوح والإبانة، وتارة تخور قواه ويصيبه الوهن ويشعر بالعوز والحاجة، فتسيطر عليه الأفكار ولا يشعر أنها ملكه، فتخرج منه دون وعي منه، فيجهر عما كان يكتمه، ويفصح عما ستره وأخفاه، فلا تكاد تضمر نفسه شيئا إلا وأعلنه.
وليت شعري أيهما الحق والصواب، أن يكون الإنسان صلدا لا يخرج شيئا، شحيحا في كلامته وعباراته، أم يكون لينا رطبا لا يمسك شيئا من أفكاره، جزلا في أقواله وأحاديثه، وأرى أن هذا أمر لا يمكن أن يكون فيه الاعتدال، فاللسان بين الإفراط والتفريط فإما أن يتراخى ويطلق لسانه للعنان، أو يضن بكلامه فلا يقول إلا حشوا ولغوا. وفي كلا الأمرين يظل الإنسان في حالة ندم ملازم له، ندم أن قال وندم أن سكت، فقلما تجد من يحسن القول فلا يقول خطلا، وقلما من تجد من يمسك عن حكمة وتعقل، وما جعل اللسان مورد للهلاك إلا لهذيانه وحشوه وهراءه، ولعل أول مورد للهلاك هو هذا الندم الذي يصاحبه حين يقول ركاكة أو يسكت عن قول كان يجمل أن يقوله.
أشد ما اشتاق إليه هو تصفح مجلة فكرية أدبية ثقافية، أريد أن اقلب أوراق المجلة بين يدي، ألمس ورقها، وأشم حبرها، وانظر لصورها وكلماتها، فالمجلة ليست خطابا للفكر فقط ولكنها تبعث في نفس قرائها حياة تلاشت مع غزو الفضاء بثقافته الميتة التي لا روح فيها، اشتاق للمجلة كاشتياق الطفل للعبته، يمسكها حينا ويتركها حينا، ثم يعود إليها أكثر شوقا ورغبة.
كم مرة حملتني أقدامي للمكتبات ولكني وجدتها خالية من المجلات وكأن قرأ المجلات قد رحلوا، فذهبت تلك الرفوف التي تحمل تلك الصحف، وليتهم ابقوا تلك الرفوف لتبقى معها ذكرياتنا الجميلة، ويبقى لنا شيء من الأمل بعودتها، فبقاء المنازل مؤذن بعودة ساكنيها.
وما اشقى من يقرأ مجلة بصيغة pdf ! حاولت مرارا أن اتصفح المجلات خلال مواقعها فكانت محاولة بائسة لم أجد فيها روح المجلة، وجدت مقالا قد انسلخ من كل كساء يزينه حتى عاد سمجا مملا لا تستسيغ حروفه ولا كلامته، فمقال المجلة كُتب ليحيى بين الورق، تجمله رقم الصفحة، وصورة المقال، ولون الحروف، فأنت حين تمسك المجلة بأناملك تتدفق لذهنك صورا لا تجدها عبر النت، وتنشأ هناك علاقة فكرية بينك وبين المجلة حتى تشعر بها وتشعر بك.
لا أقول أن تتبع المسائل الجدلية وإثارتها هو من باب التمكن العلمي ولا أقول أنه هو من الجهل، ولكن اسكت عن هذا التصنيف الذي فيه إعلاء أو إسقاط، ويتجه الأمر للتساؤل عن سبب إثارة القضايا الجدلية وجعلها محورا للناقش الذي يثمر عنه الإرباك، فالخروج عن مسلمات الواقع “المستقر” وإثارة الناس في “استقرارهم” الفكري هو أقرب للتشويش والاضطراب وليس للبناء الفكري، “الاستقرار” الفكري والسلوكي مطلب ومنزع إنساني وحين ينزع بعض الناس في المخالفة الناتج عنها اضطراب وقلق فهو لا يحل لهم مشكلة؛ بل يتسبب في إنشاء مشكلة، وقد فقه علمائنا قديما هذا فقالو: يُفتى كل بلد حسب مذهب البلد. والعلة هو عدم إحداث تشويش للناس، فاستقرار الناس على أمر حتى ولو كان مرجوحا هو خير لهم من نزاعهم واضطرابهم بين راجح ومرجوح.
كتاب “المثقف والسلطة” لإداورد سعيد، هذه التسمية هي تسمية من المترجم محمد عناني، فالكتاب في الأصل ليس أسمه هكذا، ولكن المترجم حين قرأ الكتاب وقرأ العنوان، وجد أن العنوان لا يتطابق مع مضمون الكتاب، فاختار له اسما يتطابق مع مضمون الكتاب، وقد قال المترجم: “وتغيير العنوان حق معترف به في الغرب من حقوق المترجم الذي يرمي إلى توصيل رسالة الكاتب بوضوح إلى قارئه، بل هو حق تفرضه الأمانة العلمية، فمن حق القارئ العربي أن يفهم ما يرمي إليه الكاتب ..”
لعل من النتائج السلبية في البحث في قوقل هو أخذ المعلومة بعيدة عن سياقها العلمي، فالباحث عن المعلومة يأخذ المعلومة دون معرفة باصطلاحات أهل الفن فقد يحمل الكلام على غير معناه، وهذه الطريقة في التلقي لو أصبحت منهجية لدى الشخص بحيث كل ما أراد معلومة ذهب يبحث في قوقل فإنه لن يتمكن من بناء منظومة معرفية متسقة قادرة على النقد والبناء، بل إنه سيقع ضحية للمعرفة المقتبسة التي قد تكون خاطئة أو ناقصة، ونحن نجد أن كثيرًا من النصوص لم تكتب للعامة؛ بل كُتبت لأهل الاختصاص، فحين تقع في يد العامي وهو غير مدرك لمعاني الألفاظ ودلالاتها فإنه قد يسيء الفهم للنص مما قد يجعله يؤوله أو يكذبه أو يرده أو يضعه في غير موضعه.
::التعقيد في الكتابة::
حين اقرأ لكاتب أو فيلسوف وأجد غموضا وتعقيدا في كتابته؛ فاعلم أنه غير “فاهم” أو غير متمكن مما يقول، فمن لوازم فقه المسائل هو القدرة على تقديمها للقارئ بلغة يسرة يستطيع القارئ أن يدرك معانيها، وقد يتعلل البعض أن صعوبة الكتابة وتعقيدها هو بسبب صعوبة الموضوع وتعقيده، وحاجة الموضوع لمقدمات ضرورية ليدرك المعنى، والحقيقة هذا التعليل غير صحيح، فالكاتب مطلوب منه البيان والتوضيح حتى لأعقد الأمور وأصعبها، فإذا كانت يستخدم مصطلحات خاصة به فعليه أن يبين معناها كي يستطيع القارئ فهم كلامه، وتصل رسالته دون لبس للقارئ.
والذي أراه أن هذا الغموض سببه غموض المعنى لدى الكاتب أو عدم قدرته على إيجاد لغة صحيحة تحمل المعنى الذي يريد، فالكاتب حين لا يحرر المعنى تماما في ذهنه؛ فلن يكون قادرا على مخاطبة القارئ بلغة سلسلة شيقة تحمل المعنى كاملا دون عناء للقارئ، ونحن نجد أن القرآن الكريم تناول أعقد القضايا وأصعبها بلغة جميلة يسرة يستطيع يفهمها كل شخص، فالعمق ليس في التعقيد وإنما في القدرة على توصيل الفكرة بوضوح دون لبس.
الذين يستخدمون لغة غامضة معقدة هم يهدفون إلى جعل القارئ في حيرة، فالغموض يصيب القارئ بالملل ويجعله يهجر الكتاب وكاتبه، ولذا نحن نجد أصحاب الكتابات الفلسفية الغامضة لا نجد لكتبهم رواجا كبيرا إلا لدى فئة بسيطة جدا وذلك بسبب الملل الذي تسببه كتبهم للقراء، فغموضهم نفّر الناس منهم، وغالبا ما تجد القارئ يتساءل: هل الكاتب نفسه يفهم ما يقول؟ وقد تساءل هذا السؤال جيمس جينز في كتابه “الفيزياء والفلسفة” حين تحدث عن كانط فقال: “قد يكون هنالك مبرر للتساؤل عما إذا كان “كانط” نفسه قد فهم أفكاره”!
الكتابة هي نقل الفكرة من صاحبها إلى الآخرين، ومن شرط النقل هو الوضوح وعدم الغموض، وتعمد الغموض ووضع الطلاسم لا يجعل الفكرة تصل للقارئ، وعندها ينقطع التواصل بين الكاتب والقارئ، فيتوقف القارئ عن القراءة بسبب أن ما يقرأه هي ألغاز لا تُفهم، وكون القارئ لا يفهم كلام الفيلسوف فليس هذا يدل على عيب في القارئ أو نقص في قدراته الفكرية؛ بل يتجه العيب للفيلسوف نفسه الذي عجز أن يصل الفكرة للقراء، فالجمود هو في الكاتب وليس في القارئ؛ وخصوصا إذا اشتهر الأمر أن كتابات هذا الفيلسوف غامضة لا يفهمها أحد، فإن هذا يعني أن الكاتب بحاجة لتعلم فن التأليف والكتابة، فإجماع الناس على غموضه وتعقيده يعني أنه عاجر عن فهم الفكرة التي يتحدث عنها، فالناس ليس أغبياء لا يفهمون ما يقال لهم.
ومما يستغرب له أن يعتقد بعض القراء أن الغموض دلالة على العمق والتمكن، وأنا استغرب حقيقة لهذا الفهم للغموض، فلماذا لا تعكس المسألة ويقال: أن الغموض دلالة على ضبابية الأفكار وعدم وضوحها لدى الكاتب، إذ لو كانت واضحة لديه لتمكن من توضيحها لغيره وبيانها أحسن بيان، فالحقيقة لا يصح النظر للغموض بأنه علو كعب قائلها؛ بل العكس صحيح، الغموض يعني عدم تمكن الكاتب من إيجاد اللغة الصحيحة في توصيل الفكرة للآخرين، فهو عيب في الكاتب وليس في القارئ.
إذا أوتيت القدرة على التساؤل الدائم .. التساؤل الذكي .. فقد رزقت خيرا كثيرا.
غياب السؤال دلالة على عدم الإثارة الذهنية وعلى السكون العقلي، فطبيعة العقل أن يكون في حالة حركة تظهر في شكل تساؤلات تحفز الذهن للبحث والاستقراء، فضرورة للباحث المحب للمعرفة أن يبقى السؤال دوما حيا حاضرا في ذهنه.
في هذا الزمن المادي قد تفتر الهمم وتضعف العزيمة؛ لذا كان لا بد من صحبة “فكرية” تبقي همتك عالية، فالصحبة الفكرية تمدك بالفكرة وتدعوك للحوار والنقاش العلمي الذي يجعلك تستمر في البحث والتحقيق.
المرء لوحده يقف ويسكن ويشعر بالاكتفاء، ولكن الصحبة الفكرية لا تجعلك تقف؛ بل تدفعك وتحفزك وتثير في نفسك شغف المعرفة، فمناقشاتهم المستفيضة تجعلك في حالة توقد للمعرفة.
القارئ السيء هو من يحبس نفسه في مجموعة كتب لا يغادرها .. وأسوأ من ذلك أن لا يدري أنه أسير هذه المعرفة البسيطة، وكأن المعرفة اقتصرت في هذه الكتب البسيطة. وقد نجد من يقرأ كتابا عشرين مرة أو خمسين مرة .. وهناك من يشرح كتابا عشرات المرات .. واعتقد أن هذا يورث لديه انغلاقا للفكر بسبب اقتصاره لبعض من الكتب.
العلم أوسع من أن تحصره في كتب قليلة، ومكوث المرء في كتاب سنوات عديدة إن لم يكن ضياعا للوقت فهو استسلام للفكر، وقد يصاحبه أيضا عجز عن تقديم إضافة علمية أخرى، والعمر قصير فمن المحزن أن يمكث المرء سنوات في كتاب لا يتجاوزه.
اشعر أن لدينا ألما داخليا قد يكون شبيها بألم الفراغ الروحي، فالفراغات تتعب الإنسان، ولعل من إحدى الفراغات المؤلمة هي “فراغ تحقيق الذات”، فقد نحقق أشياء جميلة في حياتنا لكنها تظل قاصرة عن ملء ما نشعر به من فراغ، ففراغ تحقيق الذات قلما يكتشفه الشخص، فهو يشعر بألم ولا يعرف سببه ولا كيف التخلص منه.
هنا، علينا أن نتعمق كثيرا في دواخلنا، أن نبحث عن حقيقة مراداتنا، أن نقف مع أنفسنا في رحلة استكشاف ذاتية كي نطفئ لهيب هذا الألم الذي يجري فينا، ورحلة الاستكشاف رحلة مرهقة طويلة قد لا يخرج الإنسان منها بشيء إذا كان لا يحسن قراءة أحاسيسه ومشاعره وأفكاره.
البحث في الذات ليس أمرا ثانويا أو هامشيا؛ بل هو ضرورة وجودية كي يعرف الإنسان ذاته، فيعرف كمالها ونقصها، ويعرف ما تريد ومالا تريد، ولعله أن وصل لمعرفة ذاته استطاع أن يحقق ذاته، فتحقيق الذات يكون بعد المعرفة، ومعرفة الذات يتحقق بمراقبتها وملاحظة أحوالها دون تزكية للنفس ولا تبرير لأفعالها، ودون إجحاف واسقاط لها، فمنظار المكتشف يجب أن يكون منصفا دقيقا كي ينال مراده.
يقولون: اختلاف الرأي لا يفسد الود.
معناها جميل، لكن تحقيقها في الواقع صعب، يحتاج الأمر لتدريب وتوطين النفس على تقبل الخلاف في الرأي، وما نشاهده أحيانا من صدام وصراع في المناقشات هو بسبب عدم تربية النفس على قبول قول الآخرين، وأن لهم الحق أن يخالفوننا في الرأي.
حين تقول رأيك، قلا تتوقع الموافقة من الجميع، فرأيك نتيجة تجربة ذاتية ومعرفة معينة، والناس يتفاوتون في خبراتهم ومعارفهم وعليه ينتج اختلاف في الآراء، لذا فمن الجميل أن يتسع صدرك للخلاف وأن لا تجهد نفسك في تغيير آراء الناس بالجدل المرير الذي قد يفسد الود.
لقد حل الأرق ضيفا دائما في حياتي، فأمسى يزورني دون رغبة مني ودون حياء منه، ومن كثرة تردده عليّ ظن الدار داره والأهل أهله، فيدخل داري ليسامرني ويصاحبني في همسي ونفثي، وما أثقل الزائر حين يزورك ويطول مكثه عندك، فلا يراعي حرمة بيت ولا يبالي بأهل الدار، ومن كثرة تردد هذا الزائر لداري أصبحت أرى شبحه في كل زاوية، فإن غاب يوما فلا يغيب طيفه وصورته، فيغيب فتأتي كوابيسه وبواعثه لتبقى تسامرني فهو لا يرحل إلا وقد ضمن من يخلفه.
وها أنا ذا أبحث عن نديم جديد يزيح الأرق عني، واصطحبه رفيقا لي، ولكن هل سيفسح الأرق المجال لأحد، هل سيترك مرافقتي وصحبتي، فكثرة المصاحبة أنشأت ألفة لديه، فهو يضنني صاحبه ونديمه، ومن أداب الصحبة وأعرافها ألا يتركني لأحد، ومن بؤس الإنسان أن يُجبر على مرافقة من لا تهواه النفس، فلا تجد سويعة للأنس ولا لحظة للانبساط والفرح إلا وتقصر هذه اللحظات بتذكر هذا الرفيق الثقيل.
أيها الأرق .. هلا رحلت عني فقد أصابني منك القلق
أيها الأرق .. هلا تركتني أغفو ساعة فقد جفت الحدق
العالم اليوم بل منذ فترة ليست بالقصيرة يعيش حالة العدمية والتي اتخذها بعض العرب موضة في هذا العصر فرأوا أنه ليس للحياة معنى، فالحياة لديهم عبث، والوجود وهم زائف.
والعرب اليوم تظهر فيه تلك الصورة العبثية، فنجد هناك أفكارا وتصورات عديدة غالبها أفكارا انعكاسية للفكر الغربي الذي يعيش في صراع فكري بحاثا عن هويته.
حين يغيب معنى الحياة عن الذات تفقد معه الهوية والقيم وكل شيء، فكل شيء يكون لا معنى له، ويسير الإنسان حينها بغير هدى ودون غاية، وهنا يكون الألم والعذاب، ففقدان الغاية من الوجود والسير دون اتجاه ضياع للروح والسقوط في العدمية القاتلة للنفس. ففقدان معنى الحياة هو فقدان لمعنى الذات.
طالب العلم إذا كان في بحثه وقراءته دائما يتجه للموافق له في الرأي والفكر فهو لن يملك رأيا مستقلا ولن يتمكن من معرفة الصواب، فالصواب سيكون عنده هو ما كان عليه شيخي.
لابد لطالب العلم أن يخرج في قراءته عن مقرارات شيخه ويطلع على الأقوال الأخرى، فهو حين يقرأ لغير شيخه فهو أيضا يقرأ لعلماء آخرين قد يكونوا أرسخ قدما في العلم من شيخه، فتنوع المصادر مطلب أساسي لطالب العلم وإلا لبقي منغلقا على قول شيخه، وهذه مأساة.
ولعل ما يمنع طلاب العلم من تعدد المصادر في التلقي هو العجز والكسل، ثم يبررون عجزهم وكسلهم بأن الحق مع شيخي وأن الخلاف شر الخ ويذكر عدة مسوغات مردها كلها العجز والكسل.
قراءة كتب الخلاف هي مرحلة لابد أن يمر عليها طالب العلم ويعيشها ويستقر فيها، فالشيخ هو مقدمة ليجعل طالب العلم يتمكن من الخوض في كتب الخلاف بأصول شرعية ومقدمات علمية تمكنه من تحرير المسائل تحريرا علميا دقيقا.
نبه الزركشي رحمه الله على أمر ذي بال في شأن وجود الأدلة الظنية في الشريعة، واعتبر ذلك قصدًا لله تعالى في التوسيع على المكلفين، فقال: “اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين، لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع عليه ..”
فتنوع الأدلة من قطعي وظني هو لرفع العنت والحرج على المكلفين، ولتكون الشريعة قادرة على شمول كافة المستجدات والوقائع في كل زمان ومكان. انظر: الفكر المنهجي العلمي عند الأصوليين ص٧٢.
حين اقرأ الإنسان في الفكر الحديث أجده موجودا ولكن بصور متنوعة ومشتته، فجمال الإنسان لم يعد ينظر إليه في الجمال المعنوي بل لم يعد يهتم ما بداخل الإنسان بقدر ما يهتم بخارجه أو بالأصح بشكله، الإنسان ذلك الكائن القيمي أصبح كائنا نسبيا يصنع قيمه وفق ما يراه ويريده.
وصف الإنسان لا أجده أمرا سهلا بسيطا؛ بل أصبح أمرا معقدا غامضا وزئبقيا، فلا تفهم ما معنى الإنسان لأن الإنسان لم يعد له شكلا صلبا بل شكلا سائلا يتشكل حسب البيئة والفكر التي ينتمي لها، فتارة يكون الإنسان هو الجوهر وتارة يكون هو الشيء الشاذ الذي يجب أن لا يتلفت إليه.
ولك أن تتساءل: هل الإنسان سلعة؟ هل هو أداءة استهلاك؟ أقول: هذا أقرب وصف للإنسان العصري، فلك أن تجعله قطعة معدنية ثمينة نفيسة ولك أن تجعله قطعة معدنية زهيدة لا قيمة لها. ولكنه في الأخير هو قطعة معدنية.
لست أحب التشاؤم ولا انتقاء النظرة السوداوية واتخاذها منطلقا للتصور، ولكن حين يغيب معنى الإنسان ويذوب في معاني الحياة هناك تفقد الحياة جمالها شكلا وذاتا، ولعل أكبر صراع يواجه الإنسان اليوم هو البقاء على إنسانيته، هو الحفاظ على هويته كموضوع مستقل يجب أن يكون محورا وليس هامشا.
خلافك مع شيخك لا يفسر أنه ازدراء وتعالي على الشيخ؛ وإنما يفسر أن العلم أعلى من القيمة الشخصية، فالمرء يختلف مع معلمه مع بقاء الحب والتقدير ولكنه يرى حق العلم وصونه مقدم على حق المشيخة وصونها.
لذلك نحن نرى منذ فجر الإسلام أن العلماء يخالفون معلميهم ولم يعتبره أحد خروجا عن الأدب، بل يرون ذلك من وجوب العلم، فمن وجوب العلم أن يقول المرء ما يعتقده حتى ولو خالف مذهبه وخالف قول شيخه.
والمرء حين يبحث ويدقق في المسائل فستميل نفسه لقول لم يختاره شيخه، وهذا أمر طبعي لا انكار عليه، فالاختلاف هو نتيجة طبيعية للبحث، ولكن حين يقف المرء عن البحث والتدقيق فغالبا لن يختلف مع شيخه وسيقف على اختيارات شيخه. فلا تتبرم حين تجد الاختلاف قائما ولكن تبرم حين تجد التوافق الدائم فهذا دلالة على ترك البحث العلمي جانبا.
من المآخذ التي أخذت على الشاطبي رحمه الله تعالى قوله عن الله تعالى: “لو عذب أهل السماوات والأرض كان له ذلك بحق الملك”. (الموافقات 354/2) فجعل امتناع الظلم عن الله تعالى هو الملك أي التصرف في ملكه، فالله تعالى عند الشاطبي ليس بظالم لأنه يتصرف في ملكه.
والصحيح أن امتناع الظلم عن الله تعالى هو تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم، فالله قادر على الظلم ولكنه منزه عن الظلم كما قال تعالى: “إن الله لا يظلم مثقال ذرة” وقوله: “وما ربك بظلام للعبيد” وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”. فهذا النص يبين صراحة أن الله تعالى منع الظلم عن نفسه حتى في ملكه، فامتناع الظلم عن الله تعالى تنزيها لله تعالى وليس بسبب التصرف في الملك.
ما كنت أظن أن هذا الفايروس الصيني سيحل في جسدي، وكنت أقول لنفسي: وما يريد بجسدي المكدود! فستصيبه قارعة قبل أن يحل بجسدي، كنت أظن أن زفرات صدري ستجعله يرحل بعيدا عني، ولكن خاب ظني فقد وجدت هذا الفايروس يستعذب الألم، ويستطيب المعاناة، وقد وهمت حين ظننت أن تنقله بين الأجساد قد يصيبه بالملل والإعياء؛ ولكنه لا زال يستخف بتلك الأجساد التي يزورها، ويتخذها موضعا للاسترخاء.
اليوم أعيش تجربة جديدة، كنت أقرأ أرقام المصابين واستثني نفسي، ولكن لعل ليس هناك اليوم مستثنى، فهذا الفايروس لا تزيده الأيام إلا تغلغلا وانتشارا، ولست أدري هل يزداد قوة بتمدده وانتشاره! فهذا الفايروس حين يدخل الجسد يجعل منه مصدرا للوباء، فلا يكتفي بألمه ووجعه ولكنه يستوطن الجسد لينطلق لجسد آخر، فيتخذ من أجسامنا طاقة تبقيه حيا منتعشا.
والأمر المؤلم، ما أن يحل بك الفايروس حتى يقولوا لك: لا تخالط أحدا، فتبقى وحيدا مع ألمك، تئن لوحدك، فلا أحد يسمع زفرات صدرك ولا أنين روحك، فالوحدة هي ألم بذاتها، فتتصاعد الزفرات ملتهبة ولست تدري هل هي من الوحدة والوحشة أم من الفايروس الذي استطاب المكان. والله المستعان.
قال الشاطبي في “الاعتصام” : “عبيد الله بن الحسن العنبري كان من ثقة أهل الحديث، ومن كبار العلماء العارفين بالسنة ; إلا أن الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكي عنه من أنه كان يقول (بأن كل مجتهد من أهل الأديان مصيب)، حتى كفره القاضي أبو بكر وغيره.
قال الشاطبي: فإن ثبت عنه ما قيل فيه; فهو على جهة الزلة من العالم، وقد رجع عنها رجوع الأفاضل إلى الحق; لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل عنه إنما اتبع ظواهر الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه، ولم يتبع عقله، ولا صادم الشرع بنظره، فهو أقرب من مخالفة الهوى، ومن ذلك الطريق ـ والله أعلم ـ وُفِّقَ إلى الرجوع إلى الحق.
الحنين للماضي أمر فطري، ولكن هذا الحنين يعاب حين يجعل الإنسان رهينا وسجينا في الماضي ولا يلتفت لما هو راهن. والأشخاص الذين يمكثون في الماضي هم الذين يجلبون مشاكل الماضي للحاضر، فيحضرون قضايا الماضي ليجعلونها قضايا لنا، فدائما تجدهم يذكرون الأحداث والأشخاص الماضية وكأنها حاضرة اليوم وتصنع الحدث.
مشكلتنا ليست مع ماضينا وإنما مع انفصالنا عن حاضرنا، فنحن أبناء هذا الزمن، لنا مشاكلنا وقضايانا التي تتطلب جهدا كبيرا للعمل عليها، والهروب للماضي هو تنصل عن المسؤولية الآنية وهو أيضا خلق مشاكل أخرى تزيدنا تعبا وإرهاقا.
ومن البديهيات أنه لا يمكن أن ننفصل عن ماضينا، فهو يشكل هويتنا، ولكن علينا أن نكون أكثر وعيا في معرفة ما القضايا التي نجلبها من الماضي، وما الأمور التي يجب أن تُدفن في الماضي وتنسى، فهذا الوعي بهذه القضية أمر ضروري في صناعة حاضر قادر على المنافسة وتجاوز الصراعات الماضية.
هناك من يكون لديه قدرة عالية في معرفة واقعه لدرجة أن يتنبى أو يستشرف مستقبل ما يكون بين يديه، ومن ذلك ما قاله الشيخ أحمد بن محمد بن مُري الحنبلي المتوفي سنة ٧٣٠هـ في رسالته إلى تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية يوصيهم بكتب الشيخ رحمه الله فقال: “فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبول طوعا وكرها، وأين غايات القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته، ووالله إن شاء الله: ليقيمنّ الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم”.
وقد صدق وبر الله قسمه، فنحن نجد اليوم كتب ابن تيمية منتشرة متدوالة بين الناس، وقد وجدت قبولا كبيرا، والناس يعكفون عليها في استكشاف معانيها واستخراج دررها.
يرى ابن تيمية رحمه الله تعالى إن أول من خلط المنطق بأصول المسلمين هو أبو حامد الغزالي؛ ولكن نجد من العلماء من يخالف هذه الرؤية، ويرون إن ابن حزم هو من سبق لهذا الأمر، حيث يقول احسان عباس في مقدمته لكتاب “التقريب لحد المنطق” :”ولم يكن ابن حزم منفردا في محاولته تقريب المنطق بالاستكثار من الأمثلة الشرعية ولكن لعله أول من فتح هذا الباب مثلما حاول ابن سينا استمداد الأمثلة من الطب ومن بعده جاء الغزالي فعاد يستمد الأمثلة من الفقه، فكتاب التقريب يثبت أن الغزالي مسبوق إلى هذه المحاولة”.
وابن حزم يرى أن فائدة المنطق تعم سائر العلوم، فيقول أن منفعة علم المنطق ليست في علم واحد فقط؛ بل كل علم، ثم يأتي الغزالي بعده ويقرر هذا الأمر في مقدمة المستصفى حيث يقول عن المنطق هو “مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلا”. ويرى ابن حزم لو أمكن للمنطق “أن يهتف به في قوارع طرق المارة ويدعو إليه في شوارع السابلة”.
ويذهب بعض المفكرين أن اهتمام ابن حزم بالمنطق هو من أجل رغبته في خدمة نظرياته الدينية، والله أعلم.
أحيانا تجد أن الخلاف الفقهي يكون أشد من الخلاف الأصولي، فيتحول الخلاف الفرعي، والذي أراه ضرورة بشرية، إلى صدام ونزاع؛ بل أحيانا إلى عداء.
جعل الناس على قول واحد أمر متعذر، وعدم قبول اختلاف الناس هو جهل بالطبيعة البشرية، فالله خلق الناس مختلفين، وأراد هذا الاختلاف، والأمة تعددت أقوالها في الفروع وهي مذاهب قائمة لا يمكن أن تزال، فالاختلاف في الأمة أمر واقع ولا يمكن جعل الأمة على قول واحد.
علينا أن لا ننكر هذا الاختلاف فهو واقع، ولكن علينا أن نحسن التعامل معه وأن يكون سببا للثراء المعرفي وليس سببا للفرقة والتناحر.
كثيرا ما تكون دراستنا أو نتائج قراءتنا تتجه نحو نتيجة مقررة سلفا، أو بعبارة أدق: لا نتجاوز نتائج الدراسات السابقة، فنحن نقرأ والنتيجة مقررة سلفا في أذهاننا، ولعل ذلك يعود بسبب الخوف من مصادمة من حولنا أو حتى الخوف من مصادمة أفكارنا التي نحملها، وبالتالي فإن قراءتنا لا تقدم شيئا جديدا لأنها تتعمد أن تكون النتيجة غير مخالفة للطرح السائد.
طبعا هذه القراءة غير ناضجة ومخادعة للذات وفيها تعصب مسبق لأقوال سابقة، والذي يمارس هذه الطريقة لا يرى أنه متعصب أو منحاز لقراءة معينة فهو يتجه لهذه الطريقة أحيانا دون وعي.
لا أحب أن أعيد بصري للوراء، فأخشى أن التفت للوراء أن تنسكب دمعة تحسر أو تظهر زفرة تندم، أجد أن اللحظة التي أعيشها الآن هي الأولى بالتفكير والاستغراق، فما الزمن سوى اللحظات التي نصنع فيها أحلامنا وأمنياتنا.. فالزمن ينقضي وتبقى أحلامنا ترافقنا حتى صارت هي الزمان في ماضيه ومستقبله.
أحيانا الاستغراق في القراءة يمنع الفكر من الانتاج الإبداعي، ففي حالة القراءة يكون الذهن في حالة تلقي معلومات وغاية ما يمكن للعقل أن يقدمه هو النقد، والنقد ليست حالة إبداعية مستقلة؛ بل هي تستند في نقدها على ما تجد من مكتوب، فالنقد حالة اعتمادية على الآخر وليست حالة استقلالية.
لذا من المهم بين الفينة والأخرى أن يترك القارئ الكتاب بعيدا حتى يتسنى له أن يعيد قراءة ذاته ويتأمل في كل ما يثيره، ولك أن تشبه القراءة بالغذاء، فلو مكثت تأكل طول اليوم دون أن تعطي جسمك فرصة للهضم والراحة لأصبح الأكل مضرا ولا قيمة له، فالقارئ من الأكمل لفكره أن يمكث لحظات يجادل واقعه وأفكاره بعيدا عن القراءة، فالتأمل يشكل له أسئلة، وهذه الأسئلة تدفعه للقراءة والبحث، فيكون للقراءة ثمرة أكبر حين تكون عن حاجة.
اليوم نشهد تغيرا في دور الأشخاص، فأصبح المؤثر هو المثقف الصغير الذي يحسن طرح القضايا بلغة عصرية بعيدة عن التكلف، ويغوص في قضايا العصر دون خوف أو تردد، وأصبح المثقف القديم أكثر تواضعا وهو في طريق التهميش والاحتضار، فهو ليس قادرًا على قراءة عصره، يتعامل مع قضايا اليوم بقراءة قديمة لم ينالها التحديث.
كان يفترض للمثقف القديم أن يطور من أدواته الثقافية، وينوع في قراءاته؛ كي يكون بمستوى التطور المجتمعي ولكنه أنكفأ على ذاته مما جعل حركة المجتمع تتجاوزه وتستبدله، فاليوم نرى أن النظريات والأفكار المستجدة تتجاوز فكر المثقف القديم، ولم يعد في إمكانه مواجهة أسئلة اليوم بنفس الثقافة السابقة.
لذا كان من المهم أن يكون هناك مراجعة فكرية مستمرة كي يبقى الشخص في حالة وعي مستمر، فمما يلحظ في “الساحة الثقافية” غياب الطرح النقدي، فقراءة الذات قراءة فكرية هادئة بعيدة عن التشنج والانفعال يكاد يكون غائبًا في التطوير الذاتي، ودون مراجعة والوقوف على نقاط النقص فإن الفرد سيبقى في مكانه ويتجاوزه الزمن.
يقول الجاحظ كلاما جميلا عن معنى وجود الشر: “ولو كان الشرّ صرفا هلك الخلق، أو كان الخير محضا سقطت المحنة وتقطّعت أسباب الفكرة، ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة، ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبّت وتوقّف وتعلّم، ولم يكن علم، ولا يعرف باب التبيّن، ولا دفع مضرة، ولا اجتلاب منفعة، ولا صبر على مكروه ولا شكر على محبوب، ولا تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظّفر وعزّ الغلبة، ولم يكن على ظهرها محقّ يجد عزّ الحق، ومبطل يجد ذلّة الباطل، وموقن يجد برد اليقين، وشاكّ يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم؛ ولم تكن للنفوس آمال ولم تتشعّبها الأطماع. ومن لم يعرف كيف الطّمع لم يعرف اليأس، ومن جهل اليأس جهل الأمن … ولو كان الأمر على ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور، لبطل النّظر وما يشحذ عليه، وما يدعو إليه، ولتعطّلت الأرواح من معانيها، والعقول من ثمارها، ولعدمت الأشياء حظوظها وحقوقها”.
من كتاب الحيوان ص 134
معظمنا يبقى دائما في حالة انتظار للأوقات الأجمل، وللفرصة الأكمل، وللمبلغ المناسب للبدء. نحن نعيش فيما يسميه بريان تريسي “جزيرة يومًا ما”. نردد دائما: يومًا ما سأبدأ عملي الخاص بي، يوما ما سأكون قادرا الخ.
الحقيقة التي يجب أن نعلمها أنه لتحقيق النجاح، يجب أن يكون لدينا فهم واضح تمامًا لما نريده ولدينا رغبة ملحة، لنكن يقظين في اغتنام الفرصة. لا تنتظر الفرص غير العادية، اغتنم الأشياء البسيطة واجعلها رائعة.
ثمة لكل شخص أفكار تستحوذ عليه وتكون بارزة في حديثه، يطرب حين يكون الحديث حول تلك الأفكار، يحب أن يتحرك في هذا المجال، فهو يجد فيها شغفه، والمبدع هو من يعرف كيف يرتاد الأماكن التي يحبها وكيف يتجول فيها، ومعرفة شغفك ومحابك لا تكون بطريقة آلية تلقائية؛ بل لا بد من بذل شيء من الجهد الذكي في استكشاف ذلك داخل نفسك.
ورحلة الاستكشاف هي رحلة حرجة فقد يتيه فيها المرء مع كثرة مراداته فلا يصل لشغفه الحقيقي، لذا كان شرطا في رحلة الاستكشاف أن لا تستعجل في الاختيار، ولا تتجاوز الأماكن سريعا؛ فالعجلة مشتتة تمنع عن تحقيق شغف الذات. وفي هذه الرحلة لا يشترط أن تتعلم كيف يفكر المبدعون لاكتشاف شغفهم؛ ولكن يشترط أن تكون صادقا بدرجة عالية جدا مع ذاتك، وبين الصدق والوهم خيط رفيع لا تتمكن من اكتشافه إلا بإجالة النظر كثيرا في شغفك.
قالت خديجة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام حين ارتعاده وخوفه، قالت: “والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف،وتعين على نوائب الحق”.
فهذه بعض من صفات النبي عليه الصلاة والسلام قبل النبوة، وترتكز غالبا على الفعل المتعدي للغير، فكلها أفعال فيها تجمل ومساعدة للآخرين، وهذا يدل على كمال حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وبهذه الصفات النبيلة استنبطت خديجة رضي الله عنها أن الله تعالى لن يخزيه أبدا، فكون الإنسان يتحلي بالصفات النبيلة الكريمة فلن يخذله الله تعالى، فهذه إشارة لطيفة جميلة من أمنا خديجة رضي الله عنها.
رأيت شابا لم يبلغ في العلم الشرعي مبلغا يدخل في مجادلات ومناقشات مع أهل البدع والانحراف قاصدا الدفاع عن دين الله عز وجل، والحقيقة هذا مزلق خطير أن يناظر الإنسان وهو لا زال ينقصه كثيرا من العلم، فالإنسان يبدأ بنفسه أولا تعليما وتربية، وخاصة في مرحلة الشباب والصغر، حيث تكون النفس أقدر على الحفظ والتعلم، فيتعلم ويمكث في الطلب حتى ينال ما يعصمه بإذن الله تعالى من الوقوع في الشبهة وما يمنحه القدرة بتوفيق الله تعالى على الرد على أهل البدع والخرافات.
الاستعجال في المناقشات والمجادلات ليس محمودا، فالإنسان في مقتبل عمره عليه أن يبتعد عن قراءة كتب أهل البدع فضلا عن مناقشتهم، فمن كانت بضاعته العلمية قليلة، ودخل في مناقشات عقائدية فقد لا يسلم أن تعلق في ذهنه شبهة من الشُبه فيسقط في بدعة ولا يخرج منها، فكان من الحكمة والسلامة أن يؤصل أولا نفسه علميا حتى إذا كبر سنه، وأشتد عوده في العلم فلا ضير أن يدخل في المناقشات مع أهل البدع سائلا ربه التوفيق والسداد.
عبادة الشيطان ليست طريقة جديدة على البشرية؛ بل هي قديمة جدا، فإبراهيم عليه السلام قال لأبيه: “يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا” وقال الله تعالى عن الكفار: “إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا” فقوله: “وإن يدعون إلا شيطانا” يعني ما يعبدون إلا شيطانا مريدا.
