تولستوى، والذي جعله بعض الكتاب أعظم كاتب في اللغة الروسية، كانت لديه أسئلة وجودية مقلقة، حتى أنهم وجدوا له قصاصة ورق أحصى عليها “الأسئلة المجهولة”:
- لماذا أعيش؟
- ما سبب وجودي ووجود كل إنسان؟
- ما الغرض من وجودي أو من أي وجود آخر؟
- ما دلالة الخلاف الذي أشعر به في داخلي بين الخير والشر، ولأي غرض يوجد هذا الخلاف؟
- كيف يجب أن أعيش؟
- ما الموت، كيف يمكنني أن أصل إلى النجاة؟
هذه الأسئلة أسئلة كبرى، حين يعجز الإنسان عن وضع إجابة لها فإنه سينزع نحو العدمية، وسيرى الوجود عبث لا غاية حكيمة من وجوده، والكاتب حين يكون قلقا مضطربا حائرا سيذهب قلمه في اتجاهات كثيرة، وسينحو مناحي متعددة، ليس من أجل الإبداع القلمي؛ ولكن من أجل الخروج من المأزق الفكري، ومحاولة الخروج هذه قد تقوده لمتاهات أخرى أشد ظلمة وأقسى مسلكا… لذا لا تعجب أن وجدت غموضا في كتاباتهم، فهم قد لا يتعمدون هذا الغموض، ولكن الأمر ليس واضحا لديهم فيعجزون إجبارا عن تقديم صورا خالية من الغموض.
ويقوده ويدفعه الغموض لأن يغوص في الكتابة لعله يجد لنفسه طريقا ومنهجا يريح نفسه القلقة، ولكن عجزه يزداد، فيحيط به اليأس من كل مكان في اكتشاف أجوبة واضحة، فيهرب من هذه الأسئلة الوجودية لأن بقاءه في محاولة معرفة الأجوبة لا طائل من وراءه إلا الموت والعذاب… والنتيجة أن يعيش في صراع مع ما حوله من مناهج وأفكار، فينشر قلقه واضطرابه بين الناس وما يزيده ذلك إلا تدميرا ذاتيا، فالمخرج ليس في نشر القلق ولكن إزالة القلق والتخلص منه.
ولعل البعض يتساءل: ما المخرج؟ كيف ندفع هذه الأسئلة؟
المخرج هو في التوافق مع الفطرة البشرية، هو في عدم قبول المتناقضات العقلية، فالمؤمن بالله تعالى يجد المخرج في الوحي الكريم، يجده بينا واضحا مجيبا على الأسئلة الكلية الوجودية، وغير المؤمن مطالب أن يبحث عن الحقيقة وألا يبقى في عذابه، ومعرفة الحقيقة تتطلب تجردا ورغبة صادقة، فليست الحقيقة صعبت المنال، ولكنها تنال بالسعي إليها، ولو كانت معرفة الحقيقة متعذرة لسقط التكليف عن الإنسان.