ترجمة مبارك عامر بقنة
تركز رؤية ما بعد الحداثة في أن الواقع لا يمكن معرفته ولا وصفه بموضوعية. وهذا يتناقض مع رؤية الحداثي الذي يرى أن الواقع يمكن فهمه بشكل موضوعي. في هذه المقالة القصيرة سوف نشير لنشأت ما بعد الحداثة ووصف استجابة المسيحية لها.
القرون الوسطى (800-1500 ميلادية)
نحن بحاجة للعودة للخلف إلى العصور الوسطى في أوروبا لنرى كيف تطورت أولاً الحداثة نفسها؛ كي نفهم صعود النظرة العالمية لما بعد الحداثة.
كان المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى جماعياً ومؤمناً وثابتاً. كان جماعيا لأن شعور الفردية القوي لم يكن موجودا بعد. حيث عاش الناس من أجل الله والملك في عالم مليء بالواجبات. وكان مؤمناً لأن ما حدث في الحياة أخذهم لمرحلة العودة إلى الدراما الإلهية، كوساطة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وكان أيضا ثابتاً لأن الناس تقبلوا بشكل كبير وضعهم في المجتمع. مع إن كمية التفكير الخلاق المحدود والتسليم السلبي للمصير أعاقا حل العديد من المشاكل.
نهاية القرون الوسطى – عصر النهضة (1500 م)
تغيرت عقلية القرون الوسطى مع مجيء عصر النهضة عام 1500م. فخلال عصر النهضة، اُكتشف التعليم الكلاسيكي وبدأت حقبة جديدة من التعلم. أيضا، طور بعض الأفراد كفرانسيس بيكون (1561-1626) المنهج العلمي، مما جعل العالم يُفهم بطريقة جديدة.
بدأت الإنسانية في المجتمع الأوروبي تحل محل الايمان بالله. كما أن دور العقل أعاد تأكيد نفسه وبدأ تطبيق منهجية علمية جديدة – أولا لفهم العالم، ثم تطويره – وهي الاعتقاد المتفائل بظهور التقدم، بالإضافة على ذلك زيادة الثقة في قدرة الإنسان على حل المشاكل.
أصبحت الفلسفة نفسها تركز على الفرد. خلال عصر النهضة، وجد رينيه ديكارت (1596-1650) ما اعتقد أنه الموضوعي والأساس المؤكد للمعرفة في الفرد. وهو عدم قبول أي موروث من الماضي، والتشكيك في كل حقيقة، واستخدم ديكارت عملية الشك ليكتشف إذا كان هناك شيء لا يستطيع الشك فيه.
انتهى ديكارت بأن هناك شيء واحد لا يمكن الشك فيه – هو وجوده. ومن ثم، أسس فلسفته الجديدة على بديهيته الشهيرة، كوجيتو، “أنا أفكر، إذن، أنا موجود”.
في تحديد الواقع من حيث التفكير الذاتي، رأى ديكارت أنه اكتشف أساس الحقيقة اليقيني والموضوعي.أعتقد أن الفرد كفاعل مراقب العالم كمفعول. هذا الفهم اللطيف طابق الأسلوب العلمي الجديد في البحث، حيث أن رؤية المراقبين وبموضوعية تسعى إلى قياس ما يحدث في العالم. وأصبحت فلسفة “ديكارت” الجديدة مؤثرة بحيث وضعت جدول أعمال فلسفي للفترة الحديثة برمتها.
لذلك، نما العالم الغربي متجاوزا القرون الوسطى، إذ تحولت رؤيته عن كونها جماعية إيمانية وثابتة لكونها فردية على نحو متزايد وعلمانية وتقدمية.
التنوير (1650-1800 م)
بدأت الحداثة مع النهضة وحققت ازدهارها في وقت مبكر في ظل التنوير.
التنوير -الناشئ عن نظرة عصر النهضة المبني على الإيمان بقدرة الإنسان، والمنهجية العلمية، ويقينية المعرفة -كان حركة واثقة ومتفائلة بشكل كبير برؤية خلق عالم متطور قائم على العقل. وهو كحركة، انطلقت في الأوساط الغربية من حوالي 1650م إلى تقريباُ 1800م.
كان أعظم شخصية في التنوير إسحاق نيوتن (1643-1727). اكتشاف قوانينه في الحركة جعلت الناس ينظرون إلى الكون على أنه كيان يعمل بطريقة منظمة وفقا للقوانين الطبيعية.
تطورت النظرة الحديثة بدمج الكون النيوتوني ويقين الفلسفة الديكارتية والإيمان بها بطريقة منظمة. تدرك الحداثة العالم بأنه يمتلك واقع موضوعي يمكن اكتشافه على وجه اليقين من خلال الملاحظة والعقل.
تأثير عمانوئيل كانط على الحداثة
بكل وعوده، جاء عصر التنوير إلى نهاية مفاجئة عندما رفع الفلاسفة المتشككين مثل ديفيد هيوم (1711-1776) أسئلة جدية حول قدرة الذات على فهم الواقع بموضوعية.