وقوله تعالى: “ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون” . فقوله تعالى: “بل كانوا يعبدون الجن” أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم.
وصورة عبادة الشيطان قد تتعدد ولكنها تتفق كلها في طاعة الشيطان فيما أمر ونهى، كما قال الله تعالى: “وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..” فالشيطان دعا أوليائه فاستجابوا له، وهذه هي عبادة الشيطان: أن يستجيب المرء لدعوة الشيطان في الكفر بالله تعالى والصد عن دينه فيكون بذلك عابدا للشيطان. “ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا”.
جميل أن تكون لديك القدرة حيث تؤثر الصمت فيها على الجهر بآرائك، فأحيانا الصمت يكون أكثر معنى من الجدل الذي ينحدر بصاحبه إلى الخصومة، فحين ترتفع الأصوات، ويتكرر الكلام، وتعاد العبارات فلزوم الصمت هو الطريقة المثلى، الذهاب للصمت هو رسالة تحمل في طياتها معنى: دعنا نتوقف عن المهاترات، دعنا نحفظ الود بيننا وإن اختلفنا.
لعلك إن قرأت في كتابك ألا تقرأه وأنت كاسف البال، مضطرب النفس، كأنك نادم على حملك للكتاب، أو كأن الكتاب قد أسبغ الحزن على محياك، فيكون الكتاب عليك بلية ومصيبة، اقرأه وأنت منشرح الصدر، خالي البال، راضي النفس، فالكتاب لن يحدثك حديثا تفهمه وأنت واجم كسيف، فلن يقبل عليك الكتاب بكليته إلا وأنت قد أقبلت عليه جذلا مسرورا، فتصيب منه بحظ وافر.
الكتاب صحاب وصديق قلما تجد في الأصدقاء من هو أقرب منه إليك، فهو لن يعقك يوما ما، ولن تخشى أن يجرحك لحظة واحدة، حياتك معه لا تعرف العبث، لا يعاتبك فتسترضيه، ولا يهجرك فتستدعيه، هو بين يديك يمنحك كل ما لديه، يخاطب أغلى ما لديك، يخاطب فكرك لترتقي؛ بل يحمل فكرك ليرحل به لأماكن لم ترها عينك، فتلتقط صورا تبقى في ذاكرك لتخلق لك معاني ليس لك بها علما من قبل، فما أجمله من صاحب، فلا تكن له مهاجر.
لا بأس أن تخطئ، فهذا أمر طبعي، ولكن أن تبرر لخطأك وتجعله أمرا لا حرج فيه، فهذا نقص وخلل في الفكر والتصور، فالذي يبرر دائما لأخطائه فهو يعفي نفسه عن المسؤولية والتقصير، ويعطي لنفسه مسوغا زائفا ليخرج من اللوم الذاتي، كلنا نخطئ ولكن نكراننا للخطأ وتجاهلنا له لا يعفينا من المسؤولية ولن يمنحنا الفرصة للتصحيح. الاعتراف بالخطأ ليس عيبا ولا نقصا؛ بل هو بداية التصحيح والانتقال للصواب، وهو دلالة على الثقة الذاتية والبعد عن الغرور الكاذب.
الاحتكاك بالأمم الأخرى من تبعاته انتقال بعض الأفكار والتصورات الخاطئة للمجتمع، لذلك ما قد يُرى من أمراض في الاجتماع بعضا منها هو من إفرازات الاحتكاك بالحضارات الأخرى. وفي هذا العصر، لا يمكن لأمة أن تعيش في معزل عن الأمم الأخرى، لذا كان لابد من معرفة أمراض الحضارات الأخرى كي يتولد لدى أفراد المجتمع وعيا يكونون فيه قادرين على التمييز بين الغث والسمين، فقدرة المجتمع في الحفاظ على هويته وتميزه يكون بوعيه بذاته وبالآخر.
الأخطاء لا مفر منها وقلما يسلم منها أحد، ولكن ما يعاب هو تجاهل الخطأ، وإعادة تكراره دون تصحيح، ولو الإنسان استثمر أخطائه الذاتية ولم يكرر الوقوع فيها لنقل نقلة نوعية في تحقيق ما يصبوا إليه.
لا تنشغل في مجادلة الذين يرفضون الدليل والبرهان، ويجادلون كثيرا من أجل تقرير وتأكيد أفكارهم، حتى ولو كانت أفكارا هاوية، ولا حجة عليها.
فهؤلاء مشكلتهم ليست من وجود الدليل أو غيابه وإنما مشكلتهم من ذواتهم وأنفسهم، الذين يرفضون الدليل عنادا تجاوزهم ولا تجادلهم واتجه لعمل آخر، فالمعاند لا يجادل لأنه يرفض الحق عنادا حتى ولو اتضح له الدليل، فمشكلته ليست معرفية؛ وإنما أخلاقية، فهو يحتاج لإعادة تهذيب سلوك وتربية وجدان وليس لإقامة حجة وبرهان.
يروى عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن امرأة عادته في مرضه (وكان رحمه الله مِمراضا)، فقالت له: الله يُشفيك (بضم الياء)، قال: اللهم بقلبها لا بلسانها. لأن (يُشفى) مضارع (أشفى) والهمزة للإزالة، فيؤول المعنى إلى: أزال الله الشّفاء عن جسدك، ولم تقصد المرأة.
وقول الشافعي: اللهم بقلبها لا بلسانها، يعني: أنها تقصد بقلبها الشفاء لي وإزالة المرض، ولكن لسانها أخطأ، فخذ الله تعالى بما في قلبها لا بلسانها، ونحن نعلم أن المرء إذا دعا وأخطأ في قصده؛ فإنه لا يؤاخذ بما قال، فالعبرة بما قصده ونواه.
التحلي بالصبر لا يعني أن تستلم وتجلس بهدوء وتنتظر، حقيقة الصبر أن يسكن قلبك وتعمل جوارحك، أن تتخذ خطوات إيجابية لا يتنافى مع الصبر؛ بل هو المطلوب.
صاحب الطبع المعتدل هو من أسعد الناس حتى ولو كان فقيرا معدما، وهو خير من رجل ثري رُزق طبعا شحيحا حسودا بغيضا. فمن أُوتي طبعا سليما وصفاء ذهن فسيرى الأشياء على حقيقتها وفي حجمها الطبيعي، وسيجد في خواطره وأفكاره ما يسليه أعظم تسلية، وسيستغني عن المتع والشهوات التي تتهافت عليها عامة الناس، بل يراها في تقديره، مصدر إزعاج وقلق. فالطبع السليم هو شرط السعادة، فمن أمتلأ رضا وقناعة وامتلك فكرا لا تثيره ما يثير الناس، ومنسجم مع ذاته لا يستمد الرضا من خارج ذاته، فقد رُزق خيرا عظيما لا يملكه كثير من الأغنياء.
أحيانا يصاب المسلم بصدمات وتحديات في طريق دعوته فيتوقف عن المسير، وطريق الدعوة؛ بل كل طريق في الحياة، يتطلب العطاء المستمر، وعادة من ترك الطريق تعلل بمعاذير زائفة، فتارة يلقي اللائمة على الناس ويقول: قد فسد الناس، ولا خير فيهم إلا من رحم الله تعالى. وتارة يلقي اللائمة على الأوضاع العالمية، ويقول: إن الزمن زمن فتنة، والبعد عن الفتن مطلب شرعي.
وليته إذ ترك الطريق أن يعود باللائمة على نفسه، فيقول: ضعفت نفسي، وتغيرات مراداتي، ولم أعد أقوى على تحمل أعباء الدعوة. فلو قال هذا لكان خيرا له، فالصدق منجاة، ولكن أن يلقي التبعة على الناس فهذا تخلي عن المسؤولية، والله سبحانه قال: “قل هو من عند أنفسكم”، فالانسحاب نتيجة رؤية عليلة مآل ذلك التقوقع واليأس.
ما أن آوي إلى فراشي إلا وتتكاثر الخواطر في مخيلتي حتى تضطرب نفسي ويضيق فكري ويذهب نومي ويطول أرقي، وعبثا تذهب محاولتي في طرد هذه الخواطر، بل كلما جهدت نفسي في طردها ازددت غرقا فيها، وكم وددت لو أتتني وأنا في نشاط جسد وأريحية بال، ولكنها تأتيني وقد استخف بي التعب ونالني من الأعياء ما أثقلني حتى عجز الفكر أن يطردها لوهنه.
كنت أظن أني حين آويت لمضجعي، وأودعت قرطاسي، وأطفأت سراجي، أني قد أسدلت الأستار والسجف على أفكاري، ولكن هيهات فالخواطر لا تتسلل إلا في الظلام حين يهجد الناس فتنبعث من مرقدها لتوقظني لمصاحبتها، وما يثار في النفس من خواطر لا أعلم ما مبعثه هل هي العواطف أم العقل؟ وكيف للعقل أن يثير تلك الخواطر وهو في إنهاك! وكيف للعواطف أن تثير الخواطر وهي ساكنة هادئة! ولعل انبعاثها لعلة لا أعرف منشأها، ولعل ذلك من جد الحياة وهزلها؛ فحين تريد الخواطر لا تجدها، وحين لا ترغبها تأتي إليك زرافات ووحدانا، ولعل هذه طبيعة الأفكار أنه لا نظام ولا قانون يحكمها.
قلبت عدة كتب لأقرأ ولم أجد شيئا منها يستحق القراءة، لم أجد سوى بساطة فكر وسذاجة رأي وسطحية قلم، أشد ما أعانيه حين انتهي من كتاب وابحث عن آخر، فتكون المعاناة أن أجد كتابا ينسجم مع فكري واهتمامي، فالقراءة أراها رحلة، وهذه الرحلة يجب أن تكون: نافعة وماتعة، شرطان لو اختل أحدهما فلا يستحق الكتاب القراءة، وشرط النفع هو ما يتفق مع مرادي، وشرط الامتاع هو يجعلني اتشوق لإنهاء الكتاب، وهذان الشرطان قلما تجدهما، ولو ظفرت بهذين الشرطين فلن تكون بحاجة لدافع للقراءة، فنفسك ستتحفز بذاتها وتندفع بكليتها نحو القراءة.
سقط الشعب الألماني في الحرب العالمية الثانية، وأصبحت ألمانيا خرابا بعد أن كانت عمارا، ولكنها مالبثت أن نهضت من جديد لتكون من أقوى الدول اقتصاديا، ويصدق فيهم قول عمرو بن العاص “وأسرع الناس إفاقة بعد مصيبة”.
ليست المشكلة أن تمر عليك مصاعب ومشاكل قاسية، فهذه طبيعة الحياة، ولكن المشكلة ألا تعرف كيف تخرج من مشكلاتك، والأسوأ ألا تفيق من مصائبك، ولا تنهض من كبوتك،وتبقى أسيرا لمشكلاتك واضعا المعاذير التي ترضي بها حالك ووضعك، متناسيا قول الله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” فالتغيير يبدأ منك، وأول التغيير هو تغيير الأفكار الخاطئة التي عششت في الذهن.
القراءة في هذا الزَّمن الصَّعب تقلِّل من ضغط وجهد المرء الذي يواجِهه في حياته؛ فالحياة اليومية مرهِقةٌ بأعمالها وارتباطاتها، فينزع المرءُ للكتاب ليخفِّف من هذا الضَّغط الذي يشعرُ به؛ فرواية ماتِعة تنقلك لعالَمٍ آخر ينسيك لحظات الشدِّ التي تمرُّ بها، وكتابٌ علميٌّ يجعلك في اندِهاش وتساؤل يشتِّت لحظات الضغط التي حلَّت بك، وكتاب في الرِّقاق يزهِّدك في الحياة فلا ترى الحياةَ شيئًا، فهذا هو جمال الكِتاب أنَّه يطرد ويزيل الشدَّ النفسي اليومي.
روى أبو نعيم بإسناده عن الشعبي أنه قال: “شهدتُ شريحًا وجاءته امرأة تخاصم رجلًا، فأرسلت عينها فبكت، فقلت: يا أبا أمية ما أظنها إلا مظلومة! فقال: يا شعبي، إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون”.
الظالم قد يبكي ويشكي فلا يعني بكاءه أو شكواه صدق قوله، فبينات الحق هي الأدلة لا الدموع، وكلما جردنا المواقف من المشاعر كلما رأينا صورة أخرى، فتعدد النظر مطلب لنيل الحقيقة.
حين تكتب شيئا، فلا يكن همك أن تكتب مثل أحد، فلا تقلد كاتبًا، ولا تحاكي مؤلفًا، وليكن همك تنثر خلجات نفسك ووحي ضميرك، فجمال حرفك ينبع من صدق إحساسك.
::همسة::
ابتسم دومًا، ولو ابتسامة زائفة، فرب ابتسامة متظاهرة، حجبت شقوة النفس
::لفتة::
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: “إن من شيوخي من استسقي بهم، ولكن لا أروي عنهم الحديث”.
أعجبني في هذه المقولة قدرة الإمام على التمييز فيما يأخذ من شيخه، فالشيخ ليس كاملا يؤخذ عنه كل شيء؛ وإنما لا بد أن يكون الطالب لديه حسًا معرفيًا ما يأخذ من الشيخ وما يذر، فلا يكون مع شيخه كالميت مع مغسله، بل يكون ذا إرادة وتمييز يمكنه على معرفة الحق والباطل. الإمام رحمه الله تعالى كان محترما لعقله فلم تذب شخصيته في شيخه، فلا يدور مع شيخه حيث دار، وإنما يحكم كل أمر وفق المنظار الشرعي على ما لديه من معرفة.
لعل من محاسن المرء إذا كتب ألا يبحث عن استحسان الناس، إذ لو فعل لدخل في دوامة لا نهاية لها، وها أنا ذا يغشاني شيء من العذاب إذ أريد أن أطلق سراج قلمي واترك له العنان يقول ما يشاء، ولكني عدت فلجمته وقيدته، فأخشى أن صال وجال قال ما لا يستحسنه الناس، فالناس تريد الحركة منضبطة ولا تميل لشيء غير مألوف.
تركت القلم بالكلية وأخذت كتابي لأكمل قراءتي ونفسي تنازعني للكتابة، وأشد ما يكون عليّ حين أكره نفسي على القراءة وهي غير راغبة، فلا استسيغ الكلمات التي اقرأها ولا أنفذ لأي معنى مختبئ بين السطور، طاوعت نفسي وتركت الكتب وعدت لأحمل القلم لأكتب ما يختلج في نفسي دون مبالاة للناس، فانطلق القلم يسابق أفكاري فيكتب شيئا وأفكاري تقدح شيئا حتى إذا ذهبت سكرة الكتابة، سكن القلم وترجل عن الأوراق وتنحى جانبا تاركًا لي فرصة لأقرأ ما دوّن، فرأيته قد رسم شيئا غريبًا ولم يكتب كعادته وإنما رسم جسدا جميلا مكتملا متناسقا في تكوينه، كأن الرسمة صورة فوتوغرافية، غير أنك تجد فيها تجويفا، فتبدو لمن يتأمل فيها بدقة عالية فيها ثقوب لا تبدو من بعيد، يبدو من خلال الثقوب أن الجسد مجوف لا قلب فيه ولا دماء، فذهب ذاك الحُسن الذي بدأ لي في الرسمة من الوهلة الأولى، وانتابتني بدلها دهشة من هذا الجسد الذي اكتمل حسنه من الخارج وفسد شكله من الداخل، قلت لنفسي: هل هذا عبث من القلم حين منحته حريته؟ أم أنني استعجلت على القلم ولم أدعه يكمل ما بدأ؟ لا أعلم.
حملت القلم مرة أخرى لأدعه يكمل ما رسم فقد أكون استعجلته، تركته يعود ليرسم مرة أخرى، فرأيته يتحرك بثقل وشدة لم أعهدها عليه، ومكثت انتظر ينهي ما بدأ، وبالكاد تحرك ورسم، حتى إذا تثاقل الوقت علي، أوقفت القلم ووجدته فرحا بهذا التوقف، وكأنه يريد ذلك من قبل، وضعته جانبًا وعدت لأرى ما رسم، فتعجبت أنه لم يقترب من الجسد، ولكنه رسم حفرا سوداء أمام الجسد، ورسم سوارا بجانبيه، حتى أصبح الجسد وكأنه في سجن فلا يملك إلا أن يبقى الجسد واقفًا أو يسير للأمام، ولو سار للأمام سقط في الحفر السوداء المخيفة، ولو مكث واقفًا سقط من الأعياء، فأصبح الجسد لا قيمة له مع حسنه وكمال صورته، بقيت حائرًا متسائلًا: هل يغني هذا الكمال في الجسد شيئا وهو لا روح له؟ ولو عادت روحه وتهيأ للمسير فإنه لن ينتفع من روحه العائدة شيئا، فسيسقط في حفرة لا قعر لها، هل هناك مخرج لهذا الجسد؟
حملت القلم مرة أخرى وقلت لعله يرسم مخرجًا أو يضع حلًا؛ فأنا أصبحت عاجزًا عن التفكير، تركت القلم ليرسم مرة أخرى ولكن هذه المرة كان القلم أشد تثاقلا، حتى لا أكاد أراه يتحرك، مكثت وقتا مديدًا انتظر حركته، فتحرك بثقل وكأن حركته جاءت على استحياء أو جاءت بعد تأمل طويل، فكأنه مثلي كان تائهًا، ولكنه مضى يرسم بثقل وانا أُصبَر نفسي حتى ينتهي، وحين رأيته توقف ولم يعد يفعل شيئا، أخذته ووضعته جانبًا، وعدت لأرى ما رسم، فلم أجد شيئًا كبيرًا سوى أنه رفع بصر الجسد للسماء، فترك الجسد النظر للأرض فلم يعد يرى الجسد الحفر، وأخذ يتلفت للسماء، تأملت في الصورة كثيرًا ثم تركتها جانبا ورفعت بصري للسماء.
علاقة علم أصول الفقه باللغة العربية علاقة استمداد، ففهم الكتاب والسنة ـ والتي هي الأدلة التي ينطلق منها الأصولي ـ متوقفة على معرفة اللغة العربية، ومباحث اللغة تدخل كثيرا في علم الأصول، وعلماء الأصول أخذوا القاعدة اللغوية من علماء اللغة ثم أضافوا عليها مباحث أوسع من المباحث اللغوية، فمن ذلك الدلالات، فمثلا “كل”، و”من” و”أي”، وإذا كان مضافا أو محلى بـ”أل” والجمع إذا لم يكن مضافا، ولم يدخل عليه “أل” والنكرة في سياق النفي، والشرط والإثبات، كل هذا يفيد العموم، وهو مستفاد من مباحث اللغة، إلى غير ذلك من المباحث اللغوية التي استند عليها الأصوليون، فكان شرطا لمن أراد تعلم الأصول والتمكن فيه أن يتعلم اللغة العربية نحوا وصرفا وأدبا.
::اقتباس::
“هناك حقيقة في غاية الأهمية: أنه لا يجوز أن يعتمد أحد كائنا من كان معيارا للحق، أو أن يظن أنه أعلى من أن يناله أحد بالنقد أو يجد فيه مأخذا. كما أنه لا يجوز لأحد أن يخضع لآخر عقليا أو فكريا إلا لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فالالتزام بالمنهج وليس بالأشخاص… “ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وافترقا عليه” فالاجتماع على المنهج وليس على الأشخاص، والافتراق أيضا على المنهج وليس على الأشخاص”.
التعامل مع الحياة ومع الأشخاص بحدية، إما كذا أو كذا، دون توسط، إما أبيض أو أسود، ولا لون آخر، فهذه الحدية والدقة لا تجعل مساحات واسعة للعقل لينطلق بعيدا، فهو محصور بحديته، ومقيد بالحدود التي حدها ورسمها، يضيق على نفسه ما كان متسعا.
حين لا يرى العقل الظلال بين الألوان، ولا يرى للأشياء أشكالا متعددة، فإن العقل لا ينبسط في الفهم، ولا يحسن التصرف والفعل، فالحدية لا تجعل العقل يرحل لمسافات بعيدة، وتمنع العقل من كمال الاستيعاب، فيفهم خلاف ما ينبغي، ففقدان المرونة العقلية تصيب العقل بالعجز النسبي، مما يفقده حكمته واتزانه.
:اقتباس::
قال الأصمعي: حسان أحد فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتي له أشعارٌ ليِّنة! فقال الأصمعي: نُسبت له وليست له، ولا تصح عنه. وروي عنه أنه قال: الشعر نَكِدٌ يقوى في الشر ويُسهل، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسَّان فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط. وقيل لحسان: لانَ شِعرُك – أو هَرِمَ شعرك – في الإسلام يا أبا الحسام! فقال: إن الإسلام يحجز عن الكذب! يعني أن الشعر لا يجوِّده إلا الإفراط والتزين في الكذب، والإسلام قد منع ذلك، فقل ما يجود شعر من يتقي الكذب.
من كتاب “المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم” (6/417)
::لغة الشافعي::
كُتب الشافعي أجمع كُتب أدب ولغة وعلم، فالشافعي لم تهجنه عجمة، ولم تدخل على لسانه لكنة، ولم تُحفظ عليه لحنة أو سقطة. ودعونا نذكر قول أئمة اللغة عن لغة الشافعي رحمه الله تعالى.
قال عبدالملك بن هشامٍ اللغوي: “طالت مجالستنا لمحمد بن إدريس الشافعي، فما سمعت منه لحنة قط، ولا كلمة غيرها أحسن منها”.
وقال أيضا: “الشافعي كلامه لغة يُحتج بها”.
قال الزعفراني: “كان قوم من أهل العربية يختلفون إلى مجلس الشافعي معنا، ويجلسون ناحية، فقلت لرجل من رؤسائهم: إنكم لا تتعاطون العلم، فلم تختلفون معنا؟ قالوا: نسمع لغة الشافعي”.
وقال الأصمعي: “صححت أشعار “هذيل” على فتى من “قريش”، يقال له: محمد بن إدريس الشافعي”.
وقال ثعلب: “العجب أن بعض الناس يأخذون اللغة عن الشافعي، وهو من بيت اللغة! والشافعي يجب أن يؤخذ منه اللغة، لا أن يُؤخذ عليه اللغة”. يعني: يجيب أن يحتجوا بألفاظه نفسها، لا بما نقله فقط.
وقال الجاحظ: “نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا في العلم، فلم أر أحسن تأليفا من المُطلبي، كأن لسانه ينظم الدر”.
نحن بحاجة أن نترفق بأنفسنا كثيرا، فكثير من معاناتنا هي نتيجة سوء تعاملنا مع أنفسنا، وأكبر السوء هو في الوهم الذي نتوهمه وهو لا وجود له، فقلقنا ـ في كثير من الأحيان ـ منشأه وهم زائف، نتوجس الخوف من أشياء غير حقيقة، نتوهم المرض، فنخاف ونقلق، نتوهم أحداثا سيئة ستمر بنا، فنخاف ونقلق، لقد رسم الوهم صورا مروّعة في أذهاننا حتى أقعدنا وأثقلنا الهم والقلق.
ما أقسى أن يغرق الإنسان في الوهم، ويستسلم لهواجسه وخواطره ويصدق ما يُلقى في مخيلته؛ عندها يعيش في عذاب داخلي مهلك، ولا نجاة من ذلك إلا أن يطرد الإنسان هذه الأوهام ولا يلتفت لها، لا بد أن يتعلم كيف يتجاهل هذه الأوهام حتى لا تسقطه في دوامة من الأسى والألم.
لعل من سعادة المرء أن تنتشر كتبه في حياته، حيث يرى لها قبولا بين الناس، وقد أشار ابن حجر العسقلاني لهذا المعنى حين ذكر الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى الذي لم يعش إلا نحو أربعة وأربعين عاما، وعلى قُصر حياته إلا إنها كانت ملأ بالإنتاج العلمي، فقال عنه ابن حجر: “في دمشق ظهرت مؤلفات السبكي وهي كثيرة، وقد انتشرت تصانيفه في حياته، ورزق فيها السعد”.
وكذا تابعه على هذا المعنى الشوكاني رحمه الله، فقال: “ورزق السعادة في تصانيفه، فانتشرت في حياته”.
والسبكي رحمه الله على صُغر سنه فقد صنف في فنون عديدة وأظهر براعته وتمكنه فيها، حتى أورد عنه السيوطي وأقره عليه، حيث قال عن نفسه: ” .. كتب مرة ورقة إلى نائب الشام يقول فيها: وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحد يرد عليّ هذه الكلمة”.
وعقب السيوطي بقوله: وهو مقبول فيما قال عن نفسه.
حضر أحد النحويين جنازة ، فمر أحدهم يها فرأى الجنازة فسأل النحوي قائلا من المتوفي؟؟ فرد النحوي الله؟
فاضطرب الرجل و صاح به يا كافر ؟
فاستغرب النحوي ردة فعل الرجل و قال ما خطبك؟
فرد الرجل الله حي لا يموت كيف تقول المتوفي الله؟
فرد النحوي قائلا : أذن قل من المتوفَى بفتح الفاء و لا تقل المتوفِي بكسر الفاء لأن الله هو الذي يتوفى الانفس قال تعالى “ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا “سورة الزمر _الآية42 –
غالبا أن الناس تنفر من الجديد وتتوجس منه، وتقدم الشك والخوف في قبوله، وتريد ما اعتادت عليه، وقد أشار الغزالي رحمه الله إلى هذه الظاهرة الإنسانية في كتابه “المستصفى” فقال: “الفطام عن المألوف شديد، والنفوس عن الغريب نافرة”. وهذا القول من درر الكلام.
ونحن نجد أن الشريعة قد راعت هذا الجانب الإنساني، فالناس مثلا، قد ألفوا شرب الخمر في الجاهلية، فلو منعوا دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فإن الفطام عن المألوف شديد، فكان التدرج في التحريم حتى لا يكون هناك شدة على النفوس في قبول الحكم. ولعله يدخل في ذلك رفض الحق المغاير للواقع لأن ذلك يستلزم ترك ما اعتاد عليه الإنسان والفطام عن المألوفات شديد على النفس.
الرسول أعلم الخلق بالحق، وأقدر الناس علي بيان الحق، وأنصح الخلق للخلق؟ وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد.
ابن تيمية
أن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه إنه يحتاج إلي التأويل (الاصطلاحي الخاص) الذي هو صوف اللفظ عن ظاهره، فلا بد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر.
ابن تيمية
أحاول جهدي أن أقلل من زفراتي وحسراتي، فما تغني عني شيئا سوى أنها تزيد من ألمي وحزني، وليس من طبعي التماس الحزن والألم، ولكن قد يغشى النفس شيء يسوئها فيخرجها عن سجيتها، فتنحدر الدموع وتجري حرة ما تلبث أن تستحيل زفرات ملتهبة مؤلمة، والنفس يسهل عليها كفكفت دمعها ولكنها تعجز عن كفكفت ما يختلج في صدرها.
ليت شعري ما تنفع الشكوى! إن أنين النفس لا تداويه الشكوى ولا النجوى، فأنات الشكوى لا تنقطع إلا من داخل النفس وذاك حين ترضى، ورضاها يأتي من إيمانها وتسليمها، وإرسال الشكوى لا يسكت القلب اللجوج .. ولكن أليس للقلب الجريح أن يئن ويشكي! فهو ليس حجرا قاسيا لا يحس ولا يئن! .. حار قلبي بين كتمان الألم وبين البوح به .. والزفرات ما تخنقنا إلا حين نريد أن نبوح بشيء ولكن يمنعنا الحياء من البوح به.
حين نتعامل مع الأحداث على أنها من تقدير الله تعالى وأنها تجري حسب حكمته وعدله ومشيئته فإننا نضع الإنسان في حجمه الطبعي، فأزمة الإنسان الغربي المعاصر ظنه وتوهمه أنه يتحكم في الأحداث، وهذا التوهم جعله يعيش حالة طغيان، فتمرد على كل شيء حتى أعلن الاستغناء عن الإله عز وجل، وسبب ذلك تضخيم وتهويل زائف لفعل الإنسان، مع جهل بسنن الله تعالى، “فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء”.
إن استعلاء الإنسان ليس بما يملكه من حضارة مادية وليس بما يقدمه من صناعة وإنما بما يحققه من تعبد لله تعالى، فالإنسان مهما بلغ من القوة المادية فهو في حاجة ماسة لله تعالى، وهذه الحاجة يجدها في فطرته التي تعبث بها شياطين الإنس والجن لتغيرها وتبدلها، حتى ظن كذبا وجهلا أنه لا حاجة لله تعالى ولا للدين.
حين يتعامل الإنسان مع الأحداث التاريخية وما يجري في هذه الحياة دون دين فإنه يكون شبيه بالحيوان، فيكون همه التغلب والسيطرة فقط، وهذه غاية بهيمية تفتقد للمعاني الإنسانية، ومهما بلغت حضارة ما في سيطرتها وقوتها فإن تحكمها وتملكها هو تحكم جزئي مؤقت لا يلبث أن ينتقل لغيرها، “وتلك الأيام نداولها بين الناس” .. “وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها” .. “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين”. لذا ونحن نقرأ الواقع وأحداثه ألا تغيب عن أعيننا سنن الله تعالى الربانية فهي سنن لا تتبدل ولا تتحول.
::اقتباس::
القرآن يطلب منا علماً خارج القرآن، وذلك بالسير والنظر في الأرض إلى آيات الله المودوعة في الآفاق والأنفس ..
جودت سعيد
= ::همسة::
التطبيقات إذا لم تعمل لها تحديثا من فترة لأخرى فإنها تفقد المواكبة، ولعل الإنسان كذلك، إذا لم يبحث عن الثغرات في شخصيته ويحاول إصلاحها فإن شخصيته تقف أو تتراجع للوراء ويتعذر تطويرها.
اسعى دائما في تطوير ذاتك وصناعة شخصية أعلى من شخصيتك الآنية، لا تتوقف عن تحديث ذاتك.
::اقتباس::
قال الشافعي رحمه الله تعالى: “ومن تكَلَّفَ ما جهِل، وما لم تُثْبِتْه معرفته: كانت موافقته للصواب – إنْ وافقه من حيث لا يعرفه – غيرَ مَحْمُودة، والله أعلم؛ وكان بِخَطَئِه غيرَ مَعذورٍ، وإذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بيْن الخطأ والصواب فيه”.
الرسالة ص 50
::ألا بذكر الله تطمئن القلوب::
أحيانا القلوب يصيبها قلق وخوف شديد، ويصيبها هم وغم وضيق وكرب، فما الحل؟
الحل يذكره الله تعالى لنا: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” .. فأكبر وأقوى سبب لانشراح الصدر وطمأنينته ذكر الله تعالى، والإكثار من ذكر الله.
ماذا أقصد بالإكثار بذكر الله؟
أقصد إن اللسان يكون دائما في حالة ذكر لله تعالى، فيذكر الله إذا دخل البيت أو دخل الحمام أو لبس لبسه أو ذهب لفراشه أو أكل أو شرب أو أي شيء يعمله يذكر الله عزوجل يذكر الله تعالى في كل أحواله.. المهم لا يكون في غفلة .. عندها يطمئن القلب، وينشرح الصدر، ويشعر بسعادة وارتياح عجيب.
ماذا يحدث لو غفل الإنسان عن ذكر الله تعالى؟
يحدث أن يجد الشيطان طريقا للقلب، ووظيفة الشيطان هو والوسوسة والتخويف، كما قال الله تعالى: “إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه …” يعني من غفل عن ذكر الله وقراءة القرآن تسلط عليه الشيطان وأصبح يلعب بمشاعره، فيخوفه، ويسوس له بالهموم والغموم.. فالشيطان شديد العداوة للإنسان، فالله تعالى يقول عن الشيطان: “قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين”. فلن يترك أي طريق حتى يضل الإنسان ويتعبه ويرهقه في حياته، ويصيبه من الوسوسة والهم والخوف ما الله به عليم.
لو قال شخص أنا لا أقدر أذكر الله تعالى، أشعر بضيقة شديدة وأجد صعوبة في الذكر.. فما الحل؟
الصعوبة التي يجدها الإنسان هي بسبب مدافعة الشيطان ووسوسته، أرأيت لو أن بيتا متسخا أليس هناك صعوبة في تنظيفه من القاذورات؟ بلا، لذلك إذا تسلط الشيطان على قلب الإنسان وأصبح يشعر بضيقة وهم وخوف، فعليه أن يجاهد نفسه ويصبر على المجاهدة ويستمر حتى يتنظف قلبه، ويذهب الشيطان من قلبه، فالصعوبة من ذكر الله تعالى وقراءة القرآن هي في البدايات، فإذا صبر الإنسان واستمر في ذكر الله تعالى وفي قراءة القرآن بكثرة فإنه ما ليبث فترة بسيطة إلا وقد عاد ذكر الله تعالى يسر عليه هين، وانشرح صدره وذهب غمه وأعادت البهجة على محياه.
ومما يغفل عنه كثير من الناس، وخصوصا من أصيبوا بضيقة في الصدر وعدم انشراح وخوف وهم، هو الصلاة آخر الليل، فالصلاة في جوف الليل وإطالة السجود والدعاء بقلب منكسر في السجود مع كثرة الإلحاح في الدعاء، فإن الله تعالى يزيل همه ويذهب خوفه ويشرح صدره، فلا بد من فعل هذا لمن أراد انشراح صدره وذهاب غمه، مع التوكل على الله عز وجل، يقول الله تعالى: “ومن يتوكل على الله فهو حسبه”، فأنت تدعو وتلح على الله تعالى، وثق بالله تعالى أنه سيذهب ما أصابك وسيكشف كربك ويذهب عنك قلقك وخوفك ويمنحك هناء وطمأنينة في قلبك، فالله تعالى يقول” ألا بذكر الله تطمئن القلوب”. فهذه قاعدة السعادة وانشراح القلب.
لعل من الأشياء السيئة لدى الإنسان أن يتحدث في شيء لا يعرفه ولا يفقهه، وخصوصا في القضايا الشرعية لأنه يترتب عليها الثواب والعقاب، فيثبت وينفي وهو لم يحط بما يقول علما، فمعرفته هي الظن فقط، فيظن أن الأمر كذا ثم يبني على هذا الظن تصوراته وأحكامه.
وهذه آفة تقضي على معرفة الحق، فمعرفة الحق لا يأتي بالظنون وإنما بالعلم، والعلم لا يأتي إلا بالقراءة والاطلاع والسماع من أهل العلم، وكثير من الناس قد عجزوا عن القراءة والتعلم ولكنهم لم يعجزوا عن القول بلا علم، ويسمون هذا الأمر “إبداء رأي”، فجعلوا القضايا العلمية التي تتطلب معرفة بالدليل من الرأي الذي لا يتطلب دليلا، فساووا بين أمرين مختلفين، وهذا من المزالق الخطيرة وهي تأسيس المعرفة الشرعية على الرأي لا الدليل.
ورحم الله تعالى محمد بن سيرين، كم كان ذكيا فطنا حين قال: “إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم”. فيدخل في هذا الرأي، فلا تأخذ علمك من غير دليل ولا حجة، فالقول بغير دليل هو اتباع للهوى، فالإنسان لا يحب أن يوصف بالجهل، ولا يقوى أن يقول: لا أعلم، فيدفعه هواه واعتزازه بذاته للتحدث في مسائل لم يسمع بها من قبل، فيأتي بالطوام الكبار، ولو سكت لكان أسلم لدينه ولعقله، وما كان ظهور البدع إلا بالقول بالرأي غير المبني على الاجتهاد العلمي وإنما الرأي المبني على الجهل والتوهم.
غالبا أن العلم الحقيقي يمنع صاحبه من الوقوع في المخالفة، والعلم الحقيقي هو أن يكون وصفا ثابتا لصاحبه، حيث لا يتصرف صاحبه إلا وفق علمه.
ومن خالف علمه من باب العناد أو التجاهل فهو لا يسمى عالما حقيقيا، إلا من باب جمع المعلومات، وأما من باب العلم الرباني فلا يسمى عالما، فشرط العالم الرباني هو الخشية، والخشية مانعة صاحبها من مخالفة علمه.
وللسلف عبارات في هذا المعنى منها قول الحسن البصري – رحمه الله -: “العالم الذي وافق علمه عمله، ومن خالف علمه عمله فذلك راوية سمع شيئا فقاله”. وقول الثوري – رحمه الله -: “العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل”.
فالعلم الشرعي ليس مجرد حفظ نصوص وإعادة تدويرها، وإنما هو تفاعل مع النصوص التي حفظها، فتكون هذه النصوص هي المحركة له، وهي الموجهة له، فالعلم الشرعي ليس علم لسان فحسب؛ بل هو عل جنان ولسان.
في عصر توفر المعلومة: هل تبقى مشكلتنا في عدم “معرفة الحق”؟
لعل الجواب على هذا التساؤل هو، نعم، فمشكلة قطاع عريض من الأمة عدم معرفتها للحق حتى ولو توفرت لديها وسائل المعرفة، فلا يعني أن يكون بين يديك كتاب أو كمبيوتر أنك أزلت الجهل عن نفسك، فمعرفة الحق يتطلب مقدمات معرفية لا يمكن الحصول عليها في يوم وليلة، فقد تقرأ حكم مسألة ما، ولكن الاشكال الكبير هو في كيفية تنزيل هذا الحكم على واقعك، وهو ما يعرف عند الأصوليين “بتحقيق المناط”، فقد تضع الدليل في غير موضعه، وتظن أن هذه المسألة داخلة في الدليل، وهي في حقيقة الأمر لا تدخل في الدليل فيكون التحريف.
اطلاعك السريع لحكم مسألة ما لا يؤهلك في الفتوى بها، وإنما يكفيك أن تُحيل غيرك لهذه الفتوى أو تنقلها كما هي، ولكن لا تجعل نفسك مفتيا لأن كل مسألة لها ملابساتها التي تجعل الحكم يتغير، وخصوصا في القضايا الاجتهادية، فهي تتغير بتغير الأحوال والأزمان.
