لعل من محاسن المرء ألا يبحث عن استحسان الناس، إذ لو فعل لدخل في دوامة لا نهاية لها، وها أنا ذا يغشاني شيء من العذاب إذ أريد أن أطلق سراج قلمي واترك له العنان يقول ما يشاء، ولكني عدت فلجمته وقيدته، فأخشى أن صال وجال قال ما لا يستحسنه الناس، فالناس تريد الحركة منضبطة ولا تميل لشيء غير مألوف.
تركت القلم بالكلية وأخذت كتابي لأكمل قراءتي ونفسي تنازعني للكتابة، وأشد ما يكون عليّ حين أكره نفسي على القراءة وهي غير راغبة، فلا استسيغ الكلمات التي اقرأها ولا أنفذ لأي معنى مختبئ بين السطور، طاوعت نفسي وتركت الكتب وعدت لأحمل القلم لأكتب ما يختلج في نفسي دون مبالاة للناس، فانطلق القلم يسابق أفكاري فيكتب شيئا وأفكاري تقدح شيئا حتى إذا ذهبت سكرة الكتابة، سكن القلم وترجل عن الأوراق وتنحى جانبا تاركًا لي فرصة لأقرأ ما دوّن، فرأيته قد رسم شيئا غريبًا ولم يكتب كعادته وإنما رسم جسدا جميلا مكتملا متناسقا في تكوينه، كأن الرسمة صورة فوتوغرافية، غير أنك تجد فيها تجويفا، فتبدو لمن يتأمل فيها بدقة عالية فيها ثقوب لا تبدو من بعيد، يبدو من خلال الثقوب أن الجسد مجوف لا قلب فيه ولا دماء، فذهب ذاك الحُسن الذي بدأ لي في الرسمة من الوهلة الأولى، وانتابتني بدلها دهشة من هذا الجسد الذي اكتمل حسنه من الخارج وفسد شكله من الداخل، قلت لنفسي: هل هذا عبث من القلم حين منحته حريته؟ أم أنني استعجلت على القلم ولم أدعه يكمل ما بدأ؟ لا أعلم.
حملت القلم مرة أخرى لأدعه يكمل ما رسم فقد أكون استعجلته، تركته يعود ليرسم مرة أخرى، فرأيته يتحرك بثقل وشدة لم أعهدها عليه، ومكثت انتظر ينهي ما بدأ، وبالكاد تحرك ورسم، حتى إذا تثاقل الوقت علي، أوقفت القلم ووجدته فرحا بهذا التوقف، وكأنه يريد ذلك من قبل، وضعته جانبًا وعدت لأرى ما رسم، فتعجبت أنه لم يقترب من الجسد، ولكنه رسم حفرا سوداء أمام الجسد، ورسم سوارا بجانبيه، حتى أصبح الجسد وكأنه في سجن فلا يملك إلا أن يبقى الجسد واقفًا أو يسير للأمام، ولو سار للأمام سقط في الحفر السوداء المخيفة، ولو مكث واقفًا سقط من الأعياء، فأصبح الجسد لا قيمة له مع حسنه وكمال صورته، بقيت حائرًا متسائلًا: هل يغني هذا الكمال في الجسد شيئا وهو لا روح له؟ ولو عادت روحه وتهيأ للمسير فإنه لن ينتفع من روحه العائدة شيئا، فسيسقط في حفرة لا قعر لها، هل هناك مخرج لهذا الجسد؟
حملت القلم مرة أخرى وقلت لعله يرسم مخرجًا أو يضع حلًا؛ فأنا أصبحت عاجزًا عن التفكير، تركت القلم ليرسم مرة أخرى ولكن هذه المرة كان القلم أشد تثاقلا، حتى لا أكاد أراه يتحرك، مكثت وقتا مديدًا انتظر حركته، فتحرك بثقل وكأن حركته جاءت على استحياء أو جاءت بعد تأمل طويل، فكأنه مثلي كان تائهًا، ولكنه مضى يرسم بثقل وانا أُصبَر نفسي حتى ينتهي، وحين رأيته توقف ولم يعد يفعل شيئا، أخذته ووضعته جانبًا، وعدت لأرى ما رسم، فلم أجد شيئًا كبيرًا سوى أنه رفع بصر الجسد للسماء، فترك الجسد النظر للأرض فلم يعد يرى الجسد الحفر، وأخذ يتلفت للسماء، تأملت في الصورة كثيرًا ثم تركتها جانبا ورفعت بصري للسماء.