هددت شكية هيوم بانهيار الرؤية الحداثية الوليدة. ولكن تم انقاذه، في ذلك الفترة، من قبل ايمانويل كانط.
أنشأ إيمانويل كانط في رده على هيوم (1724-1804) أسسا جديدة للمعرفة. وبشكل أساسي، يقول كانط في عمله البارز، نقد العقل الخالص، أن المعرفة تعتمد على بنية العقل. ونحن قادرون على الفهم بسبب فئات الواقع الموجودة داخل عقولنا التي تولّد تصورا نشطا. يفترض كانط أن هذه الفئات، عالمية فهي نفسها لدى جميع الناس. وبالتالي، فإننا جميعا ندرك العالم بنفس الطريقة.
أراد كانط توفير الأساس للاعتقاد بالإيمان بالحقيقة الموضوعية. ولكن أثارت فلسفته سؤالا يطرح نفسه “كيف نعرف حقا إذا كان التصور الناتج عن العقل يتوافق مع الواقع؟”
لا يقدم لنا كانط إجابة وافية عن هذا السؤال. لذلك، على الرغم من أن فلسفته سمحت لعصر الحداثة بالمواصلة عن طريق الحفاظ على الايمان بالحقيقة الموضوعية، هي أثارت أيضا سؤالا حرجا أدى في النهاية إلى ظهور ما بعد الحداثة.
فريدريك نيتشه
فريدريك نيتشه (1844-1900) هو الشخص الأكثر مسؤولية في نقل التفكير الفلسفي إلى ما بعد الحداثة. رفض تماما نظرية كانط في الفئات المتعالية، والتي من المفترض أن تكون مشتركة من قبل جميع الناس، حيث يستنتج نيتشه أن الحقيقة ليست أكثر من وهم.
يرى أننا كلنا نبني عالمنا الخاص وفقا لتصوراتنا. ليس هناك حقيقة موضوعية، فقط تصوراتنا لما هو الحق. عقولنا لا تشترك في الفئات المشتركة. بدلا من ذلك، توجد الحقيقة فقط داخل سياقات لغوية محددة التي نبنيها وربما نتقاسمها مع الآخرين. الحقيقة هي مجاز، هي وهم من تصورنا، الذي يبدو حقيقيا فقط لأننا أصبحنا متألفينا معه.
في حين جعل ديكارت التفكير الذاتي لتكون ملاحظة الكون موضوعية، وعزز كانط هذه الفكرة، يقصي نيتشه الذات بفعالية من وسط الواقع الموضوعي. فهو قوّض الحداثة وأثار بعض القضايا الأكثر أهمية وتأثيرا والتي طوّرت لاحقا إلى ما بعد الحداثة.
فلاسفة ما بعد الحداثة
بعد نيتشه، اشتبك الفلاسفة مع مشكلتين رئيسيتين والتي أدت إلى ما بعد الحداثة.
المشكلة الأولى وهي مع التأويل -التفسير النصي. كان يسأل: “كيف لي أن أعرف التفسير الصحيح للنص؟” واختتم هانز جورج غادامير (1900-2002) أن المُفسر لا يمكن يفهم بموضوعية عقل وقصد الكاتب الأصلي للنص بدقة. بل، يظهر المعنى لنا من النص حين نندمج في حوار معه.
المشكلة الثانية هي اللغة. كان يسأل: “هل يمكن اللغة أن تصف الحقيقة بموضوعية؟” خلص لودفيج فيتجنشتاين (1889-1951) إلى أن اللغة لا يمكن أن تصف الحقيقة بموضوعية. وهذا بسبب كما يقول، كل لغة مشروطة اجتماعيا. ونحن نفهم العالم فقط فيما يتعلق بلغتنا -بمعنى، لغتنا والبنية الاجتماعية. وفقا لفيتجنشتاين، الحقيقة، كما نتصورها، هي نفسها بناء اجتماعي.
بالإضافة إلى هذين السؤالين الفلسفيين، والأجوبة المُعطاة لها، والتطورات في مجال الفيزياء أيضاً عززت رؤية ما بعد الحداثة.
في عهد طويل من علم الكونيات النيوتنية، كان من السهل الإيمان بالعقلانية والمطلقات. ولكن في القرن العشرين، تخلوا عن علم الكونيات النيوتنية ليحل محلها نظرية النسبية ونظرية الكم، وتغيرت الطريقة التي ينظر فيها للعالم الآن. وفي وقت مبكر عام 1925 أعرب برتراند راسل أن الرؤية الأولية للناس أصبحت تستخدم فكرة النسبية، وهذا من شأنه أن يغير إلى الأبد طريقة تفكيرهم. وسيتخلون عن الإيمان بالمطلقات والبدء في اعتبار جميع المفاهيم نسبية.