::فائدة لغوية::
قال الله تعالى عن مريم: “وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين” فـ(القانتين) جمع مذكر سالم, وقوله تعالى: “قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا” وفيهم حواء.
إجماع أهل اللغة على تغليب الذكور على الإناث في الجمع, فإن اجتمع الذكور مع الإناث فإن الرجال يغلبون.
::همسة::
في زمن الفرقة والاختلاف، يجب أن يشعر المرء بالمسؤولية على عاتقه في بث روح المحبة والألفة، فالله عز وجل يقول: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) ويقول (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) والله تعالى جعل المؤمنين أخوة فقال: (إنما المؤمنون اخوة)، ويقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) ولتحقيق هذا المقصد الرباني العظيم على الإنسان أن يبتعد عن إثارة العداوة ولبغضاء، (وقولوا للناس حسنا) هذا لجميع الناس دون استثناء، فإن لم يستطع أن يقول الحسنى فليسكت خيرا له.
أحيانا عقلنا لا يسمح لنا برؤية الواقع كما هو، قد يقف عقلنا حارسا ضد رؤيتنا للواقع، فما يصل إلينا يعمل له العقل تبديل وتغيير حتى يكون وفق ما نريد مسبقا.
وهنا يأتي التأمل في أفكارك حتى يمكنك أن ترى الأشياء كما هي على حقيقتها، وأول الأشياء التي ينبغي أن تراها كما هي نفسك التي تملكها، فحين تتأمل بدقة ستجد أن صورتك عن نفسك وعن الواقع وعن الحياة قد تكون صورة زائفة تتطلب منك جهدا حتى تصل إلى الحقيقة كما هي دون تعديل منك.
لا أقصد أن العقل يعمل ضدك ولكن أحيانا لست أنت الذي تشكل عقلك وإنما يشكله المجتمع بوسائله، فيزرع في عقلك أشياء حتى لا يستطيع أن ينقل الحقيقة كما هي، فالعقل إن لم تحرسه بالمراقبة والتأمل الدائم وإلا سيصبح عقلا مغايرا لك.
حينما يلهو الإنسان ويغفل عن “التفكر” في خلق الله تعالى وفي آياته فهو عطل وظيفة أساسية في عمل عقله، فالله دعانا “للتفكر” في آياته وما ذاك إلا أن التفكر باب مهم في معرفة الله تعالى وفي زيادة الإيمان وفي معرفة سنن الله تعالى وفي خضوع القلب وانكساره.
والتفكر لا يكون له أثر في النفس مالم يكن فيه تجرد وفيه صدق وإنصاف، فإن كان التفكر بتكبر وتعالي فإن الإنسان لا يرى ما يذهل العقل ولا يبصر الحق، والتفكر المثمر هو أن تعرف الحق، فالمرء قد يتفكر ولكن ليس لمعرفة الحق وإنما لمدافعة الحق ورده، فيكون تفكره عليه وبالا، فكان من شرط التفكر هو التجرد والصدق والإنصاف.
في هذه الأيام نحن أحوج ما يكون للمنهج العلمي في فهم الأحداث، فحين تغيب الضوابط الشرعية في الفهم فإن المرء يسقط في الخلل في الفهم والنتائج، فالتصور الصحيح ينطلق من منهج علمي منضبط، ولهذا كثير من التصورات تكون خاطئة بسبب البناء الخاطئ لهذا التصور الذي يفتقد للمنهجية العلمية.
والإنسان حين يكون مرآة عاكسة لكل ما يسمع ويقرأ ولا يكون لديه القدرة في التمييز بين الغث والسمين فإنه سيكون هشا ضعيفا تتجاذبه الأفكار يمنة ويسره، ونحن نعيش في عالم مليء بالأفكار المتناقضة والتي يتفنن الناس في عرضها، فإذا لم يكن الإنسان قادرا على التمييز بين هذه الأفكار بطريقة علمية وليس بطريقة عشوائية نفسية فإنه سيكون ضحية للأفكار الهدامة.
::همسة::
في هذا الزمن المزدحم لابد للإنسان من فترات يبقى فيها منفردا كي يعرف ذاته وقدراته ويعرف ما تحجر وترسب في نفسه من غير وعي ..
لا أحب الاستغراق كثيرا في أمر ما، إذ أشعر مع شدة التفكير أن تفكيري يضيق، ومهما حاولت أن أخلق فكرة جديدة أجد عقلي متصلبا، وقد يتجاوز الأمر أفكاري فتتغير مشاعري، فاشعر بملل وسآمة تزيد فكري انغلاقا وصدودا.
العقل له طاقة وقدرة تحمل، فإذا زاد الاستغراق عن حده، فإن العقل يتشتت ولا يعد يقوى على التركيز، لذا أفضل طريقة في استثمار طاقة العقل هو عدم إجهاد الفكر لدرجة “الإعياء الفكري”، فحين تجد أن عقلك بدأ يتبرم ويذهب يمنة ويسرة فأمنحه راحة حتى يعود له نشاطه وقوته.
الحق لا يُعرف بانسكاب الدموع وكثرة الآهات، وإنما يُعرف بالدليل الحسي والبرهان العقلي، ولو تركنا لعواطفنا تقرير الحق من الباطل لاعتدينا على العقل ولأخطأنا الطريق، فالعاطفة هي للتعبير عن المشاعر الداخلية وليس لمعرفة الحقيقة، والعاطفة قد تثير الآخرين وتحرك وتثير المشاعر ولكنها لا ترتقي للعقل في نيل الحقيقة.
العاطفة جمالها في تحريك ما بداخلنا من رحمة وحنو، ولو جعلناها حاكمة وقاضية في الأمور الحياتية لظلمناها وكلفناها مالا تطيق، فالعقل هو الحاكم على الأمور الحياتية، والعاطفة ثابتة والعقل متحرك وثاب، وهو يهذب العواطف ويوجهها، والعلم يخاطب العقل ولا يخاطب العواطف، فالعقل مغير صانع للحضارة، ولعلنا لو أعطينا للعقل حقه ومكانته لتغير حالنا نحو الأفضل بشكل كبير.
أحيانا أقرأ ليس لكسب معرفة أو تحصيل معلومة؛ وإنما أقرأ لأغذي مشاعري بكلمات دافئة هادئة، فما أراه في الحياة من عنت وتعب يجعلني أبحث عن كلمة تزيل ما وجدت، وتحفز نفسي نحو التفاؤل والأمل. فأنا أريد كلمات توقظ عقلي، وتحرر نفسي من الوهن، وتزيدني نشاطا؛ فحسب المرء ما يراه من نصب وعناء في يومه وليله.
ولكن، ولعله من سوء الاختيار، أن تقع العين على كلمات تزيد الألم شجى، فتتبرم النفس وتتراخى العزيمة ويتبلد الحس، فوقع الكلمات البائسة أشد على النفس من السياط، وأحسب أن النجاح وكمال الرأي أن يفر المرء من قراءة كلمات اليائسين كفراره من الأسد، فلعلك قد عقدت العزم على أمر فتبرمه، فهي تغلق عليك أبواب التفكير فتعجز عن التدبير، وتصبح ترسل صيحات اليأس لتطفئ ما باقي من أمل في النفس.
انتقاء ما تقرأ في هذا الزمن الذي كثر فيه صوت البائسين ضرورة ملحة لمن أراد أن يبقى قوي النفس، فإن قرأت لشخص قد أحاط اليأس عقله وقلبه وضميره؛ فإنك لن تقوى على رفع بصرك ولن تنهض من فراشك، ولأصبح أنينك يسمعه القاصي والداني، فأرفق بنفسك وابتعد عن الحائرين وامضي مع أهل الأمل فطريقهم قد أنارته الشمس بضوئها وأكسته دفئا بأشعتها كي تقوى نفسك على المسير وتنشط همتك على المضي قدما.
من قضى ربيع حياته في مجادب، فلن يضيره أن يقضي بقية حياته في تلك المجادب، فالمرء حين يعيش على حياة فترة من عمره فإنه يألف تلك الحياة ويتكيف معها، فشقاء المرء ليس في بؤس الحياة ولكن في نظرته لتلك الحياة، فالفقير تراه مع ضيق الحياة أكثر سعادة وأشد ابتهاجًا وما ذاك إلا لنظرته السليمة للحياة.
ولعلي لا أبعد أن قلت إن مصاعب الحياة وشقائها تبدو محببة مع طول المكث معها، فالصبر والرضا يمنح المرء قوة على تحمل المكاره والمشاق، ويجعل حياة الشقاء لها حلاوة وطلاوة لا تبدو واضحة لمن لم يكابدها، وهذه من نعمة الباري أنه يسكن على أهل المعاناة حياتهم فيرونها هنيئة طيبة، حتى وإن مر بهم الزمان وتغيرت بهم الأحوال وجدتهم يحنون لتلك الأيام البائسة ويذكرونها وقلوبهم تتلهف لها شوقا وحنينا.
::اقتباس::
كتب العالم السياسي برنارد كوين قائلا: “في معظم الاوقات قد لا تنجح الصحافه في إخبار الناس الكيفيه التي عليهم التفكير بها، لكنها تنجح جدا في اخبارهم الأمور التي عليهم التفكير فيها”
لا يمكن للإنسان أن يتخلص من الوهم، فهو يأتي للنفس حين يكون الإنسان عاجزا عن نيل شيئا ما فيبدأ يتخيل ويتوهم ما يريده، ويأتي للنفس حين تقل المعرفة، فالوهم هو تصور الأشياء على غير حقيقتها، فيجعل من الخيال حقيقة، ويصنع من العدم وجودا.
ومن الوهم الكاذب، في هذا الزمن الذي سادت فيه المعرفة، تَوهمَ الإنسان أنه قادر على التغلب على كل شيء، وأنه قادر على فعل ما يريد إذا بذل جهده وفكره، فتَوهمَ الإنسان أنه قد تغلب على الطبيعة وأنه كسر قوانينها، وأن عقله قادر على بلوغ ما يريد، فخدع نفسه وأضل طريقه، بأوهام كاذبة.
وحقيقة لو تأمل الإنسان بقليل من التأمل لأدرك أوهامه، ولعلم أن ما يجهله أكثر بكثير مما يعرفه، وأن عليه أن يسير آلاف الأميال في عالم المعرفة كي يقلل من مساحة جهله، فالتصور أن الإنسان بلغ الكمال هو من الوهم الزائف، وهذا الوهم الكاذب إن لم يتخلص منه الإنسان المعاصر وإلا فإنه سيبقى في حالة ضياع لأنه يجهل الحقيقة ويعيش الأوهام.
::لفتة::
ليس أضر على العقل في المعرفة من الشعور بالوصول للكمال، عندها يتوقف العقل عن التساؤل والبحث، ويخمد وهج الذهن على الابتكار والإبداع.
حياة العقل ليس في “منزلة الوصول” ولكن في “منزلة السير” والبحث، فمن توهم الوصول فقد ألقى عصا الترحال وأطفأ سراج المعرفة.
::لفتة::
قد يتراءى للإنسان رأي ما، فمن الخطأ أن يتحول هذا الرأي إلى حقيقة يقاتل من أجلها.
الوثوق في الآراء الآنية التي تنقدح في الذهن دون تأمل ودراسة هو نوع من الاستعجال المذموم.
لا أظن من كتب وبث ما في نفسه أننا ولجنا لعالمه الخاص واكتشفنا ذاته، الكتابة أراها غطاء تخفي وراءها ما لا يبدي كاتبها، فيظن القارئ أنه يرى حقيقة الكاتب؛ بينما هو يرى عالما بعيدا عن الذات.
حقيقة الكاتب وطبيعته لا تجدها فيما يكتب؛ بل فيما سكت عنه، فيما يبتعد القلم عن قوله، قد يقترب أحيانا من ذاته ولكنه يبقى يدور حول الحمى، ليبقي ذاته في منأ عن التناول فيجعل القارئ في حالة شك، هل ما يقرأه هو عن الكاتب أم هو من نسج الخيال.
هل يجب أن تكون المرأة حسناء لكي تُحب؟
هذا سؤال طرحته صحيفة نسوية فرنسية.
والسؤال الذي نطرحه ما هو الجمال والحسن؟
الجمال هو شيء مدهش، ولكن هل هو في الشكل الخارجي فقط؟ من رأى أن الجمال في الشكل الخارجي “فقط” فهو يرهق نفسه، الجمال لا يمكن حصره، فهو قد يكون في نبرة صوت أو طريقة كلام أو ملاحة ابتسامة .. فالجمال واسع وقلما شخص تراه إلا ولديه شيء جميل، ولكنه قد يجهله أو لا يحسن إظهاره.
نعود إلى سؤال الصحيفة .. فنقول للصحيفة إن في الواقع نساء جامدات دون تأنق ولم يكن حظهن من الجمال وافر، قد افتتن بهن أزواجهن، فما سر هذا؟ فالجمال ليس شرطا لإثارة الحب، والعين قد تعتاد على الجمال كما تعتاد على القبح.
تخيلوا امرأة حسناء جميلة ولكنها غليظة القلب سليطة اللسان بليدة الطبع فهل يحبها الرجل؟ وما بالكم بامرأة طيبة القلب لينة هينة ذكية ملهمة فهل سيضرها قلة وسامتها وحسنها؟
::خاطرة::
لم يعد يقتصر السوق على سوق البضائع؛ بل تجاوز هذا ليدخل في كل شيء: سوق الخدمات، سوق العمل … كل مافي الحياة يدخل في مفهوم السوق.
قسوة السوق تكمن في تحويل كل شيء وكل فكرة وكل عمل إلى بضاعة قابلة للتداول في السوق .. وأخشى ما أخشاه أن يتحول العمل التطوعي والخيري إلى سلعة فلا تستبعد شيئا فالعالم لا يعرف الثبات.
هل إذا ارتقى الفكر ترتقي معه الأخلاق؟
يفترض هذا .. يفترض أن ترقّي الإنسان لا يكون في جزء وإنما يكون بشكل كلي، ولكن قد يكون من يرتقي فكره معرفة وذكاء، ولكن تبقى أخلاقه جامدة خامدة، ولعل سر ذلك، هو الاهتمام.
فلعل من يهتم بفكره بتلقي المعرفة وتطويرها يغفل عن جانب الأخلاق والسلوك، فلا يلتفت لخلقه لحظة، وبناء الخلق أشد وأشق على النفس من بناء الفكر، فبناء الفكر معرفة وأما بناء الخلق فمعرفة وسلوكا، ولهذا قد تجد من بلغ من المعرفة مبلغا عاليا ولكنه سيء الخلق، رديء المعاشرة، وما ذاك إلا لإغفاله تهذيب نفسه، واهتمامه للجانب المعرفي دون الجانب السلوكي.
::همسة::
حين تقرأ كتابا وتشعر أنك بحاجة لقلم رصاص لتدون ما تقرأه على هامش الكتاب … فلا تترك هذا الكتاب فهو مثير لك.
::أماه أرثيك حبا::
بأي حرف انسج كلماتي، وأي عبارات تحوي معاني نفسي، لا أجد القلم قادراً على تسطير ما بفؤادي، فزفرات قلبي وأنين روحي لا يمكن ترجمتها لفظا، فلحظات الحزن وألم الفراق لم يبقِ لي لفظا أنطقه .. فلقد أضحى الصمت لي أنيسا والبكاء رفيقا.
أماه .. أبكيك شوقا .. فلن تحدّق عيني بجسدك النحيل ..
وأبكيك حنينا .. فلن تسمع أذني نداءك وصرخاتك وضحكاتك وهمساتك ..
وأبكيك فراقا .. لحديثك ولابتسامتك ولنصائحك ..
أبكيك لدعواتك ليلا ونهارا .. فمن لي مثل قلبك يدعو لي؟ رحمك الله ورحم الله لسانك الرطب بذكر الله.
أماه .. أبكيك حباً فقد ملكتي قلبي، وأسرت فؤادي، كم كنت تألمين لألمي، وتحزنين لحزني، وتفرحين لفرحي، آه .. كم يصيبك من هم وقلق وضيق عندما تشاهديني أتلم من مرضي،
أتساءل دوما: كيف عرفت أنني أتلم وأنا أكتم ألمي خوفا عليك؟ أشعر كأن أعضائي في جسدك تشعرين بألمها فتبكين رحمة بي وشفقة علي، أي رهافة حس وأي قلب هذا الذي يسكن جوانحك! رحمك الله ورحم الله روحك الزكية.
أماه .. أبكيك حسرة وألما، لقد كنت لي ملاذا بعد الله، فإذا ضاقت على الأرض، وأدلهمت علي الخطوب، ذهبت إليك لأحدثك وأشكي إليك وأبث ما أجد في نفسي، كنت أجد معاناتي تتلاشى عندما أراك وأجالسك وأحادثك فأجد حديثك بلسما لمعاناتي .. فمن أجالس بعدك ومن أسامر؟ رحمك الله ورحم الله قلبك الطاهر.
أماه .. لقد رحلتي من هذه الحياة ولكنك لم ترحلين من فكري وقلبي وخواطري، أرى خيالك أينما ذهبت، فأراك الشابة القوية التي تحملني وتضاحكني وتلاعبني، وأراك تارة المرأة الحكيمة التي تنصحني وتعلمني وتعضني، وأراك أخرى المرأة الكبيرة التي أرهقها المرض وآلمتها السنون، أرى طيفك لا يفارقني، أراك في يقظة ومنامي، أراك قد نقشت في قلبي ذكراك العطر .. فرحمك الله ورحم الله جسدك النحيل المنهك.
أماه .. أعذريني، كنت أراك وأنت تتألمين وتشتكين وأنا لا أستطيع أن أدفع عنك ألمك أو أخفف معاناتك، أعذريني يا أمي .. كان والله ألمك يعصرني ويكاد قلبي يتفطر دما مما أرى ما أصابك .. وتزداد معاناتي وأنت تأنين من شدة الكرب .. لقد اتخذ المرض من جسدك مأوى له فعاش بين أضلاعك سنين عديدة .. كنت تحاولين جاهدة أن تخفين ألمك فتصمتين الأنين وتدفعين الشكوى براحتيك كي لا يشعر جليسك بألمك ومرضك .. ومع ألمك ترجين ثواب ربك فتسأليني بحرص وقلق: ولدي، كيف يحتسب المريض؟
يا رب .. اجعل ما أصابها كفارة لخطئها ورفعة لدرجاتها وزيادة في حسناتها.
أماه .. أنا لا أبكيك جزعا أو سخطا إنما أبكيك فراقا وشوقا .. أبكيك حب الابن لأمه وحُب المرأة الصالحة الطاهرة .. فوالله ما عرفتك إلا مصلية ذاكرة شاكرة لله تعالى، منفقة ما بيدك لمن تعرفين من الفقراء والضعفاء .. تتألمين كثيرا عندما تسمعين عن محتاج لا يجد من يسد خلته .. تفكرين في الآخرين أكثر من نفسك .. لقد رأيت فيك صفات لا أكاد أجدها إلا في قلة من الناس .. فرحمك الله يا أمي رحمة واسعة وجعل الجنة مثواك، ورحم الله المسلمين الأحياء والأموات .. وأسأل الله أن نلتقي يا أمي في دار كرامته وسلام الله عليك ورحمته.
إننا مطالبون أن نحرر أذهاننا من الصورة السلبية التي نحملها عن أنفسنا، علينا إذا كنا ننشد التغيير ونسعى إلى دخول المنافسة الحضارية ألا نجعل الواقع المأساوي الذي نعيشه يزيدنا اضطراباً وخللاً في التصور. إنه لا يمكن أن نتغير ما لم نزل من أذهاننا الصورة السلبية التي رُسمت لنا ونسجها الغرب لنا واتخذناها دثاراً، علينا أن نمزق كل رداء يشوه صورتنا وألا نقبل المصطلحات التشويهية التي تجعلنا نتعايش مع التخلف وكأنه ضربة لازب لنا.
ومن أراد أن يغير من حاله ويرتقي بها في سلم الكمال فعليه أن يوطّن نفسه على مواجهة …
::لفتة::
يقول ألبريت أنشتاين: “الخيال أكثر أهمية من المعرفة. فبينما تحدد المعرفة كل ما نعرفه ونفهمه حاليًا ، يشير الخيال إلى كل ما قد نكتشفه ونبدعه”.
فالخيال هو الذي يفتح آفاق المعرفة، فالخيال ضرورة في تحقيق نتائج علمية مبدعة.
“وجدت في الغرب إسلاما ولم أجد مسلمين، وفي الشرق وجدت مسلمين ولم أجد إسلاما”.
عبارة ركيكة ومتناقضة في ذاتها، فكيف يجد إسلاما ولم يجد مسلمين؟ فالإسلام عرض لا يوجد بذاته، وإنما يوجد في الأشخاص، فهو وصف وليس جوهرا منفصلا عن الذات، فالإسلام لا يوجد إلا بوجود مسلمين، فلا يمكن بحال وجود إسلاما ولا يوجد مسلمين، فالعبارة متناقضة.
وإن كان المراد أنني وجدت أُناس يسمونا أنفسهم مسلمين ولا يمتثلون بالإسلام، فلا يصح أيضا هذا التعبير، فكون الإنسان لا يمتثل لأحكام الإسلام فلا يصح سلب وصف الإسلام عنه حتى ينسلخ تماما عن الإسلام. فالمسلم يبقى مسلما حتى ولو ارتكب المحرمات، فلا يخرج من الإسلام حتى يقوم به فعلا مكفرا، فوجود خللا ونقصا وتفريطا لدى المسلمين لا يعني ذلك سلب وصف الإسلام عنهم، كما إنه لا يصح وصف الغربي بالإسلام وهو لم يعتنق الإسلام، فالإسلام قبل أن يكون سلوكا وأخلاقا فهو عقيدة وتصورا.
استعمال العبارات الأدبية في القضايا التصورية يجب أن يكون بحذر دقيق، كي لا يسقط المرء في استعمال الكلمات في غير مرادها، فالعبارات الأدبية حمالة أوجه، فمن يهتم بجمال العبارة ورونقها دون التدقيق العلمي في المعنى ينتج عنه تصورا ضبابيا.
كم أود أحيانا أن أصور لك عواطفي ومشاعري، ولكن لا أريد أن أزيدك ألما .. فلا يحسن دائما بث دموع الشكوى، فيكفيك خيبات الحياة التي لا أشد منها مرارة وقسوة ..
كل ما أراه من حولي يبكيني ويؤلمني، ولا أود أن يجري قلمي بالآهات والدموع، لذا سأتغافل وأتجاهل عن ما أراه وأسمعه، وأخدع نفسي وأصنع كلاما ليسكن قلبي وقلبك ويهدئ من روعك وروعي ..
دع صخب الأيام وضجيجها وألتفت بعيدا، أذهب بقلبك وفكرك للغد البعيد، للغد الذي لم يسكنه إنسان ولم تلوثه الأيادي، هناك أصنع ابتسامتك ولو كانت زائفة كاذبة، ودع أسارير وجهك تبتسم وتشرق ولو تظاهرا وادعاء .. تعلم كيف تخدع نفسك، كي يذهب شقاءك، فالحياة لم تعد رخية لينة، فيكفي أن تصنع الرجاء بين جوانحك، كي ينير الأمل في مستقبلك ..
لو جهلت الهروب من واقعك فثق أن أمانيك ستتحطم وأحلامك ستتبدد، ففجيعة الحاضر تذبل معها كل زهرة وييبس معها كل عود طري، فتعلم فن الرحيل بفكرك لعالم لم يره بصرك .. فالهروب خير من الهلاك المرير ..
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :” المسائل التي نهي عنها الكتاب والسنة
منها: القول علي الله بلا علم، كقوله تعالي {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] ، وقوله {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] .
ومنها: أن يقال علي الله غير الحق، كقول {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق} [الأعراف: 169] . وقوله {لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] .
ومنها: الجدل بغير علم كقوله تعالي {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} [آل عمران: 66] .
ومنها: الجدل في الحق بعد ظهوره، كقوله تعالي {يجادلونك في الحق بعد ما تبين} [الأنفال: 6] .
ومنها: الجدل بالباطل، كقوله: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} [غافر: 5] ومنها: الجدل في آياته، كقوله تعالي {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا} [غافر: 4] ، وقوله {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} [غافر: 35] ، وقال تعالى {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر: 56] ، وقوله {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} [الشورى: 35] ، ونحو ذلك قوله {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم} [الشورى: 16] ، وقوله {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} [الرعد: 13] ، وقوله {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} [الحج: 8] .
ومن الأمور التي نهي الله عنها في كتابه التفرق والاختلاف، كقوله {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ـ إلي قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 103ـ 106] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
وقال تعالي: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله} ـ إلي قوله {ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} [الروم: 30-32] .
وقد ذم أهل التفرق والاختلاف في مثل قوله تعالي {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [آل عمران: 19] ، وفي مثل قوله تعالي: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 119] ، وفي مثل قوله {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [البقرة: 176] .
وكذلك سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم توافق كتاب الله، كالحديث المشهور عنه الذي وري مسلم بعضه عن عبد الله بن عمرو، وسائره معروف في مسند أحمد وغيره، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله صلي الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتناظرون في القدر، ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، لا ليكذب بعضه بعضاً، انظروا ما أمرتم به فأفعلوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه» .
من كتاب “درء تعارض العقل والنقل (1/46)
قال القرطبي في تفسيره :”قال قتادة يقول: يا بن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السآمة والفترة والملة، ولكن المؤمن هو المتحامل (1)، والمؤمن هو المتقوي، والمؤمن هو المتشدد، وإن المؤمنين هم العجاجون (2) إلى الله الليل والنهار، والله ما يزال المؤمن يقول: ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية.”
نقلاً من “الجامع لأحكام القرآن” (1/181)
(1) تحامل في الامر وبه: تكلفه على مشقة وإعياء.
(2) العج: رفع الصوت بالتلبية.
ليست المشكلة أن يكون لديك مشاكل، فطبيعة الحياة أنها لا تخلو من مشكلات، ولكن المشكلة الحقيقة هو “في نظرتك للمشكلة” وفي مدى تكيفك معها.
حين تشعر أنك أسير مشكلتك، وأنك توجه دائرة اللوم لبيئتك ومجتمعك ومن حولك؛ فاعلم أن مشكلتك الأساسية هو في رؤيتك للمشكلة وفي كيفية التعامل معها. وعندما تتأصل لديك فكرة أن الناس هم الذين يصنعون مشكلاتك فأنت لن تستطيع أن تتحرر من مشكلاتك أبدا.
لتتحرر من مشكلاتك فعليك أولا ألا تنظر لنفسك إنك “ضحية”، تخلص من مفهوم “أنك ضحية”، اللحظة التي تعلن فيها أنك ضحية؛ هي اللحظة التي تدخلك في عالم الاستسلام واليأس، هي اللحظة التي ستفقد فيها قدرتك على التحدي والتغلب على مشكلاتك.
لا تنظر لنفسك أبدًا أنك ضحية، فالشعور بأنك ضحية هو تخل عن المسؤولية، وهو خضوع لسيطرة الاخرين، فقط انظر للمشكلة أنها من طبيعة الحياة وأن كل البشرية يعيشون مشكلات لا نهاية لها، فالشعور أن المشكلات من طبيعة الحياة يمنحك اتزانا ورضا ويجعلك قادرا على التفكير بطريقة عقلانية، فلا يمكن أن تتخلص من معاناتك إلا بضبط النفس واتزان الرؤية.
::اقتباس::
قال الشاطبي رحمه الله: “إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدا له وذلك؛ لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدَّت زلةً، وإلا فلو كانت معتدا بها؛ لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، و لا أن يُشنَّعَ عليه بها، و لا يُنتَقَصَ من أجلها، أو يُعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً، فإن هذا كله خلاف ما تقضي رتبته في الدين”.
الموافقات (136/5)
حين ترى وجها شاحبا حزينا .. فأرفق به وتلطف في قولك .. فما ضمر وجه وهزل إلا وقد تمزق قلبه وتوجع .. ولا تنتظر أن يبثك شيئًا من كربه .. فالقلوب المتوجعة لا تقوى على بث الشكوى .. وغاية ما تقوى عليه أن يترقرق دمع عينها جوى وشجى.
لا تحدثه عن راحة القلب وسكون النفس .. فهو لا يملك قلبا كي يسكن ويهدأ .. فالقلب قد مزقته وعصفت به رياح الحياة .. وإن كنت محدثه فحدثه عن الأمل .. أحيي فيه ما مات في قلبه من رجاء .. القلوب الموجعة لا تتحمل العتاب ولا اللوم .. حسبك أن تتبسم فلعل بسمتك تصل لقلبه فيذهب حر الجوى وينطفي مر العذاب ..
الغرب لو تأمَّل في طبيعة المعرفة التي لديه لأدرك أن مساحاتِ الجهل أكبر من مساحة العلم والمعرفة التي اكتشفها، فبقدرِ ما يكتشف من معارف، بقدرِ ما تزداد مناطق الجهل وتكثر الأسئلة المبهمة، فلو تأمَّل في أقرب شيء لديه وهو ذاته، فسيدرك أنه لا يزال يجهل الكثير والكثير عن هذا الإنسان، فبما بالك بالكائنات الكبرى؛ كالسموات والأرض؟! وما بالك بالكائنات الصغرى كالذرة وما دق؟! فهو حتمًا أكثر جهلاً، وطبيعة الإنسان: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72].
ورحم الله الشيخَ المسدَّد ابن تيمية؛ حيث يقول: “فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائمًا إلى علمٍ مفصَّل، يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه، وكل ما يقوله ويعمله يحتاج فيه إلى عدل ينافي ظلمه، فإن لم يمنَّ الله عليه بالعلم المفصل والعدل المفصل، كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم”
::اقتباس::
قال ابن تيمية رحمه الله: “من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله، من المنكر الذي حرمه الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان؛ لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضا لشيء من المحرمات أصلا؛ لم يكن معه إيمان أصلا”.
مجموع الفتاوى (41/7)
كان ظهور أرسطو سيئا على العالم أجمع، فكان سبب التخلف، حتى الفترة التي ساد فيها فكر أرسطو سُميت بالعصور المظلمة، ولم يقتصر ضرره على الغرب؛ بل كان أحد أسباب ظهور الفرق الإسلامية كالمعتزلة والأشاعرة الخ
لقد تحرر الغرب من أرسطو فتقدمت، فهل ستتحرر الفرق الإسلامية من فكر أرسطو فتعود للجادة.
ما أجمل الغفران والتسامح .. فالله عفو يحب العفو .. فاعف وسامح فالله تعالى يحب هذا ..
وتأمل في كلام ابن القيم ما أحسنه: “ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها أو اتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بضدها، ولهذا يبغض الكفور والظالم والجاهل والقاسي القلب، والبخيل والجبان والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، ستير يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر، وكل ما يحبه من آثار أسمائه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها”.
فمن اعتذر لك فسامح .. ولا ترد اعتذار أحد .. وقد قيل:
أقبل معاذير من يأتيك معتذرا … إن بر عندك فيما قال أو فجرا
فقد أجلك من أرضاك ظاهره … وقد أطاعك من يعصيك مستترا
أرأيت أن العبد إذا أذنب ثم تاب .. أليس الله يقبل توبته ويعفو عن سيئاته ويكرمه فيبدل سيئاته حسنات .. ثم تتعجب من البشر.. يعتذر الشخص عدة مرات .. ثم يرد ولا تقبل اعتذاره ..
يومًا ستود أن يقبل الناس عذرك .. فلست معصوما من الخطأ .. فلا تكن غليظ الفؤاد .. فما رفضك معاذير الناس إلا دلالة على قسوة في القلب وشدة في النفس .. فكن هينا لينا سمحا ودودا .. واقبل معاذير الناس .. وسيهبك الله تعالى بعفوك سرورا وارتياحا ورضا ..
لا تتصور وأنت في هذه الحياة أنك سالم من إغواء الشيطان، فالشيطان قد أخذ العهد أن يغوي جميع البشر ولم يستثن إلا المخلصين، كما قال الله تعالى: ” فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين” والشيطان أقر أنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ولكن لا ندري هل نحن من هؤلاء المخلصين الذين سلموا من إغواء الشيطان. وإبليس اللعين متربص للمؤمن في كل لحظة ليغويه ويضله “قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين”
ومن أخطر ما يفعله الشيطان هو التزيين، فيصور لك الباطل حقا ويجعل في نظرك الحق باطلا وهنا يقع الإنسان في فخ إبليس: “قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين”. فظاهرة التزيين تراها في كل شيء، فلا يقترف المرء الذنب إلا وقد تزين هذا الذنب في نفسه، فيميل لهذا الذنب، ولا يرى مشقة في اقترافه وانتهاك حرمة الله تعالى، فالتزيين يجعلك تأنس بالذنب، ويذهب ما في القلب من حرج وضيق ولا يشعر المرء بغضاضة وهو يقترف المعصية.
لا يمكن للمرء أن من ينجو من كيد الشيطان إلا باللجوء لله تعالى، فأدعو الله مخلصا أن يصرف عنك كيد الشيطان، وكن على بصيرة بأمور دينيك كي يتميز لديك الحق من الباطل ولا يتلاعب بك الشيطان، واتخذ الوسائل الشرعية من أذكار وعمل صالح كي لا يكون للشيطان عليك سبيلا.
إذا كان التفكير الجاد بطريقة ما مؤلم ومرهق؛ فلا تلتفت إلى هذا الإرهاق الذي ينتج من هذا التفكير، نعم التفكير الجاد قد يرهق ذهنك ويتعبك: ولكنه يمنحك نوعا من المتعة لا تجدها في مكان آخر.
متعة التفكير تبعث في النفس نشاطا يشغل اهتمام المرء وخياله بحيث يدفعه على مواجهة التحديات الصعبة، ويواجها بمتعة، التفكير ليس فقط لتحقيق الابداع وحل المشكلات ولكنه أيضًا مصدرًا للمتعة.
في العيد لا تردد عبارات الكدر والآلام .. لا تشتكي محن الليالي والأيام .. فمن مقاصد العيد أن تبتهج النفوس وتشرق .. وأن تظهر على محياك السرور والفرح .. فدع الحديث عن بؤس الحياة جانبا لكي لا تفسد فرحتك .. حدّث الناس أحاديثا باسمة .. اطرد عنهم اليأس .. فالنفوس قد أكلتها مرارة الحزن ولذعة الألم .. فهي تستقبل العيد ويكسوها شيء من الحزن .. فليكن حديثك بلسما يزيل شيئًا من المعاناة ..
قد يصادفك في العيد من يحدثك حديث الأموات .. فيشعرك أنه جاء ليعزيك لا ليهيئنك .. فيقول: بأي حال عدت يا عيد .. ثم يسرد عليك مآسي العالم وأوجاعه .. بوجه عابس مكفهر .. فكن من هذا على حذر .. ولا تجعله يثقل عليك يومك .. فاجعل حديثه يمر وكأنه لم يقل شيئا .. فلكل مقام مقال .. ولكل لحظة ما يناسبها من حديث .. ومن لم يحسن اختيار القول المناسب .. فجدير ألا يجعل لقوله كثير اهتمام.
::اقتباس::
في القانون، الإنسان مذنب عندما ينتهك حقوق الآخرين. في الأخلاق مذنب اذا كان يفكر في القيام بذلك
كان المسلمون يتلقون عقيدتهم من الوحي بطريقة سهلة لا تعقيد فيها، وكان الخلاف بينهم لا يكاد يذكر، ثم لما ظهر علم الكلام وأدخلت الفلسفة صار المسلمون يتلقون عقيدتهم عن طريق الفلسفة بطريقة فيها غموض وتعقيد، فظهر في الأمة الخلاف والنزاع والتكفير.
وعندما ينظر المرء في حال الصحابة رضي الله عنهم لا تجدهم يوما ذكروا أفلاطون ولا سقراطا، ولك أن تتأمل: الصحابة الذي ترضى الله عنهم لم يحتاجوا للفلسفة ولا علم الكلام، ولم يعيبهم هذا الأمر؛ بل نشروا دينه الله تعالى في أصقاع الأرض. أليست طريقتهم هي الطريقة المثلى! فلماذا لا نتخذ طريقتهم منهجا؟
حقيقة: أنه ما دخلت البدعة في أمر إلا أفسدته وأخرجته من البساطة والسهولة إلى التعقيد والصعوبة.
هناك من يصف مفكري الإسلام وعلمائه بالتاريخيين، أي القابعين في التاريخ لا ينقدونه ولا يتجاوزنه، وهذا الوصف غير علمي ولا منهجي، فهو وصف باطل يكذبه الواقع المعرفي.
وفي تأمل سريع، نجد أن ما أنتجه المسلمون من فكر وعلم هو في الحقيقة قابل للنقد ويخضع للمناقشة والأخذ والرد، فليس للمنتج البشري أي عصمة، ولا أحد ينكر هذا، وما تراكم العلوم في التاريخ الإسلامي إلا كان من أحد أسبابه هو النقد المستمر، فكل العلوم الإسلامية نقدت حتى الصحيحين، فالحاكم مثلا في مستدركه كان استدراكا على الصحيحين، فجاء بأحاديث ووضعها في كتابه وقال هي على شرطي الإمامين البخاري ومسلم، بصرف النظر عن إصابة ما ذهب إليه، ولكن كان النقد قائما على جميع كتابات ومؤلفات علمائنا الأوائل.
فالدعوة إلى نقد التاريخ، هي دعوة لا جدوى منها لأنها متحققة في الواقع منذ فجر الإسلام، ولا زال المسلمون ينقدون التاريخ فيصيبون ويخطئون، ولهذا نرى أن الدعوة إلى نقد التاريخ ليس المقصود بها القراءة النقدية للتاريخ، المبنية على المرتكزات الإسلامية وإنما المراد منها نقد “الوحي ذاته” وليس المنتج البشري، فالمراد جعل العقل البشري يعمل في الوحي قبولا وإلغاء وفق منطلقات عقلية فلسفية مقررة سابقا، فنقد التاريخ المقصود بها تجاوز النص الشرعي واستبداله بمنظومات فكرية بشرية لا تعرف الثبات ولا تؤمن بمنطلقات الاهية.
::لفتة::
علينا أن نبذل جهدا كبيرا في تحديد المشكلة قبل وضع الحل، فرصد الأسباب التي أدت إلى المشكلة، هو مقدمة ضرورية في تحديد الحل المناسب.
اختلاف الحلول ناتج عن الاختلاف في تحديد المشكلة، وغالبا الإخفاق في حل المشكلة هو بسبب “عدم معرفة المشكلة” بشكل دقيق وواضح.
التشدد في الأفكار والتعصب لها أمر منفر، فلا يمكن للمتشدد أن يستوعب الآخرين، ولا يمكن للآخرين أن يتقبلوه، فالتشدد حالة نفسية فيها تعالي، فهو يرى أنه على صواب، وأن اختياراته هي الاختيارات الصحيحة، وأن الآخرين مخطئون، ولديه حدية عالية في تبنى أفكاره.
وغالبا المتعصب لا يعرف الوسط، فلو غير رأيه، يذهب مباشرة للرأي الآخر المناقض ويتعصب له، والمتعصب لا يحسن الحوار والنقاش، فهو في حالة انفعال نفسي، وانفعاله ينفر الآخرين منه ولا يرون للحوار معه فائدة أو ثمرة تُرجى.
::لفتة قرآنية::
يقول الله تعالى: “مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”.
هذه الآية فيها حث على الإنفاق بصورة تبهر العقول، فالمولى يسأل حاثا وحاضا على الإنفاق: فيبدأ الآية بقوله: “من ذا”، ويعلق ابن القيم على هذه البداية قائلا: “فصدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب وهو الاستفهام المتضمن معنى الطلب، وهو أبلغ في الطلب من صيغة الأمر، والمعنى هل أحد يبذل هذا الطلب”.
ويقول الله تعالى “يقرض الله” فسمى الله الإنفاق إقراضا، وهذه إشارة أن ما تنفقه سيعود لك، لأنه قرض، وأنت إذا أقرضت مليء قادر فلا ينتابك ريب أن مالك سيعود لك، فكيف وأنت تقرض الله وله الغنى المطلق الكلي، فيقينا سيعود لك مالك أضعافا مضاعفة كرما من الله تعالى، كما قال الله “أَضْعَافًا كَثِيرَة”. ولك أن تتعجب، أن الله يطلب منك الإنفاق ويجعله قرضا، لكي يثيبك ويجازيك على إنفاقك خيرا، مع إن المال مال الله تعالى، فهو الذي وهبك هذا المال وجعلك مستخلف فيه.
ولكن لماذا الله تعالى قيد هذا القرض بالحسن؟
هنا يذكر ابن القيم كلاما جميلا فيقول: “هذا القرض في القرآن قيده بكونه حسناً، وذلك يجمع أموراً ثلاثة: أحدها أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه. الثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه ثابتة عند بذله ابتغاءَ مرضاة الله. الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذى. فالأول يتعلق بالمال، والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين الله، والثالث بينه وبين الآخذ”.
فهذه الآية الكريمة تزيد رغبة المؤمن على الإنفاق، وأن يجاهد نفسه ليتخلص من آفة البخل والشح، فالصدقة برهان على صدق الإيمان، فالله تعالى هو أعطاك وحرم غيرك، فمن أعطاك وطلب منك أن تنفق، فأنفق، وسيزيدك الله تعالى عطاء ويبارك لك في مالك.
::لفتة::
الناس بطبيعتها وفطرتها تعرف الحق من الباطل، فالحق لا تكاد تجهله العقول، ولكن تقل رغبة الناس في الانقياد للحق، ليس جهلا بالحق، ولكن لثقل الحق على النفس، فالحق له جلالته وله قوته، والنفوس الضعيفة الواهنة الخائرة لا تقوى على حمل الحق، فتترك الحق وتذهب للباطل لضعف في عزيمتها وسقم في إرادتها.
::لفتة::
قال الشعراوي رحمه الله تعالى حول قوله تعالى: “لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم” .. قال: “لا حاجةَ للشيطان بأصحاب الصراط المعوج لأنهم أتباعه، فالشيطان لا يذهب إلى الخمارة مثلاً، إنما يذهب إلى المسجد ليُفسِد على المصلين صلاتهم، لذلك البعض ينزعج من الوساوس التي تنتابه في صلاته، وهي في الحقيقة ظاهرة صحية في الإيمان، ولولا أنك في طاعة وعبادة ما وسوس لك”.
الأشخاص المنجزون لديهم “الرؤية الذاتية” واضحة، فهم يعرفون ماذا يريدون .. وأين هم الآن .. وأين سيكونون في المستقبل.
ما أجمل الاصغاء! فهو يستميل المتحدث لأن يتفنن في حديثه، ويغير من أسلوبه من أجل ألا يمل جليسه.
الإصغاء يجعلك أكثر تركيزا لحديث الآخرين، وتفهما لما يقولونه.
الإصغاء يجعل المتحدث يسترسل في حديثه وهو مبتهجا أن هناك من يسمع له.
آفة مجالسنا اليوم، هي أن كل شخص يريد أن يتكلم، يريد أن يستحوذ على المجلس لوحده، وما أن يتحدث شخص إلا ويقاطع حديثه ويعلق على قوله وهو لم يتمه، فمقاطعة المتكلم قبل أن يفرغ من حديثه أصبحت سمة بارزة لا يكاد يسلم منها أحد إلا ما رحم الله. للأسف إننا نفتقد أدب الحديث في مجالسنا.
نحن بحاجة أن نسمع أكثر مما نتكلم، بحاجة أن نعطي الآخرين وقتا كافيا ليعبروا عما في نفوسهم، إننا بحاجة أن نصمت حين يتحدث الآخرون كي نعي ونفهم قولهم وكي نشاركهم بإيجابية صادقة، وكي يشعروا بقيمتهم ووجدهم معنا.
من جميل القول:
لا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة إلا عندما يتعلم كيف يفكر.
فيكتور هوجو
إذا وجدت راقيا يأخذ مالا على رقيته .. فنصيحة: تجنبه.
لا أقول إن المال الذي يأخذه حرامًا، ولكن لعله يرقيك من أجل المال، والرقية هي تدبر وخشوع قبل أن تكون بحثا عن التكسب.
إذا عجزت أن ترقي نفسك، فدع أحدا من أهلك يمسك المصحف ويقرأ ما تيسر من كتاب الله تعالى، ويقرأ السور والآيات التي خصصت بالرقية كالفاتحة والبقرة والمعوذتين وغيرها، وستجد نفعا كبيرا بأذن الله تعالى.
حنين للماضي يكاد يقطع النفس حسرات، وما أقسى ألم الحنين حين يصاحبه وحدة ووحشة من الحاضر، فيكون جمرة تشتعل في الفؤاد، الحنين يشقي ولكن صاحبه لا يطلب إبرادا لهذا الحنين، فالحنين يشقي ويسعد، يتعس ويبهج، النفس تتألم ولكن في قرارتها ترى هذا الألم غطاء ظاهري لنفس بهجة فرحة بهذا الحنين.
أصبحت ساعاتي متشابهة .. وأيامي متكررة .. فلم يعد هناك شيئا جديدا أو أمرا مختلفا .. فما عملته بالأمس سأعمله اليوم وأعمله في الغد ..
كل ما أخشاه أن تبتلعني الساعات الفاترة المتكررة فتقضي على ما تبقى لدي من حماس وبعض الأمل .. فاللحظات حين لا تتجدد فإنها تخبت الأمل الذي في النفوس ويتسرب إليها الملل واليأس ..
كم أخشى من تراخي الزمن .. فكل شيء معه يتراخى ..فتفتر العزائم ويتلاشى الحماس .. وتبقى النفس ضعيفة هزيلة .. فيتشتت هواها .. ويغيب رأيها .. ولا تجد نشوة للانتصار ولا لذة للإنجاز ..
من جنون الأقاويل، وغرائيب التأويل، تفسير ابن عربي لقوله تعالى “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه” أن كل من عبد إلها آخر ما عبد إلا الله دون أن يدري فقد قضى ربك بذلك. وهذا ما يقوله أيضا ابن السيد في شعره:
وكل معبود سواك دلائل *** من الصنع تنبي أنه لك عابد
وبهذا التفسير المنكر لهذه الآية، أبطل الشرك، وجعل الشرك توحيدا، ولم يكن هناك مصلحة من الرسل، وكان قول المشركين “قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا” قولا عبثا.
إن أصحاب الحلول والتفسير الباطني يعبثون بكلام الله تعالى، فهم قد اعتقدوا اعتقادا باطلا، وأولوا كل آية وفق معتقداتهم، فجاؤوا بالعجائب، وحملوا القرآن والشريعة بالمتناقضات.
الإنسان هو الوحيد الذي يعرف رغباته .. ويعرف قدراته ..
ولكنهم لا يتركونه .. لا يتركونه يعمل وفق ما يريد وما يحب
لا يتركونه يختار .. يختارون له الرغبات ..
يستغلون حياءه .. يكلفونه بما لا يريد ..
يصرخ .. هذا لا يناسبني .. هذا لا يتفق مع رغباتي
يحرجونه .. يقولون: احتسب .. لا تترك هذه الثغرة
يضغطون عليه .. يستحي .. ينصاع لهم ..
يتعذب من الداخل .. لا يبالون.
لا يجد حلمه .. لا يهتمون.
يتهرب منهم … يلاحقونه حتى يرجعونه مغلغلا بسلاسل الحياء ..
يعود .. يريد أن يشارك .. لكن لا يستطيع ..
يجلس صامتا .. لا يهمهم .. أهم شيء يكون حاضرا ..
يفقد نفسه .. لا يبالون ..
ما أجمل أن يتعلم المرء كلمة “لا” ..
لو قال: لا. لملك نفسه ..
ما أشقى أولئك الذين يرون أنهم يعرفون رغبات الآخرين ..
ما أتعس أولئك الذين يرسمون أهدافا لغيرهم ..
يريدون من الآخرين أن يعملوا كما يعملون ..
يحفظ ما حفظوا .. يقرأ ما قرأوا ..
ولو ملكوا الأمر .. لأعادوا رسم وجه حتى تكون مثل وجوههم ..
ما أجمل أن تقول: لا ..
قل لا .. لكل أمر لا ترغبه ..
قل لا .. فالخسارة حين تقول: نعم .. وتنكسر من الداخل ..
من الروايات القديمة التي أثرت في الفكر الأوربي، رواية “كوخ العم توم” في عام 1852 وكانت الأكثر مبيعا في ذاك القرن، فقد بيعت 300 ألف نسخة في أمريكا، ومليون ونصف في بريطانيا، وقد أصبحت كاتبة الرواية “هارييت ستو” بعد كتابة هذه الرواية أيقونة للنضال ضد الرق والعنصرية، فعندما زارت بريطانيا استقبلتها حشود ضخمة وحرصت ملكة بريطانيا على مقابلتها.
لقد أسهمت روايتها في تجييش العواطف، حتى حين استقبلها الرئيس الأمريكي لنكولن في البيت الأبيض قال لها ممازحا: “هذه السيدة الصغيرة هي المسؤولة عن تلك الحرب الكبيرة”. ترجمت الرواية لأكثر من ستين لغة، ولا يزال تأثيرها باقيا في الوجدان الأمريكي، فهي تدرس في المدارس والجامعات الأمريكية.
يقول د.الطيب بو عزة عن الرواية: “رواية الحرية، وصوت يندّد باستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وقد استطاعت ستو أن تحشد فيضاً من المشاعر الإنسانية والقيم الدينية بلغة بسيطة قريبة من النفس، كما أجادت تصوير الآلام البشرية الناجمة عن الرق والعبودية، ونقل مشاعر الأمهات اللواتي انتُزع أطفالهن منهن ليباعوا في سوق النخاسة. وإذا كانت الرواية من الناحية الفنية تعد من النصوص السردية البسيطة في حبكتها الدرامية”.
لقد اسقطت الأشاعرة قيمة النصوص الشرعية في باب الاعتقاد، فعندهم النصوص لا تفيد اليقين، والعقل عندهم مقدم على النص الشرعي، لذلك ليس من الجدوى ذكر الأدلة الشرعية ومناقشتها لأنها لا تفيد اليقين والعقل أقوى من النص.
لهذا تجدهم لا يذكرون الأدلة الشرعية في مصنفاتهم، فأنت تقرأ العدد الكبير من الصفحات ولا تكاد تجد نصا شرعيا، ولو ذكروا نصا فإنما يذكرونه لكي يأولونه ويغيروا معناه، فذكرهم للنص الشرعي هو من باب التبرع والتنفل وليس من باب الاستدلال وبناء التصور.
والكلام في هذا يطول ولك أن تنظر في كتاب “منهج الأشاعرة في العقيدة” فقد بين بطلان مذهبهم بأسلوب علمي رصين يقل نظيره، وهذا الكتاب أراه من الصواعق المحرقة لمذهب الأشاعرة.
أحيانا ينسى الإنسان نفسه، ويظن أنه إله، أو أنه قد تجاوز القنطرة فيتوهم أن الله تعالى قد غفر له ذنوبه، وهذا الوهم الكاذب الخادع، يجعل الإنسان ينظر للآخرين نظرة تعالي، وأنه أفضل منهم، ولك أن تتأمل عندما رأى رجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعض المنكرات، فحملته الغيرة لله على أن قال لصاحب المنكر: والله لا يغفر الله لك، فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك».
فهنا الرجل تجاوز في إنكاره، وجزم بأن الله تعالى لا يغفر له، وما يدرك!
الإنسان يجب أن يبقى في حالة انكسار حتى ولو لم يقترف الذنوب، فما يدري المرء على ماذا يختم له. فإذا أُعجبت بنفسك وعملك فتوقف مستنكرا على حالك، فالإعجاب داء فتاك، ومرض عضال يقضي على العمل، فقد يكون العاصي الذي تزدريه مقر بذنبه، منكسرا لله تعالى، وأنت بعجبك بنفسك وبتعاليك أصبحت أقل منه منزلة ومكانة. فرفقا بنفسك وبالآخرين.
قيل قديما: “مثل من يطلب العلم جزافا كمثل حاطب ليل يقطع حزمة حطب فيحملها، ولعل فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري”.
نحن حين نغذي أجسادنا ننتقي أطيب الأطعمة وأحسنها، ونتجنب السيء الرديء مخافة على أجسادنا، وكذلك حين نقرأ علينا أن ننتقي أجمل الكتب وأنقاها مخافة على عقولنا أن تتلوث، فلا تتناول الكتب الضارة وتقول: لن يضرني شيء، وما يدريك، فلعلى جرثومة فكرية تصيبك بالعطب.
الإدراك العميق للأمور مرض أيما مرض.
ديستوفيسكي
نص ثري للكاتب الروسي مكسيم غوركي وهي أجمل رواية له، يحكي فيها ثورة العمال في الثورة الروسية، وتدور أحداث هذه القصة حول الأم التي ساندت أبنها في نصرة الثورة، أحدث القصة مثيرة للغاية، تتأثر مع أحداثها وشخصياتها. الرواية قديمة ولكنها من أجمل ما تقرأ.
النقد الصحيح لا أحد ينكره، فلا غضاضة أن تنقد صحيح البخاري أو صحيح مسلم ولكن بشرط أن يكون نقدك بطريقة عملية صحيحة، ومنهجية لا اضطراب فيها، وقد نقد بعض العلماء على ما في الصحيحين ولم يثرب عليهم أحدا، لأن نقدهم كان نقدا علميا، ومن ذلك مثلا، ما قاله ابن تيمية عن صحيح مسلم: “وكذلك صحيح مسلم فيه ألفاظ قليلة غلط، وفي نفس الأحاديث الصحيحة مع القرآن ما يبين غلطها، مثل ما روي أن الله خلق التربة يوم السبت وجعل خلق المخلوقات في الأيام السبعة، فإن هذا الحديث قد بين أئمة الحديث كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار; كما قد بسط في موضعه، والقرآن يدل على غلط هذا، ويبين أن الخلق في ستة أيام، وثبت في الصحيح أن آخر الخلق كان يوم الجمعة فيكون أول الخلق يوم الأحد”.
انظر “الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح” (443/2)
قال الغزالي: “كاد الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية يصدرون تشريعات تبيح التعدد لمعالجة الزيادة الهائلة في عدد النساء! غير أن الكنيسة تدخلت معترضة فوقف التشريع!”.
لقد ساهمت الكنيسة في تحطيم المرأة الغربية، المرأة الغربية ابتذلتها العلمانية وباركت الكنيسة هذا الابتذال.
قال محمد الغزالي رحمه الله: “إن الغفلة عن القرآن الكريم والقصور في إدراك معانيه القريبة أو الدقيقة عاهة نفسية وعقلية لا يداويها إدمان القراءة في كتب السنة. فإن السنة تجئ بعد القرآن، وحسن فقهها يجئ من حسن الفقه في الكتاب نفسه.
وقد ذكر ابن كثير أن الإمام الشافعي، قال: كل ما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام فهو مما فهمه من القرآن فكيف يفقه الفرع من جهل الأصل؟!
::همسة::
في هذا الزمن إذا تغلبت على “التشتت” فقد ملكت أمرك .. وسلمت من وباء الفوضى الذي أهلك كثيرا من الناس.
لتسلم من داء “التشتت”: لا تتعلم كل شيء. لا تقرأ في كل شيء. فقط: “ركز” في شيء تحبه وله ثمره.
أعجبني ما سماه المسيري “الذئب الهيجلي” وهو يعبر عن الرغبة العارمة في نيل أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل، إن لم يكن كلها.
وهذا الذئب هو الذي يصرع القراء والكتاب إذ النتيجة لا شيء، فمن رام قراءة كل شيء وجمع المعلومات التي لا يربطها رابط فإنه لا يستطيع إنتاج معرفة.
المعرفة لا حدود لها والمعلومات بحر يمكن أن يبتلع المرء، فكان لابد من التوقف عند نقطة يحددها المرء، وإلا لن يصل لساحل الانتاج أبدًا.
::همسة::
هناك طاقات مبدعة ولكن تلاشى إبداعها بسبب ضعفها وخورها، فهي تجبن عن المغامرة والإقدام خوف الوقوع في الخطأ. الخوف عدو الأحلام والطموح.
لا يكفي أن تكون مبدعا لتحقق إنجازاتك؛ بل لابد أن تتحرر نفسك من الحواجز الوهمية التي في ذهنك، فالمبدع لابد أن يكون مقدامًا.
::همسة::
تحكمك في حياتك يساعدك على تحقيق ذاتك، فإذا لم تتحكم بلحظتك وساعاتك فستجد العمر يتسرب منك ولم تستطع تحقيق ذاتك ومراداتك، لذا كان من المهم أن لا تجعل البيئة والظروف هي التي تتحكم في حياتك.
أحيانا يأخذ بك العجب مأخذه، فمن ذلك، ما جاء عن المزني في قرءاته للرسالة للشافعي، فهو في حالة تواصل معها لا تجد له تفسيرا، فيقول: “أنا أنظر في كتاب الرسالة منذ خمسين سنة ما أعلم أني نظرت فيه مرة إلا وأنا أستفيد شيئا لم أكن عرفته”.
فتكرار قراءة كتابا لمدة خمسين سنة أراه لا يكون إلا للقرآن الكريم أو السنة المطهرة، ولكن فعل ذلك مع كتاب أصولي يجعل المرء في حالة اندهاش.
قد يكون الإنسان كثير القراءة، لدرجة التهام الكتب ولكنه في تفكيره إمعة، فهو غير مستقل التفكير، فلم تفده قراءته في الترقي الفكري أو في الاستقلال في الفهم أو في بناء منظومة معرفية. والإمعة القارئ أشد خطرا من الإمعة الجاهل، فالجاهل لديه عذره، وربما لو تعلم لاستقل بفكره، ولكن القارئ لا عذر له غير أنه فاقد الثقة في تفكيره وعاجز عن الاستفادة مما قرأ، وصعب تغييره لأنه يملك المعلومة ولا يحسن تقديرها.
القارئ أو الكاتب الإمعة لا يمكنه أن يقدم جديدا فهو قد سلم فكره لغيره، ومن تنازل عن فكره فكيف يبدع ويبتكر وهو لا فكر له. فهو وإن كتب لا ينشر فكره على الحقيقة؛ وإنما ينشر فكر غيره الذي تمثله في نفسه، لذلك لا تجده يستدرك على نفسه شيئا، لأنه لا يتمثل نفسه.
الإسلام جاء ليحرر العقل من سيطرة الآخرين، ويجعل العقل ملكا للإنسان، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: “لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا؛ ظلمنا ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا”. فهذا الحديث يظهر لك مقدار السعي للتميز الذاتي، والمحافظة على الشخصية من الذوبان في الآخرين، وذلك بتوطينها على التفكير المنطقي: إذا أحسن الناس أحس، وإذا أساءوا فلا. وقس على هذا جميع شؤون الحياة.
تجريد العقل لا يعني التمرد بحال، ولكن يعني القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، القدرة على فعل الصواب، القدرة على التخلص من المؤثرات الخارجية، والإنسان الذي يجامل، ويتملق، ويخشى أن يعلن عن آراءه هو غالبا سيسير خلف الآخرين دون وعي، وسيقودنه حيثما شاءوا، فمن جبّن أن يقول رأيه وعجز أن يستقل بفكره فهو آلة تردد ما ينتجه ويقوله الآخرون. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (اغدُ عالمًا أو متعلمًا ولا تكوننَّ إمَّعة)؛ فأخرج الإمعة من زُمرة العلماء والمتعلمين، وإذا لم يكن الإمعة عالما ولا متعلما فلم يبق إلا أن يكون جاهلا مقلدا يُساق حيث أراد الآخرون.
عش حياتك، وقل رأيك، وأعلن عن أفكارك، حتى ولو أخطأت فهو خير أن تكون ذيلًا أو إمعة، فليس شرطًا إذا فتحوا الناس أفواههم أن تفتح فاهك، ولكن شرطًا أن يكون ما تقوله هو نابع من قناعتك وناتج من ذاتك. فإن كان ما قلته خطأ وتبين لك خطأك فارجع عنه غير مكترث ولا مبالي، وإن كان ما قلته صوابا فألزمه وإن كنت لوحدك.
::لفتة::
أحد أسباب العجز الذي نلحظه هو أننا نفتقد الثقة الذاتية وأننا لسنا أهلا لأن نقدم شيئا قويا، وهذا لا تجده في العقل الغربي المعاصر، فالعقل الغربي يجعل للجميع حق التفكير وأنه قادر على تجاوز من سبقه
قال القرافي: ” القاعدة الشرعية: إن كل أحد مؤتمن على ما يدعيه، فإذا قال الكافر: هذا مالي، أو هذا العبد رقيق لي، صدق في ذلك كله، وكذلك إذا قال: هذا ذكيته، فهو مؤتمن فيه، كما لو ادعى أي سبب من الأسباب المقررة للملك من الإرث والاكتساب بالصناعة والزراعة وغير ذلك، فهو مؤتمن، إذ كل أحد مؤتمن على ما يدعيه مما هو تحت يده في أنه مباح له، أو ملكه؛ لأنه لا يروي لنا دينا، ولا يشهد عندنا في إثبات حكم، بل هذا من باب التأمين المطلق”.
كتاب الفروق للقرافي (15/1)
::همسة::
إذا كنت تخاف من الفشل؛ فأنت لا تستحق النجاح.
تشارل باركلي
جاء في الحديث الصحيح عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: “سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال بعض القوم: لو عرّست (التعريس: هو نزول المسافر آخر الليل نزلة للاستراحة وللنوم) بنا يا رسول الله؟ قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء. الحديث”
فما ألطف النبي عليه الصلاة والسلام في تعامله مع الصحابة، فلم يبوخ أحدا ولم يعاتب أحدا، حين ناموا عن الصلاة وإنما قال: “إن الله قبض أرواحكم حين شاء” .. فما أجمل المربي أن يسلك هذا المسلك، أن يكون رقيقا لطيفا ودودا في تعامله مع الآخرين .. “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم” .. فباللين والعفو والغفران تكسب قلوب الآخرين.
::لفتة::
” … الأمم لا تنجب العظماء إلا مرغمة. إذن، لن يكون الرجل عظيما إلا إذا انتصر على أمته جمعاء …”
شارل بودلير
::همسة::
لا تجعل لأحلامك تاريخ صلاحية، كل يوم جدد أحلامك حتى تراها واقعًا بين يديك.
::لفتة::
في هذا الزمن، نحن بأمسِّ الحاجة لعقول مفكرة قادرة على استيعاب متطلبات الواقع وفق المنهج الرباني، تنطلق مع الحق حيثما كان؛ لتمزق حجبَ الباطل، وتنيرَ الطريق للبشرية بنور الوحي، نحن بحاجة ماسَّة لعقول متحررة من طغيان الجهل، وسلاسل الهوى، وقيود التقليد، قد كسرت الجمودَ، وانطلقت نحو العلم الديني والدنيوي، تبتغي إعلاءَ الحق لا إعلاءَ ذواتها.
توقف عن إنهاء السباق ورجع يحمل منافسه ويمد له يد العون ليشاركه الفوز .. هذا هو الانتصار الحقيقي، فالفوز الحقيقي أن تبقى إنسانيتك حية ولا تنساها وقت التنافس والصراع … موقف تاريخي لا يمحوه التاريخ.
::لفتة::
أكبر عدو في تحقيق الإنجاز هو النظر للذات نظرة دونية؛ لكي تستمع بحياتك وتحقّق أحلامك لا تقف كثيرًا أمام ما يواجهك من صعوبات بحجة أنك غير قادر، أو لا تمتلك الموهبة لذلك، عليك أن تؤمن بما وهبك الله من طاقاتك وقدراتك، وعليك – أيضًا – أن تخاطر فإن فشلت فزد ثقتك بذاتك؛ فأنت اكتسبت خبرة لم تكن تملكها من قبل.
لا تقارن نفسك بالآخرين، ولا تحاول أن تفقد شخصيتك وتذوب في شخصية غيرك، انظر للآخرين فقط من باب الإثارة والتحفيز ولكن ليس من باب اللوم الذاتي وتقزيم نفسك.
اسعى دوما لتغيير وتطوير نفسك عن طريق أهداف وخطط، قارن نفسك مع ماضيها، فهل أنت تسير نحو تطور مطرد أم أنك ثابت في مكانك، فالشخص الذي يجب أن تكون أفضل منه هو أنت، فاجعل يومك أفضل من أمسك فهذا أفضل مسلك نحو الترقي.
::رواية لعبة المغزل::
للتو انتهيت من قراءة رواية “لعبة المغزل” للروائي الإرتري حجي جابر، وكم وددت أنها لم تنته، فقد غصت فيها وعشت معها حتى شعرت أنني من شخصيات الرواية، فهي لا تنفك الإثارة والتشويق في سير الرواية، فهي تنقلك من حدث لآخر، وتجعلك تعيش كل حدث بشوق ولهفة وتطلع.
الرواية فيها جرأة وخروج على المألوف، رواية فيها كثير من الإثارة، كل صفحة فيها تشدك لقراءة ما بعدها، تجعلك في حالة عطش تبحث عن ارتواء، فقد أبدع الراوي في استخدام الألفاظ. وهذا أكثر ما شدني في الرواية هي لغة الكاتب، فلغته السردية جميلة ومتماسكة، ووصفه للحالات النفسية فيه اقتدار، وأعجبني النهاية غير المتوقعة للرواية، فهي صدمة للقارئ، الرواية تستحق القراءة.
الرواية تحكي أن الحقيقة لا تظهر للناس، وأن القوي هو الذي يصنع ما يريده أن يكون حقيقة في أذهان الناس، ولا يمكن معرفة الحقيقة إلا بمعاناة وتضحية ومخاطر، فالوصول للحقيقة قد يعني، في بعض الأحيان، التضحية بالذات.
في بداية الرواية شعرت بالملل، وكدت أتوقف عن قراءتها، ولكن حين تعمقت أكثر وجدت صعوبة أن أتركها، فهي تسير في تجمل وحسن في خط تصاعدي، وهذا من جمال صنعة الرواية أن تستمر تأخذك برفق حتى تصلك للدهشة والإثارة.
قال محمود شاكر رحمه الله تعالى: ” من بلاء الأمم الضعيفة بنفسها، أن انبعاثها إلى التقليد – تقليد القوي- أشد من انبعاثها لتجديد تاريخها بأسباب القوة”.
أحيانًا تشعر أن العنصرية لا تفارق أي شيء؛ حتى في تفسير التطور الحضاري، فيقولون: الحضارات القديمة نشأت في المناطق الحارة مثل مصر والهند.. ومع تطور الإنسان انتقلت حضارته إلى الباردة مثل إنجلترا والسويد..
تفسيرات الأحداث والوقائع التاريخية إذا لم تكن مبنية على منهجية علمية فإنها لن تسلم من العبث ولن تكون محايدة. لذلك لا تبني على هذه التفسيرات علما مطلقا، فالإنسان في تفسيره ليس منصفا دائما.
كان جمال الدين الأفغاني يجلس في القهوات، وقد كان هذا الفعل مستهجن في زمنه، فعابه الناس على هذا الفعل، ولكنه كان يرى أن هذه فرصة في الحديث مع الناس ومعرفة طبائعهم وشمائلهم، وقد كان لجلوسه أثر اجتماعي كبير.
قال زكي مبارك رحمه الله تعالى: “الأخلاق الحقيقية للعظماء هي أجل وأدق من أن يفهمها عوام الناس، وما تعلق متعلق بهفوة صورية لرجل من الأكابر إلا وهو غافل جهول، فما تسمح قوانين الحياة بأن يسود رجل إلا وهو على جانب من متانة الخلق، وسجاحة النفس، ورصانة الطبع، وطهارة القلب، ولو كره المتزلفون إلى المجد بالوصولية والضعة والاستخذاء. دلوني على عظيم واحد أثر عنه الانقياد لهواه في صباه. ما نبغ في الدنيا نابغ إلا بعد أن قدم شبابه قربانا للمجد”.
استمر في النهوض في كل مرة تسقط فيها .. فالنجاح لا بد أن يسبقه سقطات وإخفاقات.
::ولع ابن العربي بالقراءة::
يصوّر لنا بعضُ تلاميذ ابن العربي رحمه الله تعالى الحياةَ العلميةَ التي كان يعيشها في خَلوة العلم والبحث فيقول: ” … وكنا نبيت معه في منزله بقرطبة، فكانت الكتب عن يمينه وعن شماله، وكان لا يتجرد من ثوبه، وكانت له ثياب طويلة يلبسها بالليل وينام فيها إذا غلبه النوم، ومهما استيقظ مَدَّ يده إلى كتاب، وكان مصباحه لا ينطفىءُ الليلَ كله”.
البغية: (83)
يذكر ابن العربي رحمه الله تعالى حين عُرضت عليه ولاية القضاء، وأنه وافق على قبول هذا المنصب الخطير، الذي مكث فيه ستة وبضعن أشهر ثم تركه حين ثارت الغوغاء في وجه، وقال أنه قبل المنصب مختارا لثلاثة أوجه:
أحدها: سر ما بيني وبين الله.
والثاني: معاينتي للباطل قد دمّر الأرض، فأردت أن أصلح ما تمكنت منها، من كف الظلم والاعتداء، وبث الأمن، وحفظ الأموال، وكف الأطماع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفك الأسير، والتحصين على الخلق بالسور، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، فحكمت حتي أرِجَت أقْطَارِي، وَرُفِعَ السَّمَر بِأخْبَارِي، فَضَجَّ العُداة، وظهر الولاة حين صَفُرَ وِطَافُهُم من الحرام، وابيضت صحائفهم من الآثام، فَدَسُّوا إليّ نفراً من العامة فثاروا على، وساروا إليّ، فَنُهِبَت داري، وهم قيام ينظرون، ولا يغيرون ولا ينكرون، فانتشلوا مالي، وهدموا مسجدي وداري … وتعرضوا لنفسي فَكَفَّ الله أيديهم عني، ولقد وطّنتها على التلف وأنا أنشد لخُبَيْب:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً … عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ في الله مَصْرَعِي
وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن الأقدار لكنت قتيل الدار.
الثالث: أن الناس كانوا يظنون أن الأرض خالية عن سياسة درب بالخلق، درب بإقامة الحق فأردت أن أكشف لهم عن بنات صدري، وأعلمَهُم كيفية وِرْدِي في الأمر.
بلغ التمسك بمذهب مالك في المغرب إلى نوع من التعصب حتى قال ابن حزم: “قد وصل أهل الأندلس في تقليد مالك حتى عرضوا كلامه تعالى وكلام رسوله على مذاهب إمامهم، فإن وافقاه قبلوهما وإلا طرحوهما، وأخذوا بقول صاحبهم، مع أنه غير معصوم، ولا نعلم بعد الكفر بالله معصية أعظم من هذا”.
قال ابن خلدون في نقده للمختصرات: “ذهب كثير من المتأخّرين إلى اختصار الطّرق والأنحاء في العلوم يولعون بها ويدوّنون منها برنامجا مختصرا في كلّ علم يشتمل على حصر مسائله وأدلّتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفنّ. وصار ذلك مخلّا بالبلاغة وعسرا على الفهم.
وربّما عمدوا إلى الكتب الأمّهات المطوّلة في الفنون للتّفسير والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ كما فعله ابن الحاجب في الفقه وابن مالك في العربيّة والخونجيّ في المنطق وأمثالهم. وهو فساد في التّعليم وفيه إخلال بالتّحصيل وذلك لأنّ فيه تخليطا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعدّ لقبولها بعد وهو من سوء التّعليم كما سيأتي.
ثمّ فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلّم بتتبّع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها. لأنّ ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت.
ثمّ بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التّعليم في تلك المختصرات إذا تمّ على سداده ولم تعقبه آفة فهي ملكة قاصرة عن الملكات الّتي تحصل من الموضوعات البسيطة المطوّلة لكثرة ما يقع في تلك من التّكرار والإحالة المفيدين لحصول الملكة التّامّة. وإذا اقتصر على التّكرار قصّرت الملكة لقلّته كشأن هذه الموضوعات المختصرة فقصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلّمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النّافعة وتمكّنها. «ومن يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له».
اللون له تأثير كبير في الإنسان فقد يؤثر اللون في شخصية الإنسان، ونظرته إلى الحياة، فدعونا ننظر ماذا قال علماء النفس حول علاقة الإنسان بالألوان؟
اللون الأصفر: بطول موجته يبعث النشاط في الجهاز العصبي، فهو محفز ومثير فإذا أردت أن تعلن إعلانا صارخا في الطرقات، فاللون الأصفر أطول أمواجا من غيره.
اللون الأزرق: يشعر بالاتساع، ويشعر بالبرودة والهدوء والمحبة ومناسب في تهدئة الأعصاب.
اللون الأحمر ومشتقاته: يشعر بالدفء والحرارة ويثير المشاعر بشكل قوي.
اللون الأخضر: اللون الذي يبعث السرور داخل النفس البشرية، ويثير بواعث البهجة فيها.
اللون الأبيض: يبعث الراحة والأمل والتفاؤل ويريح الأعصاب لذلك يستخدمه الأطباء.
اللون الأسود: يوحي بالكآبة والحزن، وترتديه بعض النساء في العزاء دلالة على الحزن.
اللون الوردي: مريح للعضلات والأعصاب، مناسب للأشخاص العدوانيين كي يخفف عنهم حالة العداء.
اللون الأرجواني: يدعو إلى الاستقرار.
::همسة::
حين لا يقوى قلمك على الكتابة، وتتلاشى منك الأفكار، فلا تبحث عن الأفكار في الخارج؛ ولكن ابحث في ذاتك، انظر للأشياء من زاوية أخرى بإحساس مختلف .. عندها لن ينضب قلمك، ولن يعجز فكرك عن خلق أفكار جديدة ماتعة.
::همسة::
إذا كنت تقرأ الرواية فقط للتسلية فأنت تجاهلت الوجه الآخر للرواية، فالرواية هي حكايات فيها ألم وفرح .. وفيها أنين ومسرة .. وحينها تقرأها تكون جزءا من الرواية .. ولن تتركك إلا وقد غرست فيك أثرًا ..
::لفتة::
قال المسيري رحمه الله: “أصبح التصور العام الآن في العقل العربي أن التأليف هو التوثيق بغض النظر عن المقدرة التفسيرية للمسلمة التي تم توثيقها، وأصبح معيار الجودة والتميز هو كم المعلومات أو الحقائق التي أتى بها المؤلف، وكم المراجع التي أدرجها في ثبت المراجع، وتاريخ صدورها، فإن كانت حديثة كان هذا دليلًا قاطعًا على مدى جدية الباحث وإبداعه!
من موسوعة المسيري (٣٠/١)
لعل إحدى أزماتنا الكتابية هو ضعف الباحث في التحليل والتفكيك والربط والتفسير، فهم الكاتب أن يجمع وينقل من عشرات الكتب، فأصبح همه كيف يؤلف بين المنقولات حتى ذابت شخصيته وغابت صورة المؤلف عن المشهد الذي كونه.
:همسة::
حين تقارن نفسك بالآخرين وتعتقد أن الآخرين يعملون أفضل منك، وأنهم ينجزون ما يسند إليهم بيسر، فأنت بهذه النظرة “تدمر ذاتك” و”تقضي على ما لديك من قدرات وطاقات”، وقد تؤدي بك هذه الرؤية إلى الاكتئاب والقلق.
دع المقارنة .. وثق أنك متميز ولديك أشياء رائعة.
حين تقرأ معاناة الفلاسفة وحيرتهم في تفسير أصل الأشياء؛ فلا يعني هذا أن يشعر كل شخص بهذه المعاناة؛ بل هذه المعاناة جاءت نتيجة خلل في التكوين العقدي للفيلسوف أو المفكر، فحيرته نابعة من جعله العقل فقط هو مصدر المعرفة، والعقل لا يمكن له أن يفسر كل شيء، فهناك أشياء كثيرة لا يمكن أن يفسرها العقل، بل يقف عندها العقل حائرا مضطربا.