أشار راسل أيضا أن الأمر يتطلب بعض من الوقت لمضامين علم الكونيات الجديد للتأثير على الفلسفة والمجتمع بشكل عام. بعد أينشتاين، جاءت شخصيات فلسفية عظيمة مثل ميشيل فوكو (1926-1984)، وجاك دريدا (1930-2004) وريتشارد رورتي (1931-2007) أسسوا على هذه التطورات ليحدوا الحدود الأساسية وقضايا ما بعد الحداثة. وبعد ذلك، في الآونة الأخيرة، أعادة أيضا ما بعد الحداثة تطويرها إلى القبلية، والتي يحدد الحقيقة في الأساس هي المجتمعات.
قيمة الحداثة وما بعد الحداثة
الحداثة وما بعد الحداثة كل منها صنعت مساهمات فريدة للمجتمع.
من خلال احترام دور العقل، شجعت الحداثة الناس على حل المشاكل التي قد سمح لها بالاستمرار في عهد القرون الوسطى. وعلاوة على ذلك، من خلال احترام الفرد، شجعت الحداثة تشكيل حماية حقوق الإنسان.
ولكن الأمور ذهبت بعيدا جدا. لأن الحداثة تحدد الإنسانية من حيث التفكير الذاتي، فهي فشلت في فهم العناصر غير العقلانية للطبيعة البشرية، بما في ذلك الروحية. كما أنها فشلت تماما في فهم حدود العقل والموضوعانية. في الواقع، الحداثة فككت إنسانيتنا عن طريق اقناعنا أننا مجرد ترس صغير في آلة كونية عظيمة. بواسطة تمجد الفردية وتحليلها، وهي أيضا أعاقت تطوير النهج العلائقي الشمولي في الحياة والعلاقات الإنسانية.
تسعى ما بعد الحداثة إلى تصحيح اختلالات الحداثة بتذكيرنا بأننا لا نملك إمكانات غير محدودة لفهم وتغيير العالم من أجل غاياتنا الخاصة بنا. بل؛ نحن موجودون في العالم وفيما يتعلق به.
المبالغة في رد فعل ما بعد الحداثة
ما بعد الحداثة هي رد فعل للحداثة. فهي تصحيح لمشاكل الماضي، ولكنها تجاوزت في رد الفعل لتلك المشاكل، مما أدى إلى المبالغة. لذلك، نقاط القوة الرئيسة لما بعد الحداثة هي فيما تصححه، ونقاط الضعف الرئيسة في الإفراط فيما تصححه.
دعونا نأخذ مثالا على ذلك. بمقتضى الحداثة، النظرية الحقيقة السائدة عُرفت كنظرية الحقيقة المتطابقة. يشعر بأن شيئا ما يكون صحيحا بقدر ما تتطابق مع الواقع الموضوعي الموجود في العالم. نظرية تطابق الحقيقة جعلت الناس يعتقدون أن الحقيقة العلمية تساوي الحقيقة المطلقة.
تصحح ما بعد الحداثة هذا عن طريق إنكار التكافؤ بين الحقيقة العلمية والحقيقة المطلقة. كل الخلاصات العلمية الآن فُهمت بأنها ببساطة تجريبية فلا أحد أبدا جعل من عدد لا حصر له من الملاحظات اللازمة ليعلم هل هناك أي استثناءات.
لذلك، ما بعد الحداثة تصحح الحداثة من خلال مساعدتنا على فهم حدود قدرتنا العقلية والمعرفية. إلا إن ما بعد الحداثة تجاوزت التصحيح بشكل كبير.
إنها تلتزم بنظرية الاقتران الحقيقة. وهو أن الشيء صحيح بالنسبة لنا فقط بقدر ما هو متماسك مع تصوراتنا الأخرى حول العالم. ولكن نظرية الحقيقة الجديدة هذه تجعل العلم يكون مجرد مجموعة من التقاليد البحثية المستقلة، لكل منها لديه منظوره الخاصة به وألعابه اللغوية. وهذا يمكن أن يؤدي إلى اللامعقول فهي تذهب إلى أقصى الحدود،
تهيمن ما بعد الحداثة المتطرفة على الفصول الدراسية، على سبيل المثال، التخلي عن المنهج الدراسي من أجل فقط جعل كل الجميع “يكتشفون الحقيقة بأنفسهم”، ما بعد الحداثة المتطرفة تقود إلى الانهيار الاجتماعي لأنها تقوض كل اللغة والمعلومات والإنجازات.
ما بعد الحداثة كانت صحيحة في نقد الحداثة واستنتاجها فإن نظرية التطابق الحقيقة محدودة. نحن نعرف الآن أن المنهج العلمي ليس قادراً على اكتشاف الحقيقة المطلقة.
ولكن ما بعد الحداثيين الذين يصرون بشكل واضح على المبالغة في رد الفعل على نظرية الاقتران في الحقيقة. المنهج العلمي لا يزال قادرا على التوصل إلى فهم معقول للكيفية التي يعمل بها العالم. ورغم وجود الأبحاث التقليدية والتجارب العلمية الصحيحة المتكررة، والوصفية، والتنبؤية -مما يجعلها مفهومة بشكل موضوعي من قبل جميع العلماء. إلا إننا بالكاد نعيش في عالم يريد فيه تقويض كل اللغة والمعلومات والإنجازات.