المسلم لا يعاني مما يعاني منه الفيلسوف، ليس بسبب سذاجة في تفكير عقل المسلم، ولكن بسبب إيمانه بالله تعالى واعتماده على الوحي في تفسيره للقضايا الغيبية. فالعقل مهما كانت قوته ومهما بلغت درجة حدته فإنه يعجز عن إدراك الذات الإلهية بماهيتها الحقيقية، وحين حاول العقل أن يدرك الذات الإلهية بعيدا عن الوحي ضاع وتاه وحار واضطرب ولم يهتدي.
الأشياء لا تلفتنا بوجودها إلا حين نقبل إليها، حين نريدها .. عدا ذلك فهي باردة غارقة في النسيان ..
هل التفاتتنا لها وبحثنا عنها يصنع لها وجود وقيمة؟
هل الأشياء لا قيمة لها إلا إذا أردناها؟
هل هي تستمد قيمتها منا وليس من ذاتها؟
::همسة::
لا تتحسر كثيرًا على الماضي، فما سيأتي في المستقبل أهم مما مضى.
حين يواجه الناس مشكلة كبيرة ومعقدة، ثم يتجهون للحلول السريعة الجزئية، ويسلكون طرقا غير علمية لحل مشكلتهم المعقدة؛ فإنهم يدفعون أنفسهم نحو الوهن والقلق، ويكرسون في أعماقهم مشاعر اليأس والإحباط، فالمشكلات المعقدة لا يمكن تجاوزها إلا بجهد فكري مركب، وبطول نفس وأناة.
افتقاد الصبر وسلوك طرق غير عقلانية يعني بقاء الإنسان في مشكلاته؛ بل خلق مشكلات أخرى أشد تعقيدًا.
:همسة::
في الأوقات الصعبة، التفت فقط للأشياء والأقوال الصحيحة ..
::همسة::
حين ننهمك في أعمالنا، وتستحوذ الحياة على تفكيرنا .. فلا يبسم لنا ثغرا، ولا نفيض بشاشة على من حولنا ..
فلا نجعل قلق الحياة تُنسينا أن «تبسمك في وجه أخيك صدقة» وأن «الكلمة الطيبة صدقة».
مع تتابع أحداث الحياة تتلاشى ذكريات الصبا، ولعل كل حدث يأتي يحل محل ذكرى جميلة، حتى يكاد يُمحي كل ماضيه فيبقى خلي من الذكريات، وكأنه وليد اللحظة لا حنين ولا ذكرى، ولا يتذكر من ماضيه إلا أطياف وخيالات لا معنى لها.
إن تعيش دون ذكريات ففيه هناء أو شقاء، فالذكريات تثير العواطف؛ فإما أن تكون متعة في النفس، فترسم على الثغر ابتسامة هادئة وتظهر على الوجه آيات الرضا، فتعود سعيدًا فرحًا، أو تخم على النفس سحابة مظلمة تبعث ألم الماضي فتنكأ جرحًا قد اندمل بدع طول عناء، وتعيد للنفس ألمها، وللروح حزنها، وتشعل بين الضلوع نارا تكاد تحرق الجسد.
ما أعجب الذكريات! إن عاش الإنسان دون ذكرى كان غريبا، وإن عاش بذكرياته: فإما أن يعيد ألما، أو يحيي أملا.
من العبارات الدارجة الخاطئة، عبارة “ما في قلبي على لساني” وهي تقال غالبا حين يجرح إنسانا بقول غليظ لا رقة فيه، فيقول الجارح هذه العبارة ليزكي نفسه من التلون.
وقد تقبل العبارة لو كانت الألفاظ جميلة حسنة، فنقول: “نعم القلب، ونعم اللسان” .. ولكن إن كان اللسان سليطا بذيئا جريئا فلا تقبل، ونقول: “بئس القلب، وبئس اللسان”، الإنسان مطالب أن يقول للناس حسنا، وأن ينتقي أطيب الكلمات وأجمل العبارات، فإذا كانت كلماته تجرح الأحاسيس وتدمي المشاعر؛ ثم يزيد الأمر سوء ويقول: إن هذه الكلمات من القلب، فلو سكت لقلنا: عثرة لسان لا يقصدها من قلبه، ولكن يقول السوء من القول ويرسل كل ما في قلبه دون تحفظ ولا تحرز فهذا من سوء الخلق.
الأصل في الحديث مع الناس أن يكون بأدب وخلق، فإذا عجز المرء عن قول الحسن، فليمسك لسانه، وليدع الناس من شره، “قل خيرا أو أصمت”، فالمسألة لا خيار فيها: إما أن تقول خيرا وهذا الأكمل، فإذا لم تقدر فاصمت فلا تؤذي أحدا بلسانك.
::لحظات فارقة::
حين شارفت الساعة على السابعة والنصف عدت إلى البيت، ولم تكن المسافة بعيدة، ولكنني لم أعد أجد ما يستهوني في البقاء خارج المنزل، فالخروج من المنزل أصبح مخيفًا، فحين تخرج من البيت كأنك تذهب لمعركة، ترتدي كمامة تقي بها نفسك، تبتعد عمن تخاطبه، لا تقترب من أحد، تخشى أن تأكل شيئا أو تلمس شيئا، درجة الانتباه والحذر في أعلى حالتها، تعيش كل لحظة في حالة شك وقلق.
لطالما خرجت لاستنشق الهواء النقي، ولأرى حركة الناس؛ إذ كانت تبعث في نفسي البهجة، فالخروج من المنزل كالأكسير يجدد الدماء في عروقي؛ ولكن مع طول المكث في البيت، ذهبت كل تلك الجماليات، فأصبحت أجد تثاقلا حين أرغب في الخروج، فأنا لا أحب أن أعيش في قلق، إذ ارتبط الخروج من منزلي بالقلق، فلا شيء يدهشك وأنت قلق! ولا شيء يمتعك وأنت تخافه وتخشاه! فآثرت أن أمكث في بيتي، فمتعتي هي في خلو ذهني من القلق
لا يتغيّر الإنسان دون عذاب؛ لأنه النحّات والمرمر في آنٍ معًا.
أليكسيس كاريل
من العبارات المنتشرة في هذا العصر، وللأسف صار لها قبولا، قولهم: “الترجمة خيانة للنص الأصلي”، العبارة بهذا التعميم لا تصح، فالترجمة ضرورة ملحة لتناقل العلم والمعرفة وتبادل الثقافات بين الأمم والشعوب، فهي عمل إبداعي تتطلب أشخاصا متمكنين في اللغتين؛ بل هناك من يرى الترجمة أنها عملية تأليف جديدة ولكن بطريقة مغايرة، فبدون الترجمة لأصبح هناك انقطاع بين الشعوب وعدم تواصل.
الترجمة تكون خيانة مقيتة إذا غيّر المترجم في النص الأصلي وبدّل في مضمونه، فتشويه النص الأصلي وإخراجه عن سياقه والتغيير فيه من أجل الثقافة الأخرى التي ينقل إليها هو خيانة، فالمحتوى الفكري يجب أن يبقى كما هو وإلا كانت الترجمة كاذبة خائنة.
ربما، وبدأت حديثي بربما لأنني في حالة ظن، ربما من العبث أن تكتب شيئا عن سيرة حياتك، أو عن أي شيء يتعلق بحياتك من أجل إظهاره للناس، فغالبًا الناس لا تهمها القضايا الشخصية مالم تكن تلك الشخصية مشهورة، فهم يريدون فقط معرفة خبايا وأسرار الشخصيات الشهيرة، فلا يقرأون من دافع التعلم من تجارب الآخرين ولكن من دافع الفضول، فهم يريدون جميع النواحي مكشوفة لديهم، فيسعدهم كثيرا التفاصيل الدقيقة جدًا وإن كان لا نفع فيها.
لذلك لا يهم الناس ما تكتب، فلا تجعل الناس في دائرة اهتمامك وأنت تكتب، فهذا سيجعلك مقيدا، ويكبح جماح قلمك، وتجد صعوبة بالغة في الكتابة لأنك انطلقت بفكر مصفد بأغلال لا أول لها ولا آخر، فما أن تتحلل من قيد إلا وتسقط في آخر، لذا لا تلتف للناس ولا تعيرهم اهتمامك، فقط التفت لمشاعرك وأحاسيسك، انظر لرغباتك ومراداتك، انثر كل ما يمليه عليك قلبك ودع ضميرك هو رقيبك، عندها سيجد قلمك طريقه، وسيسلك دروبا لم يسلكها من قبل، فطبيعة القلم الحر اقتحام مواطن يعجز عنها الذي تسلسل وتقيد بأواهم الرهبة من الناس والرغبة في إرضاءهم.
وليس شرطا أن تكتب من أجل أن يقرأ الناس، فليس دائما يكتب المرء من أجل الآخرين، فإن أردت الإبحار في ذاتك فاكتب من أجل ذاتك، اكتب لنفسك، خاطبها بقلمك، دعها هي المرسلة والمستقبلة، ودع الموضوع هو أنت، هو ما بين جوانحك، دع قلمك يعيش مع ذاتك، فلنفسك عليك حقا، اكتب دون تتعتع أو تردد، فلا تخاف أن تخطئ وأنت تكتب، ولا تخاف في قولك كل شيء؛ بل قل كل شيء، فمراسلة الذات: جمالها في مكاشفتها، وحسنها في جرأتها، بث كل ما يخالجك من خواطر وأفكار وأرحل في أعماق ذاتك، ولعل مما بقي من أسرار جمال الحياة هو سبر أعماق ذاتك.
وأنت تكتب لا تبحث عن جمال الكلمة ورونق اللفظة، ولكن ابحث عن كمال الفكرة وتمام النجوى، فالنفس تبحث عن المعاني الكاملة الصادقة وتتغاضى عن جمال المفردات، الخطاب مع ذاتك سمته الصدق والعفوية، وهذه أسمى ما يكون وأنت تسبر أغوار نفسك أن تتحلى بالصدق، وهذا أصعب ما يكون، فالقلم يتلكأ في كشف المعايب، ولكن لن يكون للحديث قيمة مالم يكن حديثه حديث صدق عفوي، اكتب لذاتك عن كل شيء عن غضبها وحلمها، عن بخلها وكرمها، عن غلظتها وسماحتها، عن جبنها وشجاعتها، دع قلمك يجري على أعنته، فلا تشد لجام قلمك فتقفل أبواب معرفة ذاتك. وتحياتي
من قال: “افرغ ذهني من كل الاعتقادات ثم أبحث عن الحقيقة حتى أجدها، كما وقع من الغزالي، والرازي، والجويني، وأضرابهم، فلا شك في ضلال طريقته حتى وإن أوصله بحثه إلى الحق في النهاية …
إنه لا واسطة بين الكفر والإيمان، فإذا فرغ نفسه من الإيمان فقد كفر قبل أن يفكر وينظر ويقدّر …
قال ابن القيم رحمه الله: “سمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ يقول: كيف يُطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟”.
من كتاب “منهج الأشاعرة في العقيدة” ص ٣٤
:همسة::
إذا رأيت أن كل شيء يسير ضدك، فلا تستسلم وتقف، بل استمر في مسيرك، فالطائرة تقلع للسماء والرياح ضدها، فقط قوي من عزيمتك وإرادتك.
في الحوارات، تجد، في الغالب، أن كل شخص يفترض الغباء في الآخر، فكل من لا يقبل فكرته أو رأيه فهو في نظره إما غبي أو جاهل أو أنه معاند … ولو تأمل المحاور قليلًا، وعكس المسألة على نفسه، وتساءل: ألا يمكن أن أكون أنا الغبي أو الجاهل أو المعاند؟
لكي تصل للحقيقة، أيا كانت تلك الحقيقة، عليك أن توجه النقد أيضًا لآرائك وأفكارك، فبدون ما تنقد أفكارك فستبقى أسيرًا لأفكارك التي ربما هي خاطئة .. فمن باب العدل: فكما أنك تنقد أفكار الآخرين فانتقد آراءك أيضًا مرتكزًا في نقدك على المنطق والبرهان العقلي وليس على مشاعرك وعواطفك الذاتية. والذين يتراجعون عن أفكارهم وآرائهم غالبًا أنها كانت نتيجة قراءة ومراجعة لأفكارهم، فاكتشفوا الخلل فيما كانوا يظنون فتركوا ما ظنوا أنه حقا.
ولكن لعل ما يمنع الإنسان من التراجع حتى ولو ظهرت له عوار فكرته وخلل رأيه، هو التعصب المسبق، والتعصب هو داء الأدواء، فقلما تجد إنسانًا لا يتعصب لأمر حتى ولو كان خاطئًا، فالتعصب يمنع الإنسان من أن يتراجع عن فكرته، ويبقى متمسكًا بها، يغذيها بالمعلومات الخاطئة والأوهام الزائفة كي يجد انسجامًا مع ذاته، وهيهات. لذلك أبذل جهدًا في أن تكون متجردًا قدر الإمكان كي ترتقي بفكرك.
::همسة::
كونك سعيدًا لا يعني أنك حققت ما تريد أو أنك تعيش حياة كاملة: ولكن يعني أنك قررت أن تتعالى فوق الأحداث والأشياء وألا تجعل شيئا يسلب سعادتك.
أحيانا نتصور أنه ليس لدينا شيئا نقوله ..
أريد منك الآن أن تمسك القلم، ودعه يكتب عما يجول في نفسك .. بث ما في نفسك لقلمك .. لا تدعه يتوقف .. اكتب ولو كلمات لا معنى لها .. ستجد أن لديك أشياء كثيرة يمكن أن تقولها .. وأشياء كثيرة تستحق أن تُقال وتُسمع .. وأنك تملك معاني جميلة راقية .. ولكن مشكلتنا أننا لا نبوح عما في أنفسنا .. ولا نعلن عن أفكارنا .. 😔
حاول أن تكتب ولو شيئا يسيرًا .. اليوم قد تجد صعوبة .. لكن في الغد ستجد الأمر سهلًا ممتعًا .. فقط أبدأ ولا تحرم نفسك متعة الكتابة الذاتية .. كن شجاعًا ولا تخاف من النقد .. ولا تخشى الخطأ .. عندها ستحلق بقلمك في سماء الابداع .. والمتعة.
::همسة::
في الأوقات العصيبة انظر دائمًا للجانب الإيجابي.
لا يمكن لأي إنسان أن يفهم ما يدور حوله من أحداث مالم تكن قراءته للحدث قراءة موضوعية، ويقصد بالقراءة الموضوعية هو التخلي عن الأحكام المسبقة، وعن الرغبات الذاتية. فمن الموضوعية أن تنظر للحدث كما هو، فالواقع هو الذي تنطلق منه. ومن الموضوعية ألا تعطل الأسباب، فلكل حدث أسبابه، فالنظر للسبب مقدمة موضوعية لفهم الحدث. فالفهم الموضوعي يتحتم أن تستخدم البرهان العقلي والنظر المنطقي للحدث وليس الانطباعات الذاتية والعواطف والمشاعر الشخصية.
والحقيقة النظرة الموضوعية لا يمكن أن تتحقق إلا بعد قراءة وتعمق، فالقراءة تفتح الآفاق للمعرفة والفهم، وتعمل على كشف الأسباب والنتائج، وتجيب على أسئلة كثيرة تساعد القارئ على سد الثغرات المعرفية التي يحتاجها للوصول للموضوعية.
الناس في خطابها العام لا تتجه للطرح الموضوعي؛ لأن الموضوعية مجهدة للفكر، وتتطلب دقة في المعلومات، والناس لا تميل إلى هذا؛ وإنما تريد التبسيط في التفكير، وسرعة في الوصول للنتيجة، لذلك تنظر للأشياء من زاوية ذاتية وما يتوفر لها من معلومات دون البحث والتنقيب، وغالبا ما يكون الحكم على الحدث غير صحيح، ولكن للكسل والعجز يتبنون هذا الحكم الذاتي.
اللحظات القاسية هي اللحظات التي يستولي فيها الملل علينا، فحين يتسلل الملل للنفس، فإن الإنسان نفسه تنقبض، ويضيق مما حوله، فيترك ما يعمله، فإن كان يقرأ كتابا ألقاه جانبا، وإن كان يتصفح الانترنت فإنه يغلقه، ولا يجد رغبة في الجلوس مع أحد، لحظات مريرة تتعب الإنسان حتى تنقضي، فالملل إذا تسرب للنفس وعاودها فإن كل شيء يصبح لا روح له ولا جمال فيه.
الملل يعتري كل شخص فلا يسلم منه أحد. فمرور الملل على الإنسان أمر طبعي، ولكن الإشكالية في استمرار الملل أو كثرة معاودته، فلو رأيت من نفسك كثرة الملالة، فقف وتأمل ما سبب ذلك! انظر إلى طبيعة حياتك لماذا يساورك الملل بكثيرة؟ هل جدولك اليومي مفعم بالعمل والنشاط؟ هل حياتك تسير على نمط واحد أم فيها تغيير؟
طريقتنا في الحياة إذا لم نعيشها بفن فإن حياتنا تكون مملة ومتعبة، لا يشترط أن يكون لديك مالا وافرا كي تنعم بحياتك ولا يساورك الملل، ولكن ما يشترط أن يكون لديك قدرة في التحكم في مشاعرك، وقدرة في التنوع في سلوكياتك اليومية. التغيير والتجديد أمرا لازما كي نتخلص من الرتابة، ولا يكتفي التغيير في الأشياء والأدوات، ولكن لابد من القدرة على تغيير المشاعر، فحين يصيبك رتابة وسأم فغير مباشرة تفكيرك، فحقيقة الملل ينبعث من الداخل وليس من الخارج.
علينا أن ندرك أن الملل جزء من الحياة، فحين يصيبك الملل فلا تزيد الأمر سوء بالاستسلام له أو اتخاذ وسائل غير شرعية في التخلص من الملل، حاول دائما أن تهدئ نفسك وتلطف ذاتك، فأنت قد تكون العدو الأكبر لذاتك أو المنقذ لنفسك من وضعها الممل، لا تقفل نوافذ الحياة ولا تنظر لها بيأس، ولا تتخذ قرارا سلبيا حال شعورك بالملل؛ ولكن تحمل ما تمر به بصورة إيجابية، فحين تواجه مللك بصورة إيجابية فإنه سريعا يتلاشى.
::فضية للنقاش::
كنت أتحدث مع بعض المعارف، فقال لي بتحسر: لقد ذهب رمضان، وأشعر بحزن، فأنا لا أختم القرآن إلا في رمضان؟
فتساءلت: ما سبب عدم قدرة الناس على ختم القرآن ولو مرة واحدة خلال السنة؟
لماذا يستطيع الشخص أن يقرأ القرآن في رمضان، وقد يختمه عدة مرات ولا يستطيع في بقية الشهور؟
وددت تعليقكم على هذه القضية … ولكم شكري
::همسة::
أسرع طريقة للتخلص من نقد الناس، أن لا تفعل شيئا، ولا تقل شيئا .. فلن ينتقدك أحد.
:همسة::
الجمال الحقيقي هو: في نقاء القلب، وطهارة اللسان.
لماذا ارتدي الحجاب؟
من المهم أن تتساءل المرأة حين ترتدي الحجاب هذا السؤال، لماذا ارتدي الحجاب؟ فحين تجيب المرأة على هذا السؤال جوابًا مقنعًا فإنه يعطيها ثقة وارتياحًا وتمسكًا بحجابها. فالحجاب في هذا العصر الحديث محارب بشكل قوي، حتى جعل الغرب هناك علاقة بين الحجاب والإرهاب، وجعلوه أمرا معيبا، فأثرت تلك النظرة السلبية الكاذبة عن الحجاب على بعض المسلمات فغدون يشعرن بالخجل وهن يرتدين الحجاب، ويعتقدن أنهن غير مرحب بهن، وأنهن يؤيدن العنف والإرهاب طالما هن ترتدين الحجاب، وأن الحجاب من الموروث الذي انتهى زمنه، وأنه ليس معيارا للجمال والحرية، فمعيار الجمال هو التكشف كما يقول بذلك دعاة التبرج، وأن سوق العمل لا يرغب في المحجبات، فسوق العمل يهتم بالمظهر أكثر من الكفاءة والمؤهل الخ تلك الدعوات الكاذبة.
فمع هذه الدعوات ضد الحجاب كان لازمًا للمرأة أن ترتدي حجابها عن قناعة تامة، وعن رضا داخلي لكيلا تهتز ثقتها بلبسها ولا تكون فريسة لدعاة التبرج.
وأول ما يخطر في ذهن المسلمة أن الحجاب أمر ديني فرضه الله تعالى في كتابه، وهذا أصح ما يقال إن الحجاب أمر تعبدي فرضه الله تعالى على المرأة، فهو عبادة يتقرب بها لله تعالى. وهذا الذي يجعل المرأة تقتنع وتدافع عن حجابها، فقبل ذكر التعليل أو الحكمة من وراء ارتداء الحجاب يجب أولا ذكر الأمر الشرعي، وإن الأمر تعبدي طاعة لله تعالى سواء عُرفت الحكمة أم لم تعرف.
الداعون إلى نزع الحجاب أول ما يذكرون في دعوتهم أن الحجاب ليس عبادة؛ بل عادة توارثها الناس، فهم يعلمون أن أقوى أمر يجعل المرأة ترتدي الحجاب هو اعتقادها أن الحجاب عبادة، لذلك دعاة النسوية يدندنون على هذا الأمر كي تتخلى المرأة عن حجابها، ولا ريب أن الحجاب فريضة ربانية فرضها الله تعالى بنص الكتاب والسنة.
ولعل من الحِكم من وراء الحجاب أنه رمزا للهوية الإسلامية، فارتداء الحجاب هو إشارة بأن المرأة بحجابها أنها تعلن للملأ أنها مسلمة الهوية. فالحجاب فيه تمييز بين المسلمة وغير المسلمة، ويظهر هذا بشكل واضح في الغرب، فإنه يميزها عن غيرها ويدل على إسلاميتها. وهذا يعني أنها تتصف بصفات المسلمين، فيكون حماية لها من تعرض الرجال لها، فهم يعلمون أن المرأة المسلمة لا تختلط بالرجال ولا تقم علاقات غير شرعية الخ من الضوابط الشرعية التي يظهرها ارتداءها للحجاب.
ولا نقول إن الضمان الوحيد لحصانتها وعفتها هو الحجاب فذلك إفلاس في التربية، ولكنه معين في حمايتها من الإيذاء والتحرش، فالحجاب يمنع المرأة الابتذال ولخلاعة.
::الشكوى من فساد الزمان::
قضية “الشكوى من الزمن” الذي يعيش فيه الإنسان أجدها قضية قديمة جدًا، ولا يكاد يمر زمن إلا وفيه من يشتكي من أهله زمانه، وأذكر هنا بعضا من ذلك وليس على سبيل الاستقصاء والبحث، وإنما أقوالا متفرقة تدل على المقصود.
لعل أمنا عائشة رضي الله عنها وعن الصحابة الكرام كانت من أوائل من اشتكى من أهل زمانه، فقد كانت تتمثَّل ببيت لبيد بن ربيعة:
ذَهبَ الَّذَينَ يُعاشُ في أَكنافِهِم ** وَبَقيتُ في جِلدٍ كَجَلدِ الأَجرَبِ
ثم تتابع الناس في ذم زمانهم، فقال أبو معاوية قالت عائشة رضي الله عنها: ويح لبيد لو أدرك هذا الزمان. قال عروة: وكيف لو عاشت عائشة رضي الله عنها إلى هذا الزمان. قال هشام: فكيف لو بقي عروة إلى هذا الزمان. وقال أبو معاوية: فكيف لو بقي هشام إلى هذا الزمان. وقال العباس بن الحسين نحو ذلك. وقال أحمد بن علي: وقال ابن فراس مثله.
وعن أبي مسلم الخولاني (ت:62هـ) قال: كان الناس مرة ورقا لا شوك فيه وإنهم اليوم شوك لا ورق فيه.
وقال الثوري (ت:161): “والذي لا إله إلا هو، لقد حلت العزلة في هذا الزمان”. قال الغزالي: “ولئن حلت في زمانه ففي زماننا هذا وجبت”. وصدق الغزالي في تعليقه.
ويصرح الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى (ت: 187هـ ) أن أهل زمنه قد فسدوا، فيقول: “إن الزمان فسد أهله، فرحم الله, من لزم بيته، وتخلى بربه، وبكى على خطأته”.
وفي كتاب “السنة” للبربهاري، وهو في القرن الرابع ونجد من العلماء يقول: “واحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة، وانظر من تجالس وممن تسمع ومن تصحب، فإن الخلق كأنهم في ردة إلا من عصمه الله منهم”. فهذا التحذير قديم جدا قبل أكثر من ألف سنة، ولا زال كل عالم يحذر من فساد الزمان الذي يعيش فيه، حتى كأن
وقد قال القاسمُ بنُ فيرُّه الشاطِبي وهو في القرن الخامس:
وَهذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي … كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ الْبَلَا!
وَلَوْ أَنَّ عَيْنًا سَاعَدتْ لتَوَكَّفَتْ … سَحَائِبُهَا بِالدَّمْعِ دِيمًا وَهُطَّلَا!
وَلكِنَّها عَنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ قَحْطُها … فَيَا ضَيْعَةَ الْأَعْمَارِ تَمْشِي سَبَهْلَلَا!
اكتفي بهذه النقولات كي لا يطول المقام، وكما قرأنا منذ العصر الأول وهناك صرخة تشتكي من فساد الزمان، وهذا سبب لي إشكالا وهو: ما الزمن الذي لم يلحقه الفساد؟
لا ريب أن زمن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام هو خير الأزمنة وأفضلها على الإطلاق، ثم من بعد هذه الفترة الزمنية يقل الخير، فقد قال عليه الصلاة والسلام “لا يَأتي زمَان إلاَّ الذي بَعْدَهُ شرٌّ مِنهُ” رَوُاهُ البخاري. ولكن الاشكال: أن نجد في القرون المفضلة من يشتكي من سوء الزمن، فماذا نقول نحن؟
حين نقول إن الزمان قد فسد، فإنه يترتب عليه العزلة، فالعزلة تستحب عند فساد الناس، ويترتب عليه اليأس من الإصلاح محال، والعمل على إرجاع مجد الدين عبث وضلال. لذلك أميل لعدم التحذير من فساد الزمان، ولكن يكون التحذير من المعصية ومن أهل المعاصي أما إطلاق التحذير من أهل الزمان، فهذا يصيب المرء باليأس. رأيكم يهمني في هذا الموضوع.
::همسة::
لا تتخذ قرارا بناء على مخاوفك .. لا تجعل الخوف يقرر مصيرك.
حين يقال لك: كن موضوعيًا في كتاباتك أو كلامك .. أي حكّم عقلك دون عواطفك .. فهل يمكن للإنسان أن يكون شخصًا عقلانيًا صرفًا دون أن يتأثر عقله بعواطفه ومشاعره؟
لا أتصور هذا ..
في رأيي، وقد أكون مخطئًا، أنه لا يمكن للإنسان أن يكون عقلًا فقط دون عواطف، فالعواطف والأثر النفسي تتداخل بشكل قوي في تفكيرنا وآرائنا، فالموضوعية لا تتحقق بشكل كلي ولكن بصورة نسبية.
مهما بذل الإنسان من جهد في أن يكون حكمه ناتجًا عن فكر دون عواطف، ورأيه نزيهًا بعيدًا عن مؤثراته النفسية فإنه لا يستطيع، فلا يمكن للإنسان أن يتجرد عن مشاعره، فستبقى للمشاعر أثر في حكمه وتصوراته ولو بشكل خفي.
دعوني استرسل قليلًا، يقول “أنتول فرانس” : “إننا لا نكتب إلا عن أنفسنا، ولا نقرأ حين نقرأ إلا أنفسنا”. في الوهلة الأولى قد نراه مبالغًا؛ ولكن لو تأملنا قليلًا لوجدناه لامس الحقيقة، فنحن حين نقرأ؛ نريد أن نقرأ لمن يشاكلنا، نريد أن نرى صورتنا فيما نقرأ، ولو كتبنا فإننا لن نترك ضمير “الأنا” سنصيغه بأي عبارة وصيغة، و”التعبير الذاتي” ليس عيبًا، فكبار الأدباء والكتاب ما تزال الصبغة الذاتية هي السائدة في أحاديثهم وكتاباتهم.
لا أقصد في حديثي أن “الموضوعية” ضرب من الخيال، ولكن ما أقصده: أن الموضوعية لا تنفصل عن الذاتية، فانطباعاتك وتصوراتك؛ بل حتى محبوباتك ورغباتك سيكون لها في الموضوعية التي تسعى لها ولو بشكل خفي
::همسة::
إذا لم تضحِ من أجل ما تريد؛ فإنك ستضحي بما تريد.
::الأمل …::
لو غاب شعاع “الأمل” من سماء الإنسان لعاش في عتمة لا يرى فيها شيئا ..
لو رحل الأمل لبقي الخوف يرعبنا والحيرة تجزعنا ..
رياح الأمل تدفعنا لنخرج من بويتنا ونرسم حياتنا من جديد ..
ما أجمل الأمل فهو يمنحنا السكينة ويزرع الطمأنينة في أرواحنا المفزعة..
ما أجمل الأمل حين ينبعث من النفوس، فهو يقوي عزائمنا ويستجيش قوانا ..
ما أجمل الأمل فهو يهون الصعاب ويفتح أبوابا قد أُغلقت ..
أيقنت أن الذي يجدد الحياة هو “الأمل” ..
:أسئلة حول السعادة::
هنا أثير بعض الأسئلة المتعلقة بالسعادة .. أضع أسئلة دون أجوبة لها .. فأنا أعلم أننا لن نتفق في الأجوبة .. أسئلة أنثرها دون ترتيب فالهدف هو اكتشاف معنى السعادة ..
ودعوني أبدأ هذه الأسئلة بهذا التساؤل:
• هل قيمة السعادة تكمن في البحث عنها أم في الوصول إليها؟
• فهل السعادة بحثا مستمرا لا يمكن الوصول إليها، حتى ولو وصلت للسعادة فإنك تبقى في حالة بحث عنها، يعني استحالة الوصول إليها. أم يمكن تحقيقها والوصول إليها. ولو وصلت للسعادة فهل ستبقى أبدية أم حين الوصول إليها ترحل وتتلاشى؟
• هذه الأسئلة تفتح أبوابا لأسئلة أخرى:
• هل يمكن تحقيق السعادة بشكل فردي أم لابد أن يكون هناك أًناس يشاركونا في تحقيق سعادتنا؟
• ويتعلق بذلك: هل السعادة هي الشعور بالمتعة؟
• هل السعادة تكتسب من الخارج أم تنبعث من الداخل؟
• هل المعاناة تنفي السعادة، أم أن السعادة لا تأتي إلا من معاناة؟
• العاشق المتيم يعيش معاناة في عشقه، ويشعر بسعادة في عشقه، فكيف تجتمع المعاناة والسعادة؟
• لو افترضنا جدلا: إن الحياة لا موت فيها ولا مرض ولا ألم ولا فقر ولا معاناة .. فهل نال الإنسان سعادته؟
• وهل سيشعر بكآبة السعادة، إن صحت التسمية؟
• هل تحقيق السعادة هي الغاية الأسمى الإنسان؟
• هل السعادة هاجس كل إنسان؟
• هل السعادة هي النجاح وتحقيق الهدف، أي: هل كل ناجح سعيد؟
• إذا كانت السعادة في تحقيق اللذة، والحيوان يحس باللذة، فهل الحيوان أيضا يشعر بالسعادة؟
• ما علاقة الفرح بالسعادة؟ هل الفرح هو السعادة؟
• الدين، والفن، ما علاقتهما بالسعادة؟
• هل الجمال المادي والمعنوي هو السعادة أو ما علاقته بالسعادة؟
• العيش الهنيء والأمن .. هل هما ذات السعادة؟
• ما علامة الحياة البائسة وما علامة الحياة السعيدة؟
• المرض والفقر والفُقد .. هل هي فعلا تسلب السعادة؟
• الناس يربطون السعادة بالمال، فهل علاقة السعادة بالمال علاقة تلازم؟
• هل علاقة الفضيلة بالسعادة كعلاقة المال بالسعادة؟
• هل يمكن أن يكون هناك شخصا سعيدا كامل السعادة لا يشوب حياته شيء من الكدر؟
• هل السعادة نوع واحد؟ أم هناك سعادة صغرى وسعادة كبرى ..؟
• الشجاعة، الذكاء، الكرم .. وفي المقابل: الجبن، الغباء، البخل .. أي ذلك يجلب السعادة؟
• هل الأغبياء أكثر سعادة أم الأذكياء أكثر؟
• أيهما أكثر سعادة: الرجل أم المرأة؟ الكبير أم الصغير؟
• هل للسعادة حد زمني؟ أم أنها لا تعترف بالزمان ولا المكان؟
• لماذا ترتبط الطفولة بالسعادة، هل السعادة هي الخلو من الهم؟
• ما سر اختلاف الناس في تحديد مفهوم السعادة وفي وسائلها؟
عندما ما يرهقني التعب ويثقلني النوم؛ أحاول دومًا أن أدفع النوم بقدر استطاعتي؛ لأني أشعر أنني بحاجة ملحة إلى الإنتباه والتفكير أكثر من حاجتي للنوم.
ولكن يزداد تعبي حتى لا أقوى على المقاومة، أذهب لغرفتي وما أن ألقي بنفسي على الفراش حتى تتسارع الأفكار نحوي وكأنها تنتظر لحظة الظلام لتستيقظ هي من سباتها وتوقظني معها، فيدبر عني النوم وأبقى ملازما للفراش: لا مستيقظا ولا نائما، فلا جسمي يقوى على النهوض من التعب، ولا الأفكار تتركني وتدعني أنام.
لا أعلم هل هذا من الشقاء! لا أعلم .. ولا أدري لماذا تتزاحم عليّ الأفكار حين أريد النوم! ففي النهار كان همي كيف استدعي الأفكار، والآن همي كيف اتخلص منها، ومن نكد اللحظات وتعاستها أنني دومًا أفشل في تشتيتها وإبعادها عني، ويزداد حنقي، حين استيقظ من نومي ولا أجد تلك الأفكار التي اسهرتني وأرقتني… لست أدري: هل أنتم مثلي قد أثقلتكم أفكاركم؟
وفاة أبي ذر رضي الله عنه وفاة غريبة، فيها من الحزن والألم الشيء الكثير، فقد وافته المنية وهو في منفاه، بعيدًا عن الناس، يعاني ألم البُعد والوحشة، قد كبر سنه، وأثقله المرض، ولم يكن معه حين وفاته إلا امرأته، فقد مشى وحده، ومات وحده.
يذكر البيهقي في “دلائل النبوة” (401/6) كيف كان فجعة وقلق زوجته حين موته لوحده، فقالت أم ذر: “لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال لي: ما يبكيك فقلت: ومالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض وليس عندي ثوب يسعك كفنا لي ولا لك قال: فأبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم: «ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين» وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة فأنا ذلك الرجل والله ما كذبت ولا كذبت فأبصري الطريق.
فقلت: أنا وقد ذهب الحاج وتقطعت الطريق.
قال اذهبي فتبصري.
قالت: فكنت أشتد إلى الكثيب ثم أرجع فأمرضه فبينما أنا وهو كذلك؛ إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تخد بهم رواحلهم … قالت: فألحت بثوبي؛ فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي فقالوا: من هو؟ قالت: أبو ذر!
قالوا: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم! ففدوه بآبائهم وأمهاتهم- وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال: أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين فما من أولئك النفر رجل إلا وقد هلك في قرية وجماعة والله ما كذبت ولا كذبت، أنتم تسمعون أنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها، أني أنشدكم الله ثم إني أنشدكم الله أن لا يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا. وليس من أولئك النفر إلا وقد قارف ما قال، إلا فتى من الأنصار فقال أكفنك يا عم أكفنك، في ردائي هذا أو في ثوبين في عيبتي من غزل أمي. قال: أنت فكفني فكفنه الأنصاري من النفر الذين حضروه وقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان.
وكان في هذا الحديث عن أبي ذر: فأبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يموت- بين امرأين مسلمين- ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا».
لحظات من الألم لا تُنسى عاشتها أم ذر وهي تودع رفيق دربها، وأنيس وحشتها، لحظات مؤلمة مفجعة لا يمكن أن تنسى ألمها وفزعتها وهي تطفئ سراج أبي ذر الذي لن يغيب نوره عن فؤادها المكلوم.
الظن يراد في القرآن على معنين: اليقين والشك.
وقد نقل أبو البقاء في كتابه “الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية” ص 588 عن الزركشي ضابطين في معنى الظن في القرآن، فقال:
“وقال الزركشي: للفرق بينهما ضابطان في القرآن:
أحدهما: أنه حيث وجد الظن محمودا مثابا عليه فهو اليقين، وحيث وجد مذموما متوعدا عليه بالعذاب فهو الشك:
والثاني: أن كل ظن يتصل به (أن) المخففة فهو شك نحو: {بل ظننتم أَن لن يَنْقَلِب الرَّسُول}
وكل ظن يتصل به (أن) المشددة فهو يقين كقوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي ملاق حسابيه} ، والمعنى في ذلك أن المشددة لتأكيد فدخلت في اليقين، والمخففة بخلافها فدخلت في الشك”.
:لحظة اعتراف::
لا أخفيكم سرًا، أنا من الأشخاص الذين لا يقرأون الروايات، فالروايات التي قرأتها في حياتي قليلة جدًا، ولا أعلم ما سر هذا مع قناعتي أن الرواية أسلوب ماتع في توصيل الفكرة. وقناعتي أن الرواية الجيدة: تنمي الخيال وتزيد من المحصول اللغوي للقارئ، بل وأراها مدرسة لفهم الحياة ومشاهدة صور لا تظهر إلا في الرواية. ولكن لا أعلم لماذا قراءتي للروايات قليل جدا.
أذكر في صغري أنني قرأت جُل روايات وكتابات “غادة السمان”، وكثير من روايات “نجيب محفوظ”، ثم تركت هذا الفن واتجهت للقراءة العلمية التي صرفتني عن قراءة الرواية، والحقيقة أن مكتبتي فيها كثير من الروايات ولكن لضيق الوقت ولتزاحم القراءة لم أتمكن من قراءة ما اقتنيه من روايات، حتى أنني قررت يوما أن أقرأ روايات “مدن الملح” للروائي عبدالرحمن المنيف، وهي خماسية مشهورة، فقرأت المجلد الأول “التيه”، ثم تركتها وعدت لقراءة الكتب العلمية، أجدني في صراع ونزاع مع نفسي، إذ تتوق نفسي لقراءة الروايات وما أن أقرأ رواية إلا وأجدني أجد في إنهائها كي أعود لقراءة ما اعتدت عليه.
لست أعلم هل أنتم مثلي، تكونون في حالة شد وجذب مع الروايات؟
إذا كان المرء لا يدري إلى أي ميناء يريد أن يذهب، فإن كل ريح تهب عليه لا تناسبه.
فرانسيس بيكون
“إن أكثر تجليّات التناقض في حضارتنا ثتمثّل بالإجلال الذي نكنّ للحقيقة، والإهمال الذي نمارسه في كلّ ما يتعلّق بها”.
فيلهلمور ستيفانسون
ترتيب الأفكار قضية معقدة كتعقيد الأفكار ذاتها، فالفكرة لا تنمو لوحدها بل تحتاج لفكرة أخرى وثالثة ورابعة وهكذا دواليك دون معرفة آلية ترتيبها، وكيفية تنظيمها فإنها تنتقل من السلاسة والبساطة إلى التعقيد والغموض، ووجود الأفكار لا يعني بالضرورة القدرة على ترتيب الأفكار، فأنت قد تجد بعض الفلاسفة الكبار ينتج أفكاراً جميلة ولكنه لا يحسن ترتيب هذه الأفكار فيكون غامضاً لدرجة أن الناس ينفرون من قراءة أفكاره، فهو قد أحسن توليد الأفكار لكنه لم يحسن في تنسيقها.
:لفتة لتكوين المبدعين::
العطاء المعرفي ليس له بداية عمرية محددة، وإنما يعتمد بشكل كبير على الجهد والنبوغ، ونحن لو تأملنا في سيرة العبقري الجليل مالك بن أنس رحمه الله تعالى لوجدناه بدأ طلب العلم وعمره سبع سنين، ليكون شيخ علم في سن السابعة عشر من عمره، فتصدره للفتوى وهو بهذا السن دلالة وعي وأثر جهد بذله خلال نموه. وهو لم يتصدر الفتوى بقرار ذاتي وتزكية ذاتية؛ وإنما بتزكية من علماء كبار في زمنه، فقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه “الفقيه والمتفقه” (2/325) عن أنس بن مالك قوله: “ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك”. فكان لا ينصب أحدا للفتوى حتى يشهد فقهاء عصره بأهليته لذلك. وأنس بن مالك نفسه يجعل ضابطا للمفتي وهو أن يكون علماء عصره يشهدون له بأنه أهل لذلك، فيقول: ” ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل يراني موضعا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو نهوك، قال: كنت أنتهي، لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه “.
ومثله الشافعي رحمه الله تعالى، فقد حرص منذ صغره على التعلم المبكر حتى نال درجة الإفتاء وهو في عمر الخامسة عشر، جاء في “لوامع الأنوار البهية” (2/462) قول الشافعي عن نفسه – رحمه الله تعالى -: “حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر. وقال الربيع بن سليمان: كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة”. فالمعرفة لا ترتبط بالسن وإنما كما ذكرت بالجهد والنبوغ؛ حتى قال هارون بن سعيد الأيلي: “لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة أنه من الخشب لغلب لاقتداره على المناظرة”.
ولو استرسلنا في الحديث لوجدنا أن كثيرا من المبدعين في تاريخ الأمة ارتبط ابداعهم بجهدهم منذ الصغر، فالصغير حين يُعلم ويُربى على المعرفة ومجالسة العلماء فإنه غالبًا سيكون عالمًا متميزًا، وحين يترك في صغره دون رعاية علمية ولا اهتمام له في تحفظيه والقراءة له فإنه سيكون شخصًا عاديًا حتى ولو كان يملك الموهبة والقدرة على الإبداع، فالإبداع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجهد والكد والبذل والحرص؛ وليس فقط على المقدرة الذهنية، فالعقل الذكي إذا لم يهذب ويعلم فإنه سيكون عقلا عاديا أو عقلا غير منتج للمعرفة
إذا ناقشت أحدًا نقاشًا علميًا، في قنوات التواصل الاجتماعي، ولم تتجاوز في نقاشك الأدب وأخلاقيات النقاش العلمي؛ ثم عمل لك “بلك” فحال هذا الرجل لا يخلو من أمرين:
• إما أنه متعصب لقوله، ولا يريد قولًا آخر حتى ولو كان القول الآخر هو الحق.
• أو أنه جاهل ولا يريدك أن تظهر جهله وتبين خطأ قوله.
والجاهل والمتعصب يجدر بالمرء ألا يدخل معهما في نقاش علمي البتة، فالجاهل حقه التعلم وليس المناقشة العلمية، والمتعصب حقه الوعظ وبيان أن التعصب يكون للحق وليس لحظوظ النفس وهواها.
قال شخص للسيوطي رحمه الله تعالى: إن أبا حامد الغزالي ليس بفقيه، وإنما كان زاهدا.
فقال السيوطي: وقول هذا الجاهل: إن الغزالي ليس بفقيه، فهو من أجهل الجاهلين، وأفسق الفاسقين؛ فقد كان الغزالي في عصره، حجة الإسلام، وسيد الفقهاء، وله في الفقه المؤلفات الجليلة، ومذهب الشافعي الآن مداره على كتبه؛ فإنه فتح المذهب، ولخصه بالبسيط، والوسيط، والوجيز، والخلاصة، وكتب الشيخين إنما هي مأخوذة من كتبه.
الحاوي للفتاوي، ١/٢٥٥
بأي حال عدت يا عيد
كعادة كل عام حين ينقضي رمضان نسمع من يقول: بأي حال عدت يا عيد .. وكأن هذه العبارة هي من الأذكار الموسمية التي تقال في العيد كي تذهب بهجة العيد وسعادته.
وأسوأ ما يكون من حال للمرء حين يأتيه موقفا سارا ينبغي أن يفرح به وفيه، فإذا به يجعله موقفا حزينا تعيسا، فمن التعاسة أن يجعل الإنسان لحظة الفرح لحظة للشقاء، حتى كأن التعاسة ضربة لازب له لا انفكاك منها.
وقد تجاهل أو تناسى أن للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، فيفرح أن الله تعالى أعانه وأتم صيامه، ويحمد الله تعالى على ذلك بقلب ممتلئ بالسعادة والهناء، ولا يقول ما قاله الشاعر:
عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ … بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟
أما الأحبة فالبيداء دونهم … يا ليت دونك بيد دونها بيدُ
ما شُرع العيد إلا ليوقظ روح السعادة في قلب المؤمن، فحرمت الشريعة صوم العيد ليفرح ويبتهج، ويشعر الناس بمعاني البشر والأنس، ولعل زكاة الفطر كانت من أجل جعل تحقيق سعادة شاملة للغني والفقير، فلا يفكر الفقير في يوم العيد بعيشه، بل ينسى همه في يوم العيد ويبتهج مع الناس، فلا يطوف في قلبه هم، فهو يتذكر أنه في لحظة فرح فيجهد نفسه أن يبقى الفرح يسكن قلبه ويملأ عينيه، والسعيد من يرى محاسن الوجود.
فإن تساءلت وقلت: بأية حال عدت يا عيد. فقل: عاد وأنا في صحة وعافية، فلا تتمثل كلام المتنبي في العيد، ولكن أهنأ بالعيد وثق أن الله تعالى جاعل لك ضيق مخرجا، ولكل هما فرجا.
تعلق بعض الناس بالأفكار المادية غالبا ليس عن اقتناع علمي وإنما عن انبهار بالحضارة المادية، وهناك فرق بين الاقتناع والانبهار، فالاقتناع يأتي نتيجة دراسة علمية والتزام بالمنهج العلمي والبحث الموضوعي، وهذا لا تكاد تجده. أما الانبهار فهو نتيجة تهويل وتعظيم ينبعث من الذات دون دراسة لجذور الأفكار وإنما الاكتفاء بالمظهر الخارجي للحضارة المادية.
ومن أثر الانبهار بالحضارة المادية أنه يجعل النفس تخضع وتستلم للفكر المادي، فيرى أن الحق وكل الحق في الحضارة المادية وهذه الرؤية باعثها الخضوع النفسي دون التحليل العقلي. ومشكلة هؤلاء المتأثرون نفسيا أنهم يفسرون التناقضات المادية والتصورات الخاطئة تفسيرا خاطئا، فهم يرون أن الخطأ في فهمهم وعدم قدرتهم على استيعاب الحضارة المادية، فهم يعودون التناقضات المادية إلى عجز تصورهم وليس إلى الحضارة المادية ذاتها، وهنا يكون الاستسلام المطلق الذي يكون فيه الشخص عاجزا عن النقد.
إن من انكسرت نفسه واستسلم للفكر المادي، فلا يمكن أن يستعيد ذاته إلا بالاطلاع الدقيق على جذور المذهب المادي، وأن يعيد لعقله سلطانه، فالنفس المسلوبة لا يمكنها أن تدرك الحقيقة فضلا أن تنتقدها وتتبرأ منها، فمن أراد أن يتخذ فكرا مغايرا فعليه أن يهضم هذا الفكر المغاير هضما دقيقا، ويفهم أسسه الفلسفة فهما دقيقا، ورحم الله تعالى أبا حامد الغزالي حين أراد فهم الفلسفة عكف على دراستها لأكثر من سنتين، حتى استوعبها وفهمها، وأصبح كواحد من كبار رجالها، يقول عن نفسه في كتابه “المنقذ من الضلال”: «ثم إني ابتدأت ـ بعد الفراغ من علم الكلام ـ بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً: أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم.. فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب.. ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس وتحقيق وتخييل، واطلاعاً لم أشك فيه»، فلم يتبين للغزالي رحمه الله تعالى ما في المذهب الفلسفي من غوائل حتى فهم أسسه ووقف على أصوله، فالانبهار الخارجي دون إدراك ووعي لحقيقة المذهب تجعل المرء مسلوب القدرة على النقد والتقويم.
قال ابن عبدالبر في التمهيد (1/2): “أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار، فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء، في كل عصر، من لدن الصحابة إلى يومنا هذا”.
هناك من يعرف العلم بأنه نور يقذفه الله تعالى في قلب العبد. وتعريف العلم بأنه نور يقذف في القلب، فيه إشكال، فالعلم له أدواته ومبادئه وأصوله وقواعده، فالعلم يأتي بالسعي، فالعلم بالتعلم، ولا يمكن للمرء أن يميز بين الحق والباطل إلا أن يكون لديه مقدمات يبني عليه، وهذه المقدمات هي العلم، فلكي يميز القلب بين الحق والباطل يحتاج لعلم، فصار التمييز ليس هو العلم وإنما نتيجة.
كنت أتأمل .. ما سر تميز أهل المغرب بالطرح العلمي الرصين على مستوى الفلسفة وعلى مستوى التأصيل المعرفي!
وللجواب على هذا التأمل يتطلب الوقوف على البيئة العلمية التي انتجت هذا الكم المعرفي الحديث الذي لا نجده في المشرق، وعدم وقوفي على البيئة العلمية المغربية لا يمنحني القدرة في الوصول لنتيجة صحيحة.
ولكن أقول: استنباطا مما أجده في كتاباتهم هو تمكنهم من اللغة العربية من ناحية المعاني وقدرتهم على صياغة الفكرة في أسلوب أدبي رصين وهذا يعني أن معرفتهم تعتمد على القراءة وليس على المشافهة، ولست هنا في صدد مقارنة بين الطريقتين؛ ولكن التلقي عن طريق الكتاب ترتقي بالمرء من ناحية الأسلوب الكتابي وجمال الصياغة.
ولعل أيضا من الأسباب هو احتكاكهم المباشر بالثقافة الغربية، فقلما تجد عالما أو مفكرا مغاربيا لا يتقن لغتين، وهذا ربما جعلهم قادرين على تناول الأفكار المعاصرة قراءة ونقدا وتقديم رؤى لا نجدها عند القلم المشرقي.
ولك أن تضيف أن الفكر المقاصدي له أثر في ذلك، فلقد هيمن الفكر المقاصدي عبى الفكر المغاربي المعاصر مما جعله ينظر دوما للكليات والتي هي أساس الجزئيات، والنظر في الكليات تعطي المرء شمولية في التصور، وقدرة على الفهم أوسع من النظر الجزئي.
قراءتنا حين لا يكون فيها الجهد الذهني فهي قراءة بسيطة، سرعان ما تنطمس من الذاكرة، وتبقى رسوما في الذاكرة لا يحسن منها إخراج معنى مكتملا.
القراءة هي حفر في الذهن، هي كد للعقل، فعيناك تقرأ، وقلمك يكتب، ويشطب، ويستبدل، وحينا يضع لونا، وحين يضع خطا، فالقراءة تتطلب أن يستجمع القارئ معارفه ومنطقه اللغوي والمعرفي والفكري، حتى يفهم ما يقرأ ويتجاوز ما قرأ.
القارئ هو بين فكرين: فكر ما يقرأ له، وفكره الذاتي، فلا يريد أن يلغي فكره ولا يحق له، وعليه ألا يلغي فكر من يقرأ له ولا يحق له، وهذا سر الإجهاد الذهني: وهي المحاولة الجادة في فهم الفكرين، ثم الجهد الآخر في الوصول للحقيقة، وهذه تتطلب جهدا تجعل القارئ ينتقل من مرحلة التلقي إلى مرحلة النقد التي هي أشد معاناة وأصعب مطلبا.
أسوأ ما يكتب المرء حين يكتب للسوق، حين يكتب للثراء المالي وليس للثراء المعرفي، فمن كتب للمال فلن تجد منه فكرة خلابة، ولا معرفة فاتنة؛ بل غالب ما تقرأ رص عبارات وتكرار كلمات وإعادة انتاج الآخرين بصيغة مختلفة.
الكتابة هي تعبير عن الذات، هي إضفاء قيمة معرفية، وإثراء للمعرفة، وليست للاسترزاق، ولعلي لا أخطئ القول إن قلت: إن الذين يتاجرون بأقلامهم ويجعلون المعرفة سلعة للتكسب قد ساهموا في تسطيح الفكر، فالقلم لا يمكن أن يكون محايدا، فإما أن يرتقي بك أو يسفل بك. والقلم الذي لا يبالي بالمعرفة فلن يرتقي بالآخرين.
أحيانا يخالج المرء شعورا أن وضعه السيئ الذي يعيشه لن يتغير، ويتصور أن حياته ستبقى على هذا الحال.
وهذا الشعور هو شعور خاطئ بلا شك، فلو تأمل قليلا لأدرك أن الظرف الصعب الذي يعيشه لن يدوم وسيرحل ويكون من الذكريات، فهذه طبيعة الحياة؛ فهي في حال تغير وتبدل لا ثبات وسكون.
الابتلاء لا بد أن يمر بالإنسان، والابتلاءات صورها كثيرة جدا، وهذه الابتلاءات نستطيع تجاوزها إذا سلكنا الطريق الصحيح؛ ومن ذلك: الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، وحسن الظن بالله تعالى؛ فمن أسعدك في الماضي؛ سيسعدك في المستقبل، ومن صرف عنك السوء في الماضي؛ سيصرفه عنك في المستقبل، ومع حسن الظن هذا؛ ادع الله تعالى بأن يصرف عنك البلاء، فالله يريد منا أن نلتجئ إليه، “*أدعوني استجب لكم*”، فقط استحضر قلبك وارفع يديك وادعو بقلب منكسر لله تعالى ثم ارتقب الفرج ولا تستعجل.
ومع هذه الشدة التي تمر بها، تذكر أن لحظات الرخاء والسعادة كانت أكثر بكثير من لحظات المعاناة، فلو مر بك يوما ما يسوؤك فلا تتبرم وتجزع وتنس نِعم الله تعالى عليك والتي هي لا تحصى ولا تعد، بل كن شاكرا عند النعمى، صابرا وراضيا عند الضراء، ولو فعلت هذا لنعمت نفسك ولسعدت، *فمع الرضا يخف على النفس البلاء*، وكأنه لا ضيم ولا بلاء.
عوّد نفسك حين البلاء أن تحمد الله تعالى وتشكره، فأنت لست بذلك تنال الأجر فحسب؛ بل ترتقي بنفسك وتتعالى فوق المحنة التي تمر بها، فدع قلبك دائما في حالة ارتياح واطمئنان ورضا، فما اختاره الله تعالى لك هو خير، لذا دع نظرك وفكرك يتجه دوما نحو النعم وتعامى وتجاهل المحن التي تمر بك، *فلو جعلت بصرك لا يرى إلا المحن والمصائب فلن ترى المنح التي في طيات البلاء*، فالتفت دوما إلى ما أكرمك الله تعالى، لترى أن هذا البلاء كرامة من الله تعالى لك؛ ليكفر به سيئاتك ويرفع به درجتك، فتلقى الله تعالى وقد ذهب عنك السيئات ونلت عظيم الحسنات، *فالسعادة الحقيقية، والكرامة الكبرى أن تلقى الله تعالى وقد ذهب الله تعالى عنك سيئاتك*. فانظر للبلاء دائما بهذا المنظار.
كثيرا ما أؤثر الصمت في الحوارات والدردشات اليومية على الجهر برأيي وذلك طلبا للسلامة، وهربا من الجدال، وكسبا للقلوب. فبث الأفكار في كل قضية، والانتصار للقول في كل مسألة، أمر متعب، والحوارات الودية لابد أن يكون فيها ترك مساحات للآخرين أن يقولوا رأيهم، وألا يعترض عليهم، فهذا من التودد اللطيف.
حين يكون الهدف من الحوارات هو كسب الآخرين، وتقوية العلاقة، فلا يمكن أن يتحقق هذا الهدف والمرء دائما في حالة غلبة، وميل للمنازعة والمخاصمة. فالتجاوز عن الخلاف في الرأي، وترك الرأي الشخصي جانبا، في خلاف لا تضر فيه الموافقة أو المخالفة، أمر مهم في إراحة النفس من الجدل، وكسب قلب المحاور.
ولا يعني صمت الإنسان أن يعيش مهمش الرأي، ولكن معناه معرفة ما القضايا التي يقول فيها رأيه ويخاصم وينافح فيها عن رأيه، ومعرفة متى يترك رأيه جانبا ويتنازل عنه، فالمؤمن هين لين قريب سهل، ولا تتحقق هذه الصفات إلا بالسكوت عن الرأي حينا، والموافقة للغير فيما لا تضر فيه الموافقة، فالتودد أجمل بكثير من الانتصار للرأي.
تُرى كم رواية ستكتب عن كورونا وعن الحجر الصحي؟
كم قلم سيبدع في سرد القصص والأحداث في معايشته لهذه الأزمة؟
حدث كوني، لم يحدث مثله من قبل بهذه الصورة الغريبة، فالعالم صغُر جدا أمام هذا الحدث، وتقزم لدرجة التشابه في معالجة هذا الداء، رعب يكسو الأرض برمتها حتى يكاد يخنقها، فقد أصيب الأرض وحشة مخيفة، فلم تعد تسمع خفق نعال الناس، بل ما تشاهده هو خروج الحيوانات من جحورها لتلهو في طرق المدينة دون خوف من إيذاء الإنسان لها؛ فالناس قد تلاشت.
كأني أرى فايروس كورونا مستلقيا على ظهره، وقد أخرج لسانه مستهزئا وساخرا من بني آدم، ويقول: لو أكبر قليلا لقضيت عليكم.
وسخريته تدعو للتساؤل: لو واجهنا أكبر من هذا، كيف سيكون حالنا؟
أترك لكم الجواب …
ولكن دعوني أعود لبداية حديثي، كيف نحدث أطفالنا إذا كبروا عن هذا الوباء؟ كيف ننقل لهم مشاعرنا ومعاناتنا؟ .. كيف نحدثهم عن بقاءنا في البيت؟ .. وعن مشاهدتنا للفايروس وهو يقضي على الناس؟ .. إننا نعيش حدث تاريخي سيذكره الأجيال من بعدنا .. فهل نشعر بهذا الحدث!؟
حينما تكون في وضع معقد، وفي بيئة سريعة التغير، فأنت مطالب أن تكون صاحب مرونة كي تستطيع تواجه هذا التعقيد والتغيير السريع. الصلابة وعدم المرونة تعني الجمود في بيئات متحركة لا تعرف السكون.
المرونة هي: أن تتمسك دائما بحل وحيد، ويكون لديك طريقة واحدة في مواجهة جميع المشكلات. والمرونة أن يكون دائما لديك خيارات متعددة قابلة للتطبيق. وعندما تكون لديك أفكارا كثيرة؛ فهذا يعني تعدد طرق الحلول للمشكلات، فالأفكار الجديدة هي نوافذ جديدة لك في هذا العالم، فالعالم لا تغيره إلا الأفكار الجديدة.
..مع كورونا .. أصبحت ساعاتي متشابهة .. وأيامي متكررة .. فلم يعد هناك شيء جديد أو أمر مختلف .. فما عملته بالأمس سأعمله اليوم وأعمله في الغد ..
كل ما أخشاه أن تبتلعين الساعات التي لا جديد فيها فتقضي على ما تبقى لدي من حماس وبعض من الأمل .. فاللحظات حين لا تتجدد فإنها تخبت الأمل .. ويسري معها الملل وبعض من اليأس ..
وكم أخشى من تشابه اللحظات .. فكل شيء معها يتراخى ..فتفتر العزائم ويتلاشى الحماس .. وتبقى النفس تدفع ذاتها دفعا .. فيتشتت هواها .. ويغيب رأيها .. ولا تجد نشوة الانتصار ولا لذة العمل ..
هل ما نكتبه هو ما نجده في أنفسنا؟ هل أقلامنا تبوح عما في خواطرنا؟
لا أظن .. فالقلم يحاول جاهدا أن يصف بعض ما نفوسنا؛ ولكنه لن يصل إلى وصف الحقيقة وبيانها كما هي، فالكلمات التي يتكئ عليها القلم للبيان لن تبين عن مكنون النفس، فالقلم لا يقوى على بيان إشراقة النفس، وبهجتها، ومتعتها، فهذه أمور يعيشها المرء ويشعر بها؛ ولكنه لا يقوى على وصفها مهما أوتي من البيان والفصاحة.
مكنونات النفس فوق الألفاظ، فنحن نحاول أن نضع اللفظة التي تتلاءم مع المعنى، ولكننا نخفق ونعجز حين نريد أن نصيغ اللفظة الملاءمة لما في نفوسنا، (فجمال اللقاء بعد الفراق) لا يمكن صياغته في ألفاظ، ولكن غاية الوصف: أن يسكت المرء؛ لأنه لا يجد اللفظة التي تخرج حقيقة ما وجد في نفسه.
لقد أعتدنا للتعبير عن أحاسيسنا ووجداننا أن نكرر ألفاظ الفرح والسعادة، فهذا ما نقدر عليه، ولو كان هناك مناحي أخرى، للبيان عن مكنونات النفس، غير الألفاظ لعملنا بها، ولكن قدرنا أن يبقى سبيلنا عن إخراج ما نفوسنا: هي الكلمات التي هي عاجزة عن بيان حقيقة ما نشعر به.
لذا؛ إن صمت الإنسان عن الكلام، فصمته هو بيان عما في نفسه من معنى وإحساس، فهناك أناس من رقة مشاعرهم، وجياشة عاطفتهم، وشدة حساسيتهم؛ يعجزون عن الكلام فيبقى صمتهم شوقا وحنينا ومعنى يبوح به عما في نفسه. فالكلمات ليست دائما متنفسا عما يضطرم في النفس من مشاعر.
تأمل..
قال مستشار المبيعات والتحفيز كافيت روبرت Cavett Robert “نظرًا لأن 95 في المائة من الأشخاص مقلدون و 5 في المائة فقط مبدعون ، فإنه يتم إقناع الناس بأفعال الآخرين أكثر من أي دليل يمكننا تقديمه”.
الانضباط ليس شيئا موروثًا؛ بل هو أمر يكتسب نتيجة التعليم والتدريب، فعلّم ودرّب نفسك على الانضباط.
الانضباط يذكرك بما تريد. ولا يمكن تحقيق أهدافك مالم يكن لديك انضابط وقدرة على التحكم في قرارتك.
لا يمكن للمرء أن ينال المعرفة ما لم يتعلم كيف يفكر.
لا يكن همك جمع المعلومات وحفظها، ولكن ليكن همك كيف تتعامل مع المعلومات تفكيكا وتركيبا وفهما.
القارئ لن يجد ضيقا أو مللا مع الحظر؛ بل سيجدها فرصة جميلة أن يمكث مع كتبه، يمكث معها قارئا لها، ومحاورا لقضاياها، ومحللا لمحتواها، فينسى أنه يقضي في بيته ساعات حظر، ويجد أن الوقت أضيق مما تصوره.
فمجالسة الكتاب ومصاحبته هي من ملذات الحياة التي لا يعرفها كثير من الناس.
كان مرعوبا أن يبقى لوحده ..
تنتابه لحظات من الأمل حين يبتعد بذهنه عن الوحده ..
لكنه الآن أعتاد الوحده .. وأعتاد الخوف ..
أصبح حلمه الآن أن يبقى لوحده .. أصبح يخشى أن يتبدد خوفه ..
حين عاش مع خوفه وجد أن خوفه فيه سكينة وحياة ..
كان درسا تعلمه من دروس الحياة .. أن الخوف الحقيقي أن تبقى بعيدا عما تخافه ..
صار الآن إذا خاف شيئا ذهب إليه .. صار يرى أن الخوف وهم ..
الخوف يسكن فقط في عقول الجبناء والحمقاء ..
حين يقع المرء في خطأ .. فأسواء طريقة في التعامل مع هذا الخطأ هو: تبريره .. حين تبرر الخطأ فأنت تعطي نفسك فرصة أخرى لإعادة ارتكابه .. التبرير الدائم هو صد عن محاسبة النفس وعدم اكتشاف جوانب التقصير فيها.
إحدى العلل الكبرى هو: عدم الاعتراف بالخطأ وتبريره، فحين يقع المرء في هذه الآفة فهو سيبقى أسيرا لهذا المرض ولن يقوى على المعالجة حتى يتخلص من التبرير وينتقل إلى المعاتبة الذاتية ولوم النفس حتى يقلع عن الخطأ.
في كتاب الله تعالى إشارات إلى بعض الأخطاء التي وقعت من الصحابة الكرام .. فمن ذلك مثلا ما وقع في غزوة تبوك قوله تعالى: “كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ”.
فلماذا؟
لعل السر في ذلك والله أعلم هو: التبصير بالخطأ من أجل التصويب وسلامة المسير .. فالخطأ قد يقع لنقص الإنسان وعدم كماله، فبيان الخطأ له هو من النصح وهو من باب المحافظة على سلامة المنهج كي يتجنب الخطأ ولا تتوارثه الأجيال.
وجدت كتابا بعنوان “كيف تقطع علاقتك بهاتفك” لم أقرأه، ولا أعرف محتواه، فقط قرأت عنوانه فأدهشني، فكيف لي أن اقطع علاقتي بهاتفي وهو دائم في يدي! وهو أقرب شيء لي! فما أن استيقظ من نومي إلا وأقلبه بين يدي، ابحث فيه عن الجديد من المعلومات، أتصفح دردشات الأصدقاء، واقرأ مستجدات الأحداث، فهو قريني الذي لا يفارقني، فلا أتصور أن أخرج من البيت من دونه، ولا يمكن أن أجلس في البيت وهو بعيد عني، لقد أصبح جزءا مني، وعبثا حاولت الانفكاك عنه ولكن كان ذلك ضرب من الخيال.
أن تجد كتابا يبين لك كيف تقطع علاقتك بهاتفك، فأظن ذلك كذبة باردة، أو نكتة باهتة لا يقبلها العقل، الدعوى كبيرة وومثيرة محمسة لقراءة هذا الكتاب والذي أجزم أنه سيفشل في عمل قطيعة بيني وبين هاتفي، فتصور الأمر لوحده كاف ببطلان الدعوى، ولكن لا يمكن للقاضي أن يحكم حتى يطلع على الدعوى ثم يصدر حكمه، وها أنا أرجئ الحكم حتى أطلع على الدعوى فقد، وقد هنا للتقليل، يكون محقا.
ربما إحدى سبب تحسران هو أننا نريد أن نعيد حياة اليوم لتكون كالأمس، نريد، بصورة عاجلة، أن نخرج من لحظات المعاناة التي أحاطت بنا، وهذا التحسر قد يقلقنا؛ بل ويكسرنا ويسلبنا قدرتنا على المقاومة والتحدي.
أن تتحسر دائما على الماضي وتندم على فقدانه هو توقف عن طلب التغيير، وضرورة التغيير نسيان الماضي والعمل مع الحاضر كما هو، فالواقعية فهما وعملا مطلب ضروري، ولا يمكن للإنسان أن يقدم حلا وهو قابع في الماضي فكرا وتصورا، فشرط الانتقال الحركة، ولا تكون الحركة إلا لحي، ومعنى الحياة أن تعيش واقعك لا واقع غيرك.
نحن نعيش في زمن متغير، وكل لحظة زمنية فيه تولد مشكلات وحلول لها، حين نترك زمننا ونذهب لزمن آخر نبحث عن حل لمشكلة عصرية فقد لا نجد الحل .. فالمشكلات تنطوي في ذاتها على حلول لها، فيكون البحث عن الحل من خلالها .. وما كان حلا لمشكلة زمنية سابقة لا يعني أن يكون حلا لكل مرحلة زمنية لاحقة.
هذه قراءة سريعة على عجل للمشهد الذي سيكون مع كورونا .. مجرد توقعات قد تكون صحيحة أو خاطئة فعلم المستقبل من الغيب الذي لا يجزم أحد بمعرفته.
لعل أزمة كورونا تذكرنا بالأزمة الاقتصادية في عام 2008، حيث رأينا كيف تقاتلوا الناس على المشتريات وكيف تغيرت الأسعار بصورة مذهلة، وما لبث أن عاد العالم لوضعه الطبيعي. ولكن يختلف الأمر عن الأزمة الاقتصادية العالمية إذ أن الناس كان لهم حرية التنقل والحركة، بخلاف ما يحدث الآن وهو أن الناس مجبورون على البقاء في بيوتهم.
أن تمكث في بيتك ثلاثة أسابيع فهذا يعيد صناعة عاداتك، ومما هو معلوم في لغة البرمجة العصبية أن العادة تتغير خلال ثلاثة أسابيع، فإذا مارست أمرا لمدة ثلاثة أسابيع فأنت شكلت لديك عادة جديدة، فسوف تتشكل عادات جديدة: مع لقاء زملاءك، ومع ذهابك للمطاعم، ومع كل الطرائق التي كنت معتاد على فعلها، فالبقاء في البيت هو طريقة إجبارية لقراءة أفكارك وأفعالك، والتحرر مما كنت تراه صعبا.
مكوثك في البيت يفتح لك فرصا أكثر في التعامل مع التقنية، فالتقنية هي الطريقة السريعة التي تجعلك تتواصل مع العالم، وستجدها فرصة رائعة في التخلص من الأمية التقنية والاتجاه لتطوير نفسك في هذا الأمر. وسيكون العمل في المنزل وأداء المهام من البيت طريقة جديدة، فأتوقع أن بعض الشركات ستجد الحضور للعمل ليس أمرا ضروريا؛ لذلك ستكتفي بالعمل عن طريق المنزل لأنها ستنظر للإنجاز فقط. وهذا فيه ميزة: وهو التواصل السريع مع العملاء، وأقل تكلفة للشركة. وهذا أيضا يتطلب تطويرا للأيدي العاملة حيث يتطلب منها أن تتقن بعض البرامج وبعض تقنيات التواصل مع العملاء كي يحقق الانتاج السريع.
وأرى أن التعليم سيعتمد كثيرا على التقنية، وستكون التقنية جزءا أساسيا في العملية التعليمية، مما يجعل هناك خططا عملية لتطوير للمعلمين والطلاب، وحتما سيتطلب الأمر وجود قنوات أكثر دقة في التواصل بين الطالب والمعلم، فالتعليم لن يعود كما كان وخصوصا في المستويات العليا.
أزمة كورونا أظهرت أن الأوبة من القضايا الخطيرة للغاية وهذا يجعل لها رقما أوليا في الاهتمام الصحي، فسيكون هناك مراكز متخصصة لبحث ولمعالجة هذه الأوبة. وسيكون العالم أكثر خوفا من الحرب البيولوجية، فالمشكلة البيولوجية أظهرت أنها تنتشر بسرعة ودون تحكم، فالحرب البيولوجية ليس فيها منتصرا؛ بل الكل خاسر. وهذا يجعل مسار الحروب البيولوجية مسارا خطيرا على الجميع، مما يقلل من احتمالية الحروب البيولوجية لأنها مهلكة للجميع.
المشهد أظهر حضورا قويا للصين، فالصين خرجت في هذه الأزمة منتصرة، بل وأصبحت تقديم المساعدة للعالم الأول، فأرسلت خبراء لإيطاليا كي تخرجهم من أزمتهم، فهذا يعني أن الصين سيكون لها اليد العليا في المستقبل المنظور.
في هذه اللحظات القاسية .. لا تزيد قسوتها بالتشاؤم والخوف والقلق .. تفاؤل وتحدث بروح مفعمة بالأمل والرجاء .. تحدث عن الحلول ولا تتحدث عن المشاكل .. تحدث عن الأمل ولا تتحدث عن اليأس .. تحدث عن الفرص ولا تتحدث عن الأزمة .. غير حديثك ليتغير تفكيرك .. كن مرن في التعامل مع وقتك ومع من حولك .. لا تجعل اللحظات القاسية تسيطر عليك .. اعمل الآن ما تحب .. وتفاعل مع ما تعمل لدرجة الاستغراق والاندماج .. حينها تجد أنك انتقلت من لحظة القلق للحظة الأمل .. ومن لحظة الكسل للحظة الانتاج .. رفع الله الغمة وحفظ الله الجميع من كل بلاء.
قلق كورونا
القلق الذي يصيب الناس أمام هذه النازلة الفادحة والمهلكة الجائحة له ما يبرره، فالخوف ليس عيبا ولا مستنكرا، فالنبي عليه الصلاة والسلام “كان إذا رأى غيما، أو ريحا، عرف ذلك في وجهه، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته، عرفت في وجهك الكراهية قالت: فقال: ” يا عائشة، ما يؤمني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا” فكان يكره النبي عليه الصلاة والسلام أمرا يستبشر به الناس مخافة أن يكون عذابا من الله تعالى، وهكذا الأمر مع النوازل المفجعة يخاف المرء أن تكون عذابا من الله تعالى.
إن هذه الحياة لا تنتهي خطوبها الفاجعة، ولا مصائبها اللاذعة، فهي قد بُنيت على كدر وعلى تتابع في المصائب والأحزان، فهي دار ابتلاء، فخيرها فتنة وابتلاء، وشرها فتنة وابتلاء، “وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً” فمن طلب في دنياه السلامة الدائمة، فهو قد جهل طبيعة الحياة، ولم يعرف حقيقة ومعنى وجود المصائب. وما جعل الله تعالى هذه الابتلاءات والمحن إلا لحكمة، وحكمة بالغة، قد يبدو لنا بعضا وقد يخفى عنا كثيرا، ولكننا نسلم ونؤمن أن وراء أفعال الله تعالى وأقداره حكم عظيمة أجرى على إثرها تلك الابتلاءات.
ولا يمكن أن تستقيم للمرء حياة، ولا يهنأ له عيش وهو لا يعرف الصبر والرضا، فالابتلاء يقابل بالصبر، ولك أن تتأمل حين قال الله تعالى: “وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً” قال بعدها مباشرة: “أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا” فمع الفتنة والابتلاء يتطلب الصبر كي لا تضيق على الإنسان حياته، ولا ينقلب على وجهه “وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ”. والمؤمن لا يقعده الخوف، ولا يسقطه الجزع، بل يقابل كل بلاء بالصبر كما قال سيدنا يعقوب عليه السلام ” فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ” وكما أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ” فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا” فالصبر الجميل أن يوطن الإنسان نفسه لتحمل المكاره، وأن لا يجزع جزعا يذهب لب قلبه، بل ينظر إلى قدر الله تعالى بعين الرضا لا بعين السخط.
وحين يأتي البلاء يقابل أيضا بالدعاء أن يرفع الله تعالى هذا البلاء، فالله سبحانه أثنى على أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من ضر فقال الله تعالى: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ”. وقال تعالى: “وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ. فَنادى فِي الظُّلُماتِ: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ” وقد ذم الله سبحانه من لم يتضرع إليه. ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: “وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ”. وقال تعالى: ” وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”. وقال سبحانه: “وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ”. فمصائب الدنيا وشدائدها تقابل بالذل لله تعالى والتضرع له، والابتهال بالدعاء أن يكشف الغمة ويرفع الكرب. والله اعلم.
لدي عادة سيئة في القراءة، ولا أعلم هل هي سيئة أم هي هكذا القراءة! .. فأنا حين أقرأ في كتاب لا أمكث معه حتى أنهيه؛ بل اتركه وأرحل لكتاب آخر، لا أعلم لماذا؟.. اقفز باستمرار من كتاب لآخر .. كأنني عاشق يبحث عن فتاة أحلامه التي تنسيه كل الفتيات .. يبحث عن معنى لا يجده في كثير من الفتيات .. وكذلك قراءتي، ابحث فيها عن شيء فريد نادرا ما أجده ..
كنت أقرأ لأكون كالآخرين .. واليوم أقرأ لأكون أنا .. وهنا سر المشكلة والمعاناة أيضا: أن تقرأ شيئا تريده فعلا .. أن تقرأ شيئا تريده مشاعرك وأفكارك؛ فحينها يكون العثور على الكتاب أمر فيه معاناة ..
لم أعد اهتم كثيرا في إنهاء الكتاب بقدر ما أهتم في الانسجام مع الكتاب .. فأنا أرى أن الكتاب هو شخص حي أخاطبه وأحاوره .. فإذا لم يكن الحوار بيننا منسجما فلا داعي أن أمكث معه وأقيم علاقة مودة .. فهو لن يلهمني ولن يثير فيّ أسئلة للحوار .. أريد من الكتاب أن يعوضني النقص الذي أجده .. ولا أريده أن يرمي عليّ بكومة معلومات أجهلها .. لكن .. أريده أن يحيي ذاكرتي ويمنحني ذاكرة أخرى .. أريده يقلق فكري؛ فالكتاب الذي لا يهزك ولا يقلقك .. اتركه جانبا .. فما كثرت الكتب وتعددت وتنوعت إلا لتنتقي ما يثيرك .. ولن يثيرك كتاب لا تنسجم معه .. ولن يثيرك كتاب لا يقلب فكرك رأسا على عقب ..
إن التركيز على تحقيق السعادة يُعسّر من بلوغها
أسوأ ما يكون للشخص حين يعجز أن يصنع اهتماماته بنفسه؛ بل يصنعها له واقعه، ويزداد الأمر سوء حين يكون ذلك الواقع مريرا بائسا، فإنه سيكون ردة فعل بائسة ..
أن تطفئ بريق نور فكرك وتسير خلف أصوات الآخرين فإنك لا تهمش ذاتك فحسب؛ بل أنت تطوق على فكرك حبل الإعدام لتعيش دون فكر ولتعش حياة الآخرين مجسدة في نفسك وفكرك ..
التمرد ليس منهجا صحيحا وكذلك التبعية دون وعي ليست منهج حياة .. لا يمكن أن يستمد الأمل وأنت تجهل وتتجاهل وجودك .. ولا يمكن أن تحقق إبداعا وأنت عاجز عن تحقيق شخصيتك وذاتك .. كن أنت فكرا وكن أنت ذاتا .. تعامل مع من حولك طالبا الاستفادة دون الذوبان وفقدان صورتك .. ارتدي من لأفكارك ما تراه حسنا .. فأنت فكرة وقيمة ..
حين تشرق الشمس لابد أن يجري الفهد ويتعلم الجري كي يعيش، والغزال يجري ويتعلم الجري كي يعيش، فالحياة قائمة على الحركة وليس على السكون .. فمن لم يتحرك هلك.
لعل إحدى أزماتنا الفكرية هو عدم قدرتنا على التحليل والتفسير ولكننا قادرون على جمع المعلومات وتراكمها دون القدرة على تفكيكها وإنشاء مفهوم تفسيري لها.
في هذا العصر لابد أن يخالط المرء شيء من “الشعور بالغربة” .. فحركة دولاب الزمان متسارعة لدرجة أنها لا تمنحك الفرصة أن تلتفت للوراء .. يتسلل إليك الشعور بالغربة فأنت ترى أن الزمن قد مضى وأصبحت بلا زمن .. فلم يعد لديك ماضيا ولا مستقبلا .. ينساب إلى فكرك الوحدة .. فقد ولدت وحيدا وسترحل وحيدا فلم لا تعيش وحيدا! ..
لا يمكن الهروب من هذا الشعور لأن كل لحظة تجدد الغربة في ذهنك .. حتى أفكارك فهي في حالة تجدد .. وينتابك شعور بأن أفكارك غريبة لم تعد ملكك .. وأنك لم تعد أنت .. لم يعد لديك القدرة على الرؤية .. فكل ما حولك ينطفئ .. لم يعد في السماء نجوما .. ولا في الأرض أنوارا .. وأصبح صوت هدير الأمواج يعلو .. يصيبك بالهلع فتزداد غربتك .. ويزداد شعورك بأنك تعيش في زمن لا تنتمي إليه ..
كل شيء في حياتنا تبدأ بفكرة … تحكم بأفكارك تتحكم كثيرا بحياتك.
إذا عمل إنسان خطأ ما، فلا تنس أفعاله الجميلة … لا تحكم على شخص بمجرد موقف أو حدث ما، وفرة الأفعال الجميلة لدى الآخرين كفيلة أن تعفو عن خطأهم.
إذا كنت لا تقبل الإخفاق والفشل فلن يمكنك المغامرة ولا فعل أعمال ابداعية … الإشكالية أن يقف الإنسان مخافة الفشل، وقوفك هو الفشل بعينه، فلا يمكنك أن تسير للأمام وتنتقل لمراحل متقدمة وأنت تحمل نفسية تخاف من الوقوع في الفشل.
بدون التزام وانضباط لن تستطيع إنهاء ما ابتدأت به من عمل، وبدون انسجام مع ما تعمل؛ لن تستطيع تحقيق الابداع.
ما أسوأ الجدل في “الواتس”، فهو يوغر النفوس، ويؤجج نار الحقد والضغينة، ولا تنخدع بما يقوله الناس: أنهم يبحثون عن الحقيقة. كلا، إنهم لا يريدون الحقيقة، هم يريدون الانتصار لأقوالهم ومواقفهم، وغالبا إن الإنسان يكره أن يكون مغلوبا منكسرا، فلا تجادل أحدا، فلن تجني من الجدال سوى المعاناة.
كل حركة اجتماعية تحوي بذرة انشقاقها في صميم تكوينها. فهي لا تنجح حتى تنقسم.
ـ علي الوردي
“فأبواه يهودانه أو ينصرانه ..” التأثير على الإنسان يبدأ من الصغر .. ولكن هل هناك مرحلة عمرية يتوقف فيها التأثير على الإنسان؟
إن ما أراه أن كثيرا من الناس يعيشون طيلة حياتهم حالة فكرية طفولية، فتتغير أفكارهم وتصوراتهم تبعا لما يحدث ويتجدد ويلقى عليهم، فتمييزه للأفكار لا زال طفوليا فهو غير قادر على البناء الذاتي، لذا تراه اليوم على مذهب وغدا على مذهب آخر، وليس ذلك كان نتيجة بحث وتدقيق وإنما كان تبعا لموجة فكرية حملته معها فحمل فكرها.
وفي المقابل، لا يعني الثبات على فكرة ما أن ذلك دلالة على الاستقلالية، بل ربما يدل على العجز عن البحث والتدقيق، أو ربما يدل على التعصب أو البلادة الذهنية، وأيا كان السبب فالثبات على الفكرة ليس أمرا ممدوحا أو مذموما لذاته مالم يكن عن قناعة علمية صحيحة.
إننا لا يمكن أن نبدع ونبتكر مالم نتجاوز مرحلة الطفولة الفكرية ونكون قادرين على تحليل الأفكار وتفكيكها، وقادرين على الاختيار فيما بينها، وقادرين على توليد الأفكار، فالتخلي عن العقل هو تخلي عن الوجود الذاتي، حتى يكون الإنسان لوحة خشبية يرسم فيها الآخرون بريشتهم ما يشاؤون، فيكون صورة لم يرسمها ولم يعلم محتواها.
الخوف من الإخفاق هو موقف تتخذه لتبقى في نفس المكان.
لا يمكن أن يحدث تغيير في حياتك إذا كنت تخاف من الفشل، الفشل ليس نقطة نهاية في حياة الإنسان؛ بل هو جزء طبيعي في مسيرة أي إنساني، لذلك لا تنظر للفشل على أنه نقطة نهاية ولكن انظر إليه أنه وسيلة للتعلم والترقي.
حين نقرأ الغرب نقرأه من أي منظور؟ هل الغرب صورة واحدة منسجمة فيما بين أطيافه؟
لفظة الغرب لفظة شاملة واسعة … يتضح هذا الشمول حين نلج في الغرب باحثين فيه عن معنى ما؛ فإننا نفاجأ بأننا أمام أطياف متنوعة ومتناقضة، وللأسف أننا نقرأه صورة واحدة ونقرأه دون تفحص جذوره، نقرأه نبتة منفصلة عن جذرها، فلا نعرف أعماقه ولا ندرك طبيعته، نقرأه وكأنه قد انفصل عن القانون الروماني أو الفن الإغريقي.
هل يمكن فهم الغرب، واقصد هنا الحالة الفكرية، هل يمكن فهمه دون فهم مقوماته الفكرية؟ لا يمكن البتة، ولكننا نقرأ الغرب صورة وشكلا، نقرأه اختراعا وابتكارا ولا نقرأه عقيدة وفكرا، ولا نقرأه ملحمة وتاريخا وفلسفة.
إن الغرب اليوم يعيش حالة طغيان لا يرى إلا الإنسان ذو البعد الواحد، الغرب اليوم عنصري يرى تميز الإنسان الأبيض الذي يسميه روجيه “الشر الأبيض”، الإنسان الأبيض الذي اعتقد بطغيانه أنه مركز الأشياء ومركز الحياة. والإنسان حين يطغى ينسى إنه إنسان ويسعى محاولا تجاوز كينونته وطبيعته كما قال الطاغية الأكبر “ما علمت لكم من إله غيري” وهكذا الغرب اليوم يقول: ما علمنا لكم من أنظمة وقوانين ومفاهيم غير ما عندنا.
تفوق الغرب ليس تفوق ثقافة وإنما تفوق سلاح.
روجيه جارودي
حين يدعو القرآن إلى عدم الفساد “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا” فهو أيضا يشير إلى عدم اتباع طرق أهل الفساد “وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ” أي لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عونا للظالمين، واتباع سبيل المفسدين يشمل مشاركتهم في أعمالهم، ومساعدتهم عليها، ومعاشرتهم والإقامة معهم في حال اقترافها، ولو بعد العجز عن إرجاعهم عنها ” قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري” فعاتب موسى عليه السلام أخاه هارون عليه السلام بسبب إقامته معهم بعد أن ضلوا.
حين نقول نجح الغرب في إبعاد الدين عن الحياة، فقد يكون الجواب صحيحاً نوعاً ما في حضارتهم لأن الدين عندهم أصبح عائقاً عن التطور، فالدين في الغرب صار خرافة، صناعة بشرية وليس ديناً إلهياً يحيي به القلوب والعقول، فالدين النصراني كان يحارب العلم، وأصبح حجر عثرة أمام التطور البشري، فتصح العبارة “أن الدين كان عائقاً أمام التطور في الغرب”، أم الدين الإسلامي فالصحيح هو العكس، فالمسلمون حين تركوا بعض التشريعات الإسلامية واستبدلوها بالقوانين الوضعية، وحين تركوا العلم الرباني واتجهوا للخرافة سقطوا في التخلف والتبعية، فمن الخطأ أن نجعل النصرانية كالإسلام، وأن نقول ما فشلت النصرانية فيه فالإسلام سيكون مثله؛ كلا، فالعالم برمته لم يتغير ويتطور إلا بعد بزوغ فجر الإسلام، ولو لم يأت الإسلام لبقيت البشرية في ظلام دامس.
وقد يشكل على الإنسان اليوم أنه حين ينظر الإنسان لغالب الدول الإسلامية يجدها دولا متخلفة، فيتبادر إلى ذهنه أن تخلف هذه الدول هو بسبب الإسلام. وربط الإسلام بالتخلف تقبله كثير من العقول التي لا تعرف حقيقة الإسلام ولا تعرف التاريخ، ومع غياب الأبحاث والدراسات التي تدرس هذه الظاهرة، بالإضافة إلى صورة الإسلام المشوهة في الإعلام الغربي، حيث يسهل على العقل تقبل فكرة أن الإسلام هو سبب تخلف الدول الإسلامية.
المسلمون اليوم مطالبون بالوعي بدينهم ومعرفة تاريخهم كي لا تتسرب إليهم أفكار وتصورات خاطئة، فالتشويه لصورة الإسلام هو أمر ممنهج ومرتب له، ولكن يمكن التغلب على هذا التشوه المتعمد فالمعرفة الصحيحة التي ينكسر عندها كل فكرة كاذبة خاطئة.
أسوأ تقييم، هو تقييم كتابا لم تقرأه ..
إننا نعيش ثقافة عرجاء .. نصدر أحكاما على أعمال دون أن نقرأها أو نلتفت إليها ..
وتزداد المأساة .. حين نبني أحكامنا على ما قالوه الآخرون .. فهنا مأساة الجهل ومأساة تسليم العقل للآخرين ..
ولعلكم مثلي .. كما سمعنا أحكاما مجحفة على كتب لم نقرأها .. وعندما قرأنها علمنا مقدار الظلم الذي ناله هذا الكتاب وصاحبه ..
لو سكت الإنسان عما لا يعلم .. لكان أقرب للعدل والإنصاف .. لم أعد اتطلع للإنصاف .. فهذا أصبح من الندرة .. ولكن اتطلع لنقد مبني على علم ذاتي ..
التعليم: غرس غير المفهوم في اللامبالي من قبل شخص غير كفء.
– جون ماينرد كينز
“الحياة عبارة عن سلسلة من الاصطدامات مع المستقبل؛ فهي ليست مجموع ما كنا عليه، ولكن ما نتوق إليه”.
خوسيه جاسيت
:لفتة::
مهما كانت إحباطات وإخفاقات الماضي كثيرة .. فهي تنتهي عند قرار تتخذه الآن في نسيانها وتجاوزها وتحقيق عمل إيجابي بدلا منها.
في جميع أنحاء العالم نجد سيطرة الرجل أو قل الذكورة هي البارزة، فالرجل له السيطرة في كل المجتمعات قاطبة … وهذا يدل أن القضية ليست قضية مجتمعية وإنما هي قضية خلقية أو صفات وراثية، وللماديين أن يقولوا إن القضية قضية هرمونات.
لذلك وصف أي مجتمع بأنه مجتمع ذكوري لا يصح بتاتا؛ لأن كل المجتمعات مشتركة في هذا الجانب، وهي أن السيطرة للرجل خلقة وفطرة، ونحن نجد في أمريكا بلد الحرية أن المرأة لم تعتلِ يوما كرسي الرئاسة ولذلك بسبب سيطرة الرجل الأمريكي على الوضع السياسي وعدم قبوله للمرأة أن تنال هذا المنصب. فالمرأة غائبة أو شبه غائبة في الشؤون العامة والسلطات السياسية، فلا يكاد حضور المرأة يقارن بحضور الرجل في هذه القضايا.
هل هذا يعني أن الرجل أفضل من المرأة؟ كلا، ولكن مجرد اختلاف في الوظائف والمسؤوليات، فعقل الرجل يختلف عن عقل المرأة، فالمرأة لها مجالاتها التي تفوق فيه الرجل بمراحل.
الأمر المهم أن ندرك أن هناك اختلافا في بين الرجل والمرأة، اختلافا في الجينات وفي التفكير وفي العمل والوظيفة، وهذا الاختلاف لا يعني الازدراء لجنس أو التعالي لجنس آخر وإنما يعني التكامل.
والمرأة حين تقوم بوظيفة الرجل فهذا ليس انتصارا لها؛ بل هو سحقا لكينونتها وقضاء على فطرتها، فالانتصار الحقيقي هو الانسجام والتوافق بين المرأة ووظيفتها، والسعي دوما أن تحقق ذاتها في مجالاتها الفطرية كي لا تشعر بالتمزق الداخلي.
أن يمضي عمرك القصير وأنت تعالج ما لديك من قصور فهذه نعمة كبرى، فليس شرطا أن تصل للكمال ولكن شرطا أن يبقى قلبك حيا وضميرك يقضا كي لا تسقط في اللامبالاة فتفسد المعاني لديك وتعيش حياة البؤساء.
إن تسبب الخوف للآخرين يعني أن تكون خائفا بقية حياتك. لم يسبق أن استطاع أحد بث الذعر في قلوب الناس مع احتفاظه بسلامه الداخلي.
سينيكا
أن تلد في الصحراء.. فهذا أمر لا يد لك فيه .. ولكن أن تكون جافا كموطنك .. فهذا أمر بيدك واختيارك .. لا يهم أين تلد وأين تعيش .. ولكن ما يهم ما تحمل من مشاعر ومن صفات إنسانية .. الناس حين يكتبون عن سيرتهم الذاتية .. يكتبون أين عاشوا وكيف ارتلحوا .. ولكنهم لا يكتبون عن الإنسان الذي يسكن فيهم .. يحدثوننا عن إنجازاتهم ولا يحدثونا عن إنسانيتهم .. يحدثونا أنهم ملتزمون بالدقة العلمية والبحث الأكاديمي ولكنهم لا يخبروننا عن النفس المتقلبة التي لا تعرف الدقة العلمية .. اليوم .. لم نعد نبحث عن الإنسان، فالإنسان أصبح شبيها بالكمبيوتر في دقته وصرامته .. يتفنن في اكتساب الصفات الجمادية .. اليوم الإنسان يتنصل من صفاته الإنسانية التي في ذاته ليكون صخرة لا روح فيها .. لقد عاد الإنسان آلة صماء .. لقد انتصرت الآلة على الإنسان.
لعل أسوأ ما يكون للشخص هو المقارنة مع الآخرين … هنا يأتي العذاب .. ترك المقارنة يكون في السعادة …
لقد وصلت لقناعة تامة .. أن أعيش لاستمتع بقدر ما استطيع فيما أباحه الشارع …
وصلت لقناعة تامة .. أن أحقق مراداتي وليس مرادات غيري ..
وصلت لقناعة تامة .. أن افعل ما أحب وأريد وليس ما يحب غيري مني ويريده مني …
لم أعد التفت للآخرين ماذا فعلوا … ولكن التفت لنفسي ماذا تريد أن تفعل …
عذابنا وشقاؤنا أننا لا نحقق لذواتنا رغباتها … ننسلخ من أنفسنا وكأننا جمادات لا حياة فيها … نغفل عن أحلامنا ونسعى خلف أحلام غيرنا … تهنا وضعنا في سراديب مظلمة … للأسف لم يعد لنا وجودا سوى ما يريده غيرنا منا … أصبحنا ترسا في آلة لا نعلم عنها إلا إننا نسعى لتحريكها كي تسحقنا …
دوما نلوم أنفسنا أننا لم نحقق انجازا … ونسينا أن أفضل الإنجاز أن أعيش هانئًا مطمئنا … ما ينفعني إن كتبت آلاف الأوراق وأنا ورقة ممزقة … ما ينفعني أن تحدثت آلاف الكلمات وأنا كلمة ضائعة … أن تحترق من أجل الآخرين فأنت وقودا تلتهب لغيرك وليس لنفسك … يقلبك الآخرون كي تزداد سعيرا واحتراقا ويزدادوا هم ضياء ودفئا ..
التحفيز أمر مطلب لتحقيق الإنجازات، فحين تحفز الآخرين بمكافأة معنوية أو حسية فإنك تجعلهم يبادرون للعمل، وهذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام في دعوة الناس للعمل وإعطائهم مكافأة لعملهم فقد جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يحفر بئر رومة فله الجنة» فحفرها عثمان، وقال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» فجهزه عثمان. وقال أيضا: «من قتل قتيلاً فله سلبه» .. نحن اليوم نعيش حالة خمول ووهن أحوج ما نكون فيه للتحفيز والتشجيع كي نقوى على الفعل.
من الاجتهادات أو الأقوال التي قال بها محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى ولم يسبق بها قوله: “ومن المعلوم أن العلم بالضلال وحده لا يقتضي العفو والمغفرة إلا إذا ترتب عليه العمل بمقتضاه؛ وهو التوبة، والرجوع إلى الله – تعالى – بالعمل، فإن الذين ضلوا على علم ولم يتوبوا؛ أشد الناس عقابا – فعلم بذلك أن تقديم الندم أهم من العلم بالضلال، وهذا من فضل الله الذي لم نره لأحد”.
تفسير المنار (9/176)
كل شخص يرسم لذاته صورة مثالية يسعى إليها، وحين تكون المسافة كبيرة بين الصورة المثالية والصورة الحالية فإنه يشعر بالسوء نحو ذاته.
من كتاب: غير تفكيرك تتغير حياتك.
كنت قديما أجد متعة وأنا أخربش بقلمي برسومات وخطوط لا معنى لها على أي ورقة أجدها في متناول يدي .. كنت استمتع بعالمي الصغير .. كانت متعي صغيرة .. وأحلامي محدودة .. وطموحاتي كمتعي قريبة التناول .. واليوم كبر كل شيء .. وتعقد كل شيء .. فتعقدت متعي وعسرت أحلامي وصعبت طموحاتي .. ذهبت تلك المتعة الجميلة التي كنت أجدها في أشيائي الصغيرة .. فلم أعد أجد ميلا لتلك الخربشات .. ولم يعد شيئا يمتعني سوى قطعة معدنية أمسكها بيدي .. سوى هذا الجوال الذي صور لي أن الحياة كلها كامنة فيه .. حتى غدوت منه أقرأ وفيه أتسلى واستمتع ومنه أتحدث ومنه ومنه .. ومرة يضحكني ومرة يبكيني .. ومرة يذكرني ومرة ينسيني .. لم يعد بمقدوري أن أعيش من دونه أو أفكر بدونه .. لا أعلم هل هي إبادة للإنسان الطبيعي وإنتاج للإنسان الآلي .. لا أعلم هل هذا انتحار للعقل البشري وإحياء للعقل الآلي .. لا أعلم .. ولكن ما أعلمه .. أنني أصبحت تائها ضائعا .. لم أعد أعرف ماذا أريد .. تهت في هذه الألة الصغيرة .. سيل متدفق من المعلومات .. قصص لا تنهتي .. أحداث لا تتوقف .. عالم سيال لا حدود له .. أصابعي لا تكاد تتوقف في تقليب صفحاته .. لم أعد أدري عن ماذا أبحث .. ولماذا أبحث .. ولا أدري ماذا أريد .. وهذه كارثة العصر أن يكون رفيقك آلة معدنية فسوف تفقدك بوصلة حياتك حتى لا تدري ماذا تريد .. إنه نوع من الجنون نعيشه في صورة التقدم والعقلنة .. إنه انتحار الإنسان.
هناك كتب حين تقرأها تقول لنفسك: بإمكاني اكتب مثل هذا.
وهناك كتب حين تقرأها تندهش وتنبهر وتقف متعجبا، وتقول لنفسك: لا يمكن أن أكتب مثل هذا… هذا الكتاب الذي يبهرك وتشعر أمامه بالعجز لا تتركه … اجعله رفيقك فهو سيكون ملهمك للإبداع.
أحيانا اجعل من قراءتك تحفيز للذهن وليس لمجرد النقد أو المعرفة. فلعل سبب هجران الكتاب أن القارئ لا يحفز نفسه ولا يثيرها عبر الكتاب الذي يقرأه.
حين تجد كتابا مليئا بالمصطلحات الغامضة، وتجد صعوبة في فهم ما يكتب، فلا تبالي بهذا الكتاب كثيرا، فالكاتب الذي يفتقر لجودة الكتابة وسلاسة التعبير وحسن البيان وتفكيك الغوامض من العبارات فلا يستحق أن يقرأ، ولا يغرك أن كبار الفلاسفة كتبهم غامضة ومعقدة وصعب فهمها وأن ذلك دلالة على قوة الفكرة؛ كلا، لك أن تقول إن ذلك دال على عدم فهمهم لم يكتبون، فلو وضحت الفكرة في أذهانهم لاستطاعوا أن يبينونها بكل وضوح لغيرهم.
أن تعيش حياة دون أن تتفحصها، ودون أن تتأمل في أثرها في فكرك ووجدانك، فهي حياة لا تستحق أن تعاش.
دعوني اتساءل: هل أنت راضي عن حياتك؟
لا أقصد بالرضا هنا الرضا بالقضاء والقدر، من هذا الباب كل سيكون راضي عن حياته ابتغاء الأجر، ولكن المقصود الرضا عن كفاحك وانجازاتك، وعن شخصيتك طبيعتها وتكوينها وصفاتها وأخلاقها.
وهنا ليس من الضروري أن تفتح خزانة حياتك وتفتش فيها عن انجازاتك، فأنا أجزم أنك حققت إنجازات كثيرة وكبيرة، ولكن المرء يجهل وينسى ما حقق، لذا كان من المهم أن تبقى شعلة الكفاح باقية في يدك لتضيء لك مسالك جديدة من الإنجازات، ولتقودك لسبل من النجاحات، ولترحل بك عن إنجازات الماضي لعالم لم تظهر عليه الشمس، فالإنجازات كفاح متدفق لا يعرف التوقف.
دعوني اتساءل:
هل مجرد التفاؤل كفيل في حل مشكلاتنا؟
حين تذكر قضية أو مشكلة لشخص ما، مباشرة يتحدث معك عن المشكلة ثم يختم حديثه بحثك على التفاؤل.
التفاؤل مطلب ولكن .. هل عندما نقول لشخص ما: تفاءل، هل فعلا نحن نستخدم الكلمة في سياقها الصحيح؟
التفاؤل، في نظري، أن انظر للجانب الإيجابي، بعد أن صنعت مقدمات التفاؤل، فالتفاؤل له مقدمات عملية لا بد أن تتخذ. ومن يدعوك للتفاؤل وهو لم يدعوك للفعل الصحيح، فكأنه يقول لك: غض الطرف عن الجانب السلبي، والأمور ستتحسن!
الدعوة للتفاؤل دون اعتبار للسبب والمسببات، ودون النظر للعوامل الجانبية كعقلية الشخص نفسه وكظرفه الاجتماعي، فإن التفاؤل لن يجدي، التفاؤل ليست كلمة نلقيها دون العمل لتحقيقها، التفاؤل ليس صنو “قانون الجذب”، التفاؤل يأتي بعدما تفعل كل شيء ثم بعدها تنتظر النتائج، فحين يلقي المزارع البذور في تربة زراعية صالحة للنماء ويسقيها بالماء… عندها نقول له: الآن تفاءل، واستبشر بالخير.
في المسائل الفقهية والفرعية حين يغيب مفهوم الراجح والمرجوح، ويغيب مفهوم: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقولك خطأ يحتمل الصواب، فإن الخطاب سيدخل في دائرة التعصب وعدم التسامح مع المخالف.
نبز ابن الصلاح رحمه الله الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إدخاله علم المنطق في الأصول، وقد قال الغزالي عن المنطق: “هذه مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها، فلا ثقة له بمعلومه أصلا”.
فقال ابن الصلاح منكرا لهذا القول: “أبو بكر، وعمر، وفلان، وفلان؛ يعني: أن أولئك السادة عظمت حظوظهم من العلم واليقين، ولم يحيطوا بهذه المقدمة وأشباهها”. ، ثم أفتى ابن الصلاح بتحريم الاشتغال بالمنطق وقال: “هو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، والسلف الصالحين، وسائر من يقتدى بهم من أعلام الأمة وسادتها، وأركان الله وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرفة ذلك وأدناسه، وطهرهم من أوضاره”.
ثم جاء السبكي رحمه الله تعالى فرد على ابن الصلاح قوله، فقال: “كلام لا حاصل له؛ فإن أبا بكر، وعمر أحاطا بهذه المقدمة إحاطة لم يصل الغزالي وأمثاله إلى عشر معشارها، ومن زعم أنهما لم يحيطا بها، فهو المسيء عليهما، والذي نقطع به أنها كانت ساكنة في طباع أولئك السادات، وسجية لهم، كما كان النحو الذي ندأب نحن اليوم في تحصيله.
وما ذكره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ليس بالخالي عن الإفراط والمبالغة؛ فإن أحدا لم يدع افتقار الشريعة إلى المنطق، بل قصارى المنطق، عصمة الأذهان [التي] لا يوثق بها؛ عن الغلط، وهو حاصل عند كل ذي ذهن بمقدار ما أوتي من الفهم.
وأما ترتيبه على الوجه الذي يذكره المنطقي، فهو أمر استحدث؛ ليرجع إليه ذو الذهن، إذا استبهمت الأمور، وهل المنطق للأذهان إلا كالنحو للسان، وإنما احتيج للنحو، وصار علما برأسه عند اختلاط الألسنة، وكذلك المنطق، يدعي الغزالي؛ أن الحاجة اشتدت إليه عند كلال الأذهان، واعتوار الشبهات.
وقوله: ” لقد تمت الشريعة حيث لا منطق “؛ إن أراد حيث لا منطق مودع في الكتب على هذه الأساليب، فصحيح، ولا يوجب تحريم هذا، ولا الغض منه، وإن أراد حيث لا منطق حاصل لهم، وإن لم يعبر عنه بهذا الوجه، فممنوع؛ كما ذكرناه”.
النقد الذاتي حين يمارس يجب أن يبتعد عن التزكية الذاتية، فلا تنقد ذاتك وأنت في نفس الوقت تزكي كل فعل تفعله أو قول تقوله، فهذا لا يسمى نقدا. النقد هو الذهاب للسلبيات والنواقص ومحاولة استكشاف أسبابها، فقد يكون إحدى أسبابها الكبرى أنت، فإذا كان النقد يمارس وفي الخلفية الذهنية تزكية للنفس فلن تكتشف الأخطاء أو ستبرر تلك الأخطاء وسيجد لها مسوغ يريح النفس من اللوم والعتب.
النقد الذاتي يستلزم نقد جميع القضايا، فلا تترك قضية ما بحجة أنها فوق النقد، فالفكر الإنساني والعمل البشري يجب أن يبقى في حالة نقد وتصحيح مستمر، واللحظة التي يمنع فيها من النقد هي لحظة التعالي التي يتوقف فيها الإنسان عن الابداع.
والزعم أنه لا يوجد وقتا لممارسة النقد الذاتي بحجة أن النقد يوقف العمل، وأن الوقت ضيق؛ هي حجة إبليسية المراد منها تكرار الخطأ والبعد عن الصواب، إذ أن ثمرة النقد هو التصحيح وترك الخطأ. لذا من المهم أن يخصص وقتا للنقد الذاتي ولا يعطي النقد فضلة الأوقات فهو ضرورة لتحقيق التقدم المأمول.
وينبغي ألا يلتفت للنقد بأنه حالة خصام أو عداء، بل النقد هو حالة توافق ورضا، ولا يشترط أن يحدث النقد عند ظهور ملاحظة خلل أو قصور، بل يكون النقد أيضا في حالة النجاح وتحقيق الانجازات الرائعة، فالنقد هو اكتشاف الخلل البشري ومحاولة إصلاحه ولا تخلو أعمال الإنسان مهما كانت ناجحة من خلل ما قد يكون التغافل عنه سبب في الإخفاق في المستقبل. أي عمل يفتقد للنقد سيؤول إلى تراكم الأخطاء إن لم يؤول إلى الفساد، فالنقد يجعل هناك تساؤلات كثيرة يكتشف فيها الأسباب والنتائج، فلا ينظر للنقد أنه يقصد به التشهير وإنما ينظر إليه أنه يقصد التصحيح ومراجعة العمل والمحاسبة، لذلك عندما يغيب النقد الذاتي ويتمركز النقد حول الآخر فهذا يدل على خلل منهجي في التفكير والعمل.
ومما يحسن أن نختم به هو الإشارة إلى أن نقد العمل الإسلامي لا يعني نقد الإسلام، الإسلام فوق النقد فهو من الله تعالى لا يمكن أن يكون فيه نقص أو خلل أو اضطراب، وإنما النقد يتجه للعمل البشري الذي يحاول تطبيق الدين وفي محاولته قد يخطئ فيكون النقد، لذلك لا ينظر لمن ينقد الفعل البشري أنه ينقد الدين فبينهما فرق كبير. أقول هذا لأن بعض الناس يختلط لديه الأمر فيجعل من فعله وقوله دينا، فلا ينتقد، وهذا المفهوم خاطئ لا يصح. ومن ضرورة النقد أن يكون موضوعيا بعيدا عن تصفية الحسابات وإنما يقصد تقويم وتصحيح العمل لا غير.
الأديب الكبير زكي مبارك اضطر أن يرد على صديقه الأديب الكبير أحمد أمين، في جنايته على الأدب العربي، وقد فصل زكي مبارك بين الباحث والصداقة، فتعامل مع أحمد أمين خلال نقده كباحث، دون أن يسيء الأدب في لفظه أو يتجاوز في نقده، ودون أن تمنعه الصداقة من النقد الصادق لصديقه. وهذا يدل على خلق زكي كبارك الرفيع.
يقول زكي مبارك: “انتهيت من محاسبة أحمد أمين الباحث، أما أحمد أمين الصديق فله في قلبي أكبر منزلة وأرفع مكانة، ولن يراني إلا حيث يحب في حدود المنطق والعقل، وسلام عليه من الصديق الذي لا يغدر ولا يخون”.
انظر للحياة بعين التفاؤل لترى الأمل في كل ذرة في الوجود.
::مما قالوا::
اقرأ! لا لتعارض أو تدحض رأي غيرك، ولا لتؤمن به أو تسلّم له، ولا لتجد فيه موضوع حديث وكلام، ولكن لتزنه وتعتبره.
فرنسيس بيكون
::مما قالوا::
ليس العالم هو الذي يعطي أجوبة صحيحة، وإنما هو الذي يسأل الأسئلة الصحيحة.
كلود ليفي شتراوس
في هذا الزمن .. آمالنا تذوي .. وأحلامنا تتلاشى .. نعيش دون أمل ولا حلم.
دوما أهرب للماضي .. فأنا أعشق الحرية.
أقرأ كثيرا لدرجة فقدان التفكير ..
حين يصبح حديثك عن ذاتك .. يكون الحديث فاتنا.
كان لأبي الحسن الفالي الأديب اللغوي نسخة في غاية الجودة من كتاب الجمهرة لابن دريد دعته الحاجة إلى بيعها
فاشتراها الشريف المرتضى بستين دينارا فلما تصفحها وجد بها أبياتا بخط بائعها :
أنست بها عشرين حولا وبعتها ,,,, لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ,,,, ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية ,,,, صغار عليهم تستهل شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرة ,,,, مقالة مكوي الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ,,,, كرائم من رب بهن ضنين
فرد الشريف الكتاب عليه ووهبه المال .
[ وفيات الأعيان 316/3 ]
في كلام نفيس لابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر فيه سبب وقوع الناس في الحيل، يقول: ” ولقد تأملت أغلب ما وقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين.
إما ذنوب جوزوا عليها تضييقا في أمورهم، ولم يستطيعوا دفعه إلا بالحيل، فلم يزدهم الحيل إلا بلاء كما جرى لأصحاب السبت من اليهود، كما قال تعالى: “فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم” [النساء: 160] . وهذا ذنب عملي.
وإما مبالغة في التشديد لما اعتبروه من تحريم الشارع فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل؛ وهذا من خطأ الاجتهاد، وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحل له وأدى ما وجب عليه، فإنه لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبدا، فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج. وإنما بعث نبينا بالحنفية السمحة.
فالسبب الأول هو الظلم، والثاني عدم العلم، والظلم والجهل هو وصف الإنسان المذكور في قوله تعالى: “وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا” [الأحزاب: 72]”.
الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/29)
مضى على اغتيال زوجة عصام العطار : بنان” 39 سنة ولا زال زوجها يذكرها ويحن عليها
فيقول بأسى:
ما زال جرحك في قلبي نزيف دم
ولك أن تتعجب .. مع مضي السنون لازال جرحه ينزف فأي امرأة هذه التي لم يقوى على نسيانها! وأي وفاء هذا الذي يحمله في قلبه! .. لا زال قلبه ينزف دما، لم يبرأ جرحه ولم يندمل بل لا زال وصب، وما بالك بقلب قد نزف دما ولم يبرأ؟ فلن تزيده الأيام إلا اتساعا حتى يبلى ذلك القلب السقيم.
ثم يعود ليخاطب “بنان” ناسيا جرح قلبه .. قائلا بأسى:
بنانُ يا أُنس أيامي التي انصرمت
وليس يومك في قلبي بمنصرم
كانت بنان هي أنسه، وهي سلوته في دهره، وحين يذهب الأنيس، يذهب معه حسن الأيام وبهائها، ولكن أيام “بنان” كانت في قلبي صاحبها، وحين تسكن الأيام القلب فإنها لا تبلى، فلا يجري عليها الحدثان، فلا مغيب الشمس يخفيها، ولا شروقها يحرقها، بل باقية ما دام ذاك القلب ينبض بذكرى تلك الأيام.
ولكن تأخذه الحسرات على بنان، فينادي بألم..
بنان لقد طال الفراق وأوحشت
دروبي ولكن المهند ماضيا
ها هو يشتكي من طول الفراق، ووحشت البعد، فلم يعد أحد يأنسه ولم يبق له رفيق درب يخفف وطئت المسير، فدروبه صارت موحشة قفرة، ولكن ما عساه أن يفعل وقد حكم القدر وذهب من في القلب وقر .
فيعود لبنان ليناديها فلعل صرخات ومناجاته تصل إليها فيقول:
أناجيك من دنيا الفناء وقد مضت
سنون ووجدي ما علمتِ وحاليا
أي تجلد هذا! وأي تعلق هذا! ها هو يناجيها وقد مضى على رحيلها أعوام مديدة، فلا زال يشعر بالوصل والقرب، فالموت إن غابها جسدا لم يغبها وجودا في ذاكرته، لا زال الوجد كما هو، لا زال الحال كما هو .. وحاله كما قال:
وحيد فما أختار بعدك خُلة
عليل وما أرضى بغيرك آسيا
لقد آثر الوحدة على صحبة غيرها، لقد آثر أن يبقى على ذكراها حتى وإن سقمه المرض وعلته الأوجاع، فلن تسلى نفسه بغير بنان.
قال فرويد: “عندما تستعيد ذكرياتك في يوم من الأيام، يفاجئك أن سنوات المشقة كانت أجمل سنواتك”.
::مما قرأت::
لا يجد رجل واثق من نفسه حاجة إلى البرهنة أنه واثق من نفسه. هناك مثل أمريكي يقول: “أصغر الكلاب أشدها نباحا”.
ليت من عاتب أن يتلطف في العبارة، فغلظة العتاب أشد وقعا على النفس من السياط، وليت من نحب إن عاتب لا يكثر، إذ يكفي من المحب همسة، فيغض الطرف مرات ويعاتب مرة، فأخشى أن زاد العتاب أن يورث في القلب جمرة لا تطفئها كلمات الوداد. وقد قيل قديما: ترك العتاب عتاب.
عبارات العتاب مهما ترققت، وتعطفت كلماتها، ولانت حروفها، يبقى لها ألم وجرح قد يطول التئامه، ومرد ذلك: أنها جاءت من حبيب، وكلمات من نحب لا تُنسى وهذا سر ألمها، فهي تُبقى في الذاكرة لا تمحى، وبقاءها يُشقي ويُؤلم.
تمر أحيانا على الإنسان فترات قاتمة، يشعر فيها ببؤسا خانقا، وتصيبه غشاوة تمنعه من رؤية النور في الأفق، وتسيطر عليه الأوهام، فيمتلئ قلبه يأسا مميتا، وتشاؤما حانقا.
ولو استسلم الإنسان لهذه النزغات لدمر نفسه بنفسه، ولهوى في عذاب داخلي مهلك، ولأصبح رجلا تعيسا لا تساوره أي رغبه في النهوض والتغيير، فيؤثر الاعتزال على المخالطة، إذ يرى أن الحياة قد تكدر صفوها وذهب حسنها.
هذه اللحظات القاتمة التي تمر على الإنسان إن لم يتجاوزها لهلك وأهلك غيره، وتجاوزها يكون بمعرفة أن الحياة هذه طبيعتها، فسنة الله أنها لا تبقى على حال، وأنها لا تسير على وتيرة واحدة، ولا تأتي وفق الهوى، فاصبر وصابر ولا تحزن.
يشتكي دوستويفسكي من الرقابة والناشرين، فقد بعث رسالة لأخيه ميشيل قائلا: “إن هؤلاء الرقباء الخنازير قد أجازوا نشر الفقرات التي استهزئ فيها بكل شيء حتى لقد يشتمل ظاهرها على زندقة وتجديف، فلما انتهيت من كل ذلك إلى ضرورة الإيمان بالمسيح أوقفوني عن الكلام”.
هل ما نفكر فيه هو ما نتلفظ به؟
هل ما نقوله حقيقة يمثل أفكارنا؟
أظن هناك فرق بين قولنا وأفكارنا .. قولنا هو محاولة نقل ما نفكر به، وهذا النقل قد يكون نقلا قاصرا، فلا ينقل حقيقة أفكارنا كما هي بصورة مطلقة، فنحن نعمل على تحويل الفكرة التي في أذهاننا إلى لفظة يدركها الآخر، وهذا التحويل يعتمد على أمرين: مقدار ما نملكه من مفردات قادرة على احتواء أفكارنا كما هي. وعلى وعي المتلقي وما لديه من خبرات ومفاهيم ومفردات.
هذه العلمية المعقدة تكوين بصورة سريعة دون تروي وهذا ما يجعل هناك احتمالية الخطأ أكبرى، أي في نقل الفكرة لألفاظ تدرك. ويزيد من نسبة الخطأ أنه في أحيان تكون الفكرة غير واضحة في الذهن، فيكون نقلها غير واضح لأنها هي غير واضحة.
هذا الأمر يجعل هناك نسبة من الشك ولو بدرجة ما إلى أن أفكارنا تختلف عن منطوقنا، ومما يدل على ذلك أيضا هو أننا أحيانا نحاول نهذب الفكرة كي يكون لها قبولا، وهذا التهذيب هو من أجل المتلقي، فيكون هناك تعديل لفظي يجعل قولنا يختلف عن فكرتنا.
هل هذا الأمر يجعلنا نقرر أن هناك مسافة بين الفكرة واللفظة؟ التطابق الكلي يكاد يكون متعذر، وذلك أن ما في الذهن غير مدرك واللفظة مدركة، وعملية التحويل من عدم الإدراك للإدراك لا يجعل التطابق كلي؛ بل لابد من نسبة تفاوت نتيجة هذا التحول.
هل هذا الأمر يعتبر تناقضا بين ما في الذهن وما ننطقه؟ ليس هناك تناقضا، وإنما هي محاولة سعي للتوافق، ولكن التوافق المطلق متعذر، فلا يكون هناك تناقض وإنما توافق قاصر لا يصل لدرجة التطابق الكلي.
إدراك هذا الأمر، يجعلنا في حالة عذر لأنفسنا ولغيرنا في حالة عدم فهم فكرة الآخرين، فالمتلقي هو أيضا يعمل على تحليل وتفكيك وربط وفك وبناء صورة معتمدة على الألفاظ قد يخرج بصورة مغايرة كليا عن الصورة التي في ذهن المتحدث.
حين لا يميز الإنسان بين ما يأخذ وما يدع يقع في مأزق “التردد” فتقل لديه بواعث الإقدام، وتزداد حيرته، ويتأرجح بين ذا وذا فيقف حائرا غير قادر على حسم الأمر، وما يلبث هذا الوقوف والتردد أن يزعجه ويزعج من معه، وغالبا من تردد في أمر فإنه يحجم عنه ولا يقدم، وذلك طلبا للسلامة وإثارا للراحة.
إن العجز عن سرعة اتخاذ القرار يسقط في بؤرة التردد والجمود، ويصبح كل شيء لديه محير، ولا يقف المتردد عند حالة معينة؛ بل يسري تردده في كبار الأمور وصغارها، فيتردد فيما يلبس، وفيما يأكل .. وإن اتخذ قرارا ندم وتحسر فهو دائما في حالة موازنة ومفاضلة لا تنتهي. فلا يقرر ولا ينفذ إذ يذهب به خياله في كل صوب فيبقى حائرا عاجزا عن اتخاذ القرار.
الخطأ جزء من الحياة، وابتغاء الصواب دائما يصيب المرء بالجمود والإحجام، فعلى المرء أن يعمل ويتخذ قراره ويمضي؛ فكثرة التردد داء يقعد المرء عن العمل.
في هذا العصر المادي القاسي أحوج ما يكون الإنسان إلى الرفق والرحمة، فقسوة الحياة وشقوة الدنيا لا يمكن تجاوزها وتفاديها إلا بشيء من الرحمة لتبقي بعضا من البسمة. فحين تفقد فيها الرحمة وتتلاشى فيها المحبة تكون الحياة أقسى من الموت.
ومن جمال الحياة وحسنها أن تلقى أخا تقاسمه اتعابك، فتطرح له أثقالك، وتبث له آلامك، فالقلب يحتاج ليد رقيقة حانية تنعشه وتبقيه ينبض أملا وسعادة. وعادة القلب لا يبث ما به إلا لقلب امتلأ حباً وعطفا، فيبوح ما به من وجد، ويذكر ما شجاه وأضناه… فلنكن قلوبا تلك القلوب الحانية.
قال مالك بن نبي رحمه الله: “إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده ونملأ به نفسه”.
أحاديث الفتن والمحن تفت في عضد المرء إذا لم يكن ذا قوة وجلد، فهي تسري في الجسد، فتأتي على مناطق النشاط فتضعفها، وعلى مساحات التفكير فتغلقها وتسدها، حتى يكون خليا من العمل والفكر، لا تستعذبه أحاديث الانتصار ولا تبهجه أقوال الظفر والنجاح، قد تآكل من الداخل وتفتت، فالفواجع والمحن تذيب القلوب وتفتت الأكباد وتطفئ جذوة الممانعة والمدافعة.
الفتنة موطنها صغير ولكنها تتسع وتنتشر بأقوال الناس وأحاديثهم، فلا تترك بيت إلا دخلته، حتى يظن المرء أن الفتنة عمت وطمت، فصيبه العجز والخور، لذلك كان من الفطنة لمن علم من نفسه أن أحاديث الفتن تكسره وتقعده، أن لا يصغي لها ولا يشاهدها وأن يبقى بعيدا جانبا عنها كي يظل واقفا قارا ساكنا لا تموج به الفتن.
لا يمكن أن يكون الإسلام غريبا في كل الأرض، أو ذليلا في كل الأرض، فقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة”. فلا بد من وجود طائفة على الحق أعزاء مادامت الحياة.
وهذا الحديث رسالة للمتشائم الذي ظن السوء، إذ ظن اندراس الدين، فالله لا يخلي الزمان من أهل الحق ينصرون الدين ويحفظونه نقيا صافيا كما أنزله الله تعالى. وقد بوب الخطيب البغدادي لهذه المسألة بقوله: “ذكر الرواية أن الله تعالى لا يخلي الوقت من فقيه أو متفقه”. فالأمة بمجموعها معصومة عن إضاعة الحق.
مما أُخذ على ابن الأثير رحمه الله تعالى أنه ذكر بعض علماء الشيعة الإمامية من المجددين، وهذا خطأ كبير من ابن الأثير رحمه الله تعالى، فعلماء الشيعة وإن وصلوا في العلم غايته لا يعتبرون من المجددين بتاتا، إذ كيف يكون مجددا وهو يخرب الدين؟ كيف يكون مجددا وهو يميت السنن ولا يحييها؟ كيف يكون مجددا وهو ينشر البدع والخرافة؟ التجديد هو إحياء ما اندرس من الدين، والشيعي يحرف ويغيير في الدين فلا يكون مجددا. إذ أهم شرط في المجدد هو نصر السنة وقمع البدعة. فيكون التجديد خاص في أهل السنة لا غير.
تغير الزمان وتغير الأحوال سنة ربانية، فمن التفت للتاريخ وجد أن حياة الناس في حالة تغير، ولا تخلو من ابتلاء وجفاء، وما أن تتزين الحياة يوما ويكتمل حسنها إلا ويعقبها من الشدة والكرب ما يذهب ذاك الحُسن، فهي بنيت على كدر ولم تبن على صفاء دائم، ولا نقاء خالد، فنضارتها وبهائها سريع الاضمحلال والزوال.
فسنة الحياة أنها متقلبة بين الخير والشر، “وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون” ولعل من شقاء المرء أن لا يدرك هذه السنة الربانية في طبيعة الحياة، فهو يريدها دائما مليحة خالية من الهم والكدر، ومن جهل هذه السنة، توهم وظن حين تقبل السيئات والكدرات أنها باقية على الدوام، فيزاد همه وضيقه، ويتملكه اليأس والقنوط، ويستسلم للهموم، ويصبح عاجزا عن مواجهة الحياة، لتوهمه أنها وصلت خط النهاية.
إن أكثر ما يقضي على الإنسان ليس الفتن، مع أن الفتن مقلقة، فكم اسهرت عيونا وايقظت جفونا، ولكن من جهل سنن الله تعالى في الوجود، سينظر للحياة بعين مجردة من حكمة الله تعالى، وينظر لم يجري فيها من أحداث أنها أحداث كلية باقية لا يقدر على زوالها أحد، فجهله بسنن الله يزيد في قلقه وحيرته، لذلك كان معرفة سنن الله تعالى مطلب شرعي لا يجب تركه، كي لا يسقط المرء في اليأس والقنوط، ونحن نجد في القرآن الكريم تردد ذكر الله تعالى في السير في الأرض “قل سيروا في الأرض …” وهذا السير هو دعوة ضمنية لاكتشاف ومعرفة سنة الله تعالى في خلقه.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: “إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما على حكم ما، … فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال، وإن ما ثبت فهو ثابت أبداً في كل زمان وفي كل مكان وفي كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال آخر”.
الإحكام في أصول الأحكام (5/711)
منذ أكثر من مئة سنة تساءل المسلمون هذا السؤال: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟
وإلى الآن والسؤال لازال قائم: لماذا تأخرنا؟ ما أسباب تخلفنا؟ وهذا السؤال كان مبعثه صدمة الواقع، فحين رأى المسلمون الحضارة الغربية ومقدار تجاوزها للحضارة الإسلامية المعاصرة انبثق هذا السؤال، فالتقدمي الغربي هز العقل المسلم وحركه من الداخل ليتساءل ويعي ذاته.
وعلى مدار قرن من الزمان تعددت الأجوبة وتنوعت، ولكن لم نصل بعد إلى حل عملي لهذا التردي الحضاري، وأعتقد أن الجواب على هذا السؤال سيبقى معلقا مالم يتحول السؤال إلى الأمة وليس إلى النخبة، فلا بد أن يكون هذا السؤال سائدا بين عامة الناس كي يوقظ شعورها بالمسؤولية وتشعر أنها مسؤولة عن تقديم حل لهذه الأزمة التي طال أمدها.
حين يكون الهم الفكري والثقافي سائدا بين الناس فإن الأمة ستصحو من غفوتها، وستكون قادرة على البحث عن مخرج لأزماتها المتكررة، ولكن حين يكون الهم الحضاري ساكنا في عقول فئة بسيطة فإن التردي الحضاري سيطول، وسيبقى دور الإصلاح محدودا عاجزا عن التغيير الإيجابي الفعال.
أرى الحياة ألحانا ندونها كآبة وحزنا حينما نكون تعساء، وندونها ألحانا عذبة موسيقية حينما نكون سعداء، فليس للحياة خط لحني فريد نتغنى به دوماً؛ بل نوتات متنوعة الإيقاعات، نشكل أنغامها لتهزنا بقدر ما تهزنا الحياة، فنكتب لحنا زلالا رقيقا أو لحنا كئيبا ثقيلا، لحنا يطربنا ويسعدنا أو يبكينا ويحزننا.
من بؤسنا أننا إذا كنا سعداء لا نشدو ولا نتغنى لأننا نرى الحياة مثلنا لحنا عذباً مأنوساً، فنصمت لنسمع ما تشدو به الحياة من ألحان عذبة رقيقة، نبقى صامتين نتطرب لهذه الأصوات الجميلة، لا نشدو ألحاننا الجميلة فجمال الوجود يغنينا عن التغني.
وحين نكون تعساء ننحب بصوت شجي هائج مائج مختلطا مع صرخات ما حولنا التي امتلأت عويلاً وبكاء، فتعلو أصواتنا الكئيبة مع أصوات ما حولنا رثاء ونواحا، فلا نسمع للوجود صوتا يبهجنا ولا ترنيمات تنشينا؛ بل تأوهات وأنين يدوي مسامعنا. وبمقدار علو انتحابنا وبكانا وأصوات بؤسنا بمقدار ما تزداد تعاستنا ليمكث معنا حزننا وألمنا أطولا أمدا، حتى تكاد التعاسة والنحيب تكون جزءا من ذواتنا، فنظن أننا هكذا خلقنا تعساء.
أفكارنا هي التي تمزقنا وتشقينا، نرى البؤس في كل شيء، نراه في ذواتنا ونراه في كل ما يحيط بنا، حتى غدونا لا نتسلى إلا بشقاء أنفسنا وشقاء من حولنا، تلاشت من أذهاننا كلمات الأمل والفرح وبقي لدينا فائض من عبارات اليأس والقنوط نفيض بها على من يجالسنا. أصبحنا نرى من ألقى علينا حديث اليأس أنه حصيف الفكر سديد الرأي نصغي إليه بلهفة وتوق، فألحان الشقاء لها وقع جميل في أسماعنا، نصنع البؤس بأيدينا لنطحن أنفسنا ونسحقها ونبقى أسارى لليأس والقنوط، أصبحنا نتبادل حديث اليأس حتى يأسنا من بعضنا ويئست الدنيا منا ومن حديثنا.
إن كان الوجود قاتماً أفلا نضيء نوراً يبدد هذه العتمة التي تتراء لنا! أفلا نكون مصدراً للأمل في زمن اليأس! ألا نكون شعاعاً يبعث سنا يزيل ظلمات القنوط! ألا نشرق أسارير الاستبشار والغبطة لمن حولنا! كل ما أخافه أن نزيد العتمة سوادا وظلمة، فقتام الليل لا تجليه النفوس اليائسة.
أدام الله لكم سعادتكم.
من العبارات المدمرة لرقي العقل وانطلاقه عبارة “ليس بالإمكان أحس مما كان” فهذه العبارة أوقفت العقل عند نقطة زمنية تاريخية لا يمكن أن يتجاوزها، ولن يكون هناك أحسن منها في المستقبل، فهي حكمت حكما قاسيا أنه لن يكون أفضل مما جرى، فمنعت العقل من البحث عن الابداع.
إصدار أحكام كلية كهذا الحكم، يجعل العقل يتقوقع وينحصر حتى يصيبه الشلل الفكري فيكون عاجزا عن تقديم حلول إبداعية لمشاكله الآنية؛ إذ قد سلم أنه لن يكون هناك أفضل مما كان، فالبقاء على ما كان هو الأسلم والأفضل.
تقفيل الواقع، وإغلاق المستقبل أمر مشين، فهذا يمنع المصلحين والمبدعين من ابتكار حلول وإيجاد أفكار ابداعية لم يسبق لها من قبل، علينا أن نتيح للعقل أن ينطلق ويبتكر دون الحكم عليه بالعجز وهو لم يمارس الفعل. علينا أن نحرر العقل من عبارات النقص والازدراء ونطلب منه الانطلاقة ضمن إطار الشريعة ومرجعياتها الفكرية والعقيدية كي نحقق رقما في هذا الوجود.
كنت إذا كتبت شيئا يساروني الندم على الكتابة .. لأسباب عدة، فعدم الاتقان أحيانا، وأحيانا عدم الإلمام، ولكن وجدت أن الندم لن يتركني وسيهلكني وستكون عاقبته ترك الكتابة، فقررت أن لا أندم على شيء كتبته، وأن أي شيء اكتبه عليّ أن لا أعيد قراءته وأن أنساه وأذهب لكتابة فكرة أخرى، فكان ذلك أريح لنفسي.
ولعل من الآفات النفسية أيضا المتعلقة بالكتابة هو انتظار ردة فعل الناس عما تكتب، فهنا تكون المحرقة، ويكون الهلاك! فمن أرخى أذنه لم يقوله الناس عن كتابته فقد قضى على قلمه، ولن يقوى أن يكتب مرة أخرى، فالناس نفوس متباينة وأفكار شتى، فإرضاءهم محال، وطلب رأيهم دوما أمر مزعج لهم وممل، لذا كان أجمل ما يكون هو إرضاء ذاتك وكفى، والأجمل أن تكتب وتنسى ما تكتب، فلو بقيت تتذكر ما كتبت اتعبت ذاكرتك وأقلقت نفسك.
ربما إحدى مشاكلنا الفكرية هي التبسيط..
فنرى كل شيء بسيطا، حتى القضايا المعقدة نراها بسيطة ونتعامل معها وفق هذه الرؤية التبسيطية، وغالبا ما تختزل القضية في عبارة: “الأمر بسيط، ما يحتاج هذا التعقيد”.
هذه الرؤية التبسيطية جعلتنا لا نفهم الأمر على حقيقته، وجعلت قدرتنا الفكرية غير قادرة على النفاذ في أعماق القضايا؛ بل نكتفي بالرؤية السطحية التي من خلالها نصدر حكمنا وغالبا ما يكون خاطئا؛ بل ومدمرا.
ومن علامة الرؤية التبسيطية هي الاستعجال في الحكم، استعجال دون تروي وتأمل وبحث، لهذا لا تستغرب حين تذكر في مجلس ما قضية معقدة للغاية عجزت العقول عن حلها أن تسمع مباشرة حلا لها، وهذا لا يدل على القدرة العقلية بقدر ما يدل على السذاجة الفكرية والسطحية المعرفية. فالاستعجال في فهم المشكلة وفي حلها آفته أنه يولد مشكلات أخرى.
كثير من القضايا تتطلب خلفيات علمية ومعرفية، وبعضها يتطلب ممارسة عملية كي تفهم غورها وتدرك أبعادها، لذا نحن بحاجة أن نقف كثيرا قبل إصدار أي حكم في قضية شائكة، أن نقف نتأمل في القضية ذاتها، وفي الأثر المترتب من أحكامنا، فلو منحنا أنفسنا فرصة التأمل لحققنا نوعا من الصحة في أحكامنا بل وتصوراتنا.
فلاسفة الغرب يزدرون من المرأة، ويجعلونها في رتبة أدنى من الرجل، فالمرأة في الغرب في صراع من أجل تحقيق وجودها الإنساني، ودعونا نذكر بعض أقوال فلاسفة الغرب نحو المرأة:
أفلاطون: يصنف المرأة في درجة دنيا مع العبيد والأشرار والمرضى.
ديكارت: من خلال فلسفته الثنائية التي تقوم على العقل والمادة: يربط العقل بالذكر ويربط المادة بالمرأة.
كانط: يصف المرأة بأنها ضعيفة في تكوينها ككل، وبخاصة في قدراتها العقلية.
جان جاك رسو: يقول المرأة وُجدت من أجل الجنس، ومن أجل الإنجاب فقط.
فرويد: رائد مدرسة التحليل النفسي، يرجع كل مشاكل المرأة إلى معاناتها من عقدة النقص تجاه الذكر.
الاستقلال الفكري أمر مهم كي لا تنزلق القدم، وينجرف الفكر مع الأفكار المنحرفة، فغالبا الذين تجرفهم التيارات المنحرفة هم الذين ليس لديهم قدرة على الاستقلال الفكري.
ولكن تبقى المشكلة: كيف يكون للشخص البسيط القدرة على الاستقلال الفكري فهو لا يملك الأداوت الفكرية التي تجعله مستقلا بفكره؟
الأمر ليس بذلك التعقيد، عليه أن يعمل عقله في كل قضية، فيرى هل هذا الأمر أو المسألة صحيحة أم خاطئة بالنظر العقلي. ثم يسأل ويناقش حول الأفكار التي تعرض عليه، فالنقاش يولد لديه قدرة من الفهم تساعده على تكوين تصور صحيح، فلا يقبل فكرة دون مناقشتها، وخصوصا الأفكار الغريبة والجديدة، فعليه أن يكثر التساؤل حولها، فإذا بان له عورها وعدم صحتها تركها، وإذا ظهر خلاف ذلك تبناها.
التعبير عن مشاعرك أمر جميل للغاية، ولكن الخطير في الأمر أن تكون تلك المشاعر جارحة، فإذا رأيت أن مشاعرك سيتألم منها غيرك، فلا تعبر عنها، اكتمها تخلص منها لكن لا تلقيها في وجه الآخرين كي لا تجرحهم وتحطمهم.
ومقولة: “ما في قلبي على لساني”، مقولة خاطئة، فليس كل مافي القلب يجب أن يكون على اللسان، بل ما يكون على اللسان هو الحب والتقدير والاحترام والقول الحسن.
اكتشاف اللحظات السوداء في حياتنا أراه مهما كي يتم ردم تلك اللحظات وإلقاءها بعيدا عن الذاكرة.
اللحظات السوداء إن لم نسعى لردمها فإنها ستعاود الظهور مرة أخرى، في لحظات نكون فيها غافلين عنها وعن كل البقع في حياتنا.
التنقيب في الذات واستخراج ما فيها من ملوثات ضرورة لمن أراد الهناء والبعد عن الشقاء، وقد تكون المعضلة ليس في التنقيب عن الحفر السوداء في حياتنا ولكن في كيفية التنقيب وكيفية الإزالة والاستبدال.
::محاورة الكتاب تزيد الاستيعاب::
تولّد القراءة بطبيعتها إشكاليات معرفيَّة، فحين يُحاور القارئ المقروء ويجادله، فإنه يجد جمًّا من الأسئلة المعرفية، بعضها يُشكل عليه ويحيره، وبُروز أسئلة محيِّرة ليس ذلك خللًا فكريًّا أو نقصًا معرفيًّا لدى القارئ، بل هذا نتيجة قراءة واعية، ولكن الخلل أن يقرأ كتابًا ثم لا تظهر لديه أي تساؤلات.
وحين تتوارد الأسئلة على الذهن، فإنَّ الفكر يتحرك، والعقل يَنشَط، وتكون قوة وحركة الذهن بمقدار قوة الإشكالات والتساؤلات، وهي لحظة قوية ترعب القارئ الهزيل، فيترك القراءة؛ مخافة أن تظهر له أسئلة يَعجز عن مواجهتها، فيفضِّل أن يبقى ذهنُه ساكنًا؛ كي لا يصاب بقلق معرفي، فيهجر الكتاب ويترك القراءة.
هذا الهروب والانزواء المعرفي هو داء بذاته؛ فهو تحصُّن بالجهل، والجهل لا يحمي المرء، بل يقتله ويُرديه في متاهات أشدَّ مما يحذر، فالسلامة في الإقدام والولوج في بطون الكتب، ولكن عليه أن يختار أنسبها لعقله وفكره، فما كلٌّ لديه القدرة على أن يقتحم ما شاء من الكتب، ويخرج منها سليمًا معافى.
والمعرفة ليست فقط ما يتلقَّاه المرء من علوم؛ بل هي أيضًا ما ينتجه الذهن من أفكار نابعة من تساؤلاته وتأملاته، والإنسان حين يقرأ لا يبحث عن الحيرة والإرباك، بل يقرأ ليتخلص من الحيرة، أو بعبارة أخرى ليجد جوابًا لأسئلة ذهنية مُسبقة، وطبيعة القراءة الواعية أنها تبحث عن الحقيقة، فيقرأ بتأمل وتدبُّر، فتتولد لديه أسئلة يثيرها الكتاب، وهكذا كل قراءة ناضجة تثير أسئلة، وتجيب عن أسئلة أخرى.
والكتاب الذي يجعل القارئ في حوار مستمر هو الذي يحتاجه القارئ، وأما الكتاب الذي لا يثير الذهن ولا يجعله يتساءل، فهو إمَّا لا يستحق القراءة لأنه لم ينقل القارئ من مستواه المعرفي الذي هو فيه، أو أن التعامل مع هذا الكتاب كان بطريقة خاطئة؛ فهناك من الكتب ما لا يصح قراءتها دون قلم وورقة وحضور ذهن، فالكتاب الساكن البارد غالبًا ما يتوقف القارئ عن قراءته، وقد يجعله يزهد في القراءة.
الكتاب بطبيعته صامت، ولكنَّ القارئ الجيِّد هو الذي يجعل كتابه يتحدَّث معه، فيُحوِّل القراءة الراكدة إلى تيار متدفق من الحوار والجدل المثمر، فالقارئ المتبصِّر يسأل عن معاني الكتاب ما تعني؟ ويسأل عن المقاصد والمآلات التي يطرحها الكتاب، فيسأل ماذا لو؟
ومن الطرق الجميلة في محاورة الكتاب أن تضع نفسك مخالفًا للكتاب ولو من باب الجدل، فتجعل نفسك الشخص المقصود بالكلام، فتحدث المخالفة عمدًا وقصدًا؛ كي تثير الكتاب، ولتجد طريقًا يقودك نحو أعماق الكتاب، وكي ترتقي لديك درجة النقد؛ فالنقد يكشف لك مواطن القوة والضعف في الكتاب، ولا يتولد النقد إذا كنت مستسلمًا مذعنًا لكل ما يقول، بل لن يهبك الكتاب كل ما فيه حتى تهزه أنت قبل أن يهزك، وتحاوره قبل أن يحاورك.
إننا نجعل لعالمنا مغزى بجرأة أسئلتنا وعمق أجوبتنا.
كارل ساجان
هناك سذاجة فكرية لمن يعتقد أن المستقبل قادر على اكتشاف كل المشكلات العلمية، وأن الإنسان قادر على تقديم حلول لتلك المشكلات. هذا وهم كاذب نتيجة أن الإنسان جعل من نفسه مركزا ومحورا للكون. هذا الوهم تولد من طغيان العقل البشري ونسيان أن اكتشافاته ومعرفته لا تكاد تبلغ شيئا.
لا زال الإنسان يجهل ذاته، فهو عاجز عن اكتشاف حلا لأمراض مهلكة كالسرطان والإيدز والسكري الخ، وعاجز عن علاج الأعصاب وتلف الخلايا العصبية، فما يجهله الإنسان في نفسه كبير وعميق، فما بالك بما كان خارج هذا الإنسان، فهو أشد جهلا. والشيء المؤلم أن يأتي هذا الإنسان العاجز يتعالى على الله تعالى ويظن استكبارا أنه يستغني عن الله تعالى، وفعلا “إن الإنسان ليطغى”.
لا تعش حياتك بدون أحلام تسعى لتحقيقها، حياة بدون أحلام حياة بائسة. أحلامنا تجعل للحياة معنى.
قال شكسبير في مسرحية هاملت : “العادة ماردٌ جبَّار يلتهم العقل التهاما”.
عبارة عجيبة، وقد صدق فالعادة تسيطر على العقل وتتغلب عليه، فتجد العبقري يفقد عبقريته بسبب عادات بيئية وعادات سلوكية شلت عبقريته، لبقاء العقل ملهما يجب أن يكون حرا من سيطرة العادات السلبية.
السأم حين يخالط النفوس، فإن عزيمة النفس تبرد وهمتها تفتر، ولا تجد في حديثه مع الناس ما يدعو للفرح والسرور بل زفرات متصلة وأنات متقطعة، وإذا بلغ السأم حدته أصابته وحشة فلا يأنس بأحد، وأصبح كل شيء يبدو في عينيه شيئا واحدا.
إن السأم داء يفتك بالمرء، وكان التغلب عليه وطرده هو بعث للحياة في النفس، وما رأيت طريقة أجمل من التنوع والتغيير في الحياة، فبقاء الإنسان على حال واحد لا تغيير فيه هو مدعاة للسأم، فالتغيير في أسلوب الحياة من حين لآخر يجعل النفس في حالة تجدد ونشاط، فالنفوس من طبيعتها أنها تحب التغيير فإذا فقدت التغيير في حياتها ذبلت وأصابها السأم والملل، فلا تجعل حياة رتيبة تسير في رتم لا يتغير؛بل أجعلها دوما في حالة إثارة وتحدي وبحث دائما عن الجديد.
كثير من الناس تتحكم المخاوف في حياتهم، كل شيء يفعلونه ينتظم حول تجنب الأخفاق أو الفشل، فهم يرغبون دوما أن يكونوا في المنطقة الآمنة، بدلا من التحدي لتحقيق أحلامهم، فهم يبحثون عن الأمان بدلا من اقتناص الفرص.
مؤسس IBM توماس واتسن قال مرة: “إذا أردت أن تنجح أسرع؛ فإنه يجب أن تضاعف معدل إخفاقك”.
حين ترغب في عمل ما، ثم تشعر بالخوف من الفشل، فلا تستجيب لمشاعرك، اتجه لتحقيق ما تريد فالتغلب على مخاوف الإخفاق يكون بالاقدام، وثق تماما كل عمل ناجح سبقته مخاوف من الفشل لكن الناجحين لا يستسلمون لمشاعرهم السلبية.
فائدة ذكرها ابن قيم في بدائع الفوائد (3/178):
“قال قائل: أراني إذا دعيت باسمي دون لقبي شق ذلك علي جدا، بخلاف السلف فإنهم كانوا يدعون بأسمائهم.
فقيل له: هذا لمخالفة العادات؛ لأن أُنس النفوس بالعادة طبيعة ثابتة، ولأن الاسم عند السلف لم يكن عندهم دالا على قلة رتبة المدعو، واليوم صارت المنازل في القلوب تعلم بأمارة الاستدعاء، فإذا قصر دل على تقصير رتبته، فيقع السخط لما وراء الاستدعاء، فلما صارت المخاطبات موازين المقادير شق على المحطوط من رتبته قوة كما يشق عليه فعلا”.
قال علي بيجوفيتش: “حين نعلم الإنسان التفكير فإننا نحرره، وحين نلقنه فإننا نضمه للقطيع”.
“غالبا كل المشاكل الشخصية في سن المراهقة تتجذر فيما يسميه علماء النفس بالحب المشروط، الطفل في حاجة للحب كما أن الورد بحاجة للماء، فعندما يشعر الطفل بعدم الحب فإنه يشعر بعدم الأمان فينخرط في سلوكيات تعويضية لتعوضه القلق الداخلي. هذا المعنى في حرمان الحب يظهر في السلوك الخاطئ، ومشاكل شخصية، ونوبات من الغضب، واكتئاب، ويأس، ونقص في الطموح، ومشاكل في العلاقة مع الناس”.
في هذا الزمان يعيش المرء بين سندان الخوف ومطرقة القلق، وسر ذلك، أنه أصغى لكل حديث مريع مخيف؛ أصوات مخيفة تطرق سمعه كل لحظة، تفجعه تخوفه تحزنه تحرقه وهو يصغي متلهفا غير محجم، أصوات بشعة لو كان بالمرء صمم لسمع ضجيجها ودويها.
وليس اللوم لتلك الأصوات، ولكن اللوم لمن أرخى أذنيه لكل ناعق، فهو يجز ويحز رقبته بيديه، يوقع نفسه في شرك الخوف والقلق، ويسقطها في التيه والحيرة، فيتشتت فكره، ويتفرق ذهنه، حتى لم يعد شيء يلهيه أو ينسيه، همٌ يلازمه، فيجأر بالشكوى ويهتف بالنجوى، ولكن لا شيء يؤنسه، وكان يكفيه أن يسد أذنيه ويريح باله.
من إحدى السلبيات المنتشرة أن الإنسان لا يستطيع أن ينظر للمشكلات من حوله بمعق بل يكتفي بالنظرة الأولية البسيطة وينشأ حكما من تلك النظرة العجلى.
التعمق والتبصر أمر لازم لمعرفة مواطن الخلل والضعف، وبداية الفهم والوعي تأتي من التحرر من السلبيات التي تربى عليها الإنسان كالعجلة في الحكم وبناء التصورات على ما يبدو من الوهلة الأولى، المشكلة إن لم تفهم على حقيقتها وتحلل وتفكك تركيباتها وإلا فإن الأمر سيبقى مستعصيا على تقديم حل لتلك المشكلة.
للأسف هناك من لا يستوعب تبدل أحوال الناس وتطورهم من حالة إلى حالة، ويصارع ويقاتل من أجل عدم التغيير، لا بد أن ندرك أن لكل عصر طبيعته وتكوناته الثقافية والفكرية، فالتغيير أمر لا مفر منه وهو لا يحدث فجأة وإنما يسير ببطء بحركة لا تكاد تدرك.
يقول ابن خلدون في مقدمته: “من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام، وهو داء دوي شديد الخفاء، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة. ومن هذا الباب ما يتوهمه المتصفحون لكتب التاريخ، إذ سمعوا أحوال القضاة وما كانوا عليه من الرياسة في الحروب، فتترامى بهم وساوس الهمم إلى مثل تلك الرتب، يحسبون أن الشأن في خطة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه من قبل..”
أزمة المثقف العربي اليوم، أنه غير قادر على بناء منظومة فكرية شاملة قادرة على استيعاب الماضي والحاضر، نراه اليوم عاجزا عن تقديم شيئا جديدا لهذا العصر، فهو إما أن يعيش عالة على فتات الغرب، أو يتقوقع في الماضي يكرر المكرر.
تحديد سبب ذلك أمر معقد للغاية، فلا يمكن أن يكون السبب شيئا واحدا بل هي أسباب كثيرة، لا يمكن تجاوزها إلا بإرادة صادقة وعقلية فذة وتجرد كامل، فلا ريب أن مشكلة العقل العربي لا تكمن في قدراته وإنما في إرادته ورغبته.
الخرافات لا تنتهي، فمهما بلغ العقل من الرقي فتبقى الخرافة حاضرة في الوجود، بل قد تكسب الخرافة نوع من القداسة وينظر لها على أنها معجزة ربانية.
الخرافة هي كل ما نافض الدين وناقض العقل، ففي الغرب بعض الأوربيين يرى أن كب الملح نذير سوء. وأن اجتماع ثلاثة عشر شخصا على مائدة واحدة مؤذن بأن واحدا منهم سيموت في العام نفسه. فالخرافة لدى كل الأمم والشعوب ولا يمكن أن تتلاشى، فالجهل يغذيها والمصلحة تنميها.
ومما أدهشني، أنني رأيت مقطع فيديو يتصل فيه الشيعة بالحسين فيرسلون له رسائل عبر الجوال، فذهلت حقيقة، كيف يقبل المرء الخرافة ويعتقدها دينا؟ هكذا الخرافة تفعل في نفوس العامة فعل السحر، فهي تقوم مقام الآيات والأحاديث، إن لم يفقهوها في بعض الأحايين، وإذا سلب المرء العقل سهل تقبل الخرافة والإيمان بها.
الأفكار السلبية التي تولدها مواقف ومشاعر سلبية لن تسفر إلا عن نتائج سلبية… إن أجسادنا تدرك وتعي أفكارنا فإن كانت الأخيرة سلبية تجاوبنا معها بالشكل السلبي الذي يوافقها.
ستسفر طريقة التفكير السلبية حتما عن نتائج سلبية. فإذا ظننت أنك ستفشل، ستفشل فعلا. أما إذا كنت مصمما على عدم الفشل فإنك ستكون قادراً بدرجة أعلى على اتخاذ إجراءات تبعدك عن الفشل.
قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: “ومن طلب الحق في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الأقاويل، فيبقى متحيرا، أو مائلا إلى بعض الأقاويل بالتشهي”.
من المهم أن تعرف ما تريد .. فبدون معرفة ما تريد فإنك لا تستطيع تحديد معنى النجاح. معرفة ما تريد يعني أن تضع لك أهدافا تريد الوصول لتحقيقها.
كن في حالة تساؤل دائم: ماذا أريد؟ فهذا السؤال يجعلك في حالة يقظة، ويحيي في نفسك إرادة الانجاز.ِ